Category: مما قرأت

كل هذا الدم باسم ” الإسلام ” ؟! ينابيع داعش !…نشر في صفحة الميادين

بواسطة , 2017/04/14 6:35 صباحًا

4 نيسان/ أبريل 2017, 07:35م1218 قراءة
رفعت سيد أحمد

رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

أما بالنسبة لحرمة قتل المدنيين سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، فإن الله يقول (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة 190.وفي آيات القرآن الكريم نهي مطلق يفيد التحريم عن قتال من لم يُقاتل من النساء والأولاد والشيوخ والرهبان وكذلك أفادت الآية بمفهوم المخالفة، وهو حجة شرعية عند غير الأحناف، عدم قتل من لم يقاتلنا كالمرضى والصغار والنساء
لايزال (داعش) وأخواته يقدّمون أنفسهم باعتبارهم يمثلون صحيح الدين، والدنيا!

لايزال (داعش) وأخواته يقدّمون أنفسهم باعتبارهم يمثلون صحيح الدين، والدنيا!
منذ جاء هذا الربيع العربي (2011) وبعد اختلاط المفاهيم، وتحوّل الثورات المُزيّفة (خاصة فى سوريا وليبيا) إلى إرهاب مُمنهَج وإلى معامل لإنتاج الإرهابيين، منذ تلك اللحظات، والإسلام المُحمّدي، الذي نعرفه، يُستخدَم أسوأ استخدام من جماعات وشيوخ، ودول، لقد تمت إهانة الدين، بقرآنه وسنّته الشريفة، ونبيّه الكريم، أشدّ الإهانات من قِبَل داعش وأخواتها، وتحوّل على أيديهم إلى ظاهرة مُخيفة في أرجاء الدنيا، وألصقوا به ما ليس فيه من قبائح عبر ممارساتهم الإرهابية المُمتدة زمنياً من العام 2011 حتى اليوم 2017، وجغرافياً من العراق وسوريا مروراً بسيناء في مصر وانتهاء بليبيا ونيجيريا والصومال وغيرها.* إن الإسلام الذي قدّمته هذه التنظيمات، ليس هو إسلام محمّد بن عبدالله (صلّى الله عليه وسلّم) إنه نوع آخر من الدين، لا علاقة له بالاعتدال والسماحة والدعوة بالتي هي أحسن، ولا بالعدل والحق والإصلاح، بل والثورة كما أصلها الإسلام المُحمّدي الأصيل!.

* حول مخالفة داعش وأخواتها من جماعات ما يُسمّى بالربيع العربي دعونا نحرّر المسائل ونتحدّث عن (ينابيع) داعش التكفيرية والإرهابية وموقف الإسلام الصحيح منها.


أولاً : ينابيع داعش التكفيرية من هنا نبدأ :

في معركتها الأخيرة في الموصل، والرقة، لايزال تنظيم الدولة (داعش) وأخواته من النصرة إلى أحرار الشام إلى القاعدة في ثوبها الجديد، يقدّمون أنفسهم باعتبارهم يمثلون صحيح الدين، والدنيا!! وهو الأمر الذى ثبت عدم صحته والدليل نهر الدماء التي سالت خلال السنوات الست الماضية، لمسلمين أبرياء، لو كانت جماعات داعش والقاعدة مسلمة حقاً، لما سالت .. ولكنها يقيناً ليست من الإسلام في شيء!!.* إن أدبيّاتهم ووثائقهم وفتاويهم التي نشرت، وأمكن الوصول إليها، قامت أساساً على (التكفير) وتبرير الذبح، وليس على الإسلام، واليوم نقدّم قائمة بأبرز تلك الوثائق والكتب المرجعية، والتى منها كتاب إدارة التوحّش لأبي بكر الناجي، كتاب ملّة إبراهيم لأبي محمّد المقدسي، كتاب معالم في الطريق لسيّد قطب مع حواشي ومقدّمات داعشية جديدة تُلاءم المرحلة الراهنة التي يمر بها التنظيم، كتاب فصول في الإمامة والبيعة لأبي منذر الشنقيطي، كتاب مسائل من فقه الجهاد لأبو عبدالله المهاجر واسمه الحقيقي عبدالرحمن العلي وهو مصري الجنسية وله كتاب آخر إسمه (معالم الطائفة المنصورة في بلاد الرافدين)، كتاب دعوة المقاومة الإسلامية لأبو مصعب السوري، وكتاب رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إماماً للناس وهو من مأثورات وكتب جهيمان العتيبي قائد المُقتحمين للمسجد الحرام في مكّة عام 1979، وكتاب أهل التوقّف بين الشك واليقين ومؤلفه حلمي هاشم (مصري الجنسية) ويُكنّى باسم عبدالرحمن شاكر نعم الله، وكتاب (مد الأيادي لبيعة البغدادي)، وكتاب (أقلام الآنام بميلاد دولة الإسلام في العراق والشام) وهما تأليف أبوهمّام بكر بن عبدالعزيز الآثري، كتاب موجبات الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام وهو من تأليف أبوحسن الأزدي، كتاب المعارضون لدولة المسلمين تأليف أبو محمّد الأزدي، كتاب (البيعة ثم البيعة ثم البيعة) تأليف أبو يوسف البشير، كتاب تنبيه الأيام لما في التفرقة من آثام وأهمية التوحّد فى دولة الإسلام تأليف (أبو سعد العامل)، كتاب نصرة لإعلان دولة الإسلام متى يعرفون معنى الطاعة تأليف أبو المنذر الشنقيطي، وحامد العلم أصدر رسالته “رد الشبهات عن الدولة الإسلامية شرعية الدولة وصحتها”.

* لم ينته دور شيوخ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عند تقديم الدعم الفقهي للدولة الوليدة، إذ قاموا بدعم آخر حين أصدر أبو همّام بكر الأثري كتبه “تبصير المحاجج بالفرق بين رجال الدولة الإسلامية والخوارج” و”خط المداد في الرد على الدكتور إياد” و “الثمر الداني في الرد على خطاب الجولانى” في مهاجمة قائد تنظيم جبهة النصرة المناوئ لداعش، وأصدر أبو الحسن الأزدي “القائد الجولانى بين النصيحة والتغرير” وأصدر أبو محمّد الأزدي أيضاً “أحوال المعارضين لدولة المسلمين .. تأصيل شرعي” وأصدر أبو عبيدة الشنقيطي “رفع الحسام نصرة لدولة الإسلام” و “رفع الملام عن دولة الإسلام في العراق والشام” وأصدر قلم موحد “البصيرة في حقيقة المسيرة”.

* بدورها لم تتهاون الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش، عند إعلان تشكيل حكومتها عن تأسيس وزارة خاصة للأمور الفقهية والشرعية المتعلقة بالدولة. أطلق عليها اسم وزارة الهيئات الشرعية، وتولاها الوزير أبو عثمان التميمي، ووضعت هذه الوزارة كتباً جديدة تترجم الثوابت الشرعية لدى “داعش” مثل كتاب “لماذا نقاتل ومن نقاتل؟” و “الدستور ملّة الكفار” لأبو حمزة البغدادي، أو تلك الكتب الموجهة إلى تنظيم الدولة الإسلامية من الداخل مثل “غاية المجهود في نصيحة الشرط والجنود” لأبو همام بكر الأثري، و”إسكات الرغاء في صحة شروط الدولة للخضوع للقضاء” لأبو عبد الرحمن عبيدة الأثبجى، ويفيد بعدم شرعية خضوع أعضاء دولة داعش والمبايعين للقضاء المستقل أو التابع للأنظمة الأخرى، وكذلك القصيدة الشعرية الأشهر فى مدح الدولة الإسلامية في العراق والشام “يا دولة الإسلام نحن فداك” .

