Category: تحليل

حروب العرب ومرآةُ الحقُّ

بواسطة , 2016/01/04 9:14 صباحًا

بقلم: فراس ياغي

 

كانت حروب العرب بعد ظهور القبائل العربيه وإنتشارها في شبه الجزيره العربيه وحولها، خاصة بعد ميلاد السيد “المسيح” عليه السلام، تدور حول الثأر اللامتناهي، كثارات الزير سالم في حرب “البسوس” التي إستمرت لمدة أربعين عاما، وحرب “داحس والغبراء” بين قبيلتي عبس وذبيان في نجد، وهما فرعان من قبيله واحده هي غطفان، ودامت أربعين عاما، وحرب “بني أصفهان” ودامت سبعاً وسبعين عاما وهي حرب دمويه، وحرب “الفجار” بين بني كنانه ومنهم قريش وبني قيس وعيلان، ويوم “بعاث” بين الأوس والخزرج قبل الهجره النبويه…وما بعدَ الإسلام والإنتهاء من مسألة المشركين عبر غزوات متعددة، وتأسيس أول دولة جنينيه للعرب برئاسة النبي الرسول “محمد” صلوات الله عليه وسلم، ومجيء الخلافه الراشديه حيث تم تصفية ثلاثه من هؤلاء الخلفاء، إثنان غيله (عمر وعلي رضي الله عنهما) وقتل أحدهم (عثمان رضي الله عنه) على يد مسلمي مصر والكوفه والمدينه، وما بعدها من إغتصاب أموي للخلافه نتج عنه إنقسام عمودي وأفقي في الأمة العربية الواحده التي توحدت منذ فترة بسيطه فقط وشكلت عصب وأساس الأمة الإسلاميه، لم يتجاوز عمر التوحيد ثلاثة إلى أربعة عقود، صراع بين الأموين وآل البيت كانت نتيجته معركة كربلاء غير المتوازنه وإستشهاد “الحسين بن علي” عليه السلام وإذلال أهل آل البيت، وما بعدها وقعة “الحرة”، حيث هجم جيش يزيد بن معاوية على مدينة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلم وإستباحها ثلاثة أيام متتاليه قتلاً وإغتصاباً للنساء، بعد ذلك جاء العباسيون أكثر دمويه وأصبح للعسكر شأن إمتد وحكم البلاد العربيه حتى جاء سلاطين العثمانيين الأتراك وإستعمروا البلاد العربية تحت يافطة الإسلام.

حروب العرب لا نهاية لها لأنها تدور حول الغيب كما قال “توماس فريدمان”، وهي حروب عبثيه جوهرها الحكم والسيطره ومغَلّفه بفقه تكفيري، الإستناد فيه إلى تأريخ وتفسير تراثي موروث سلفيّ وهابيّ يهدف لقمع العقل العربي أو وفق الكاتب المرحوم صادق جلال العظم “ختان الأدمغه”، غسلها قبل الولاده وبعدها بمفاهيم تتناقض والقيم الإنسانيه جمعاء مما يجعلها متناقضه بالضرورة مع القيم المُحمديه، قِيَم التسامح والمحبه والوصال والتآخي والتشاور…الخ، ومع هذا القمع تظهر التشكيلات المُختلفه، تشكيلات الإسلام السياسي من جهة وما تحتويه من فكر وممارسه عمليه في التنكيل الجسدي والمادي والتنكيل الفكري، إرهاب بكل أشكاله، ومقابلها تشكيلات كمبرادوريه قمعيه لا تُعير وزنا للإنسان، ورأسمالها الأمن والجيش، وهناك نموذج جمع الإثنان معاً فأصبح يقود العرب بشقَيّها المتأسلم القمعي، والمُتَعَلّمن القمعي، فلديه “الدم الأسود” من بترول وغاز ودولارات لا نهاية لها، والضحيه دائما الإنسان العربي العادي الفقير والجاهل الذي يتحارب ويقتل بعضه بعضاً، مرة بإسم العروبه، ومرة بإسم الإسلام، ومرة بإسم المذهب والطائفه، وأخيرا لأجل زَعم الدولة الإسلاميه والخلافه والخليفه…مسَمَيّات جُلّها لهدف واحد السلطة ثم السلطه ولكن لصالح من، بالتأكيد ليس لصالح الشعب العربي وشعوب المنطقه، وإنما لصالح الغرب دائما عبر الخليفه سلطان الناتو أو عبر البترودولار.

المرحلة التي نحن بصددها اليوم جاءت مُلتبسه ومُختلطة المفاهيم والممارسات، فهي تشكلت بعد حدوث هبات شعبيه رافضه للدكتاتوريه والتوريث والقمع البوليسي، وفي نفس الوقت حدثت بعدها هبّات رافضه للأسلمة السياسيه وعلى رأسها الإخوان المسلمين كما حدث في مصر، لكن المُمَيّز فيها أن الفوضى العارمه السياسيه والولائيّه كانت أساسها، فهي هبات ضد القمع ومع الديمقراطيه، وفي لحظة أصبحت تلك الهبات تُسمى “ربيع عربي” وتحولت في لحظة أخرى إلى “ربيع إسلامي”، وحين بدأت تظهر حقيقتها المُنظمه بشكل سري والعفويه بشكل علني، جاء “الناتو” وعلى رأسه الولايات الأمريكيه وبدعوه من شيوخ الأسلمه السياسيه “القرضاوي” و “العوري” و “العريفي” و “المحيسني” وغيرهم كثر وسلاطين الأسلمه من أُمراء وملوك ورؤساء “قطر، السعوديه، تركيا”، جاء ليفرض سياساته ب “فوضى خَلاّقه” الهدف منها تجزيئ المنطقة العربيه إلى دويلات صغيره على أساس الهوية المذهبيه بالأساس خدمة لتلك الدويلاّت عفواً (محطات البنزين) على شواطيء المحيط الهندي، ودولة إسرائيل “اليهوديه”…النتيجه نراها دمار وتنظيمات إرهابيه “فاشية” الأيدويولوجيا و”نازية” الممارسه وشمولية “الشيوعيه”.

الحروب الصغيره والكبيره كنتيجه لا زالت مُستمره وستبقى لأن المعركة الكبرى لم تأتي بعد، معركة المصير سيكون عنوانها “سوريا” وفي “سوريا” وعلى “سوريا”، وكل ما يحدث حتى الآن هي محاولات أمريكيه لكسب الوقت أكثر من كونها سياسة حقيقية هدفها الحل ووقف المَلهاة الدموية، فالإمبراطورية الأمريكية تُفكر كما “القبيله” وفقا لِ “تشومسكي”، وفي نفس الوقت هي أصلاً متحالفه مع دول “القبائل” وحكم “القبائل” ولا ترى مصالحها إلاّ بطريقة تلك “القبائل”، ومن يعتقد أن أمريكيا ستعود أمريكيا، فهو واهم، فَ “ثمة آلام كثيره تثقب عظامنا، عظام الإمبراطوريه” وفقا للباحث “ألفن توفلر”.

لا يزال “فقه الباديه” يتحكم في الموروث الديني والسياسي، ولم يزل سلاطين وأحزاب الأسلمة السياسية “ينظرون إلى الله من ثُقب في العباءه” وفقا للتونسي عبد الوهاب المؤدب، ولا تزال الإمبراطوريه وربيبتها في المنطقة “إسرائيل”، ترى فيما يجري من سفك دماء فرصتها الذهبيه لخلق تقسيم جديد يتجاوز “سايكس بيكو” لدويلات مذهبيه.

يبقى السؤال المركزي، هل يعي العرب القوميين والوطنيين واليساريين والمقاوميين ومن معهم من حلفاء إقليميين ودوليين، أن المصير يكمن في سوريا؟!!! وأن المعركه هناك هي من يُحدد ليس وجهتها، بل تشكيل عالم جديد، أساسه التعدديه القطبيه لا الإمبراطوريه، أعتقد أن الروس رغم البطء أحياناً لكنهم حسموا أنفسهم و “إمتطوا خيولهم مسرعين”، وأن الفجر القادم برغم مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء بالذات، سيكون فجراً عربيا علمانيا أساسه التعدديه والديمقراطيه والكونفدراليه أو الفدراليه على أساس الهويات التي تُميز المشرق العربي، فَ “سايكس بيكو” إنتهى للأبد، والقادم ليس دويلات مُمَززّقه، بل دول يَنصهر فيها الشعوب لتشكيل هوية جامعة تَمتَد على طول المشرق العربي، شاءَ من شاء وأبى من أبى، فَ “منزلنا كبرياؤنا…تعال تعال…تعال وإقترب…كم ستستغرق الرحلة؟…ما دُمتَّ أنت أنا؟ وأنا أنت…ماذا تعني أنا وأنتَ بعد اليوم؟… نحن نورُ الحق…مراةُ الحق…إذاً لماذا الشجار بيننا دائماً؟…وهناك صُحبةٌ كأنها فصل الربيع”. أليس مولانا “جلال الدين الرومي” على حق.

الأسْلَمَه السياسيه!! سَلَفيّه!!! كانت إرهاب أم إعتدال بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2015/12/22 6:49 صباحًا

شَيخ وشُيوخ مميزات وسمات في الصميم العربي ومنذ ما قبل الميلاد وما بعدها وحتى يومنا هذا…هناك شيخ القبيله وشيخ الكهنة وشيخ المشايخ وشيخ الدين وشيخ الإسلام وشيخ الحزب وشيخ الدوله وحتى شيخ النار (إبليس)…شيوخ كُثر لدرجة أن إحدى البلدات في فلسطين تسمى “الشيوخ”…في المشرق العربي الذي هاجرت إليه العديد بل الكثير من قبائل شبه الجزيره العربيه بحثا عن الكلأ والماء، ومنها وصلت لمصر وشمال أفريقيا وإنتشرت هناك، أثرت وتأثرت في البيئه التي وصلتها بل وفي أحيان كثيره تماهت معها وأصبحت جزءاً منها، وقد إستمر ذلك حتى بدأ عصر سيطرة مكة وقريش بالتحديد…البدايه كانت إيجابيه رسول من الله صلوات الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق ولِيكمل الرسالات التي سبقته في رساله عالمية السلوك والقيم وشامله لمفهوم التشريع من حيث مفهوم “نظرية الحدود”، بمعنى الحد الأدنى والأعلى أو كليهما ووفقا للمحرمات التي تم تأكيدها وتفصيلها في الذكر الحكيم والتي هي من إختصاصه وحده فقط دون غيره كان رسولاً أو نبيا أو عالماً أو فقيهاً لذلك جاءت واضحه ومفصله في “كتاب الله”، إضافة إلى المنهيات التي هي إطار للإجتهاد بما يتناسب مع كل مجتمع على حده، بمفهوم تقييد الحلال أو إطلاقه أو التشريع بمنع شيء إستناداً للمنهيات بسبب طبيعة وظروف المجتمع، فالتعميم هنا ليس مطلق بقدر ما هو نسبي ويتناسب مع واقع وظروف الحال لكل مجتمع، فما يناسب السويد لا يناسب “الأعراب” في شبه الجزيره العربيه، وكلمة “الأعراب” وردت في التنزيل الحكيم تأكيداً من الله عزّ وجل على أن هذه الفئة من الناس لم تفهم ولن تفهم معنى النسبيه في “نظرية الحدود” التشريعيه التي وردت في كتابه الكريم، ولن تفهم ولم تفهم معنى القاعدة الأساسيه في الديانه المحمديه والتي جاءت آيه واضحه لا لبس فيها، قال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…” (البقرة256)، وقام مفسروا السلفيه كموروث لا يزال قائم حتى يومنا هذا بالتعامل مع كتاب الله على أساس المطلق التفسيري وليس المطلق النصي، فالنص ثابت كمحتوى، لكن التفسير متغير بتغير الحال والظروف وبتطور المعرفه والعلم، وإلا كيف يكون هذا التنزيل العظيم خاتم للرسالات وشامل وعالمي وأيضا يحتوي المُعْجز التجريدي في غيب الماضي وغيب المستقبل، ألم يقل سبحانه وتعالى: “لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام67)، والنبأ هنا شيء غيبي وحين يصبح معلوماً يصبح خبر، وهذا النبأ قد يكون كوني أو علمي أو ما يتعلق بالحضارات القديمه التي سبقتنا والتي إستطاعت علوم الأركولوجي والأنثروبولوجي تأكيدها، فنظرية التطور لِ “داروين” ليست بعيده عما ورد في التنزيل الحكيم ولا تتعارض معها، لأنها تحدثت عن أصل واحد للبشر (قبل أن يصبح إنسان) وللقرود، لكنها لم تستطع إيجاد الحلقه التي تربط بين الإثنين، في حين أن الله تعالى أوضح ذلك في كتابه في آيات واضحه، قال تعالى  ”وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا” (نوح14)، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ” (الإنفطار7)، وحين طلب ذو الجلالة والإكرام من الملائكه السجود لآدم، كان الطلب واضح، طلب في أن السجود لشيء عاقل وليس لما كانوا يروْنَ من بَشَر يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، قال تعالى “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر29).

الأمثله أعلاه كتب عنها الدكتور “محمد شحرور” في كتبه “الكتاب والقرآن” و “القصص القرآني” و “السنه الرسوليه والسنه النبويه” وغيرها، وهي محاولات جديده لدراسه عصريه مُتَقدمه تتعاطى مع التنزيل الكريم ومحتاواه النصي الثابت بطريقه تفسيريه جديده تتوافق مع تطور العلوم العلميه والإنسانيه والكونيه، وهي تأكيد جديد على المعُجز الذي جاء به رسول الله صلوات الله عليه وسلم وحيّا، وبما يعزز فرضية أنه صالح لكل زمان ومكان ولكن وفقا لشروط الزمان المُتغير والمكان المُجتمعي، وليس وفقا لزمان قُريش ومجتمع شبه الجزيره العربيه البدائي، أعتقد أن بداية التطبيق في مجتمع بدائي مُتخلف علميا وحضاريا تأكيد على أن التنزيل الحكيم شامل لجميع الحضارات والمجتمعات كمفهوم قيمي وسلوكي وتشريعي، في حين الشعائر الدينيه من “صلاة وصوم وزكاة وحج” هي خاصة بالمؤمنين “أمة محمد عليه السلام” فقط.