* بالإضافة إلى حرص “وزارة الهيئات الشرعية في الدولة الإسلامية بالعراق والشام” على أن تتضمّن إصداراتها المؤلفات الشرعية السابقة على تأسيسها، والتي صدرت في عهد أبو بكر البغدادي مؤّسس الدولة الإسلامية في العراق وأبرزها “لماذا الجهاد ضرورة ملحة؟” و”الموسوعة الأمنية” و”من خفايا التاريخ” عن قصة حياة أبو مصعب الزرقاوي، وكذا مؤلفات أبو حمزة المهاجر، وزير الحرب في دولة العراق الإسلامية (الذي قتل عام 2010)، “الدولة الدنيوية” و “الوصية الثلاثينية” لأمراء وجنود الدولة الإسلامية، و”النبي القائد” و “زاد المهاجر” وأيضاً مؤلفات أبو الحسن الفلسطيني “البشري المهدية لمنفذي العمليات الاستشهادية” و “ردود وتلميحات على منكري العمليات” وكتب ميسرة الغريب “إنما شفاء العى السؤال” و”كشف شبهات المرجفين والمخذلين عن الجهاد” ، وسلسلة “بدمائهم نصحوا” وأيضاً كتاب عز الدين الذراع الإعلامية الآن لداعش وفروعها كالاعتصام ووكالة الأعماق وغيرها، تحت وصاية ما يُسمّى بوزارة “الهيئات الشرعية”.


ثانياً : التكفير هو الأصل :

في كل تلك الإصدارات التي تعمّدنا تقديم وذكر أسمائها لاستزادة المعرفة لدى القارئ ولتوثيق دقيق لهذا الفكر ومرجعياته، كانت داعش وأخواتها من تنظيمات الغضب باسم الإسلام، تؤسّس لفكرة (التكفير) في ثوبها الجديد، وتعيد إنتاج تراث الخوارج وجماعات التكفير والهجرة والحشاشين مرة ثانية، وإن بوسائل اتصال حديثة وتقنية تلفزيونية متطوّرة، إن (الخلافة) التي استهدفت تلك الإصدارات إحياءها لها خلافة قائمة على الدم، والذبح، وتاريخ ووقائع ممارساتها منذ 2011 يؤكد ذلك ويغني عن أي بيان.

ثالثاً : موقف الإسلام الصحيح من هذه (الينابيع) التكفيرية التي آن لها أن تجفف من خلال الفقه الصحيح، والمقاومة العلمائية الجادة

يقول – الإسلام الصحيح – أن هكذا فتاوى تكفيرية وإرهابية، لا يقرّها لا القرآن ولا السنّة، بل يرفضونها تماماً، إن العلماء الثقاة من شتى المذاهب الإسلامية يجمعون على حرمة الدم المسلم وحرمة استهداف الأبرياء والمدنيين من غير المسلمين طالما لا يقاتلوننا، فقد حُرم قتالهم وأن من قتل نفساً واحدة كمن قتل الناس جميعاً، وأياً كانت التبريرات التي تساق هنا فإن الحرمة واضحة وحججها قاطعة، وفي هذا المعنى يؤكد الله سبحانه وتعالى على عقد الأمان والسلامة حتى للمشركين طالما لا يقاتلوننا فيقول (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)، فالتوبة والأمان من حق كل مسلم، شريفاً كان أم وضيعاً، فيصح الأمان لآحاد المسلمين رجلاً كان أو امرأة.
* إن من حق أى مسلم أن يدعو أو يستقدم أحداً من المدنيين بالضوابط والشروط التي تضعها الدولة لتنظيم هذه المسألة، فإذا أجازت الدولة هذه الدعوة أصبح واجباً على كل المسلمين الالتزام بعدم التعرّض لهذا المدعو بالاعتداء أو الأذى، والذي منح هذا الحق لكل واحد من المسلمين هو الرسول صلّى الله عليه وسلم، فقد قال : “المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم” رواه أبوداود.

وفي ذات المعنى يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : “ذمة المسلمين واحدة”، رواه البخاري والترمذي، وقال الإمام ابن حجر : “ذمة واحدة، أي أمانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له” فتح الباري.

وقد أجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم أمان امرأة من المسلمين، أي أنها أمنت رجلاً فمنع النبي صلّى الله عليه وسلّم التعرّض لهذا الرجل بسبب تأمينها له.

* وقد تكون هذه الصورة التي تمت في الماضي صورة غير مناسبة حالياً بعد تعقد الأوضاع واتساعها وانتشار الحروب، ومجيء داعش والقاعدة وأخواتهما، إلا أن موقف الإسلام المحمّدي الصحيح لايزال ثابتاً وصحيحاً، وهو حرمة عقد الأمان للمسلمين ولغيرهم .

أما بالنسبة لحرمة قتل المدنيين سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، فإن الله يقول (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة 190.

عن سعيد بن جبير وأبي العالية: المراد بذلك النهي عن قتال من لم يقاتل، وعن الحسن البصري، المراد بذلك النهي عن ارتكاب المناهي من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والشيوخ الذين لا قدرة لهم على القتال، وكذلك النهي عن قتل الرهبان وحرق الأشجار وقتل الحيوان من غير مصلحة. وللأسف ها هو عين ما قامت ولاتزال تقوم به جماعات (داعش والقاعدة وأخواتهما) في العراق وسوريا وسيناء!! .

* وفي آيات القرآن الكريم نهي مطلق يفيد التحريم عن قتال من لم يُقاتل من النساء والأولاد والشيوخ والرهبان وكذلك أفادت الآية بمفهوم المخالفة، وهو حجة شرعية عند غير الأحناف، عدم قتل من لم يقاتلنا كالمرضى والصغار والنساء، قال النووي : أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا (شرح صحيح مسلم للنووي).
* وبعد .. هذا غيض من فيض، فيض الإسلام الصحيح وموقفه الرافض للتكفير والذبح وإدارة التوحّش كما بشرتنا بها جماعة داعش وأخواتها، وهذا هو جزء يسير للغاية من موقف الإسلام الصحيح من منهج التكفير والذبح الذي أتت به (ينابيع داعش) ومرجعياتها سالفة الذكر.. إن الإسلام ينهى ويرفض هكذا أفكار وفتاوى، ومن ثم هو يرفض داعش، ويطالب بتجفيف منابع فكرها الشاذ، لأنه يسيء لصحيح الإسلام كما أتى به النبي الكريم محمّد (صلّى الله عليه وسلم)، والذى كان مستشرفاً وصائباً، في رؤيته المستقبلية حين تنبأ بأمثال داعش، وفقاً للحديث المروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه والذي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : “يخرج آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” (متفق عليه).وفي سنن أبي داود وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : “سيكون فى أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى فُوقه، وهم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، سيماهم التحالق”.

* وهل هنالك شك اليوم (2017) أن هؤلاء هم “داعش” ومن والاهم من دول وشيوخ، وأجهزة مخابرات. إننا أمام كل هذه الدماء التي أريقت خلال السنوات الست الماضية، نؤكد مجدّداً أن ما تقوم به داعش وأخواتها من الجماعات الإرهابية، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو سيناء في مصر هو الإرهاب بعينه ولا علاقة للإسلام به من قريب أو بعيد، هكذا نفهم ونؤمن، ومن ثم ندعو وبقوة إلى تجفيف ينابيعه الخطرة، ليس على الأوطان فحسب، بل على (الإسلام) المحمّدي الطاهر، نفسه. والله أعلم.

http://www.almayadeen.net/articles/studies/55015/%D9%83%D9%84-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%85—%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85——%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4–

ما سقط وقيل عن القرآن- الكاتب محمد عابد الجابري

بواسطة , 2017/03/20 8:43 مساءً

موضوع الزيادة والنقصان في القرآن، موضوع قديم كثر فيه القيل والقال. وقد تحدثت المصادر، السُّنية منها والشيعية، عن التحريف في القرآن، نذكر هنا ملخصاً لما ورد في الأولي علي أن نخصص المقال المقبل لما ورد في المصادر الشيعية.
تميز المصادر السُّنية بين الأصناف التالية من التحريف في القرآن:
- صنف يقع بالتأويل بمعني “نقل معني الشيء من أصله وتحويله إلي غيره”، أو بالنقص أو الزيادة في الحروف أو الحركات، وذلك كاختلاف القراءات، أو بـ”الزيادة والنقصان في الآية والسورة مع التحفظ علي القرآن والتسالم (عدم التنازع) علي قراءة النبي صلي الله عليه وسلم إياها”، وهذا مثل تسالم المسلمين في البسملة علي أن النبي قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة مع اختلافهم هل هي من القرآن أم لا. وهذه الأنواع من التحريف واقعة في القرآن ومعترف بها بصورة أو أخري من طرف علماء الإسلام تحت العناوين التالية: التأويل، الأحرف السبع، القراءات، مسألة البسملة… إلخ.
- وصنف يراد به القول بأن «بعض المصحف الذي بين أيدينا ليس من الكلام المنزل»، وهذا مرفوض بإجماع المسلمين (ينسب إلي فرقة العجاردة من الخوارج، أنهم رفضوا أن تكون سورة يوسف من القرآن، زاعمين أنها قصة من القصص).
وهذان الصنفان من التحريف لا يدخلان في موضوعنا هنا. إن ما يهمنا هنا هو ما يتصل بمسألة «جمع القرآن»، أعني ما يدخل في نطاق السؤال التالي: هل «المصحف الإمام» -الذي جمع زمن عثمان والذي بين أيدينا الآن- يضم جميع ما نزل من آيات وسور، أم أنه رفعت (أو سقطت) منه أشياء أثناء جمعه؟
الجواب عن هذا السؤال، من الناحية المبدئية، هو أن جميع علماء الإسلام، من مفسِّرين ورواة حديث وغيرهم، يعترفون بأن ثمة آيات، وربما سوراً، قد «سقطت» أو «رُفعت» ولم تدرج في نص المصحف. وفي ما يلي أنواع النقص التي ذكرتها المصادر السُّنية.
١- يقول القرطبي عند تفسيره لسورة الأحزاب، وعدد آياتها ٧٣ آية: “كانت هذه السورة تعدل سورة البقرة (وعدد آياتها ٢٨٦). وكانت فيها آية الرجم. وبعد أن يشير إلي أن هذا روي عن أُبي بن كعب، أحد كتاب الوحي وجامعي القرآن، يضيف قائلاً: «وهذا يحمله أهل العلم علي أن الله تعالي رفع من (سورة) الأحزاب إليه ما يزيد علي ما في أيدينا (منها)، وأن آية الرجم رفع لفظها» (وبقي حكمهاً سائراً). وروي أنّ عمر بن الخطاب، قال: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها، ونصها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم»، فإنّا قد قرأناها). وقيل إن عمر أتي بهذه الآية إلي زيد بن ثابت حين كان يجمع القرآن فلم يأخذها منه لأنه – أعني عمر – كان وحده، وزيد كان قد اشترط شهادة رجلين فيما يأخذ من الآيات.
وفي رواية عن عائشة أنها قالت: «كانت سورة الأحزاب تعدل علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب المصحف لم يقْدَر منها إلا علي ما هي الآن». وفي رواية أخري أنها قالت: «نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن (شاة) فأكلها».
٢- ويذكر القرطبي أيضاً في بداية تفسيره لسورة براءة (التوبة وعدد آياتها ١٣٠)، وفي سياق عرضه للروايات التي تتناول عدم وجود البسملة في أولها، رواية جاء فيها: «إنه لما سقط أولها، سقط (بسم الله الرحمن الرحيم) معه. وفي رواية أخري عن حذيفة أنه قال: ما تقرؤون ربعها: يعني براءة».
٣- وذكر السيوطي وغيره أن دعاء القنوت كان سورتين، كل سورة ببسملة وفواصل، إحداهما تسمي سورة الخلع، والأخري تسمي سورة الحفد. غير أن علماء السُّنة قد اعتبروهما ضرباً من الدعاء لا قرآنا منزلاً. وهما بالتتابع: أ) «اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك»، ب) «اللّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشي عذابك، إنّ عذابك بالكافرين ملحق».
٤- ورُوي أنّ عمر قال لعبدالرحمن بن عوف: “ألم تجد فيما أُنزل علينا: «أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة”، فأنا لا أجدها؟ قال: أُسقِطت فيما أسقِط من القرآن».
٥- كما روي عن حميدة بنت أبي يونس أنها قالت: «قرأ علي أبي، وهو ابن ثمانين سنة، في مصحف عائشة: إنّ الله وملائكته يصلّون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً وعلي الذين يصلون في الصفوف الأولي». قالت: «قبل أن يغير عثمان المصاحف».
٦- وذكر السيوطي في باب الناسخ والمنسوخ عن ابن عمر أنه قال: «ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله! قد ذهب قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر».
٧- ورووا عن أبي بن كعب قال: «قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ سورة: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين»، ومن بقيتها – وهذا غير موجود في المصحف – «لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علي من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره».
٨- وفي رواية عن أبي موسي الأشعري أنه قال: «نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمني وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله علي من تاب».

٩- وعنه أيضاً أنه قال: «كنا نقرأ سورة نُشبهها بإحدي المسبحات (السور التي تبدأ بـ«سبح» و«يسبح») نسيناها، غير أني حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة».

١٠- كما يروون عن عمر أنه قال: كنا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم».

١١- وروي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال ذات يوم: «أخبروني بآيتين في القرآن لم تكتبا في المصحف فلم يخبروه فقال، الأولي: «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون». والثانية “والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون” .

١٢- وفي الصحيحين عن أنس أنه قال: «نزل قرآن في الذين قتلوا في موقعة بئر معونة، قرأناه حتي رفع وفيه: «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».

١٣- وروي الطبري في تفسيره عن الحسن أنه قال في قوله تعالي: «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا”، قال: إن نبيكم صلي الله عليه وسلم أُقرئ قرآناً ثم نسيه فلا يكن شيئاً، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرؤونه. وفي لفظ آخر: «قال: إِن نبيكم صلي الله عليه وسلم، قرأ علينا قرآناً ثم نسيه». وعن ابن عباس قال: كان مما ينزل علي النبي صلي الله عليه وسلم، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله عز وجل: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها».

هذا ويعلل بعض علماء الإسلام من أهل السُّنة، ظاهرة سقوط آيات من القرآن، بكونها داخلة في معني النسخ. غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ذلك من النسخ، وقالوا: إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلي خبر الآحاد، والقرآن لا يثبت به، وإنما يثبت بالتواتر.
نقلا عن صحيفة «الاتحاد» الإماراتية

حكام القرآن وقضايا الحياة… الثابت والمتغيّر

تاريخ النشر: الثلاثاء 03 يوليو 2007

الآية الرابعة والأخيرة التي يعتمدها القائلون بالنسخ في القرآن هي قوله تعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” (الرعد 38- 39).

قد لا نحتاج هنا إلى الوقوف طويلاً مع هذه الآية، إذ من الواضح من السياق أنها جواب على ما ورد في آية سابقة تحكي تحدي قريش للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم بمعجزة، كأن ينزل عليه كنز أو يأتي معه ملَك، ذلك في قوله: “وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ” (الرعد 7)، ويأتيهم الجواب في الآية نفسها “إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ”. ثم تأتي الآيتان المذكورتان أعلاه (38- 39) لتقررا أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم لم يكونوا ملائكة ولا أناساً خارقين للعادة، بل كانوا كجميع البشر لهم أزواج وذرية ولم يكن في مقدور أي منهم أن يأتي بمعجزة أو ما في معناها إلا بإذن الله وفي وقت محدد سلفاً, وهذه الآيات/ المعجزات التي يأتي بها الأنبياء لإقناع أقوامهم، منها ما أثبته الله وقصَّه في رسالاته اللاحقة (كالقرآن)، ومنها ما لم يثبته. وهو يعلم هذا الصنف كما يعلم ذلك، لأن الكل مسجل في “أم الكتاب” وهو اللوح المحفوظ.

وهكذا يتضح أن قوله “يمحو” لا علاقة له بالقرآن ولا بكون بعض آياته تنسخ أخرى. وليس هناك في السياق ما يسمح بإقامة مثل هذه العلاقة. ومع أن بعض المدافعين عن وجود النسخ في القرآن يستشهدون بهذه الآية ليصرفوا معنى “المحو” فيها إلى “النَّسخ” فإن جُل المفسرين يذهبون إلى مثل ما قلنا أو قريباً منه (انظر ما ذكره الطبري في تفسيره). ونحن مطمئنون إلى صواب وجهة نظرنا هذه لأن القرآن يشهد لها بالصحة في آية أخرى هي قوله تعالى: }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ (فقصصهم وآياتهم بمعنى معجزاتهم مثبتة في القرآن) وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (وقصصهم ومعجزاتهم لم تذكر) وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ (معجزة) إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ{ (غافر 78).