المشكله أن واقع الحال الديني إنسحب على مُختلف مجالات ومظاهر الحياة، فالتقليد والعادات أصبحت ديناً، والسياسه تغَلّفت بأحاديث نبويه غير مُسنده أحياناً وتتعارض مع جوهر نص كتاب الله تعالى، كما أنها تتعارض مع أساس بَعثْ رسولنا محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلم، والذي أرسلَ ليتمم مكارم الأخلاق، لا لذبح الناس وتكفيرهم وسبيهم وتدفيعهم الجزيّه تحت عناوين ما حدث في التطبيق زمن البعثه وما بعدها والتي كانت تتلائم وتلك العصور وتتوافق معها ولا تتوافق مع عصرنا الحديث وواقع حياتنا المُختلف جذرياً عن المجتمع البدائي في شبه الجزيره العربيه، وأعتقد أن مرَد ذلك يعود لسببان، الأول: داخلي محض يتمثل في الصدمة الحضاريه التي تعرض لها العقل العربي المُسلم ولم يستطيع إستيعابها، فكانت ردة فعله النكوص للماضي والإنزواء علميا وحضاريا، وبَعث فكر مُتخلف لا يناسب أحداً، عنوانه الهجوم على “المرأه” وعلى كل شيء يتعلق بها والعمل على حجرها وتحويلها لشيطان “إبليسي” من لبسها وحتى نظرتها وأي حركة تبدر عنها، وهذا الشيء يخدم ذاك الفكر، لأن المرأة هي نصف المجتمع وهي التي تُربي النصف الآخر، فبقائها جاهلة سيُبقي المجتمع جاهل وسيؤدي بالضرورة لسيطرة فقهاء وعلماء السلاطين إن كانوا في الحكم أو في أحزاب الأسلمه السياسيه، فكر نكوصي يتدخل في كل شيء يتعلق بالأمور الشخصيه، بحيث تحول فكر محمد الرسول والنبي (ص) المُستنير، إلى شريعه تلموديه فيها من الغِّل وألإصر ما لم يذكره “التنزيل الحكيم” الذي دعا لرفع كل ذلك وتحدث عن اليُسر لا العُسر، إلى جانب ذلك إعادة للقرون الوسطى الكنسيه حيث صكوك الغفران، ظهر الشيوخ والدعاة ورجال الدين أصحاب الأجوبه على كل سؤال، يعطون هنا فتوى ويُحرّمون ويُحللّون إستنادأ للموروث وليس لواقع الحال الذي نعيشه، لقد أصبح فقهاء وعلماء الدين الإسلامي السلفيين ومن كل المذاهب وأحزاب الأسلمه السياسيه يتساوون مع تشكيلات الكنيسه في العصور الظلاميه من القرون الوسطى، فهذا مؤمن وذاك فاسق، وهذا كافر وذاك نصيري، وهذا متطرف وذاك مُعتدل، والدين سياسه وإجتماع وإقتصاد وفلسفه وكل شيء…لم ولن يفهموا معنى الرسالة المُحمديه العالميه الشامله بدون فكر مستنير يقبل الآخر ويؤكد على مفهوم الطاعه والمعصيه كمفهوم إختياري وليس جبري من جهة، ومن جهة أخرى مفهوم السياسه التي ليس لها علاقه بالدين، لأنها تُنقصه وتحيله لرساله محليه تُحاكي المجتمع المُتخلف البدائي في شبه الجزيره العربيه…أما الثاني: فهو العامل الخارجي، فقد قرأ الإستعمار الغربي جيداً العقليه البدائيه السلفيه في فهم الديانه المحمديه ودعم هذا الفكر نظريا وسياسيا، فحمى وأنتج الوهابيه السلفيه المتطرفه وجعل لها دولة، بل دويلات، قادره بإمكانياتها الماديه على التخريب على أي فكر مستنير إصلاحي يظهر في الديانه المحمديه ويؤكد على عالميتها، وهو من جانب اراد أن يُبقي هذه المجتمعات في صراع مع نفسها وبين مذاهبها ومع الديانات الأخرى والطوائف المتعدده، فأبقاها متخلفه، ولا زالت تبحث عن هويتها الجامعه والتي لن تجدها بفكر السلفيه مهما تعددت أحزابه ومذاهبه، ومن جانب آخر، أوجدت البيئه الداعمه لظهور التنظيمات الإرهابيه المتطرفه والتنظيمات المعتدله لكن بفكر تكفيري، فظهرت “القاعده” و”داعش” و |النصره” وغيرها، وأنتجت أيضا مقابل هؤلاء المتطرفين “حركة الإخوان المسلمين” وغيرها كأحزاب أسلمه سياسيه معتدله في علاقتها بالغرب، تكفيريه في منهجها الداخلي الذي يحاكي الموروث السلفي، فمثلا، “شيخ” الإخوان المسلمين “القرضاوي” كتب كتاب قيّم جداً عن الجهاد ومفهومه وبطريقه تُحاكي العصر الحديث، وهذا كان مهم للإخوان المسلمين كحركه سياسيه، الغرب كان يُريد شيء جديد في مواجهة “القاعدة” وفكر الجهاد، لكن على صعيد ممارساتهم السياسيه لم يبتعدوا قيد أنمله عن السلاطين الوهابيين والسلفيه الدينيه التي تحاكي المجتمع الداخلي، فمن لم ينتخب “الإخوان المسلمين” في مصر ينقص إيمانه، بل وصلت فيهم بأنه سيدخل النار، إرهاب فكري داخل المجتمعات العربيه والإسلاميه، وإعتدال للغرب في التعاطي مع مصالحه.

قال النبي اليهودي إشعيا “إن فقد الإخوان يهدد الأركان”، وهذا ما يقوله “القرضاوي” والسلطان العثماني “أردوغان” وحركة الإخوان المسلمين لأميركا والغرب، فبدونهم المجتمعات العربيه والإسلاميه ذاهبه للتطرف، ومعهم يحفظ الغرب مصالحه، أما الوضع الداخلي للمجتمعات العربيه والإسلاميه فتبقى وفقا للطريقه السلفيه حتى تَبقى السيطره قائمه لهم في صراعهم مع الأحزاب السلفيه الأخرى…في حين السلفيين أخذوا كلام النبي “إشعيا” اليهودي بجانبه الآخر، حين قال: “الجهل راحه والمعرفة عذاب”، وهذا بالضبط هو فكر “البغداديي وداعشيته” و “الجولاني ونصرته” و “أحرار الشام وطالبيانته” و “علوش وجيشه ووهابيته”.

ورغم كلِّ ذلك سيبقى دائما قانون “البقاء للأصلح” في البشريه هو القائم، وليس البقاء للقوي كما في الغابه…الأصلح الجامع لكل الهويات والمذاهب والديانات، الأصلح في علمنة السياسه والدولة وليس المجتمع الشرقي والعربي، الأصلح في منهاج ديني تربوي يؤكد على مكارم الأخلاق والقِيّم العالميه والإنسانيه، ” وبي أمل…يأتي ويذهب…لكن لن أودعه”، أليس هذا ما قاله المرحوم درويش.

نشر في جهينه نيوز – الرابط http://www.jpnews-sy.com/ar/news.php?id=96754

 

غَيْبُ المُستَقبل..والنُقصّان – بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2015/12/19 10:53 صباحًا

 

غَيْبُ الشيء لا يعني عدم إدراكه أو عدم وجوده..والغيبُ أنواع، هناك غَيْبُ الماضي ومثاله الحضارات القديمه (السومرية والأشورية والبابلية..الخ) والقَصَص المُحمدي الذي تم فيه تأريخ حقبة الرسول صلوات الله عليه وسلم في كتاب التنزيل الحكيم كعِبره وليس كتشريع، كما أن هناك غَيْبُ الحاضر، وهو عدم إدراك للشيء بسبب عدم التمكن من التواجد في مكانين في آنٍ واحد أو قُصور العلم عن تفسير ظاهره من الظواهر الطبيعيه، اما النوع الثالث فهو غَيْبُ المُستقبل، وهو ما سيكون حتى يوم القيامه مثل مفاهيم النشور والحشر والحساب…إلخ، وهذا الغَيْبُ يختصُ به الله تعالى وحده ما عدا من إرتضاه من رسول عبر الكتب السماويه، قال تعالى “عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ…” (الجن:26،27) والمعجزات التي خَصَ بها الرسل عليهم السلام كمفهوم غَيْبي كانت عَينيّه مُشَخّصه لجميع الرسل وتتوافق وطبيعة المجتمع الذي جاءوا إليه أو جاءوا منه، في حين لخاتم الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كانت مُجَرّده فيها غَيْبُ المستقبل واضح، قال تعالى ” لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام67)، وهنا النبأ شيء من الغَيْب وحين يستقر سيصبح خَبر لأنه أصبح معلوماً وبالتالي حقيقة واقعه ومؤكده، والإكتشفات والإختراعات العلميه ادلة ثابته في هذا المفهوم الغَيْبي.

الواقع السياسي الحالي الدولي والإقليمي، يَبدو فيه أن الغَيْبَ هو أساس وواقع منطقتنا في الشرق الأوسط وفي المشرق العربي بالذات، ورغمَ أن هذا الغَيْب تعرفه الدول العظمى حصراً وبالتحديد الولايات الأمريكيه المتحده، إلا أنّه في الواقع “الزمكاني” السياسي بإرتباط الحدث في المكان والزمان في إطار واحد، فقد أصبح الغَيْبُ علامه فارقه للمنطقه حتى بالنسبة لتلك التي كان في عِلمها ذاك الغَيْب.

“سايكس وبيكو” قَسّما المشرق العربي ومنطقتنا وفقا لتقسيمات جغرافيه تؤدي بالضرورة إلى صراعات داخليه وحدوديه بينها، إما بسبب طبيعة التداخلات بينها أو بسبب طبيعة الهويات المُتَعدّدة التي تسكنها أو الديانات والمذاهب المتنوعه والتي كان من المُمكن ولا يزال لأن تكون عنوان بناء وتطوير وتناغم وتَفَرّد، لكنها بفعل فاعلِ داخلي وخارجي تحولت لنقمه وعناوين هدم وتخلف ورجعيه.

بداية الغَيْب المُخَطَط للمنطقه بدأ عمليا تنفيذه بحصار العراق وتجويعه ثم غزوه لاحقا وتدمير مؤسساته كاملة وبالذات مؤسسة الجيش التي كانت أساس لحماية ووحدة وسيادة الدولة العراقيه، هذا من جانب، أما ما كان في الجانب الآخر فقد تم بقصد وترصد نَقْل مفاهيم الهويات المذهبية والعرقية والطائفيه والدينية من الكتب والخُطَب “المفهوم النظري” إلى أرض الواقع، إلى تشكيلات ليست حزبيه وطائفيه مذهبيه فقط، بل عسكريه متطرفه وإرهابيه ومُجَيَّشه بفكرِ مُطلق لا يقبل أحداً حتى سَيّده…ظهر الإخواني الشيخ عبد الله عزام في أفغانستان ليجاهد ضد السوفييت بدعم وتسهيل أمريكي- باكستاني وتمويل عربي خليجي، وجاء تلميذه الشيخ أسامه بن لادن ليشكل مع الشيخ الظواهري أولى تشكيلات الإرهاب الديني بإسم الجهاد التي تُعرف بِ “القاعدة”، توالت بعد ذلك وبسرعة الضوء ظهور تشكيلات وتسميات مختلفه كلها تَصب في خدمة غَيْبِ أمريكيا، فجاء “الزرقاوي” و “قاعدته” أكثر عنفا وتطرفا، ولحقها “البغدادي” و “داعشيته”، و “الجولاني” و “نُصرته”، و “أحرار الشام” و “جُند الشام”، حتى أنه ظهر شيء غريب إسمه “جيش الإسلام” للمدعو “زهران علوش”، وكأن الإسلام شيء حصري له ولجماعته، في حين أن الإسلام هي ظاهرة عالمية تشمل كل من آمن بالله واليوم الآخر ومن سلم الناس لسانه ويده، فمن سيدنا “نوح” عليه السلام مرورا بإبراهيم عليه السلام الذي أسمانا مُسلمين إلى يعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان وعيسى بن مريم عليهم السلام وحتى رسولنا الأعظم صلوات الله عليه وسلم، كلنا مُسلمين.

بدأت الحروب الصغيره، وبدأت معها التفجيرات الإرهابيه في منطقتنا وفي العالم، والهدف، خلق تمايز مذهبي وطائفي بين مكونات الشعب الواحد وحصرها في جغرافيا جديده كنتيجه لذلك، فظهرت مفاهيم كانت مدفونه لكنها موجوده في الموروث، وتم إخراجها والتَجيّيش لها إعلاميا وماليا ودينيا وعسكريا، فهذا سُني وذاك شِيعي وعَلوي وإيزيدي وحوثي ودرزي وإسماعيلي، هذا مُسلم وذاك مسيحي، هذا عربي وذاك كردي وأرمني وشركسي…إلخ، بدأت شعارات “نحن” و “هم”، وتطور الأمر ووصل ذروته فيما سُميَ زوراً وبهتاناً “الربيع العربي”، وهو كان ربيع طائفي إسلامي سياسي، تزعمته محلياً أحزاب الأسلمه السياسيه ذات البرنامج المؤدلج المُطلق التفكير، الفئوي المذهبي، وبإسم وتحت شعار مُزَيّف “الإسلام هو الحل”، وحضنته ورعته حكومات أساسها “ثيوقراطي” ملكي مذهبي دَموي تمتلك من الإمكانيات الماديه والمالية والتسليحيه والإعلاميه والدينيه، مخزون لا ينضب، في حين كانت القياده الفعليه لصاحب فكرة غَيْب المستقبل متمثلا في شعار “الفوضى الخَلاّقه”، والهادفه لتفتيت جغرافيا “سايكس- بيكو”، لصالح جغرافيا المذهب والهويات المُزَيّفه والتي لا تصبُّ إلاّ في خدمة شعار “الدولة اليهوديه”.

يقول المؤرخ الإنجليزي آرنولد توينبي ” إن ولادة إسرائيل هي ضد التاريخ وضد الجغرافيا وضد المنطق”، ويرى أن نظرية “التحدي والإستجابه” هي اساس لصعود ونهاية الحضارات والدول، ويجد أن الإستجابه للتحديات سواء كانت ماديه أو إجتماعية أو فكريه أو إقتصاديه أو علمية أو حضاريه مرتبط بمفهوم “السَلب” و “الإيجاب”، حيث الإستجابه السلبيه تعني الإنطواء على الذات وتدميرها كما يحدث لدى العرب الآن، والإستجابه الإيجابيه يعني البقاء والتطور والحياة كما يحدث في “الصين” مثلا ودول “البريكس”، لذلك قال توينبي “الحضارات لا تموت قتلاً، وإنما تموت إنتحاراً”، وهذا بالفعل ما يجري في واقعنا العربي وعبر عنه الكاتب “نبيه برجي” بقوله: “لم يعد الإسلام سوى شظايا عقائديه ترتبط حتى بثيابنا وحتى أصابع نسائنا، بمصيرنا في العالم الآخر، دون التساؤل عن مصيرنا في هذا العالم”.

هناك إنهيار قِيمي وأخلاقي وحضاري نابع من القلب لأن إستجابتنا للتحديات كانت بالإنزواء والنكوص والعودة للماضي ورفض النظرة الإيجابيه للحضاره والعلم والتطور، وهذا الإنهيار تم إستغلاله لبعث الحياة في من ولد مشوها، ولا يزال…حياة مصيرها الفشل، فمن ولد ميتاً سيبقى كذلك مهما أظهر من ظواهر تؤشر لكونه حياً يُرزق كمفهوم سياسي وجغرافي وحضاري…وغَيْبُ المُستقبل أصبحَ خبراً، و “عند التمام يبدأ النقصان” كما تقول الحكمه الصوفيه.

تَجديد…لا سَلفِّية سياسية!!