يتضح من جميع المقالات السابقة التي خصصنا لمسألة النسخ أنه لا دليل في القرآن على وجود النسخ فيه بالمعنى الفقهي وأن حجج القائلين به، المستندة على الآيات الأربع التي حلَّلناها في المقالات الأخيرة لا تدل على ما يريدون إثباته بواسطتها إلا إذا سلخناها من سياقها وضمَّناها ما نريد. وهذا غير جائز. فالقرآن، ولو أنه نزل منجماً مُفرّقاً حسب مقتضى الأحوال، فإن لآياته سياقاً كما أن لها أسباب نزول. والعمل بأسباب النزول يجب ألا يعتدي على السياق. فأسباب النزول، كما سنبيِّن بعد، هي في نهاية الأمر روايات آحاد، وأكثرها ظنون وتخمينات. أما السياق فشيء معطى من القرآن نفسه. وهو توقيفي، لأن ترتيب آيات القرآن في جميع سوره ترتيب توقيفي. فإذا كان لا يجوز تغيير هذا الترتيب فلا يجوز أيضاً إهماله. والقرآن يفسر بعضه بعضاً ليس بالكلمات والألفاظ بل بالمعنى والسياق.

وواضح أنه يترتب على قولنا إنه لا دليل في القرآن على النسخ بالمعنى الفقهي، أنه ليس في القرآن الذي في المصحف آيات -أحكام أو أخبار- منسوخة، بمعنى أنها ألغتها آيات أو أحكام أخرى! كلا، ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ. كل ما هناك هو وجود أنواع من التدرج في الأحكام: من العام إلى الخاص، ومن المُطلق إلى المُقيَّد، ومن المُجمل إلى المُبيَّن، ومن المُبهم إلى المُعيَّن، هذا فضلاً عن ملاءمة الأحكام مع مقتضيات الأحوال، كأن يأتي حكم يراعي حالة المسلمين من الضعف أو غيره، ثم عندما تتحسن أحوالهم يأتي تعديل في نفس الحكم ليتلاءم مع المستجدات. وهذا لا يعني إزالة الحكم الأول ولا إبطاله بالمرة، وإنما يعني إعماله بصورة معدلة.

وإذن فنحن لا ننكر وجود آيات تنطق بأحكام عممتها آيات نزلت بعدها، أو خصصتها، أو قيدتها، أو فصّلتها، أو عدلتها، أو أجلتها، أو رفعت عنها التأجيل… الخ! نحن لا ننكر هذا! وهل يصح ذلك والقرآن نزل منجماً وفق مقتضى الأحوال، أي حسب تغير الظروف والمصالح وشؤون الحياة عامة. وإذن فما ندعو إليه هو فقط الاستغناء عن مقولة “الناسخ والمنسوخ”، التي تجعل الناسخ يحل محل المنسوخ ويبطل حكمه، وكأن المنسوخ كان خطأ أو أن إرادة الله قد تغيرت! كلا، إن أحكام القرآن كلها قائمة أبداً، لا تعارض فيها ولا تناقض ولا تجدد، بل التعارض والتجدد قائمان في الأشياء والنوازل، وليس في أحكام القرآن؛ وعلى الإنسان أن يجدد فهمه للأحكام حتى تتلاءم مع المستجدات.

وإنما نزل القرآن مفرقاً في مدى يزيد عن عشرين سنة لتكون أحكامه متلائمة مع تطور الحياة. وهو في جملته وتفصيله لا ناسخ فيه ولا منسوخ: }كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ (في منظومة كلية) ثُمَّ فُصِّلَتْ (عناصرها حسب مقتضى الأحوال) مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ{ (هود 1)، والقرآن، كليتُه ومفرَّقُه، واحد “لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد” (فصلت 42). وقد ذم الله “الْمُقْتَسِمِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ” يأخذون ببعضه ويتركون الباقي (الحجر 90- 91) وتوعَّدهم، وهذا ليس خاصاً بالعمل والسلوك فحسب بل يشمل أيضاً جميع أنواع التعامل مع القرآن، ويأتي في المقدمة فهم القرآن. فكل فهم لم يُبْنَ على مراعاة السياقات واستقراء الآيات الخاصة بموضوع واحد هو كالوقوف عند “ويل للمصلين”.

ومع أن القائلين بالنسخ في القرآن لا يدخلون جميعاً ضمن مفهوم “الْمُقْتَسِمِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ” ، فإن إعمال بعضهم لآيات وإهمالهم لأخرى تتصل بالأولى، عن قصد أو غير قصد، تصرف مخالف للقاعدة الكلية القرآنية التي تؤكد على وحدته وخلوه من الاختلاف: قال تعالى: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا” (النساء 82)، والمفهوم أنه من عند الله وأنه ليس فيه اختلاف، لا ناسخ ومنسوخ. وإذا كان القرآن ينص على أن فيه “المحكم والمتشابه” فإنه لا علاقة لهذا التصنيف مع التصنيف إلى ناسخ ومنسوخ. فليس الناسخ في حكم المُحكم ولا المنسوخ في حكم المتشابه، كما سنبين ذلك في حينه.

قد يتساءل بعض القراء وما الفائدة التي سنجنيها نحن أبناء القرن الحادي والعشرين من القول بعدم وجود النسخ في القرآن؟ والجواب أن الذي يطرح هذا السؤال قد يكون معذوراً لكونه غير مختص في المجال الذي نتحرك فيه وبالتالي فعليه أن ينتظر، لأن أي جواب الآن عن هذا السؤال سيكون قبل أوانه. أما أولئك الذين تستبد بهم “الأفكار المتلقاة”، فقد لا يستطيعون الانتظار لكونهم لا يختلفون في شيء -على صعيد المقارنة المنطقية على الأقل- عن أولئك الذين عنَّفهم القرآن مراراً وتكراراً لاحتجاجهم على ما أتى به من إصلاح وتجديد، بأن قالوا وكرروا القول: “إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ” (الزخرف 23)، و”قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا” (يونس 78)، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ونحن لا نريد أن نخوض سجالاً مع أمثال هؤلاء، فالنقاش يكون مع العلماء وليس مع الذين “لا يعلمون” ولا يعلمون أنهم “لا يعلمون”، ولا مع الذين ليس لهم استعداد للنظر واستئناف النظر “فيما يعلمون”.

ملاحظة: كان من المقرر أن ننتقل بعد قضية النسخ إلى مسألة أسباب النزول. غير أننا سنرجئ ذلك إلى حين. لقد ارتأينا –بمناسبة المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة حول قضية الصحراء المغربية، أن نخص هذه الجريدة بسلسلة مقالات نشرح فيها لإخواننا في المشرق أصول وفصول هذه القضية كما عشناها، بوصفنا أحد نشطاء الحركة الوطنية المغربية في الخمسينيات والستينيات، وأحد أطرها القيادية خلال السبعينيات من القرن الماضي، والمتتبعين لشؤونها إلى اليوم.

الشهادة والشهداء… و”الحور العين

تاريخ النشر: الثلاثاء 02 فبراير 2010

ما حملني على الخوض هنا في هذا الموضوع هو ما ورد في مقطع من فيلم بثته مؤخراً قناة فضائية عربية، يعرض صوراً لشبان يتهيأون للقيام بـ”عمليات استشهادية”، وهم فرحون مستبشرون، متباهون بكونهم سيجدون أنفسهم مباشرة بعد موتهم -بوصفهم شهداء- في نعيم الجنة بين “حور عين” وسيجدون فتيات “أَبْكَارًا، عُرُباً أَتْرَاباً”، كما هو مذكور في القرآن الكريم.

وهذا يثير ثلاثة تساؤلات: أولها، ما معنى الشهادة والشهداء؟ ثانيها، متى يكون نعيم الجنة وعذاب النار: هل مباشرة بعد مفارقة الشخص الواحد للحياة الدنيا، أم بعد خراب هذه الدنيا كلها بقيام الساعة وحصول البعث والحشر والنشور وبعد يوم الحساب؟ أما ثالث تلك التساؤلات فيتعلق بالمعنى الذي يجب أن نفهم به ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟

إن المرجع الوحيد في هذه المسائل الغيبية، التي لا مجال للعقل فيها ولا للتكهنات والتخمينات، هو ما يقوله علام الغيوب في الذكر الحكيم، فلننظر إذن فيما يقوله القرآن في هذه المسائل:

1- أما “الشهداء”، في هذا المقام فهم جمع شهيد، (والاسم الشهادة) وهم المقتولون في جهاٍد استكمل شروطه التي ذكرناها في مقال سابق (08-12-2009)، وفي مقدمتها أنها “حرب دفاعية عادلة تقوم على مواجهة عسكرية بين المُعتدَى عليه والمعتدِي ولا يُقاتَل فيها إلا الذين يشاركون في قِتال المسلمين”، دون غيرهم من النساء والشيوخ والأطفال والفلاحين والتجار وأصحاب المهن وغيرهم ممن يطلق عليهم اليوم اسم “المدنيين”… وقد وعد الله الشهداء بالتمتع في نعيم الجنة. والسؤال هنا: متى يبدأ نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؟

2- إذا نحن رجعنا إلى الذكر الحكيم نجد أن جميع ما ورد فيه حول البعث والثواب والعقاب إنما يكون بعد قيام القيامة. وقد خصص الله سُوراً كاملة لهذا الموضوع، فضلا عن آيات كثيرة من سور أخرى. ومن السور التي خصصها تعالى لهذا الموضوع سورة الزلزلة، ونصها : “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (ما في جوفها -في القبور- من الموتى)، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (أذِن لها بالزلزلة، أي بقيام القيامة)، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً (الحشر والنشر) لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (ليحاسبوا)، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الثواب)، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ”(العقاب). (الزلزلة 1-8). وواضح من هذه السورة أن الثواب والعقاب يكونان بعد قيام الساعة، وبعد والحشر والنشر والحساب. أما قبل ذلك فأجسام الموتى تبقى في جوف الأرض من زمن موتهم إلى قيام الساعة.

وهذا ما تؤكده آيات عديدة أخرى مثل قوله تعالى في وصف قيام الساعة: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ (الموتى) قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ (سجل الأعمال) وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ” (الزمر 68-70). وواضح أن هذه الآيات، تفيد مثلها مثل سورة الزلزلة أن الحساب، إنما يكون بعد قيام القيامة لا قبلها.

وليس في القرآن ما يشهد لصحة ما يروى عن “سؤال الميت في القبر” قبل قيام الساعة. أما محاولة بعض المفسرين إسناد ذلك بقوله تعالى: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (شهادة أن لا إله إلا الله) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ” (إبراهيم 27)، على أساس أن معنى “الآخرة” في هذه الآية يدل على “سؤال القبر”، حيث يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، كما ثبتهم عليه في الحياة الدنيا، أقول: أما هذه المحاولة ومثيلاتها فهي نوع من التأويل بعيد، أبعد من “تأويلات الباطنية”. ذلك أن المعنى القريب والوحيد الذي يعطيه السياق، هو أن “الآخرة” تبدأ مع قيام القيامة، لا قبلها، وأن التثبيت في “الآخرة” يعني التثبيت يوم الحساب، عندما يوضع الكتاب. إنه المعنى السائد في القرآن كله، سواء تعلق الأمر بخطاب موجه لقوم النبي عليه الصلاة والسلام أو لأقوام ماضية، كما في قوله: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً” (جميعاً: “بنو إسرائيل وفرعون وقومه” -الإسراء 104).

3- أما التساؤل الثالث الذي طرحناه أعلاه حول المستوى الذي يجب أن نفهم فيه ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟ فإن سوراً عديدة تمدنا بما يسعفنا في ذلك. ونظراً لضيق المجال نقتصر هنا على ما ورد في سورة الواقعة حيث نقرأ عن نعيم أهل الجنة أنهم “عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (منسوجة بالذهب)، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (لا يهرمون ولا يموتون)، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِين (من خمر جارية)، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (لا يصيبهم الصداع من شربها ولا يسكرون)، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ (فتيات كبيرٌ بياضُ أعينهن) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(…) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (خلقناهن من دون ولادة) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (عذارى)، عُرُباً أَتْرَاباً لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ” (عاشقات لهم متساويات في السن). أما “أصحاب الشمال” المشركون فإلى جهنم حيث سيعانون “فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (ريح حارة ودخان)، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، (دخان شديد السواد) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(…) إِنَّهُمْ “لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ”.

ولاشك في أن أولئك الشبان الذين أشرنا إليهم في مدخل هذا المقال قد فهموا (أو أُفهِموا)، هذه الآيات ومثيلاتها التي تتحدث عن نعيم الجنة فهماً لفظياً مادياً متخيلين أن “الحور العين” في الآخرة هي هي كما في الدنيا، تماماً كما فهم مشركو قريش الآيات التي تتحدث عن عذاب النار فهماً لفظياً كذلك، فاحتجوا بعدم معقولية وجود شجرة “الزقوم” في نار جهنم مع أن النار تأكل الأخضر واليابس. فرد عليهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “”إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ”(أي قصدنا ترهيبكم بها وبث الحيرة في أنفسكم)، ولكي يزيدهم حيرة وتخويفاً وترهيباً أخذ يصف تلك الشجرة فقال: “إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ” (الصافات63- 68).

أما بالنسبة لـ “الحُور العِين” فالأمر لا يتعلق بفتيات من جسم ولحم كما في الدنيا وإنما ذلك مجاز وتمثيل بقصد الترغيب، وقد صاغه النبي عليه الصلاة والسلام بصورة أخرى في حديث عن ابن عباس ورد فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَـمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِـأُحُدٍ (قتلوا في غزو أحد)، جَعَلَ اللَّهُ أرْوَاحَهُمْ فِـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلـى قَنادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فِـي ظِلِّ العَرْشِ” … فنزل في شأنهم قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 170). وللمقال صلة.

حكم المرتد في الإسلام

تاريخ النشر: الثلاثاء 14 أغسطس 2007

أثارت تصريحات مفتي مصر، التي أدلى بها مؤخراً لوسائل إعلام أميركية حول حكم المرتد في الإسلام، جدلاً بين علماء الأزهر وغيرهم من المهتمين بالشأن الديني في العالم العربي خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً. وكنا قد أبدينا رأينا في الموضوع منذ عقد ونصف من السنين، وكلما أثيرت القضية ورجعنا إلى ذلك الموقف وجدناه يمثل الرأي الصحيح كما عبَّرنا عنه أول مرة.

لقد عالجنا المسألة على مستويين، مستوى العام ومستوى الخاص. والتمييز بين هذين المستويين ضروري لتجنب الخلط واللَّبس والجدل العقيم.

أما المستوى العام فيتعلق بموقف الدعوة المحمدية من حرية الاعتقاد، وهو موقف واضح تبينه الآيات التالية: قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”؟ (يونس 99) وقال: “فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ” (الشورى 48) وقال: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ” (الغاشية 21- 26). وقال: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف 29) . وقال: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً” (الإنسان 3). وقال: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة 256).

وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حُر في أن يعتنق الإسلام، لكنه إذا أعرض فليس من حق الرسول أن يجبره على ذلك.

سيقول كثير من الفقهاء إن هذه الآيات “نُسخت بآية السيف”. وفي نظرنا أن مفهوم “النَّسخ” ومفهوم “آية السيف” مفهومان لا وجود لهما في القرآن. أما “النسخ” فقد ورد لفظه، وقد بينَّا في سلسلة مقالات، على صفحات هذه الجريدة، أن المقصود بـ”المنسوخ” فيما وُصف في القرآن بهذا الوصف، أو بما في معناه، هو إما الشرائع الماضية، وقد نُسخت بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، وإما “الآيات” المعجزات التي خص الله بها بعض أنبيائه ورسله، والتي تختلف من نبي إلى نبي (عصا موسى، آيات عيسى)… الخ. أما ما يسمى بـ”آية السيف” فقد سبق أن بيَّنا، منذ مدة وفي هذا المكان، أنه ليست هناك “آية سيف”، بل آيات تبيح -أو تدعو- إلى قتال مشركي مكة الذين كان المسلمون قد دخلوا معهم في حرب، مضطرين تحت تهديد التصفية بالقتل بعد أن طُردوا من ديارهم، ومن بينهم الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام. فالحرب التي خاضها المسلمون بقيادة النبي عليه الصلاة والسلام كانت دفاعاً عن النفس، لا غير. والجدير بالذكر أنها كانت خالية من روح الانتقام تماماً. فالمعروف أن النبي عليه الصلاة والسلام قَـبِـل “صُلح الحديبية” حينما اعترضته قريش ومنعته من الدخول إلى مكة لأداء العمرة. ومن المعروف كذلك أن فتح مكة لم يكن بقتال بل بمفاوضات مهَّد لها قرار النبي عليه الصلاة والسلام الزواج بأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مشركي قريش آنذاك، ثم قادها فيما بعد عمُّه العباس، فكانت النهاية الدخول إلى مكة بدون قتال، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي المنادي: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق بابَه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن”.