بواسطة , 2015/12/06 5:02 مساءً

يطرح الدكتور محمد شحرور ف كتابه “السنه الرسولية والسنه النبويه”، مفهوم الطاعه، ويرى أن الطاعةُ مُلزمةٌ للرسول محمد صلوات الله عليه وسلم في مقام تبليغ الرساله (مقامه كرسول “ص”، من حيث أحكام الرساله والقيم الإنسانيه ونظرية الحدود في التشريع والمحرمات والشعائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ويستند في ذلك لقوله تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ…” (النساء 64)…ويقول شحرور، أنه ورد في القرآن الكرم سبعين موضعا يُذكر فيه جملة “أطيعوا الرسول”، في حين لم يوجد فيه مطلقاً عبارة “أطيعوا النبي”، كما يرى الكاتب، أن الطاعة للرسول “ص” هي طاعه إختياريه، لقوله تعالى “مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا” (النساء 80)، والسبب في ذلك أن الرساله تحتمل صفتي الطاعه والمعصيه، ومن عصى فإن حسابه عند الله فلست أيها الرسول رقيب تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها…في حين “مقام النبوة” يحتمل مفهومي التصديق والتكذيب لأنها تتحدث عن أنباء غيبية، والقرآن الكريم هو عباره عن الغيبيات الكونية والتاريخيه، ولهذا السبب لم يقم سيد المرسلين والبشر محمد عليه السلام بتفسر القرآن وتأويله، ذلك أن الله تعالى قال في محكم كتابه ” لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام67)، ومن هذه الآيه لوحدها نجد معجزة القرآن الكريم حيث الكثير من الإكتشافات والعلوم في قرننا هذا أثبتت ما ورد في التنزيل الحكم المُنَزّل وحياً في القرن السابع ميلادي، كما قال صلوات الله عليه وسلم ” بلّغوا عني ولو آية، فَرُبّ سامع اوعى من مُبلغ”، والسامع والقائل في عصرنا الحالي أوعى بكثير ممن سبقوه في عهد النبوّة وهذا راجع لحجم الإكتشافات العلمية والأنثروبولوجيه والأركيولوجيه الهائله والتي بمجملها لا تتعارض مع ما ورد في كتاب الله، فالنص ثابت في حين القاريء والسامع مُتغير.

سُقت المقدمه أعلاه ليس لكونها فكرة مؤكدة رغم قناعتي الشخصيه فيها، بل لأنها رؤية جديده في محاولة فهم جديد للسنه الرسولية والسنه النبويه تُجافي بشكل ثوري المفاهيم المُحنطه السلفيه الموروثه التي لا يزال المجتمع العربي والإسلامي يأخذ بها ويؤمن بها ويحارب أي محاولة للتجديد الفكري في مفاهيم الديانه المُحمديه وبما يتلائم مع القرن الواحد والعشرين..وما ينطبق على الدين السَلفي ينطبق على السياسه السَلفيه، متمثله في، سياسة الحزب الواحد والقائد الواحد وسياسة الفكر الواحد، سياسة الإحتكار للحكم والسلطه والبرنامج والفكره، فما أن يخرج علينا أحد السياسيين أو المفكرين أو المُحللين بفكرةٍ ما حتى تتم مهاجمته بأبذع وأقسى الكلمات والمفردات التي يتمتع فيها قاموس لغتنا العربيه، بل يتم القفز عن الفكره ومهاجمة الشخص بإتهامات ليس لها أول من آخر.

إن من طبيعة الفرد في أي مجتمع كان أن يبحث عن دور له في مجتمعه الصغير او الكبير، محلياً أو عالمياً، صاحب برنامج محدود أو مُفكّر وصاحب فلسفه أو نظريه، العلماء مثلاً ( أقصد في العلم وليس في الدين) يجدون أنفسهم ودورهم من خلال إكتشافاتهم وإختراعاتهم لأن تأثيرها يكون على الإنسانية جمعاء، بينما رجال السياسه ويدخل في نطاقهم في عصور ما بعد الخلافة الراشديه وحتى الآن (رجال الدين أو من يُسمون أنفسهم علماء وفقهاء)، فإن مصالحهم الشخصية والفئوية والدينية والإقليمية ومصلحة إحتكار السلطه، هي من يتحكم في مفهوم التأثير ودور الفرد، وهنا من الفرد إلى الحزب يبحث عن بقاءِه وإستمراره في السيطره على السلطه، لذلك يقال ” السلطة مَفسَدَه”.

في الواقع الفلسطيني، لدينا مشكلة عويصه، أولها ليس الإحتلال فحسب، ولا الإنقسام وتجلياته وما نتج عنه، ولا الصراعات المناطقية الجهوية، ولا الصراعات الحزبية الداخليه، ولا حتى الصراع بين الأفكار والنظريات والبرامج…مشكلتنا في أن من يَتصدى لكل هذه المشاكل وبالذات السياسية منها، إما كان جزءاً منها، أو عَمِلَ لإيجادها بسبب من مصالح فردية ذاتيه في حينها، وحين خَرَجَ من هذه التجاذُبات كُرْهاً وليس طَوْعاً، بدأت فرديته تبحث عن حلول لما قامَ وعَمِلَ لأجله وعليه،وفرديته هنا ليس شَخصه الكريم، إنما ذاك التيار الذي كان أحد أهم الأسباب في إحداث ما أصبحنا عليه وما نحن فيه…تَيّار بِشِقّيه العلماني “سياسياً” وتَيّار الإسلام السياسي، هذا تحدث عن المجتمع الدولي ومتطلباته وذاك تحدث عن “المقاومه” وشرعية صندوق الإقتراع بطريقته ووفق نظرته المطلقه التي لا تحمل أي تأويل، وبطريقة شيوخهم الحاقدين على أنفسهم قبل الإنسانيه “سيد قطب وإبن تيميه”، والضحيه كانت فلسطين والشعب الفلسطيني…وحين تَقدَم صاحب الشرعيه الجماهيريه والوطنية والتاريخية والمؤسساتيه الرئيس “أبو مازن”، بالدعوة في تلك اللحظة التاريخية لإستفتاء لحسم طبيعة ذاك الصراع شعبياً، رَفَض صاحب الفكره المطلقه تلك الفكره وجَعَلَ من فرديته وتِبعِيّته للتنظيم الدولي لحزبه هو الأساس، فكان ما كان.

حقق البعض الغارق حتى أُذنيه في الإنقسام ما يصبوا إليه كفرد أو كتيّار، الخسارة الوطنية والمجتمعية والشعبية كانت ليس أكبر وحسب، بل تداعياتها الزمامية والمكانية لا زالت تنزف حتى الآن وستبقى…إن أي دعوة لإعادة اللحمه ومهما كان الهدف منها وطني أو حزبي أو حتى فردي، يجب أن تكون فتحاوية – حمساويه، أو أن يتم تبنيها من الحزبين الكبيرين، شرط أن يكون على رأسها من يتمتع بالشرعية الدستورية المُتمثله بالرئيس محمود عباس ” أبو مازن”، وبحيث تؤسس ليس فقط لإعادة الإعتبار للوطن فقط، بل لإحداث نقله نوعية وجديدة في الفكر السياسي والوطني والبنيوي المؤسساتي المُستند إلى إنتخابات تشمل كافة المؤسسات من مجلس وطني إلى تشريعي إلى رئاسي، وبعد ذلك يكون هناك إطار قيادي موحد، أما قبل ذلك فمفهوم أي إطار قيادي موحد خارج نطاق مؤسسات الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هي وصفه لنزع الشرعيه عن “م.ت.ف” بإسم الوحده الوطنة المزعومه، وهي وصفه للبقاء الذاتي للأفراد وتياراتهم، ووصفه لسرقة إرادة الشعب الفلسطيني في إختيار قياداته بحرية وعلى قاعدة الإنتخابات الحره والنزيهه.

أما آن الأوان لأن يكون عنوان القضيه الفلسطينية شعبها وليس تقاسم فصائلي يفرض نفسه بسبب وجود قطاع غزه الحبيب مخطوف وتتم المساومه عليه وفي ظِلِّ حصار ظالم يَئِنُّ منه شعب القطاع ويدفع فقراءَه دمائَهم وحريتهم نتيجةً لذلك..يعتصرنا آلآم بسبب واقع الحال، وبالرغم من ذلك علينا أن نكون أكثر شجاعه ونقول للأفراد والشعب وغيرهم من نُخَب، أن هناك قاعدة تقول “قاوم الرغبة لإكمال الأشياء الصغره أولاً”، ونقول أيضا كما قال صاحب أل “لا” الشاعر الكبير المرحوم أمل دنقل: فاشهدْ يا قلمْ…أننا لم ننمْ…أننا لم نضعْ…بين لا ونعم.

المزيد على دنيا الوطن .. http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2015/12/05/386660.html#ixzz3tYqBwCGL
Follow us: @alwatanvoice on Twitter | alwatanvoice on Facebook

نظرية “الحدود” المُطلقه والأعراب

بواسطة , 2015/11/30 7:57 صباحًا

نظرية “الحدود” المُطلقه والأعراب بقلم: فراس ياغي

 

 

لم تكن يوما حدود الشيء حوافّه…فحدود الدائره ليس محيطها فقط…وشواطيء المحيط أو البحر ليست حدود…وحدود دول المشرق العربي وبعد قرن من سايكس – بيكو لم تعد حدود بالمفهوم الجغرافي…وشرع الله في حدوده رأآها الأعراب حدود التطبيق الحرفي ولم يفهموا معناها العالمي، كونها نظرية تشمل الحد الأعلى والحد الأدنى، وتشمل الظروف المحيطه قبل التطبيق…أقصد أن الحدود مهما كانت طبيعتها لها محيط ومجال تتأثر به وتُؤثر فيه…وكل شيء في هذا الكون مجرداَ أو محسوس له ترابط مٌعين ولا يمكن فهمه منفرداَ عما يجري من حوله وفي دواخله.

الواقع الفلسطيني ينطبق عليه مفهوم نظرية “الحدود” وفقا للأعراب…أي يتم أحيانا كثيره فصله عما يحيط به ويتم التغاضي عما يجري في داخله المُتغير لأسباب موضوعية أولاً وذاتيه ثانياً…فمنذ ما بعد إنطلاقة الثورة ولأسباب في حينها نعيش خرافة القرار الفلسطيني المستقل وطوباوية عدم التدخل في الشؤون العربيه…في حين لم يكن لنا يوماً قرار مُستقل حقيقةً فنحن جزء من الجامعه العربية نتشاور معها ولا نتحرك إلا بعد أن نأخذ الضوء الأخضر منها رغم أنها وبعد القائد الخالد الرئيس (جمال عبد الناصر) بدأت عملية تفريغها من محتواها العربي القومي وأصبحت رويداً رويداً أداه للرجعيه الفكريه والسياسيه لضرب المفهوم القومي والوطني عند الكثير من أعضائها…أما مسألة التدخل من عدمه في الشؤون العربية حولنا فهي نابعه من عدم قدره أكثر من كونها شعار مركزي، فالكل من حولنا يتدخل فينا ويضغط علينا وفقا لتوجهاته السياسيه الإقليمه ووفقا لما تريده أحيانا السياسات الدولية وعلى رأسها إرادة الولايات المتحده الأمريكيه، ونحن كفلسطينيين متواجدين في الدول التي حولنا وما بعدها القريب والبعيد، وبحسب توجهات الأفراد من أفكار وأحزاب وحركات نتدخل بطريقه أو بأخرى.

لم يكن يوما التدخل في شؤون غيرنا الفردي مشكله، رغم إستغلاله للتحريض ضدنا، كما حاول البعض بعد التفجير الإرهابي الإجرامي النازي الخوارجّي في بيروت “برج البراجنه”…المشكله تكمن فيمن يحمل فينا أفكار وأيديولوجيات عابره ليس للحدود فقط ولكنها تشمل كُل المحيط وما بعد هذا المحيط … الفكر المؤدلج كمطلق لا يحتمل النقاش ولا يحتمل التغيير … الفكر الذي أنتج “الدواعش” و “القاعده” من عباءة فكر “سيد قطب” وما يَدعّون أنه شيخ الإسلام “إبن تيميه” وهو بعيد كل البعد عن جوهر وحقيقة الإسلام السَمح العالمي القيمي الأخلاقي فكيف أن يكون شيخه!!! يضاف لهم فكر “الوهابيه” وهو فِكر دَخيل على قِيَم الدين الإسلامي وجاء في غفله من الزمن كان يقودها الإستعمار البريطاني الذي حول من الإسلام عبر “الوهابيه” لدينٍ متوحش على أفراده وأنصاره وعلى من حوله.

يقول الإقتصادي الأمريكي “أوتو شارمر ( عكس العقل المفتوح – أن تكون عالقاً في حقيقة واحده، وعكس القلب المفتوح – أن تكون عالقاً في جلدٍ جَمعي واحد كل شيء “هو”، ونحن في مقابلهم “هم”، وبذلك يكون التعاطف مع الآخر مستحيلاً، أما عكس الإرادة المفتوحه – هي أن تكون مستعداً للمقاصد القديمه التي تتأصل في الماضي ولا تُشكل الحاضر، وبذلك لا تستطيع أن تنفتح على أي فُرص جديده)… أليس ما يقوله “شارمر” ينطبق علينا فلسطينياً وعربياً، أليس الفكر السائد في مجتمعاتنا تعيش الماضي أكثر مما تعيش الحاضر وتخطط للمستقبل، أليس فكرنا عالق في حقيقة واحده تتمثل في مجتمع القرن السابع ميلادي وعصور الخلافه بسلبياتها وإيجابياتها (إن وجدت حقيقةً تلك الإيجابيات فكانت بسبب تأثيرات الفرد أكثر من كونها فكر جامع أو قانون حاكم)…ألم نقع ونسقط فكرياً في مؤامرة “نحن” مقابل “هم”، على الرغم اننا جميعا نقع تحت بند الإنسانيه وبند التعدديه الفكرية والثقافية والدينية والإثنية في داخلنا كمجتمع إسلامي (أمة إسلاميه) فكيف كمجتمع عالمي إنساني واحد، لكن البعض الخارج (من الخوارج) في هذا العصر رفض ذلك، بل يرفض كلام الله المُنزَل في كتابه بأنه لو شاء لجعل الناس أمة واحده، قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”(93 النحل)، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (118 هود)، “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ” (99 يونس)، “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  ” (48 المائدة)…اليست كل هذه الآيات الكريمه الإلهية واضحه في أن المجتمع الإنساني والإسلامي هو مجتمع متعدد ولا سيطرة مطلقه فكريه عليه وتُعطي الحق في الإختلاف لأن المرجعية في نهاية الزمان والمكان هي لله وحده يوم الحساب فيما إختلف فيه البشر في مفهوم الحدود ومفهوم الإيمان والكفر وفي مفهوم المنهاج الواحد والنظرية الواحده والسياسه الواحده والمُطلق الواحد.

الوداع للسلام في سورية وفلسطين

بواسطة , 2011/04/17 8:05 صباحًا

هآرتس 24/3/2011

قولوا وداعاً جميلا ً للسلام مع سورية. حتى من يؤمن بحيوية الجولان مقابل السلام، مثل كاتب هذه السطور، لا يستطيع أن يغمض عينيه عما يحدث. عندما تهدد الثورة العربية الكبرى سلطة بشار الاسد فلا احتمال ان يختار السلام. وعندما تثور عليه الجماهير السورية فلا احتمال ان يقامر بشار الاسد على السلام. ليس للاسد 2011 ما يكفي من الشرعية لصنع سلام. وليس للاسد 2011 حاشية الأمن في الحد الأدنى المطلوبة للسلام. حتى لو كان الاسد الشاب قد اراد السلام جدا فقد أصبح ذلك متأخرا جدا الآن. في السنة أو السنتين القريبتين لا يوجد أي احتمال لأن يفعل الطاغية السوري فعل السادات.
قولوا وداعاً جميلا ً للسلام مع فلسطين. إن من يؤمن ايضا بضرورية حل الدولتين، ككاتب هذه السطور، لا يستطيع ان يغمض عينيه عما يجري. عندما تجر الثورة العربية الكبرى ابو مازن فلا يوجد أي احتمال لأن يدفع ثمن السلام. وعندما تملأ الجماهير العربية الشوارع، لا يستطيع أبو مازن أن يقول لثلاثة ملايين لاجىء فلسطيني انه صالح في حق العودة. وعندما تكون الشعوب العربية في فوران لا يستطيع أبو مازن ان يقول لهم انه صالح على القدس. لا يوجد لابو مازن 2011 ما يكفي من الشرعية لصنع السلام. ولا يوجد لأبو مازن 2011 حاشية الأمن في الحد الأدنى المطلوب للسلام. حتى لو كان أبو مازن قد أراد السلام جدا فقد أصبح ذلك متأخرا جدا الآن. في السنة أو السنتين القريبتين لا يوجد أي احتمال لأن يفعل زعيم فلسطيني معتدل فعل السادات. قولوا وداعاً جميلا ً للهدوء. حتى من استمتع جدا بالهدوء لا يستطيع ان يغمض عينيه عما يجري. ما تزال الثورة العربية الكبرى لم تتغلغل الى المناطق المحتلة لثلاثة اسباب: بسبب صدمة تولي حماس السلطة في غزة، وبسبب النماء الاقتصادي لسلام فياض وبسبب توقعات ان تنشأ في أيلول (سبتمبر) دولة فلسطينية. لكن المنعة لن تبقى الى الأبد. فالثورة العربية ستبلغ المناطق إن عاجلا أو آجلا. عندما يتحطم توقع الدولة في أيلول ( سبتمبر)فان النماء الاقتصادي ايضا لن يمنع التسونامي. لا يمكن أن نعلم هل سيكون السيناريو هو سيناريو تونس أو سيناريو مصر أو سيناريو الانتفاضة الاولى. إن الهدوء الذي نتمتع به الآن آخذ في الانتقاض. سيضرب طوفان الانتفاضة اسرائيل.
قولوا وداعاً جميلا ً لكل ما اعتقدتموه حتى كانون الثاني (يناير) 2011. فالشرق الاوسط تغير من الأساس. الواقع واقع جديد سيّال ثوري. ما عادت توجد قاعدة صلبة للسلام في صورة مصر. وما عادت توجد دعائم قوية للسلام على صورة السعودية والاردن وامارات الخليج. وما عاد يوجد شركاء في السلام على صورة الاسد وأبي مازن. ومن جهة اخرى ما عاد يوجد امكان استعمال القوة في مجابهة جمهور ثائر. الاحتلال أصبح أخطر مما كان. وأصبحت المستوطنات أكثر هذيانا مما كانت. وأصبح الوضع الراهن شركا مشتعلا في حين أن جميع السبل المعروفة للخروج منه قد سُدّت.
يتحمل الرئيس باراك اوباما مسؤولية ما عن الوضع الذي نشأ. عندما قرر رئيس الولايات المتحدة ان يشارك مشاركة فاعلة في عزل رئيس مصر، لم يدرك انه سيضطر نتيجة ذلك بعد مرور شهر الى اطلاق صواريخ توماهوك على ليبيا. ولم يدرك انه يقوض النظام القديم للشرق الاوسط من غير ان ينشىء نظاما جديدا. ولم يدرك انه يصادر السلام الاسرائيلي ـ السوري ويصادر السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني ويُعرض السلام الاسرائيلي ـ المصري للخطر.
قد يكون اوباما أصاب في فعله. وقد يُتذَكر آخر الامر بأنه المحرر الكبير للأمة العربية الكبيرة. لكن على الرئيس الامريكي ان يعترف بتأثيرات أفعاله. عليه ان يدرك ان وضعا تاريخيا جديدا يقتضي نظرية سياسية جديدة. فما كان صحيحا في 2010 لم يعد صحيحا في 2011. وعلى ذلك يجب على اوباما ان يؤجل الاختيار الذي لا أساس له بين الجمود المطلق والسلام المطلق. عليه ان يؤخر الاختيار بين مصالحة تاريخية واحتلال مُفسِد. عليه ان يقترح مسيرة سياسية من نوع جديد تكون قائمة على انسحاب اسرائيلي جزئي وعلى تقوية فياض. وكي لا تشعل ثورة تحرير القدس قريبا يجب على اوباما ان يرسم طريقا ثالثا على عجل.

هآرتس 24/3/2011

تصور دولتين: تسهيل الدولة الواحدة الإقصائية… ألاستير كروك

بواسطة , 2011/04/17 8:02 صباحًا

 

 

بقلم: ألاستير كروك، دبلوماسي بريطاني، مؤسس ومدير منتدى الصراعات.

(النسخة العربية خاصة بمركز الزيتونة).

في سنة 2003، أدركت أن شيئاً ما قد تغيّر؛ فقد فتح باب الغرفة التي كنت أجلس فيها، ودخل شخص كان يرتدي معطفاً أسود ولفحة؛ وكان من الواضح أنه كان متحفزاً للكلام، فاندفع معبراً عن النجاح الذي كان يريد أن يشاركنا فيه. كنت وقتها في شارع داونينغ ستريت Downing Street ، مقر الحكومة البريطانية، في غرفة كان يشغلها مستشار أعضاء البرلمان للشؤون الخارجية في ذلك الوقت، السير ديفيد مانينغ David Manning، والشخص ذو المعطف الذي اقتحم الاجتماع، كان جاك سترو Jack Straw، وكان وقتها يريد أن يخبر مانينغ بأنه أقنع وزيرا الخارجية الألماني، يوشكا فيشر Joschka Fischer، بدعم حظر حركة حماس، وإضافتها إلى قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية؛ وكان حدثيه مفعماً بتعبيرات الاستياء والغضب من الحركة.

شعرت حينها بالصدمة، ولم يكن حظر حركة حماس هو ما صدمني لهذه الدرجة، بل انهيار وقف إطلاق النار الذي كنت قد ساعدت حينها في تسهيله، وكنت أدرك حينها أن أمامنا أوقاتاً صعبة. كانت الحماسة التي تابع بها سترو مهمته الجديد في الأمر، لا أعلم بما فكر السير ديفيد، ولكن لا بد أنه كان يدرك، كما أدركت أنا، أن قائمة الإرهاب كانت من الأشياء التي قد يكون الخروج منها مستحيلاً، وأن النتائج المترتبة على ذلك بالنسبة للدبلوماسية وصناعة السلام كانت عميقة، ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى أن سترو قد أخذ هذه الأمور بالحسبان في غمرة نشوته بما تحقق.

كنت أعلم عن السير ديفيد أن كان يعتقد بقوة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل للقضية الإسرائيلية الفلسطينية دون مشاركة حماس. وكان حتى ذلك الحين، داعماً بقوة لجهود الاتحاد الأوروبي الساعية إلى بناء سلام يبدأ من القاعدة ويصل إلى القيادة. وقد ظل الاتحاد الأوروبي ملتزماً بالحل السياسي، إلا أن دولتين رئيسيتين انتهجتا من الناحية الأمنية مساراً معاكساً باتجاه الحل العسكري، فتغير اتجاه الرياح.

كانت هناك إشارات سابقة بأن الحل السياسي لم يعد في مقدمة أفكار دوائر القرار البريطانية. وفيما شكل إشارة مبكرة حول خروجي المقبل من إدارة الاتحاد الأوروبي، والذي سعت إليه بريطانيا، أخبرني مسؤول بريطاني رفيع المستوى بشكل صريح، بأن عملي على بناء إجماع فلسطيني يبدأ من القاعدة ويصل إلى القيادة وإقامة اجتماعات في صالات البلدية مع كل الفصائل، والانتقال يومياً بين القاعدة الشعبية والرئيس عرفات لضمان خطوات عملية وزخم مستمر، والعمل مع حركة حماس، قد انتهى. وأوضح لي بأنه أصبح هناك عهد جديد، وأصر على أن “الطريق إلى القدس، والحل السياسي الإسرائيلي الفلسطيني، قد أصبحا يمران عبر بغداد” وقد جرى هذا الحديث بيني وبينه قبل مباشرة قبل غزو العراق سنة 2003.

كانت الرسالة واضحة، فقد غدا الهدف حينها تفكيك المقاومة الفلسطينية وهزيمتها نفسياًُ من خلال العرض الهائل للقوة الغربية في العراق، بدلاً من إقناعها بدخول العملية السياسية. وكانت بريطانيا والولايات المتحدة تبحثان عن شريك فلسطيني تم تأديبه من أجل القيام بالتنازلات اللازمة لـ”إسرائيل” فيما بعد الحرب على العراق. وكان المذهل في الأمر كله، القناعة شبه العقدية التي بدت على محدثي، من أنه متأكد من أن هذا المسار سيكون هو النتيجة الحتمية.

وكانت تلك الأيام أيام اندفاع المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين، وكانت الحماسة للحرب على الإرهاب تنتشر بشكل كبير. وفي اجتماعي الأول مع خلف السير ديفيد في شارع داونينغ، السير نايجل شينوالد Nigel Sheinwald،  شرح لي الأخير بغضب أن الأمن في فلسطين لا يمكن أن يتحقق إلا بإزالة “فيروس” حماس من غزة والقضاء على “مرضه” في المنطقة، وذلك بدوره لا يمكن أن يتحقق بالطبع إلا من خلال إيجاد قوة أمنية شرعية تمثل مختلف شرائع المجتمع. وقد كانت من الواضح أنه يتحدث بلغة واشنطن، وأنه أصبح ينظر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس كمسألة قائمة بحد ذاتها، بل كفرع من فروع الحرب على “التطرف”، مما شكل حجر دومينو آخر تم الدفع به لشد عضد “المعتدلين”.

وقد تضمنت “الأوراق الفلسطينية” التي أصدرتها الجزيرة نسخاً عن الخطط السرية البريطانية التي وضعت سنتي 2003/2004 لتفكيك قدرات الفصائل الفلسطينية المعارضة لمنظمة التحرير، من خلال قطع اتصالاتها واغتيال أعضائها وإغلاق مؤسساتها المدنية والخيرية، وإزالتها من الهيئات العامة ومصادرة أصولها . لقد وضع السيد توني بلير Toni Blair دروس بناء السلام التي استخلصتها بريطانيا من الحرب مع إيرلندا الشمالية جانباً ليتبنى الانتفاضة المضادة (COIN).

وفيما بعد، شرح لي بشكل خاص، مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى أنه في أيلول/سبتمبر 2003، أجبر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، محمود عباس على الاستقالة من منصبه كرئيس وزراء، فدعا الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش George W. Bush توني بلير وهو غاضب ومحبط، وعبّر له عن استيائه لكون الأوروبيين “يرقصون حول عرفات” بينما يترك للولايات المتحدة مسألة القيام “برفع الأثقال” في “إسرائيل”، كما أبدى بوش اعتراضه على العملية الشاملة لبناء السلام التي كنت أعمل عليها، لأنه كان يراها غير متوافقة مع “حربه على الإرهاب”.

وأظن أن تلك اللحظة كانت علامة فاصلة، فالتحول السري البريطاني باتجاه الانتفاضة المضادة زعزع السياسة الأوروبية تجاه هذا الملف بشكل كامل، فقد تم تفريغ الخطاب العلني الأوروبي حول تشجيع الإجماع الوطني من مضمونه من خلال المشاركة على المستوى الأمني السري في عملية التطهير السياسي التي استهدفت معارضي منظمة التحرير، ومنهم مقاتلو فتح الذي نشطوا في الانتفاضة الثانية من داخل مؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الوقت، ظل الاتحاد الأوروبي يتحدث عن تشجيع الوحدة الوطنية الفلسطينية بينما كانت الدول الأوروبية تسير عملياً في مسار القمع الأمني للحركات الفلسطينية نفسها التي كان الاتحاد الأوروبي يحاول إقناعها بالدخول إلى الساحة السياسية.

غير أن نتائج هذه السياسة أثبتت فشلها عندما لم تتأثر معنويات حركة حماس، ولم تهزم نفسياً بالصدمة والترويع مما جرى في بغداد، بل إنها استطاعت بسهولة أن تحقق فوزاً مريحاً في الانتخابات الفلسطينية في سنة 2006، وبالتالي، فإن المنطق الجديد وتعمق تورط الاتحاد الأوروبي بالانتفاضة المعاكسة، دفعا الاتحاد الأوروبي إلى الانخراط في رد فعل أمني عسكري بدلاً من استكشاف الإمكانات السياسية لكسب حماس.

وقد كتب مندوب اللجنة الرباعية للأمم المتحدة، ألفارو دي سوتوAlvaro De Soto، للأمين العام للأمم المتحدة  معترضاً أن شروط اللجنة الرباعية لإشراك حماس وضعت عن قصد بحيث يكون من الصعب أن تقوم حماس بتلبيتها بشكل معقول؛ وبذلك تمت الهندسة لإقصائهم، وقد اختار دي سوتو ترك الأمم المتحدة بعد ذلك بوقت قصير.

وقد يبدو غريباً أن تتقبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التحول الذي جرى سنة 2003 باتجاه الحل العسكري بهذه السهولة، ولكن مقاربة بلير أثبتت أنه من الصعب مقاومتها، فقد تركت الانشقاقات التي وقعت داخل الاتحاد الأوروبي أثناء تطور الأمور باتجاه شن حرب على العراق الاتحاد في حالة من الضعف الشديد. فكما أذكر، صدق حدس رومانو برودي Romano Prodi، رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي في زخم الخطاب الامريكي الفضفاض والقائل بأن “الرجال الحقيقيين يريدون الذهاب إلى طهران” بأنها أصبح لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يحاول استيعاب العجرفة الأمريكية، التي كانت تتسع من خلال العمل بشكل متسق مع واشنطن، وفي الوقت نفسه السعي لتخفيف وطأة العواقب الأكثر الأقسى لهذه السياسة.

عمل الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة على أمل  اكتساب دعم مسؤولين أمريكيين مثل كولن باول Colin Powell، ممن قد يستطيعون تخفف حدة السياسات الأمريكية. ولكن رغم ذلك، ضاقت خيارات الاتحاد الأوروبي بسبب تسليمه مسبقا ً بالمبدأ الأمريكي القائل بحق “إسرائيل” في تقرير حاجاتها الأمنية بنفسها مما يحد من الحيز الذي يستطيع فيه الفلسطينيون أن يجدوا “حلّهم”. وقد استمرت أمريكا وبريطانيا في مشروع الانتفاضة المضادة، ولم تؤدِّ جهود الاتحاد الأوربي لتخفيف حدة هذه السياسة إلى أية نجاحات ملموسة.  ولم يخبرني نائب كولن باول ريتشارد أرميتاج Richard Armitage  إلا فيما بعد بأن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، تجنب إجراء أي حديث شخصي مع الرئيس الأمريكي لمدة 18 شهراً على الرغم من إلحاح أرميتاج على هذا الأمر.