هذا عن حرية الاعتقاد على المستوى العام، أعني اعتناق الإسلام ابتداءً. أما مسألة “المرتد”، وهو الذي يعتنق الإسلام ثم يرتد عنه إلى اعتقاد آخر، فهي مسألة تقع على مستوى الخاص، إذا نظر إليها من زاوية “حرية اعتناق الإسلام”، وهذا الخاص فيه مستويان: الخاص، وخاص الخاص. أما على المستوى الخاص فالمرجع فيه هو جملة آيات هي قوله تعالى: “مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل 106)، وقوله: “وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 217)، وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران 77)، وقوله: “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ” (آل عمران 86-87). ويقول تعالى: “وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً” (النساء 115) وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً” (النساء 137). في جميع هذه الآيات نجد أن حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم… وليس القتل، وأكثر من ذلك فباب التوبة مفتوح أمامه.

هذا في القرآن، أما في الفقه، فحكم المرتد هو القتل كما هو معروف. ويستند الفقهاء في ذلك إلى حديث نبوي يقول: “من بدَّل دينه فاقتُلوه”. فكيف نفسر هذا الاختلاف؟

لنستبعد الشك في صحة الحديث المذكور، فقتال المرتدين زمن خلافة أبي بكر واقعة تاريخية لاشك فيها. ولكن لابد من التمييز بين المرتد الذي يغير دينه كشخص ليست له أية دوافع أخرى غير اقتناعه الشخصي الديني، وحكمُه، كما ورد في الآيات السابقة، عقابٌ أخروي لا غير. أما المرتد بدافع خارجي، خارج مجال الاعتقاد المحض، فشيء آخر، وهذا ما عنيناه بـ”خاص الخاص” في هذه المسألة. ذلك أن المرتدين الذين حاربهم أبو بكر بوصفه رئيساً للدولة لم يكونوا مجرد أشخاص غيروا عقيدتهم، ولا شيء بعد ذلك، بل كانوا أناساً أعلنوا التمرد على الدولة، فامتنعوا عن دفع الزكاة بدعوى أنها كانت التزاماً منهم للرسول عليه الصلاة والسلام وحده دون غيره، بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا أنفسهم للانقضاض عليها. فـ”المرتد” بهذا المعنى هو من خرج على الدولة، إسلامية كانت أو غير إسلامية، “محارباً” أو متآمراً أو جاسوساً للعدو… الخ.

وإذن فحكم الفقه الإسلامي على “المرتد” بهذا المعنى ليس حكماً ضد حرية الاعتقاد، بل ضد خيانة الأمة والوطن والدولة، وضد التواطؤ مع العدو أو التحول إلى لص أو عدو محارب. ومن هنا نفهم كيف يربط الفقهاء بين حكم “المحارب”، وهو مَن يخرج على الدولة والمجتمع ويشهر السلاح ويقطع الطريق، وبين “المرتد”. ذلك أن “المرتد” في الخطاب الفقهي الإسلامي هو صنف من “المحاربين” (قطاع الطرق) وحكمه يختلف من فقيه إلى آخر حسب ما يكون المرتد محارباً بالفعل أو لا. فالمرتد المحارب يقتل باتفاق الفقهاء، أما قبل أن يحارب، فقد اختلفوا هل يستتاب أولاً، أم يقتل من دون استتابة. كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن فقهاء الإسلام كانوا يفكرون في “المرتد” ليس من زاوية أنه شخص يمارس حرية الاعتقاد، بل من زاوية أنه شخص خان المجتمع وخرج ضده نوعاً من الخروج.

وما نريد أن نخلص إليه من كل ما سبق هو أن الوضع القانوني لـ”المرتد” لا يتحدد في الإسلام بمرجعية “الحرية”، حرية الاعتقاد، بل يتحدد بمرجعية ما نسميه اليوم بـ”الخيانة للوطن”، بإشهار الحرب على المجتمع والدولة. وبالمثل فإن الذين يتحدثون اليوم عن “حقوق الإنسان” وفي مقدمتها حرية الاعتقاد لا يدخلون في هذه الحرية “حرية الخيانة للوطن والمجتمع والدين”، ولا “حرية قطع الطريق وسلب الناس ما يملكون”، و”لا حرية التواطؤ مع العدو”. وإذن: فالحرية شيء و”الردة” شيء آخر.

ويبقى مطلوباً من الاجتهاد الفقهي المعاصر النظر في ما إذا كان المسلم الذي يعتنق ديناً آخر اعتناقاً فردياً لا يمس من قريب أو بعيد بالمجتمع ولا بالدولة، يدخل في دائرة “المرتد” الذي يستباح دمه! أعتقد أن من يقول بذلك لا يستطيع أن يدلي بأي نص ديني يرد به على من يعارضه، إلا الآيات التي أوردناها سابقاً، والتي تتوعد المرتدِّين الوعيد الأكبر، ولكن دون التنصيص على عقابه في الدنيا أي عقاب.

الشهادة والشهداء… و”الحور العين”

بواسطة , 2016/08/17 7:39 مساءً

الدكتور محمد شحرور

تاريخ النشر: الثلاثاء 02 فبراير 2010

ما حملني على الخوض هنا في هذا الموضوع هو ما ورد في مقطع من فيلم بثته مؤخراً قناة فضائية عربية، يعرض صوراً لشبان يتهيأون للقيام بـ”عمليات استشهادية”، وهم فرحون مستبشرون، متباهون بكونهم سيجدون أنفسهم مباشرة بعد موتهم -بوصفهم شهداء- في نعيم الجنة بين “حور عين” وسيجدون فتيات “أَبْكَارًا، عُرُباً أَتْرَاباً”، كما هو مذكور في القرآن الكريم.

وهذا يثير ثلاثة تساؤلات: أولها، ما معنى الشهادة والشهداء؟ ثانيها، متى يكون نعيم الجنة وعذاب النار: هل مباشرة بعد مفارقة الشخص الواحد للحياة الدنيا، أم بعد خراب هذه الدنيا كلها بقيام الساعة وحصول البعث والحشر والنشور وبعد يوم الحساب؟ أما ثالث تلك التساؤلات فيتعلق بالمعنى الذي يجب أن نفهم به ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟

إن المرجع الوحيد في هذه المسائل الغيبية، التي لا مجال للعقل فيها ولا للتكهنات والتخمينات، هو ما يقوله علام الغيوب في الذكر الحكيم، فلننظر إذن فيما يقوله القرآن في هذه المسائل:

1- أما “الشهداء”، في هذا المقام فهم جمع شهيد، (والاسم الشهادة) وهم المقتولون في جهاٍد استكمل شروطه التي ذكرناها في مقال سابق (08-12-2009)، وفي مقدمتها أنها “حرب دفاعية عادلة تقوم على مواجهة عسكرية بين المُعتدَى عليه والمعتدِي ولا يُقاتَل فيها إلا الذين يشاركون في قِتال المسلمين”، دون غيرهم من النساء والشيوخ والأطفال والفلاحين والتجار وأصحاب المهن وغيرهم ممن يطلق عليهم اليوم اسم “المدنيين”… وقد وعد الله الشهداء بالتمتع في نعيم الجنة. والسؤال هنا: متى يبدأ نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؟

2- إذا نحن رجعنا إلى الذكر الحكيم نجد أن جميع ما ورد فيه حول البعث والثواب والعقاب إنما يكون بعد قيام القيامة. وقد خصص الله سُوراً كاملة لهذا الموضوع، فضلا عن آيات كثيرة من سور أخرى. ومن السور التي خصصها تعالى لهذا الموضوع سورة الزلزلة، ونصها : “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (ما في جوفها -في القبور- من الموتى)، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (أذِن لها بالزلزلة، أي بقيام القيامة)، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً (الحشر والنشر) لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (ليحاسبوا)، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الثواب)، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ”(العقاب). (الزلزلة 1-8). وواضح من هذه السورة أن الثواب والعقاب يكونان بعد قيام الساعة، وبعد والحشر والنشر والحساب. أما قبل ذلك فأجسام الموتى تبقى في جوف الأرض من زمن موتهم إلى قيام الساعة.