وسعى الاتحاد الأوربي ومسؤولو السياسة الخارجية الأوروبيين لسياسة “داعمة” مشابهة مع كوندوليزا رايس Condoleezza Rice، حيث كانوا حرفياً يتدافعون فيما بينهم حول كيفية لمساعدتها والذين يحصلون على نقاط أكثر من خلال اتصالات أكثر في الأسبوع مع سكرتيرة الدولة كان بوسعهم التباهي بكيفية لعبهم لدور “الإلهة أثينا” مع عضلات بوش “الرومانية”. وبوسعنا الآن أن ندرك كم كان تأثيرهم على واشنطن ضئيلاً.

ولذلك عندما ظل المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي مصراً على  القول للمفاوض الفلسطيني في سنة 2006 أن الاتحاد  لديه مقاربة مختلفة حيث أن “الولايات المتحدة تريد لحكومة حماس أن تفشل … [بينما ] الاتحاد الأوربي سيشجع حماس على التغيير وسيحاول جعل الأمور تسير بنجاح قدر الإمكان”  فإن كلماته كانت جوفاء، لأنه في الوقت الذي كان يقول فيها ذلك للمفاوض فلسطيني فإن دولا أوروبية بارزة كانت تزيد من دعمها السري لتدمير قدرات حماس العسكرية ولتطهير الضفة الغربية من مؤسساتها المدنية وداعميها من الحياة المدنية.

بعد سنة 2003، كانت سياسة بريطانيا تشير إلى أنها ستتبنى لاحقاً مقاربة أوسع بكثير وأشد تنظيماً. وقد حصل ذلك فعلاً بعد بعد سنة 2006، حيث تبنت الانتفاضة المضادة التي قادتها الولايات المتحدة والتي كانت مغلفة بخطاب ليبرالي جديد حول الإصلاح الأمني ودولة القانون. وقد كان أحد السبب الجزئي لتبني هذا الخطاب مواجهة الانتقادات الحادة التي وجهت للموقف الغربي تجاه الانتخابات الفلسطينية.

وتظهر “الأوراق الفلسطينية” كيف اتسع المشروع الأمني حيث اتجه إلى الاستثمار الكبير في التدريب والبنى التحتية الأمنية وبناء السجون لاحتواء أكبر قدر ممكن من النزلاء من أعضاء حماس، وتأسيس كتائب دايتون العسكرية لمواجهة حماس والتخطيط لإسقاط حماس في غزة، واستهداف قادة حماس بالاغتيال. وحتى اللجنة الرباعية الدولية انغمست في هذه الجهود حيث عملت مع مخابرات الدول العربية لتعطيل مصادر تمويل حماس.

ولم يكن هناك بد مع التشديد الواضح على التعاون الفلسطيني مع “إسرائيل” من أن تتسع المطالبة بالمزيد من التعاون، وقد تنامت هذه المطالب بحيث تلاشت بقايا “السيادة” التي كانت ستبقى لأية دولة فلسطينية – حيث لن تعني “الدولة” الفلسطينية المزعومة سوى وجه آخر من وجوه استمرار الاحتلال، حيث تعمل كامتداد لآليات التحكم الإسرائيلي.  فدوف فايسغلاس Dov Weissglas الذي كان سابقاً رئيس مكتب رئيس الوزراء شارون Sharon كان واضحاً حيث قال إن “محاربة الإرهاب ونشر الهدوء” هما المقياسين اللذين كانت “إسرائيل” تريدهما من منظمة التحرير.

وأصبح هناك ضرورة للبحث عن صيغة مخفف للاحتلال لاعتمادها كإستراتيجية للتحكم والاحتواء، لتترافق مع العملية السياسية؛ حيث اعترف الطرف الفلسطيني على مضض بتعريف “إسرائيل” بذاتها لاحتياجاتها الأمنية ولأدواتها العسكرية والسياسية ليصبح هذا التعريف ضرورياً وكافياً ويمكن بناء أي تسوية على أساسه. ونتيجة لذلك، فإن السياسة الأوروبية التي تبنت هذا الاقتراح مالت بشكل متزايد باتجاه القناعة بأن بوابة إنشاء الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تأتي إلى عبر احتياجات “إسرائيل” الأمنية والتي تحددها هي بنفسها. وأعتقد أن هذا الافتراض الأساسي الشائع هو افتراض خاطئ وأنه يستند على فهم خاطئ للاستراتيجيات الإسرائيلية.

وقد اصطبغت العملية السياسية برمّتها بهذا الميل نحو “بناء الثقة مع إسرائيل” منذ تحول السيد بلير سنة 2003 ، فالمسار العام باتجاه بناء دولة القانون والمؤسسات والتعاون الأمني والتعاون السياسي في “بناء المؤسسات” معروف جيداً، غير مشروع بناء الدولة الفلسطينية ككل يجب أن يُفهم بشكل أكبر في سياق الثورة المضادة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمقاربة “إسرائيل” الفريدة للإدارة الجماعية للفلسطينيين، وليس كجزء من أي مفهوم لإرساء قواعد الحكم الجيد.

ويعد العمل الأمني ضد “المتمردين” مجرد عنصر صغير في  مجمل عناصر العقيدة الأمريكية المتعلقة الانتفاضة المضادة، والتي ترجع على الأقل إلى حملة الجنرال جاي فرانكلين بيلز General J. Franklin Bell  في أوائل القرن العشرين ضد “المتمردين” الفلبينيين، ومبادئها تتضمن بناء نخبة حاكمة لتعمل وفق خطة أمريكية وتأسيس خدمات أمنية مسؤولة فقط أمام هذه النخبة، وتركيز السيطرة الاقتصادية في أيدي هذه النخبة لإضفاء اعتماد مادي (وسكون) لدى الناس وسياسة مساعدات كريمة تضمن “تسرب الشرعية” إلى تلك النخبة، والفكرة المتكررة في هذه العقيدة من الفلبين إلى فيتنام كانت نشر الخضوع، وفي السياق الفلسطيني فإن مكونات هذه العقيدة استخدمت لتوفير التعاون الفاعل والوطيد مع “إسرائيل” وتفكيك المقاومة الفلسطينية.

وجوهرها نظرياً هو التبادل القائم على زيادة النزعة الاستهلاكية، التي يتم توصيلها عبر الليبرالية الجديدة مقابل الهدوء غير السياسي، وممارستها من فيتنام إلى جنوب أفريقيا كان بدون استثناء تقريباً مرتبطاً بالقمع الأمني والتعذيب، والمشاهد الأخيرة والقصص التي تبرز من القاهرة حول إساءة استخدام الخدمات الأمنية  تؤكد خطر هذا النوع من المقاربة. وبما أن المصريين الذين تحرروا حديثا الآن يسعون الآن لمحاسبة المسؤولين عن مثل هذا النظام.

ما إن يتم الإدراك أن المؤسسات الفلسطينية شُكلت وتتشكل بهذه المبادئ فإن درجة أهمية التحول النوعي في مفهوم الدولة يصبح أوضح، ما إن يتم فهم كيفية تشكيل المؤسسات الفلسطينية على هذا الأساس، تتضح أكثر أهمية التحول النوعي في مفهوم الدولة. فمقالة أيشلينغ بيرن  “بناء دولة بوليسية في فلسطين”  Building a Police State in Palestine  تشرح الطبيعة النظامية والتمثيلية، فيما يحاول رجاء خالدي في مقال سينشر لاحقاً أن يشكر بأن  نموذج بناء المؤسسات الليبرالية الجديدة المميزة لسلام فياض  ليس إلا إمعاناً في جعلها هشّة أمام السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد المفتوح المرتكز على المستثمرين العالميين.

ومما يميز الليبرالية الجديدة العيب المؤدي إلى منافع مادية للنخبة على حساب عدم المساواة الاقتصادية المتنامية والتفتت الاجتماعي، ويستنتج خالدي في مقاله  أن مثل هذا النموذج لا يمكنه أن يخدم كإستراتيجية للتنمية الاقتصادية المستديمة في السياق الفلسطيني ولكن “مفرداته التقنية والحيادية تقوّيها الرغبة بالتخلص من السياسة وفي الواقع من الطبيعة السياسية نفسها للقضية الفلسطينية”

ربما ضمن هذا التأطير الخاطئ “للدولة” فإن الطبقة الوسطى الفلسطينية  الجديدة قد تعيش براحة أكثر، وربما سيكون هناك حرص على إخفاء الأدوات الظاهرة للاحتلال والتحكم بالحياة الفلسطينية ولكن مثل هذه “الدولة” لن تكون دولة استقلال وسيادة بل ستكون احتلالاً، وحتى لو كان هذا  الاحتلال مخففاً ولكنه يبقى احتلالاً.

فالغرب وقيادة رام الله يتبنيان بقوة عقيدة “الأمن أولا”  معتقدين أن حل الدولتين سيبرز في النهاية بسبب إدراك الطرف المسيطر أن مصلحة “إسرائيل” الديموجرافية ستحتم عليها أن تقبل به.  غير أن “إسرائيل” لم تقدم هذا الحل على الرغم من توفر العديد من الفرص في السنوات الـ 19 الأخيرة ولا يبدو أنها تميل لتقديمه الآن، ولكن نادراً ما يسأل لماذا – إذا كان المنطق في الواقع مقنعاً لهذه الدرجة؟

كان هناك افتراض جذري منذ بداية العملية كان أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تسعى لتحقيق أغلبية يهودية في “إسرائيل” والمحافظة على تلك الأغلبية، ومع مرور الوقت وتنامي أعداد السكان الفلسطينيين ستضطر “إسرائيل” ببساطة إلى قبول قيام دولة فلسطينية  لكي تحافظ على أغلبيتها اليهودية، أي أنه لا يمكن الحفاظ على الأغلبية اليهودية في “إسرائيل” إلا من خلال إعطاء الفلسطينيين دولتهم الخاصة بهم.

قد تكون هذه الرواية مقنعة ولكنني أعتقد أنها تفترض خطأ أن الإسرائيليين يفكرون في مستقبلهم، وأرى أن قوة الإيمان بفرضية “الحفاظ على أغلبية يهودية” وبديهية مبدأ “السلام أولاً” تسهم في إعماء الأعين عن الممارسات والأفكار الإسرائيلية التي ركزت على كيفية المحافظة على الصهيونية داخل الدولة اليهودية، بدلاً من المحافظة ببساطة على أغلبية يهودية ضمن دولة ذات مفهوم غربي.

لقد كان التزام القادة الأوربيين بعقيدة “حتمية الدولتين” قوياً لدرجة أن سياستهم بنيت حول  هذه الفرضية غير القابلة للجدل ودون شروط تقريباً، وقد تم التمسك لدرجة الرضوخ الضمني للحصار الإسرائيلي على غزة، ولكن مع حلول سنة 2007 أشار لي خفيير سولانا  Javier Solana ومن بعده وزير السياسة الخارجية للاتحاد الأوربي بأن هناك ديناميكية جديدة في التفكير الأوروبي، وكنت قد قابلت في وقت سابق من ذلك اليوم مسؤولين أوروبيين عبروا  جميعاً عن استياء من سياسة الاتحاد الأوروبي ولكنهم وبنفس القدر كانوا نادمين على أي منظور لإقناع الدول الأعضاء بتغيير التوجه.

وأعطت مناقشتي اللاحقة مع خفير سولانا إجابة جديدة لتبرير برودي السابق “للاحتواء الأمريكي”، وعند اقتراحي بأن الاتحاد الأوربي لا يمكنه أن يستمر في دعم الأمر الواقع بل عليه أن يعترف بالقوى الجديدة الصاعدة سألني سولانا سؤالا بدا في حينها غريباً: “ولكن إذا فعلنا ذلك فماذا سيحدث لصديقتي حنان عشراوي؟ هل ستظل قادرة على وضع أحمر الشفاه وأن تستمتع بين حين وآخر بكأس من النبيذ؟”

شكل ذلك أول إشارة لي إلى شعور أوروبا بهشاشة هويتها، فدخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي كان يلقى معارضة بعض الدول الأعضاء على أساس أنه سيهدد القيم المسيحية التي تكمن في الهوية الأوربية، وأثناء نزولي من مكتب سولانا أضاف زميل لي باستياء “سريعاً سيتغير المكان (المفوضية الأوربية) كثيراً: أوروبا تتحرك نحو اليمين” وقد صدقت توقعاته، فصعود المشاعر المعادية للمهاجرين  وللمسلمين في أوربا أصبح عاملاً رئيسياً في عرقلة قدرة الاتحاد الأوربي على تخطي كونه حارسا ً للوضع الراهن المتآكل بسرعة ولحل الدولتين.

ويجادل البروفسور مشتاق خانMushtaq Khan    بأن مفاوضات أوسلو القائمة على حل دولتين كنت تستند إلى تأكيد مثير للاهتمام أن الفلسطينيين لم يكونوا بحاجة لأية قوة مساومة لأن “الجميع اعتقدوا أن نهاية اللعبة كانت واضحة، في النهاية فإن حل الدولتين سيبرز لأن القوة المسيطرة … ستقبله لمصلحتها الخاصة، فلماذا نزعج أنفسنا بقراءة الوثائق؟ علينا التوقيع فقط، …” ( فقد أكد لي الكثيرون ممن كانوا قريبين من محادثات أوسلو أن ياسر عرفات لم يقرأ أبدا بشكل كامل الوثائق البالغة 400 صفحة قبل التوقيع).

ويلاحظ البروفيسور خان أن أوسلو كانت مبنية على تمارين في بناء الثقة بدلاً من المفاوضات الجدية المستندة على قوة المساومة، “في الواقع نحن نعلم أن أوسلو لم تكن ناجحة منذ يومها الأول … فبعد توقيع أوسلو لم تفصل “إسرائيل” نفسها عن المناطق الفلسطينية المحتلة وفي الواقع لقد غزت إسرائيل المناطق المحتلة بشكل أكبر، وقد وقعت اتفاقية إثر اتفاقية للسيطرة على متغيرات الاقتصاد الفلسطيني: التجارة الخارجية والضرائب والعملة وحركات العمل  والاندماج مع “إسرائيل” كان له خاصية غريبة فلم يكن اندماجاً كما لم يكن انفصالاًً بل كان احتواءً غير متوازٍ وفقاً للشروط الإسرائيلية التي كانت تعني اختراقاً إسرائيلياً للمناطق الفلسطينية المحتلة  ومحاولة للإبقاء على هذا الاحتواء، والآن لماذا قد تفعل ذلك إن كانت تنوي الانسحاب إلى حدود 1967؟ وما هو المنطق هنا؟

تظهر الأوراق الفلسطينية أن تسيبي ليفنيTzipi Livni   أعربت في جلسة مفاوضات في كانون الثاني/يناير سنة 2008 لأحمد قريع وصائب عريقات عن الإستراتيجية الإسرائيلية قائلة “إسرائيل تأسست لتصبح وطناً قومياً لليهود من كافة أرجاء العالم، يحصل اليهودي على الجنسية حالما تطأ قدمه أرض إسرائيل، لذا لا تقولا أي شيء عن طبيعة إسرائيل … فالقاعدة التي نشأت على أساسها إسرائيل هي أنها تأسست من أجل الشعب اليهودي … إسرائيل دولة الشعب اليهودي وأود التأكيد  على معنى شعبها، فهو الشعب اليهودي مع كون القدس العاصمة الموحدة وغير المقسمة لإسرائيل وللشعب اليهودي على مدى 3007 سنوات … دولتكم ستكون الجواب لكل الفلسطينيين بما في ذلك اللاجئين.”

فأجابها عريقات حينها “إذا كنتم تريدون تسمية أنفسكم دولة إسرائيل اليهودية فسموها كما تشاءون”، فقد كان عريقات يفسر الأمر على أنه مجرد مصطلح، ولم يكن يرى في تعريف ليفني تصريحاً واضحاً يحمل دلالات متعلقة بكيفية رؤية “إسرائيل” لخصائص الدولة الفلسطينية المقبلة. وقد أوصل عريقات للأمريكيين فرضيته القائلة بأن “الإسرائيليون يريدون الدولة الفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم”. وفي واقع الأمر أعربت ليفني عن كونها تريد دولة صهيونية مفتوحة أمام أي يهودي يقرع الباب، غير أن الحفاظ على مثل هذا الحق في بلاد محدودة المساحة يقتضي إبقاء الأرض والمياه تحت سيطرة الدولة.

ولا يمكن لـ”إسرائيل” وفقاً لهذا المنظور الصهيوني الذي عبرت عنه ليفني أن تكون دولة يتمتع مواطنوها بحرية المعتقدات والمساواة السياسية، فالصهيونية في جوهرها قائمة على إعطاء حقوق مختلفة لليهود وغير اليهود وإعطاء الأولوية لليهود الوافدين. وهذه الحقوق المختلفة تؤثر على كل شيء مثل إمكانية الحصول على الأرض والإسكان والعمل والدعم المادي والزواج بالأجانب والهجرة وغيرها، والأقليات التي تطالب بحقوق دينية وسياسية ضمن الدولة الصهيونية تمثل تناقضاً داخلياً وتهديداً لهذا النظام القائم على الحقوق الخاصة.

وتدخل تداعيات هذه النقطة الأخيرة الغائبة عن أذهان المفاوضين في صميم الحسابات الإسرائيلية فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية المفترضة، خصوصاً وأن حرب 1967 قادت إلى تطور النظام السياسي القائم على الاحتواء الإقصائي للفلسطينيين، الذي صمم بدقة لتجنب التناقضات الأساسية التي في الحقوق التمييزية وكيفية إدارتها، وهو نظام أصبح يمثل الرؤية السائدة في دوائر صناعة القرار الإسرائيلية.

ومنذ عقد مضى كنت ضمن فريق عمل السيناتور جورج ميتشل George Mitchell خلال جولته الأولى في المنطقة عندما طلب منه أن يرأس “لجنة استقصاء الحقائق” حول أسباب الانتفاضة الثانية. وحتى في ذلك الحين كانت رؤية ليفني واضحة في الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إقصاء الفلسطينيين من الجسم السياسي وجعلهم في الوقت نفسه خاضعين لأدواته وسيطرته. وقد تبنى الإسرائيليون سياسة خاصة بالمناطق المحتلة قائمة على المرونة وتغيير المعالم الجغرافية وتعليق حكم القانون تحت غطاء قانوني! 
كان الشهود الإسرائيليون هم الذين وصفوا للجنتنا تطور العقلية الإسرائيلية بعد حرب 67  وكيف تغيرت نظرة الإسرائيليين  لأنفسهم كأوصياء على شعب محتل إلى عدّ كل الفلسطينيين يشكلون نوعاً من التهديد الأمني، وقال الشهود أن هذا التطور جاء نتيجة دخول المستوطنات في المناطق المحتلة حديثاً، وقد تعامل المستوطنون مع كل الفلسطينيين كأعداء وكخطر محتمل وبشكل تدريجي تشرب الجيش  والإسرائيليون  بشكل عام بهذه الروح .

فمنذ إنشاء دولة “إسرائيل” لاحق طيف الاحتواء السياسي “للفئات السكانية الخارجية” (غير اليهود)، الصهيونية ثم الحكومة المتتالية بعد ذلك. وذكر الشهود الفلسطينيون للجنتنا هناك العديد من الإجراءات التي تم التعامل من خلالها مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بصفتهم غير مواطنين، وذلك من خلال وصفهم بأنهم يشكلون تهديداً أمنياً؛ وتحت هذه الذريعة تم إخضاع الفلسطينيين لكمية لا حد لها من “الاستثناءات القانونية” العسكرية في الأراضي المحتلة مما عطل عملياً معظم حقوقهم السياسية.

ومن ناحية أخرى، بيّن الشهود الفلسطينيين كيف سلمت إسرائيل مهمة التحكم بالشعب إلى السلطة الفلسطينية ولكنها لم تسلم مطلقاً الأرض أو مصادرها، وأفادوا أن المستوطنات كانت موزعة خصيصاً لتشتيت الفلسطينيين في مناطقهم.

وقد سمح هذا الاستثناء القانوني الذي يبرره التهديد بتشكيل حيز ذو طبقتين حيث يخضع الإسرائيليون اليهود والعرب لمنظومات مختلفة فيما يتعلق بحركتهم والمعاملة الإدارية القائمة على التمييز في الحقوق، ويتبنى هذا النظام المزدوج سياسة إقصاء العرب ولكنه يحفظ الاعتماد الفلسطيني على الإسرائيليين وبقاءهم تحت السيطرة الإسرائيلية.

ويشكل هذا النظام أحد “استثناءات السيادة القانونية” التي روج لها فلاسفة مثل كارل شميت Carl Schmitt، فالمناطق الفلسطينية المحتلة أصبحت استثناءً زمنياً ومكانياً، وكأنها شيء ما في الخارج، ومنفصلة عن المركز الأساسي السياسي ضمن الخط الأخضر ولكنها جزء منه أيضاً، وقد أصبح للمناطق الفلسطينية المحتلة جغرافية مرنة متحولة يكون فيها حكم القانون معلقاً تحت غطاء قانوني ومن هنا جاء مبدأ “الاحتواء الإقصائي”.

وقد كان أرييل شارون Ariel Sharon رائداً في فلسفة التجاهل التجاوزي للقانون وجغرافيته وحدوده أثناء عمله في الجيش، وكانت فلسفته الأمنية تستند إلى ديناميكيات “الإبقاء على عدم اليقين” الذي حد من حيّز الفعل ورد الفعل من خلال موزاييك متغير من الإجراءات واستخدامها بشكل منتقى، ومن خلال تشريح المكان عبر نموذج من الحدود المتغيرة باستمرار كان المقصود منها إعطاء الفلسطينيين شعوراً بكون الأمور مؤقتة على الدوام.

وبالتالي، ظل الفلسطينيون من خلال الانفصال عن الغالبية اليهودية وبفضل استثنائهم من غالبية الأطر القانونية، والممارسة المنتظمة لتغيير الحدود، والاستخدام المحسوب لمستويات مختلفة من العنف العسكري، معلقين في حالة من “الشك الخاضع للتحكم” كما ظل المواطنون الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، يعدون مجموعة معادية على أساس الشك في ولائهم للدولة. وقد وصل هذا النوع من التفكير إلى الآن إلى اليمين الأوربي – فقد استخدم ديفيد كاميرون David Comeron حججاًَ مماثلة  لتبرير الاستثنائية والقدح في الولاء للدولة، فيما يخص المسلمين الذين يعيشون في بريطانيا.

إن عدم الاستقرار والشك لدى الفلسطينيين ضمن الخط الأخضر لا يعود إلى استثنائية تجاه النظام القانوني بل إلى الغموض والاستثنائية التي تتضمنها التهديدات بتبادل السكان التي يروج لها قادة إسرائيليون،  وبالتالي يشكل الخوف من التشرد مرة أخرى مصدراً للخضوع السياسي.

فما الذي يحدث إذاً؟ كل العوامل تشير إلى إستراتيجية طويلة الأمد، ولكن ما الذي تخشاه إسرائيل، وما الذي تحاول السيطرة عليه؟ يقول البروفيسور خان ثانية ” ما إن تجعل من الواضح أن الهدف هو الإبقاء على الصهيونية في الدولة اليهودية … يصبح كل شيء تفعله إسرائيل منطقياً” والخوف بالطبع هو من أنه إذا أصبحت “إسرائيل” دولة ذات غالبية يهودية ولها حدود ثابتة فإن الطلب الذي لا يمكن التخلص منه للحصول على حقوق مساوية للأقليات ستليه في النهاية الحقوق الخاصة للصهيوينة ولن تعود “إسرائيل” دولة صهيونية.

ولذلك فإن الدولتين لا يخفف من مشاكل الحفاظ على الصهيونية بل يعقدها، فقد يتناقص حجم غير اليهود في “إسرائيل” في حال قيام دولة فلسطينية من 40 أو 50% إلى 20% ، غير وجود أقلية غير يهودية في إسرائيل تتمتع بحقوق متساوية مع اليهود قد يهدد لها كدولة يهودية. وبالتالي، إن الاستجابة الإسرائيلية الوحيدة لهذه المعضلة ستكون بإبقاء الحدود غير واضحة مما يدع الفلسطينيين في حالة من الشك الدائم ومعتمدين كلياً على النوايا الإسرائيلية الحسنة مع الإبقاء على الأراضي ومصادر المياه في يد الإسرائيليين.

والمشكلة هي أن التحالف الداعم لحل الدولتين ينهار دائماً في نقطة ما لأنه، كما أشار مشتاق خان، إذا كنت ستعطي حقوق تمييزية لنسبة 15 أو 20% من السكان فلماذا لا تعطي حقوقا تمييزية لـ 35% أو 40% من السكان وتبقي الرؤية الصهيونية سليمة من خلال التمسك بالضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها؟ هل يود التفكير الصهيوني من الناحية الإستراتيجية أن تكون له حدود ثابتة في مكان ما؟ لا بد أن الجواب هو “لا”، فما الذي تكسبه إسرائيل بتنازلها عن الأرض طالما سيكون لديها في نهاية الأمر المشكلة نفسها التي تبرر من خلالها للعالم لماذا يجب عليها الاستمرار في سياساتها التمييزية؟

ومما يعقد هذا الوضع هو موقف “إسرائيل” الفلسطينيين داخل الخط الأخضر واللاجئين في حال إقامة الدولة الفلسطينية.  يرى خان أن إدارة “إسرائيل” لهذا الملف يستند  بشكل أساسي على قدرتها على الاستمرار في السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إن الحفاظ على سيطرة العملاء على الأراضي الفلسطينية المحتلة يبقي الخيار أمام “إسرائيل” مفتوحاً لتشريد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال تبادل محدود للمناطق، كما أنه يضمن أن ستحتفظ “إسرائيل” بالقدرة على تحديد  مصير اللاجئين الفلسطينيين هل سيعودون إلى دولة فلسطينية ذات سيادة أم لا. ويناقش خان بأن التصور بأن إسرائيل تنظر إلى ملف اللاجئين وفلسطينيي 48 بشكل منفصل هو تصور خاطئ، فمن وجهة النظر  الصهيونية فإنهما مرتبطان بشكل وثيق ويعتمدان على عدم خسارة “إسرائيل” سيطرتها على هذه المنطقة.

إذاً فإن الدولة الفلسطينية تهدد الصهيونية، بالتالي فإنه ليس عجباً أن تعرض إسرائيل عن حل الدولتين، وبالتالي فإنه من المستبعد أن تقوم الدولة الفلسطينية من خلال التفاوض بغياب قوة مساومة بأيدي الفلسطينيين، لأن إنشاء دولة شرعية ذات سيادة يتطلب من الفلسطينيين أن يجبروا “إسرائيل” على إعطاء شيء ليس من مصلحتها إعطاؤه وهو التخلي عن الصهيونية. وبالتالي، فإنه المناسب أكثر بالنسبة لـ”إسرائيل” أن يكون لديها “دولة” بدون حدود بحيث يمكنهم الاستمرار في التفاوض على الحدود والاعتماد على نشر الشك لإبقاء الخضوع.

فقد كان نائب رئيس وزراء “إسرائيل” موشيه يعالون Moshe Ya’alon كان صريحاً عندما سئل في مقابلة هذا العام “لماذا كل هذه الألعاب حول الإيهام بمفاوضات؟” أجاب “لأنه … هناك ضغوط، حركة السلام الآن من الداخل والعناصر الأخرى من الخارج، لذا على المرء أن يناور … يجب علينا … المناورة مع الأمريكيين والأوربيين مما يخلق الوهم بأنه يمكن التوصل لاتفاق … فأنا أقول أن الوقت يعمل لصالح من يعرف كيف يستفيد منه، لقد عرف مؤسسو الصهيونية … ونحن في الحكومة نعرف كيف نستفيد من الوقت.”

كتب رئيس تحرير يديعوت أحرونوت Yediot Ahronot سفر بلوكر  Sever Plocker في 25 كانون الثاني/ يناير 2008أن خطة أفيغدور ليبرمان Avigdor Lieberman لإقامة الفلسطينية بدون حدود على نصف الضفة الغربية ، والتي خضعت لأخذ ورد، هي تقريباً خطة أعضاء البرلمان أيضاً، ثم “جادل نتانياهو  Netanyahu بأن الوضع الحالي على أرض الضفة الغربية مستقر وآمن ويشكل أرضية لحل النزاع، فالفلسطينيون لديهم مسبقاً ثلاثة أرباع دولة وعلم ومفتاح اتصال دولي … وكل ما يتبقى على الحكومة فعله، هو الموافقة على تغيير اسم الكيان من “سلطة” إلى “دولة” وأن يلقى لها بعض العظام الأخرى أي بضعة مؤشرات على السيادة مثل حق صك عملتها – وسيستمر السلام لمدة 70 سنة قادمة”.

هل يمكن لمثل هذا الاحتواء الإقصائي أن ينجح؟ إن “إسرائيل” تحب أن تقدم نفسها كموقع متقدم للقيم الغربية أي فيلا في “أدغال” الشرق الأوسط، لكن “الحقوق الخاصة” و “الشمول” الإقصائي يمثل تناقضا مع الرواية الغربية لقيمها، وأن شرعية تقديم نفسها كمنارة للحضارة الغربية في الشرق الأوسط قد يكون عرضة للانتقاد بشكل أكبر، مما يهدد شرعية “إسرائيل” على المدى الطويل.