وهذا ما تؤكده آيات عديدة أخرى مثل قوله تعالى في وصف قيام الساعة: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ (الموتى) قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ (سجل الأعمال) وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ” (الزمر 68-70). وواضح أن هذه الآيات، تفيد مثلها مثل سورة الزلزلة أن الحساب، إنما يكون بعد قيام القيامة لا قبلها.

وليس في القرآن ما يشهد لصحة ما يروى عن “سؤال الميت في القبر” قبل قيام الساعة. أما محاولة بعض المفسرين إسناد ذلك بقوله تعالى: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (شهادة أن لا إله إلا الله) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ” (إبراهيم 27)، على أساس أن معنى “الآخرة” في هذه الآية يدل على “سؤال القبر”، حيث يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، كما ثبتهم عليه في الحياة الدنيا، أقول: أما هذه المحاولة ومثيلاتها فهي نوع من التأويل بعيد، أبعد من “تأويلات الباطنية”. ذلك أن المعنى القريب والوحيد الذي يعطيه السياق، هو أن “الآخرة” تبدأ مع قيام القيامة، لا قبلها، وأن التثبيت في “الآخرة” يعني التثبيت يوم الحساب، عندما يوضع الكتاب. إنه المعنى السائد في القرآن كله، سواء تعلق الأمر بخطاب موجه لقوم النبي عليه الصلاة والسلام أو لأقوام ماضية، كما في قوله: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً” (جميعاً: “بنو إسرائيل وفرعون وقومه” -الإسراء 104).

3- أما التساؤل الثالث الذي طرحناه أعلاه حول المستوى الذي يجب أن نفهم فيه ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟ فإن سوراً عديدة تمدنا بما يسعفنا في ذلك. ونظراً لضيق المجال نقتصر هنا على ما ورد في سورة الواقعة حيث نقرأ عن نعيم أهل الجنة أنهم “عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (منسوجة بالذهب)، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (لا يهرمون ولا يموتون)، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِين (من خمر جارية)، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (لا يصيبهم الصداع من شربها ولا يسكرون)، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ (فتيات كبيرٌ بياضُ أعينهن) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(…) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (خلقناهن من دون ولادة) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (عذارى)، عُرُباً أَتْرَاباً لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ” (عاشقات لهم متساويات في السن). أما “أصحاب الشمال” المشركون فإلى جهنم حيث سيعانون “فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (ريح حارة ودخان)، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، (دخان شديد السواد) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(…) إِنَّهُمْ “لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ”.

ولاشك في أن أولئك الشبان الذين أشرنا إليهم في مدخل هذا المقال قد فهموا (أو أُفهِموا)، هذه الآيات ومثيلاتها التي تتحدث عن نعيم الجنة فهماً لفظياً مادياً متخيلين أن “الحور العين” في الآخرة هي هي كما في الدنيا، تماماً كما فهم مشركو قريش الآيات التي تتحدث عن عذاب النار فهماً لفظياً كذلك، فاحتجوا بعدم معقولية وجود شجرة “الزقوم” في نار جهنم مع أن النار تأكل الأخضر واليابس. فرد عليهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “”إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ”(أي قصدنا ترهيبكم بها وبث الحيرة في أنفسكم)، ولكي يزيدهم حيرة وتخويفاً وترهيباً أخذ يصف تلك الشجرة فقال: “إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ” (الصافات63- 68).

أما بالنسبة لـ “الحُور العِين” فالأمر لا يتعلق بفتيات من جسم ولحم كما في الدنيا وإنما ذلك مجاز وتمثيل بقصد الترغيب، وقد صاغه النبي عليه الصلاة والسلام بصورة أخرى في حديث عن ابن عباس ورد فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَـمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِـأُحُدٍ (قتلوا في غزو أحد)، جَعَلَ اللَّهُ أرْوَاحَهُمْ فِـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلـى قَنادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فِـي ظِلِّ العَرْشِ” … فنزل في شأنهم قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 170). وللمقال صلة.

مولانا جلال الدين الرومي القائل “منزلنا كبرياؤنا”

بواسطة , 2015/12/19 11:08 صباحًا

تعالَ تعالَ…
تعالَ وإقتَربْ…
كم ستسغرق هذه الرحلة؟
ما دُمتَّ أنت أنا؟ وأنا أنت
ماذا تعني أنا وأنت بعدَ اليوم
نحن نورُ الحَق…
إذاً لماذا الشجار بيننا دائماً؟
وهناك صحبةٌ كأنها فصل ربيع.

تَجديد…لا سَلفِّية سياسية!!

بواسطة , 2015/12/06 5:02 مساءً

يطرح الدكتور محمد شحرور ف كتابه “السنه الرسولية والسنه النبويه”، مفهوم الطاعه، ويرى أن الطاعةُ مُلزمةٌ للرسول محمد صلوات الله عليه وسلم في مقام تبليغ الرساله (مقامه كرسول “ص”، من حيث أحكام الرساله والقيم الإنسانيه ونظرية الحدود في التشريع والمحرمات والشعائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ويستند في ذلك لقوله تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ…” (النساء 64)…ويقول شحرور، أنه ورد في القرآن الكرم سبعين موضعا يُذكر فيه جملة “أطيعوا الرسول”، في حين لم يوجد فيه مطلقاً عبارة “أطيعوا النبي”، كما يرى الكاتب، أن الطاعة للرسول “ص” هي طاعه إختياريه، لقوله تعالى “مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا” (النساء 80)، والسبب في ذلك أن الرساله تحتمل صفتي الطاعه والمعصيه، ومن عصى فإن حسابه عند الله فلست أيها الرسول رقيب تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها…في حين “مقام النبوة” يحتمل مفهومي التصديق والتكذيب لأنها تتحدث عن أنباء غيبية، والقرآن الكريم هو عباره عن الغيبيات الكونية والتاريخيه، ولهذا السبب لم يقم سيد المرسلين والبشر محمد عليه السلام بتفسر القرآن وتأويله، ذلك أن الله تعالى قال في محكم كتابه ” لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام67)، ومن هذه الآيه لوحدها نجد معجزة القرآن الكريم حيث الكثير من الإكتشافات والعلوم في قرننا هذا أثبتت ما ورد في التنزيل الحكم المُنَزّل وحياً في القرن السابع ميلادي، كما قال صلوات الله عليه وسلم ” بلّغوا عني ولو آية، فَرُبّ سامع اوعى من مُبلغ”، والسامع والقائل في عصرنا الحالي أوعى بكثير ممن سبقوه في عهد النبوّة وهذا راجع لحجم الإكتشافات العلمية والأنثروبولوجيه والأركيولوجيه الهائله والتي بمجملها لا تتعارض مع ما ورد في كتاب الله، فالنص ثابت في حين القاريء والسامع مُتغير.

سُقت المقدمه أعلاه ليس لكونها فكرة مؤكدة رغم قناعتي الشخصيه فيها، بل لأنها رؤية جديده في محاولة فهم جديد للسنه الرسولية والسنه النبويه تُجافي بشكل ثوري المفاهيم المُحنطه السلفيه الموروثه التي لا يزال المجتمع العربي والإسلامي يأخذ بها ويؤمن بها ويحارب أي محاولة للتجديد الفكري في مفاهيم الديانه المُحمديه وبما يتلائم مع القرن الواحد والعشرين..وما ينطبق على الدين السَلفي ينطبق على السياسه السَلفيه، متمثله في، سياسة الحزب الواحد والقائد الواحد وسياسة الفكر الواحد، سياسة الإحتكار للحكم والسلطه والبرنامج والفكره، فما أن يخرج علينا أحد السياسيين أو المفكرين أو المُحللين بفكرةٍ ما حتى تتم مهاجمته بأبذع وأقسى الكلمات والمفردات التي يتمتع فيها قاموس لغتنا العربيه، بل يتم القفز عن الفكره ومهاجمة الشخص بإتهامات ليس لها أول من آخر.