أحقا لا يرى صانعو السياسات الغربية أياً من هذا؟ كافة مشاريعهم تتشابك بشكل وطيد مع نظام الاحتواء الإقصائي وتسهم بوضوح في جعله قابلاً للتطبيق العملياتي، فهل هذا الأمر استراتيجي أكثر من كونه قائماً على الصدفة؟

هل هم يفهمون ولكن لا يستطيعون التملص من روايتهم المفهومية والقيود الداخلية الناجمة عن المشاعر الصاعدة المعادية للإسلام؟ أو بشكل بديل هل يستنتج بعض “الواقعيين” الأوربيين والأمريكيين أنه لم يكن هناك بديل واقعي: كان من الضروري أن يذعن الفلسطينيون للسماح لإسرائيل بتجنب التناقضات الداخلية لإيديولوجيتها الصهيونية وهي تناقضات إذا لم يتم التأقلم معها يمكن ان تهدد استمرار إسرائيل في المنطقة؟

وإذا الأمر كذلك فإنه يظهر إلى أي حد قام “تحول” السيد بلير في سنة 2003  بإمالة مركز الجاذبية الأوروبي بعيداً عن أي انغماس في منظور أوسع في المنطقة، وأثناء الحرب العالمية الأولى  وعدت “القوى” الغربية الكبرى العرب بالاستقلال مقابل الدعم العسكري، ولكنهم خانوهم لاحقا، ولست وحيدا في النظر إلى التحرك الحالي للضمير العربي كنقض متأخر للاحتلال الاستعماري الجديد بدلا من الاستقلال.

وبعد حروب الخليج اللاحقة وعدت “القوى” بشكل مشابه بالعدالة والديمقراطية في المنطقة والانتقال إلى احتلال آخر، غير أن أي استعمال سيء لمفهوم الدولة سيعني أن التاريخ يعيد نفسه.

وعادة ما يلاقي التحذير من هذه التداعيات عبارة واحدة مستهلك “لا توجد سوى لعبة واحدة في المدينة” وهذا ببساطة غير صحيح، فهناك سياسة أخرى لإعادة الحيوية إلى القيادة والتعبئة العامة واستعادة القوة التفاوضية التي عتمت عليها قوة رواية واحدة.

إن موت “عملية السلام” أعطانا لحظة نادرة من الوضوح – بما أن القصة التي تكمن في الرواية أصبحت مرئية بشكل غير متوقع، فإن مثل هذا الوضوح يفتح الآفاق أمام إمكانيات جديدة  وطرق جديدة لتصور الحلول، وأذكر كيف تحررت فجأة العملية المشابهة للاستقلال الناميبي والتي بدت لي آنذاك مقيدة دون فرص للحل لمدة 30 سنة مضت وذلك من خلال تغير غير متوقع في الإطار في المنطقة وهو انهيار الاتحاد السوفياتي غيّر مسار الأمور، فهل سيكون التغيير في مصر بمثابة “تغير الإطار” للإسرائيليين والفلسطينيين؟

أخر تحديت: 9/4/2011
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 1/4/2011

“صباحُكْ خَير يا غَزة”

بواسطة , 2011/04/17 7:57 صباحًا

 

بقلم:فراس ياغي

ليسوا منا..ولا ينتموا إلينا..ولم يكونوا في يوم الايام منا..بَوصلتهم كانت ولا تزال “طالبانية” الاهداف والتوجه..وأفكارهم لا ترتبط بتراثنا ولا تقاليدنا ولا ديننا..هم جزء من بقايا الحرب الباردة البائدة التي إرتدت على من دعمها ولا يزال بإسم السلف الصالح وهم ليسوا بصالح..فرسولنا الاعظم صلوات الله عليه وسلم بدأ دعوته سلمياً وبشكل علني، وحيدا، لم يستطع خلال ثلاثةَ عشرَ سنة سوى أن يستميل العشرات فقط..وبِعَظَمَتِه التي لا يُضاهيها عَظمة كان يدعو دائما للتسامح والتعاضد وخاطبَ العَقلَ والقَلب، بل أرسل أوائل المسلمين من الصحابةِ إلى “الحبشةِ” في ما عرف بالهجرة الاولى، أرسلهم إلى ملكٍ يؤمن بالله الواحد الاحد وبالرسائل السماوية، وبرغمِ من علاقةِ بلادِ هذا الملك الاقتصادية بأهلِ “قريش” إلا أنه فَضّلَ قِيَمِه وأخلاقه وعقيدته على مصالحه ورفض مطالب القُرَشيين.

ممارسات “الزرقاويين” التي ظهرت بخطف وقتل المتضامن الايطالي “فيتوريو أريجوني” في غزة وقتل “جوليانو” في جنين، جاءت كنتيجة لواقع بدأ يظهر منذ أن بدأت تعمل بَعضِ مركباتِ المُجتمع والاقليم بطريقةٍ تخريبيةٍ وتآمرية، إلى جانب سياسات قمعية فكرية وحزبية وجسدية بإسم المقاومة أو الحفاظ على الأمن، عدا عن المزايدات التي ظهرت بين التيارات الدينية والتي أدت لفرض قوانين غريبه وجديدة على المجتمع الفلسطيني..كلَّ ذلك بإسم الاسلام وتطبيق ما يمكن من الشريعه الاسلامية..فرض لبس المنديل في المدارس إلى مطالبة المرأة بأن يرافقها مَحرم إذا جلست مع رجل في مطعم علني وأمام الجميع كما حدث مع إحدى الصحفيات..البيئة التي بدأت تتشكل في غزة منذ حدوث الانقسام شكلت أرضية خصبة لكي تظهر ما يسمى بالسلفية الاصولية التي صُدّرت لنا من جزيرة العرب ومدعومه أيضا منها..لقد إستخدمَ هذا الفِكر المُشَوّه بشكلٍ فظ ليتم تجنيد الشباب المسلم ضد “الاتحاد السوفيتي” السابق بإسم محاربة الشيوعية في “أفغانستان” وكانت على تنسيق تام مع كافة إستخبارات المنطقة، وبعد الانهيار الكبير أصبح هؤلاء يشكلون عبئا على من صَنعهم ووفر لهم الغطاء والدعم المالي..وبقدرة قادر تحولوا إلى أعداء لمَنْ صَنعهم و “إرهابيين”، مفاهيم وتكتيكات جديدة للغرب تؤهلهم للتدخل في شؤون جميع الدول وبالذات العربية منها وبإسم محاربة “الارهاب”.

المشكلة هي أن هؤلاء صَدّقوا أنفسهم بأنهم حامي حمى الاسلام والمسلمين وبدأوا يتحدثون بالطريقة التي يرغب بها بعض المتطرفيين من الغرب والشرق، بل قاموا بأعمال لا تمت بصلة للدين الاسلامي وباسم الاسلام..حللوا قتل المدنيين من كل الديانات، وإعتبروا من يطرح فكراً ديمقراطيا أو ليبراليا بأنه مرتد دينيا، ومارسوا أبشع العمليات في التاريخ لترعيب وتخويف الجمهور ونقل صورة فاشية عن دين حارب الفاشية وحارب التزمت ودعا للعلم والتطور والتسامح والدعوة الحسنة..حتى في قرآننا الكريم هناك وضوح لا لبس فيه بما يتعلق بحرية التعبير والاعتقاد،”  لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” في سورة “الكافرون”، وفي سورة “الكهف”" فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ”، في النهاية هناك ربٌ في الاعالي سيحاكم الجميع على أفعالهم يوم “القيامة”، بل إن ديننا حارب من يُكفّر الآخر ومن يمارس القتل بأسم الدين ف ” مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ” “سورة المائدة”..الدين لله والوطن للجميع..الدين لله والانسانية للجميع، الدين لله والحرية والمساواة للجميع، الدين لله والمواطنة للجميع، والدين لله وغزة ليست مرتعاً لهم.

هؤلاء الذين يدَّعون السَلفية، نسبة للسلف الصالح، ويمارسوا هذه الممارسات الوحشية، لا يمكن أن ينتسبوا لهذا السلف الذي وقف في أحلك الظروف بجانب النبي الاكرم، وتَحَملّ كل الاعباء والصعاب والمشقات، وبنى دولة إسلامية يحكمها القانون ونشر فيها الامن والامان، بل إن دور الخليفةُ الراشدي الثاني لا يضاهيه دور في التاريخ العربي الاسلامي وفي كافة مجالات الحياة..يقال ” الخيِّر لا يأتي منه إلا الخير”، ولكن هؤلاء يمارسون إقطاعيات وهمية دينية تمنع التفَكّر في أيّ شيء وحول أي شيء، هم لا زالوا يعتقدون وبقوة الانغلاق بقناعات ينادون بصدقيتها وصحتها في واقع أصبح فيه العالم كله قرية تكنلوجية واحدة، والانسانية شيء واحد يجمع كل شعوب الارض، وقوانين حقوق الانسان هي للجمع الانساني، ومواثيق جنيف وإعلانه لا تُميز بين مِلّة وأخرى ولا دين وآخر، بل تحترم جميع المعتقدات وجميع الافكار وتحترم حقوق الجميع بلا إستثناء..هؤلاء المُدّعين بالسلفية يعيشون حالة من الحنينِ الكاذبِ لماضيٍ مشرقٍ ويخططون لمستقبلٍ مظلمٍ بطريقةٍ تنقلُ المشرقَ في فترةٍ زمنيةٍ معينةٍ لواقع آخر لا يَقبل سوى الاشراق وفقا لرؤية عصرية تحترم ثقافة وتراث الماضي بكل مكوِّناته ومَكنوناته، وبمن نعتز.

ليسوا من أهل غزة ولا ينتمون لهم، ومهما كانت الاقاويل حول هذه العملية الاجرامية الحاقدة المدبرة، فهي جاءت بإسمهم ومنهم وكنتيجة لفكرهم، حتى لو إفترضنا أن البعض المتآمر إستغلها ليسدد ضربة لمن يدعون للوسطية..ومهما كانت المبررات والمؤامرات فما حدث هو بالتأكيد نتيجة حتمية لبيئة تدهورت بسبب طريقة الحكم هناك وبسبب الحصار الذي لا يمكن إلا أن يؤدي لمزيد من الانغلاق والظلام الفكري والعقائدي، ومهما يكن، فالمطلوب من حكام “غزة” أن يلاحقوا بشكل واضح وسريع هؤلاء كأشخاص وكبيئه، ويضعوا حدا لخطر أصبح موجودا بين ظهرانينا، هذا إذا أرادوا أن يتوافقوا مع ما يحدث في العالم العربي من ثورات وتطورات إيجابية وعلى كافة التيارات السياسية حتى بمن فيها تيار “الاخوان المسلمين”، تطورات تسير بخطى ثابته نحو تشكيل المجتمع المدني التعددي الديمقراطي، وهنا محك الحكم على هؤلاء الحكام الغَزّيين وكيف سيتصرفون؟!!..وعلى الرغم من كل الحاقدين على أنفسهم قبل غيرهم، وعلى عقيدتهم قبل العقائد الاخرى، هؤلاء المرضى في العقل والنفس..الاحياء بلا أمل بالغد، قاتلي البسمه والمستقبل، نقول لهم لن تمروا ولن تكون هنا “تورا بورا” ولا “طالبانية” أفغانية أو باكستانية، وأختم بكلمات سحر حمزة ” يا سيدة المدن الساحيلة..وأعجوبة الحروب الدموية..ونوارة بساتين الحرية..يا ريحانة فلسطينية..يا من كنت في الاصل ناصرية..صباحك خير يا غزة”.

إستدراك: رئيس اليمن الذي قاب قوسين أو أدنى من الخَلع، ينادي بعدم الاختلاط بين الرجال والنساء، كتعبير واضح وجديد عن سلفيته السابقه وسلفيته الداعمه له بالجوار القريب.

Firas94@yahoo.com

 

سيناريو “بلطجية” مصر و”شبيحة” سوريا

بواسطة , 2011/04/17 7:55 صباحًا

 

بقلم:فراس ياغي

عصر الحرب الباردة لم يعد له وجود إلا في أذهان رجالات الانظمة الشمولية، مُنتفعيهم لا زالوا يعتقدون انهم قادرون على تضليل شعبهم والشعوب القريبه والمحيطه، فهم يَعزون كل ما يحدث في بلدانهم لمؤامرات خارجية وليس لمطالب شعبية أصيلة..رواياتهم دائما متشابهه رغم إختلاف النص أحيانا، في تونس كان الهارب “بن علي” وبطانته الفاسدة تستدعي خطر المتطرفين “الاسلاميين” على الدولة وعلى الغرب، لم ينجح لأن مكونات الشعب حسمت مصيرها تجاه التغيير، وكان “لاتحاد الشغل” و”المجتمع المدني” و”الاحزاب” غير الشرعية في عهد الدكتاتور والشباب العاطل عن العمل الدور المركزي في نجاح الثورة..وفي دولة العرب المركزية، في “مصر” إستدعى الدكتاتور ومحيطه الفاسد ليس فقط الاسلاميين، بل خطر التغيير على الغرب وبالذات “إسرائيل”، فشل لأن الشعب المصري وشباب الثورة نزعوا الخوف من صدورهم وقرروا المُضي قُدماً نحو الحرية والكرامة، وحين تأكد ذاك “المبارك” المخلوع، بدأ يتحدث عن مؤامرة “أمريكية” و “إخوانية”، وقال “لن أسلم مصر، لا للأمريكان، ولا للإخوان”، وكأن قلب الأمة العربية هو مُلكْ له ولعائلته ومجموعة لصوص الاعمال والفاسدين من حوله.

ثورة “ليبيا” دفعت بدكتاتورها لتخيير الشعب بينه او أحد أولاده وبين جلب “الاستعمار” من جديد، وحتى الآن نجح في جلب “الناتو” للمعركة الدائرة هناك..قمع شعبه بوحشية العصور الوسطى وأحدث فيهم مجازر، دفعت بالشعب للمطالبة بالحماية..لم يتورع عن إستخدام كل أساليب الكذب والاشاعة، من حبوب “هلوسه” و “قاعدة” وغيرُها من العبارات التي تؤكد مدى خطورة بقاء حاكم على شاكلته على رأس المؤسسة، ليس بما يتعلق بالشعب “الليبي” فحسب، وإنما على المحيط العربي و”الاورو-متوسطي”.

في دولة اللادولة في “اليمن”، لا يزال ذاك المستبد يتمسك بمنصبه ويفاوض على ضمانات له ولعائلته قبل أن يستسلم لمصير من سبقه..فالشعب ليس مهما ولم يكن مركزيا في عقليته، هو وعائلته او الدمار، وللإستمرار في المساومة، فهو يستدعي المؤامرة و”القاعدة” كذرائع وأدوات للإشاعة والبقاء..في حين التي تسمى نفسها مملكة “البحرين” كان الرد سريعا بقمع الشعب بالقوة وبمساعدة الجوار، وبإسم الطائفية وتدخل المحيط..رغم أن المشهد هناك لم ينتهي بعد ولن ينتهي بدون إحداث إصلاح جوهري يعطي الحقوق لأصحابها ووفق كل الشرائع الدولية والإنسانية.

أما دولة الممانعة والمقاومة، “سوريا”، فلم يتعلم لا رئيسها ولا النظام وحزبه القائد من التجارب السابقه..وأكثر من ذلك بدأ يَتَفَنّن في تجسيد مفهوم “المؤامرة” المشترك بين الثورات، على أرض الواقع، يُرسل ما يسمى ب “الشبيحه” يطلقون النار على الشعب وأفراد الأمن والجيش، ويتهم فورا عناصر خارجية بذلك، يحاول صنع الفوضى بيديه والتي ستنعكس عليه بالضرورة، ضمنيا يتهم الادارة “الامريكية” و”إسرائيل” و”الاخوان المسلمين” وجماعة “الحريري” وأحيانا يلمح “للسعودية”، يَعتبر مطالبة الشعب بالحرية والكرامة مؤامرة كبرى ضد “سوريا” وموقفها الرافض للسياسات الغربية..مع كل حرصنا على أن ما جرى ويجري قد يُستَغَل من قبل الأطراف المتضرره من المواقف “السورية” الوطنية، إلا أن حركة الشارع ليست مؤامرة ولم تكن كذلك، وسياسة النظام تدفعها لزاوية قد تصل لمشهد “ليبي” آخر لا سمح الله..الجهاز الامني الشمولي “السوري”، يؤكد أن “سوريا” هي عبارة عن أمن لديه دولة، وليست دولة بمؤسسات أمنية يمكن محاسبتها قانونيا..وهذا الأمن يجر رئيس “سوريا” ونظامه وحزبه نحو الهاوية المُدَوّية والتي لا يحبذها أحدٌ من القوميين والوطنيين إذا إستمر الوضع على حاله.

الكرامة والحرية والاصلاح كمطلب جماهيري في “سوريا” جزء من بقاء الدولة الوطنية القومية الجامعة، ويُعَبر عن وعي شعبي بواقع هذه الدولة، وممارسات الأمن هناك تدفع بالغالبية العظمى من الشعب لرفض هذه الهوية إذا كان ثمنها الديكتاتورية الشمولية والدم الذي يسيل في الشارع..كل القوى والشخصيات الوطنية والقومية متخوفه مما يجري من ممارسات غير مبررة تجاه شعب لم يطالب سوى بإحداث إصلاح جوهري وعميق، ليس فقط على موقف النظام السياسي وحسب، وإنما على مجمل الدولة “السورية” وبقاءها موحدة، ونموذج “العراق” ماثل ولا يحبذه أحد حتى اللذين صنعوه، ولكنه ك “خيار” قائم في عقول الحاقدين من المحيط في الشرق والجنوب السوري.

“البلطجية” و “البلاطجه” و “الشبيحه” و “القناصه” و “الاسلاميين” وحتى “القاعدة”، مفردات ميزت حتى الآن جميع مناهضي الثورات والتغيير، وظهورها في مختلف الدول مبررة لأن هذه الأنظمة كانت تقدم خدمات شاملة أو جزئية للغرب، وتخاطبهم كي تُبقي على دعمهم وتؤكد على أهمية بقاءهم في مواجهة الخطر المشترك، وحين كان الغرب يتغير، كانت المفردات تتغير، فيتم إستدعاء مفردات جديدة ك “إسرائيل” و “أوباما” و “المؤامرة”، أو التخيير بينهم وبين جلب “الإستعمار”، بل حتى جلب النموذج “الطائفي”، وهذا ظهر بوضوح لدى كل هذه الأنظمة التي تغيرت او التي في طريقها للتغيير.

حصانة الدولة وأمنها شعبها، فهو صاحب السيادة الفعلية، فلا سيادة ولا دولة بدون شعب، ولا دولة بدون أن تعبر عن حقوق المواطنة فيها، وأي مواطنة بدون حرية وكرامة كأساس لا داعي لها، لأنها تصبح عبء على الفرد قبل المجموع، وعلى الشعب قبل الدولة، وحين توجه الدولة بنادقها ضد قاعدتها، وتسيل الدماء، تحدث الغُربة بين الشعب وبين الدولة، ويتغير مفهومها لصالح دولة النظام لا دولة الشعب، دولة القمع والظلام والفساد والفرد وبطانته المغلفة بحزب قائد مجمل أفراده الصغار مخبريين او ضباط أمن وكوادره فاسدين ولصوص أعمال، وأحيانا، يُغَلف هذا النظام نفسه بطائفته ليستدعي جزءا من الشعب حوله، فينهي مفهوم الدولة لصالح بقاءه، ويُعرّضها للتفتيت والتدخل الخارجي من أوسع أبوابها.

إن الحركات الشعبية التي تعصف بالوطن العربي، سوف تستمر ولن تتوقف مهما كان القمع ومهما تم إستدعاء مفردات وإشاعات، ومن يريد أن يتصالح مع شعبه فالفرصة لا تزال قائمة، فقط إصلاح عميق وتعددية ودستور يؤسس للدولة المدنية الجامعة، ومحاربة الفساد وناهبي اموال الشعب عمليا وفعليا، ووضع حد للتغول الامني المسيطر على كل المشاهد العربية، فالأمن بكل مكوناته هو لحماية الشعب وليس لقمعه، وهو جزء من مؤسسات الدولة وليست الدولة جزء من مؤسساته، فهل تتجاوز بعض الانظمة القائمة حاليا مشهد “ليبيا” و”البحرين” و”اليمن”، وتقوم بخطوات بهذا الإتجاه تُعفيها من إستحقاقات دموية وإقتصادية؟!!! ونستطيع القول أنه لا يزال المُمكن الاصلاحي العميق قائما حتى لما يحدث في “سوريا”، فهل سيلتقط رئيسها الشاب بشكل سريع هذا الامر، ويتحدث بشجاعه ويضع حداً نهائيا لجرائم أمنه وأفلامه التي يضع سينارستها ويخرجها بطريقه دموية، أبطالها “الشبيحة” معروفي الهوية لهم ومنهم؟!!!!، وكما يقولون “القضاء على العَدَدْ ليس بإعدامه وإنما بإبطال مبادئه”.

Firas94@yahoo.com

رومانسية النخب..والثورات العربية

بواسطة , 2011/04/17 7:53 صباحًا

 

بقلم: فراس ياغي

ذهب كثيرٌ من النخب للنظر بسطحية مفرطه للمعطيات السريعة والتحولات العميقة التي تجري في البلدان العربية، فبعضهم يتعامل معها وكأنها تجديد للنظام نفسه، بل يتمنى من قلبه أن تكون كذلك ويكذب على نفسه ويصدق كذبته، ويعزي نفسه بموقف هنا أو هناك، ببقاء سياسة ما تشبه سابقتها، ويحاول دائما إجتزاء المواقف التي تجري بطريقة تُعطيه الأمان ببقاء الوضع البائد (السابق) على كواهنه، فهو لا يرى سوى ما يريد أن يراه، حتى أن بعضهم وخاصة من المثقفين والاعلاميين وصلوا لدرجة إتهام الغرب وبالذات الادارة الامريكية وعلى رأسها الرئيس “أوباما” بأنهم وراء كل ما يجري في الوطن العربي، وجلبوا لذلك تفسير غريب، بداية من مطالبة غربية قبل سنتين من الصحفيين العرب في مؤتمر حدث أعتقد في “جبل طارق” التركيز على ما يجري في “الفيس بوك” و”التوتير”، إلى تقديرات سميت بوثائق كتبت على صفحات “ديبكا” التابعة للاستخبارات الاسرائيلية بأن الرئيس “أوباما” والادارة الامريكية قررت تغيير كل الزعماء العرب وتكون البداية بزعماء الدول الفقيرة لتصل حتى زعماء دول الخليج، هذا التيار من النخب يستسهل تبرير نظرية “المؤامرة” في تفسيره لما يحدث من حركة جماهيرية شعبية تنادي بالحرية والكرامة والديمقراطية، وهو يحاول تبرير تقاعسه وركوبه ظهر الليبرالية الحديثه بطريقة الدول “المانحة” وبعض “مؤسسات المجتمع المدني” التي تَستقي جُلَّ أموالها منهم، خاصة أن “ثوريتهم” السابقة تحولت بشكل كامل نحو “الثروة” المرتبطه بالسلطة القائمة ومن يدعمهم، لذلك يبذل جهدا في تبرير إرتداده الفكري بهذا الاتهام للثورات العربية وبإسم الموضوعية والمهنية.

الاتجاه الثاني بين النخب، الذي لا يستطيع قراءة المتغيرات بطريقة عصرية ترتبط بالحداثة والتطور المعلوماتي والثورة التكنلوجية الهائلة، ويريد من هذه الثورات إجراء تغيير شامل، بحيث يتم تأسيس نظام سياسي جديد على أنقاض النظام السياسي القديم، كما حصل في الثورة “البلشفية” او الثورة “الايرانية”، وهنا وكما قال الدكتور عزمي بشارة ” هكذا ثورات لا تؤسس للديمقراطية وإنما لنظام شمولي غير ديمقراطي أو إلى حدٍ ما نظام تعددي في نطاق المذهب الواحد”، وهؤلاء النخب لا تزال تعيش عصر الثورات ضد الاستعمار والايديولوجيات الشمولية، وليس عصر التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية الحديثه، والتي تتم بنوع من التغيير السريع أحيانا كما في النظام السياسي او بشكل بطيء في المفهوم الثقافي والاجتماعي، رغم ان تأثيرات التغيرات السياسية تكون كبيرة على طبيعة التحولات الاخرى، خاصة في التسريع فيها.

رومانسية هذه النخب، ليست نابعه من واقع هذه الثورات، بقدر ما هي إلا تعبيرات عن شجون وأحلام شخصية أو حتى تبريرات للعجز الذي تعيشه او وفقا لمصالح إرتبطت بها خلال عقدين من التحولات بمفهوم القطب الواحد والسيطرة الامريكية وما رافقها من محاولات عنيفه لفرض مفهوم “شرطي العالم” كما حدث في “العراق” و “أفغانستان” وفشلها في فرض سياسة الهيمنة على المنطقة، بمفهوم “الشرق الاوسط الجديد” وكتعبير واضح لنتائج حرب “تموز 2006″ و فشلها في حرب “غزة”، والآخر يعبر عن رومانسيته بالحديث عن عمق هذه التحولات لدرجة يلبسها أحيانا ثوبا “لينينياً” او “خمينياً” او “ناصرياً” او “أخوانياً”، في حين أن هذه الثورات تلبس كل الاثواب وعلى كل المقاسات لأنها كواقع جاءت ضد القمع والاضطهاد والديكتاتورية والفساد، وتنادي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساءلة والشفافية والحكم الرشيد.

بنظرة سريعه لهذه الثورات نرى أنها تطالب على أغلبها بإيجاد عقد إجتماعي جديد “دستور”، وبما يؤكد مقولة “أرسطو” حول الثورة والتي إعتبرها “تغيير كامل من دستور لآخر” أو “تعديل على الدستور القائم”، وهذا بدوره سيؤدي لتغيير في السلطة وهياكلها المختلفه وخلال فترة زمنية قصيرة، بحيث يضمن هذا التغيير مطالب الحركة الجماهيرية التي تعبر عن مجمل المطالب الشعبية، فخمسة إلى ثمانية ملايين هي من قاد الشعب المصري البالغ عدده خمسة وثمانون مليون نحو التغيير، وضواحي “بو زيد” التي إنتفضت لنصرة “محمد بو العزيزي” رحمه الله، وصلت لشارع “الحبيب بورقيبه” في “تونس” العاصمة على شكل ثورة سياسية شاملة، وثورة “بنغازي” كادت تؤتي ثمارها لولا تَمرّس هذا “العقيد” في الحالة “الافريقية” وتحويلها لعنف مسلح ليس بين أفراد الشعب الواحد كمفهوم “الحرب ألأهليه”، بقدر ما هي حرب بين كتائبه المليئة بالمرتزقه وبين معظم ابناء الشعب الليبي، وفي “اليمن” يستدعي دكتاتورها الذي لم يكفيه أكثر من ثلاثة عقود، القبلية والقاعدة لمواجهة غالبية شعبه وقبائله التي تطالب بالتغيير، وفي “البحرين” تم إستدعاء الطائفية على عجل لوأد المطالبات العادلة بتحويل النظام لملكية دستورية، بل أجزم أن البعض أراد مما حدث في “البحرين” نموذجا لما حدث في “الكويت” والغباء بإحتلالها، أي قد تكون مصيده من جهة ومحاولة قتل روح التغيير في تلك المنطقة المهمة من العالم العربي والعالم أجمع، ومع ذلك فما حدث لن يلغي المتطلبات الموضوعية للتغيير، وفي “سوريا” تم إستدعاء الطائفية أيضا، ومفهوم دولة المواجهة المسموح لها غير المسموح لغيرها، في حين أن مجرد إحداث إصلاحات عميقة فيها، كمحاربة الفساد وإعطاء حرية وديمقراطية للشعب كفيلة برفع قدرة المواجهة لديها، وبإلتفاف الجماهير حولها، ولكن خطاب الرئيس “بشار الاسد” كان سطحيا في التعامل مع ما جرى ولا يُعبر عن عمق الثقافة والوعي الذي يتمتع به، وفي “الاردن”، ما حدث في “ميدان التحرير” هناك سابقة سيئة جدا ومكررّة لن تؤدي إلا لإحتقان الشارع لدرجة تهدد الاستقرار، هذا يستدعي إحداث نقلة نوعية بإحداث إصلاحات تتعلق بالدستور والنظام الانتخابي بشكل يوحد “الانصار والمهاجرين” في وحدة أردنية واحده، رغم ان الكل “مهاجر” وفقا لتصريحات سمو الامير “حسن بن طلال”، الكل هناك أتى بالمجمل كأصل من “الجزيرة العربية”.

رومانسية النخب، الحاكمة أو التابعة للانظمة او المعارضة لها لم تستوعب وسائل الاتصالات والتنسيق الحديثه من “فيس بوك” و “تويتر” كما فهما الغرب جيدا وتابعها بشكل حثيث لأنها كانت بعيده كل البعد عن هذه الوسيلة، ولم تستوعب الشعارات التي رفعها الشارع العربي، فمن طفح به الكيل نادى بشعار “الشعب يريد إسقاط  الرئيس” ومن ثم “النظام”، وآخر من يراعي تكوينة بلده الطائفية او التي من أصول مختلفه طالب ب “الشعب يريد إصلاح النظام” و “حرية وكرامة وعدالة إجتماعية”، وهنا تجمع الشعوب العربية على أن أي تغيير يحتاج لوضع “دستور” جديد يحكم العلاقة بين الشعب والسلطة الحاكمة بسلطاتها الثلاث، وبما يعطيه السيادة الاساسية، فالسيادة للشعب وليس للرئيس الذي يعتبر وظيفا “موظف بدرجة رئيس” ويجب أن يكون بخيار شعبي وفقاً لنظام إنتخابي واضح لا يؤلهه ويبقيه للابد، وحين تحصل هذه الشعوب على حريتها الحقيقية، بالتأكيد لن تكون سوى مع أمتها ومصلحتها القومية التي تعزز تكاملها وتوحدها على مواقف واحده، تبعدها عن عهد بائد رئسه رئيس “بائد” كان يسمى “إعتدال” و “ممانعة” في تعريف للانظمة بما يتعلق بالموقف من القضية المركزية “القضية الفلسطينية” والسياسة الامريكية العدوانية.. ثورات الشعوب العربية ستؤدي بالضرورة وبدون جهبذة تفكير إلى موقف واحد “مُمَانع” في صالح القضية الفلسطينية وفي مختلف الاتجاهات، شاء من شاء من أصحاب القضية نفسها أو من غيرهم من المشككين بقايا أتباع الفاسدين من لصوص الاعمال وأزلامهم ونساءهم من السياسيين. لقد قال الشاعر المرحوم “صلاح جاهين”: ” طال إنتظاري للربيع يرجع..والجو يدفا والزهور تطلع..عاد الربيع عارم عرمرم شباب..إيه إللي خلاني إبتديت أفزع؟ عجبي”.

Firas94@yahoo.com