إن من طبيعة الفرد في أي مجتمع كان أن يبحث عن دور له في مجتمعه الصغير او الكبير، محلياً أو عالمياً، صاحب برنامج محدود أو مُفكّر وصاحب فلسفه أو نظريه، العلماء مثلاً ( أقصد في العلم وليس في الدين) يجدون أنفسهم ودورهم من خلال إكتشافاتهم وإختراعاتهم لأن تأثيرها يكون على الإنسانية جمعاء، بينما رجال السياسه ويدخل في نطاقهم في عصور ما بعد الخلافة الراشديه وحتى الآن (رجال الدين أو من يُسمون أنفسهم علماء وفقهاء)، فإن مصالحهم الشخصية والفئوية والدينية والإقليمية ومصلحة إحتكار السلطه، هي من يتحكم في مفهوم التأثير ودور الفرد، وهنا من الفرد إلى الحزب يبحث عن بقاءِه وإستمراره في السيطره على السلطه، لذلك يقال ” السلطة مَفسَدَه”.

في الواقع الفلسطيني، لدينا مشكلة عويصه، أولها ليس الإحتلال فحسب، ولا الإنقسام وتجلياته وما نتج عنه، ولا الصراعات المناطقية الجهوية، ولا الصراعات الحزبية الداخليه، ولا حتى الصراع بين الأفكار والنظريات والبرامج…مشكلتنا في أن من يَتصدى لكل هذه المشاكل وبالذات السياسية منها، إما كان جزءاً منها، أو عَمِلَ لإيجادها بسبب من مصالح فردية ذاتيه في حينها، وحين خَرَجَ من هذه التجاذُبات كُرْهاً وليس طَوْعاً، بدأت فرديته تبحث عن حلول لما قامَ وعَمِلَ لأجله وعليه،وفرديته هنا ليس شَخصه الكريم، إنما ذاك التيار الذي كان أحد أهم الأسباب في إحداث ما أصبحنا عليه وما نحن فيه…تَيّار بِشِقّيه العلماني “سياسياً” وتَيّار الإسلام السياسي، هذا تحدث عن المجتمع الدولي ومتطلباته وذاك تحدث عن “المقاومه” وشرعية صندوق الإقتراع بطريقته ووفق نظرته المطلقه التي لا تحمل أي تأويل، وبطريقة شيوخهم الحاقدين على أنفسهم قبل الإنسانيه “سيد قطب وإبن تيميه”، والضحيه كانت فلسطين والشعب الفلسطيني…وحين تَقدَم صاحب الشرعيه الجماهيريه والوطنية والتاريخية والمؤسساتيه الرئيس “أبو مازن”، بالدعوة في تلك اللحظة التاريخية لإستفتاء لحسم طبيعة ذاك الصراع شعبياً، رَفَض صاحب الفكره المطلقه تلك الفكره وجَعَلَ من فرديته وتِبعِيّته للتنظيم الدولي لحزبه هو الأساس، فكان ما كان.

حقق البعض الغارق حتى أُذنيه في الإنقسام ما يصبوا إليه كفرد أو كتيّار، الخسارة الوطنية والمجتمعية والشعبية كانت ليس أكبر وحسب، بل تداعياتها الزمامية والمكانية لا زالت تنزف حتى الآن وستبقى…إن أي دعوة لإعادة اللحمه ومهما كان الهدف منها وطني أو حزبي أو حتى فردي، يجب أن تكون فتحاوية – حمساويه، أو أن يتم تبنيها من الحزبين الكبيرين، شرط أن يكون على رأسها من يتمتع بالشرعية الدستورية المُتمثله بالرئيس محمود عباس ” أبو مازن”، وبحيث تؤسس ليس فقط لإعادة الإعتبار للوطن فقط، بل لإحداث نقله نوعية وجديدة في الفكر السياسي والوطني والبنيوي المؤسساتي المُستند إلى إنتخابات تشمل كافة المؤسسات من مجلس وطني إلى تشريعي إلى رئاسي، وبعد ذلك يكون هناك إطار قيادي موحد، أما قبل ذلك فمفهوم أي إطار قيادي موحد خارج نطاق مؤسسات الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هي وصفه لنزع الشرعيه عن “م.ت.ف” بإسم الوحده الوطنة المزعومه، وهي وصفه للبقاء الذاتي للأفراد وتياراتهم، ووصفه لسرقة إرادة الشعب الفلسطيني في إختيار قياداته بحرية وعلى قاعدة الإنتخابات الحره والنزيهه.

أما آن الأوان لأن يكون عنوان القضيه الفلسطينية شعبها وليس تقاسم فصائلي يفرض نفسه بسبب وجود قطاع غزه الحبيب مخطوف وتتم المساومه عليه وفي ظِلِّ حصار ظالم يَئِنُّ منه شعب القطاع ويدفع فقراءَه دمائَهم وحريتهم نتيجةً لذلك..يعتصرنا آلآم بسبب واقع الحال، وبالرغم من ذلك علينا أن نكون أكثر شجاعه ونقول للأفراد والشعب وغيرهم من نُخَب، أن هناك قاعدة تقول “قاوم الرغبة لإكمال الأشياء الصغره أولاً”، ونقول أيضا كما قال صاحب أل “لا” الشاعر الكبير المرحوم أمل دنقل: فاشهدْ يا قلمْ…أننا لم ننمْ…أننا لم نضعْ…بين لا ونعم.

المزيد على دنيا الوطن .. http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2015/12/05/386660.html#ixzz3tYqBwCGL
Follow us: @alwatanvoice on Twitter | alwatanvoice on Facebook

قصة قايين وهابيل:

بواسطة , 2015/06/07 2:47 مساءً

مفسري التراث الإسلامي أصحاب العقل السلفي قالوا: أن سبب قتل قايين هابيل هو الجنس “صراع على إمرأة”، في حين التوراة أشارت إلى أن القتل جاء بسبب الحسد، حيث تقبل الله قربان هابيل “الحيواني- ذبح ولحم” ورفض تقبل قربان قايين الزراعي “نباتي”…يتفق العقل السلفي مع التوراتيين أن الله فضل اللحوم والدم على الزرع…في حين أن التنزيل الحكيم لم يتطرق لنوع القربان ولكن بين على لسان الذي قُتل أن التقوى هي سبب تقبل القربان، قال تعالى في سورة المائدة “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ” (27)
بتصرف عن القصص القرآني للدكتور محمد شحرور

التناقض ما بين كتاب الله وبين الأحاديث

بواسطة , 2015/06/07 2:37 مساءً

إن التناقض ما بين كتاب الله وبين الأحاديث من جهة، وبين الأحاديث بعضها مع بعض من جهة أخرى، يبين أنها صناعة إنسانية، وأدت إلى إظهار إزدواجيه في شخصية الرسول صلوات الله عليه وسلم، فهو يظهر بشكل مهيب مُنزّه عن النقض والعيوب وفقا للتنزيل الحكيم، وهذا يقع ضمن الشروط الموضوعيه لوجوده كإنسان بشر كُلّف بمهمة إبلاغ ما جاءه من ربه عبر الوحي وقد أدّاه على أكمل وجه…لكن الصورة الثانيه مخالفه للأولى وتنسب إليه الكثير من الصفات السلبيه في سلوكياته كإنسان أولا، وكنبي رسول ثانيا، حيث إتهم بالوحشيه وحبه لسفك الدماء والشهوانيه وحبه المفرط للنساء (داعش تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان ضحوكاً قَتّال)، وإتهامه بإطلاعه على المستقبل والغيب، وهذا يتطلب رد الإعتبار للرسول صلى الله عليه وسلم،وإظهاره بصورته المشرفه كمرسل ليتمم مكارم الأخلاق…كتاب التنزيل الحكيم هو كلام الله ومن الله لذلك قدّم نبيه محمد صلوات الله عليه وسلم بأفضل صورة تليق بنبي، في حين الأحاديث هي صناعة عقول الرجال (البشر) فجاءت وفق أهوائهم ومطامعهم السياسيه والشخصيه، لذلك حرصوا على القول أنها جاءت وحي للرسول صلى الله عليه وسلم لخدمة مآربهم…وعليه فكل حديث يتعارض مع متن التنزيل الحكيم يجب أخذه بريبه، وأحاديث الآحاد أيضا، وكل ما هو في صالح الخلق العام وبما يخدم تجميع الأمه وتوحيدها والتعامل الإنساني مع الإنسان كبنيان من الله لا يجب هدمه تؤخذ، وغير ذلك لا يجب تداولها…
بتصرف عن كتاب السنه الرسوليه والسنه النبويه للكاتب الدكتور محمد شحرور