صلاةً معلّقة بين الأفق نادين فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:41 مساءً

 رَفعَتْ عينايَ جفونها لتصلّي إلى السماء، فلملمت الغيومُ نفسها على عدستي كالأمواج التي تحنّ لملامسة رمال حلمها الضائع، ذاك الحلم الذي تبعثرت حروفه وحُرمت من وطنها في الجمل، وبقيت معلّقة في دوّامة الحصحصة، تنظر في مقلتيّ لعلّها ترأف بها وترتّبها في سطورٍ تأويها على طيّات مخيّلتي.. همّت أفكاري بالتّنقيب في حفريّات الذكريات، تتقصّى أثر هيكل وجدناها المطمور في كهفٍ بناه السلوان حين شقّ جبال اليقظة بجبروته..وأخذت تتشكّل على جدرانه وتتثنّى، تموت في جوفه وتحيا..ما ألبث أن أبصر معالمها حتّى تتلثّم بمشهدٍ آخر، تدقّ على قيثارة حيرتي مقطوعاتٍ تَطرب على ملاحتها مهجتي.. اضطربت الغيوم وتبدّدت كالايتام الضّالّة، وفجّرها الشّفق إلى كدماتٍ بنفسجيّة تعلوها أحلاماً ورديّة..أعلن الشّروق قدومه ، فبدأ البدرُ بالعويل حينما سمع صرخات بزوغه التي يتغنّى الانتقام على أحبالها مهدّدا..وضح النهار وأرغم السماء على خلع ثوب حدادها، تاركاً عريّها مكشوفا لكلّ متربّص، وكأنّ ألمها مرآة لأملها.. تلحّف الشّفق بغيرة الشمس الصّفراء من القمر، وانبجس سقمها المرير الّذي أصابها حين هجرها خليلها المسائيّ كالصديد الذي يتفشّى على وهن الجسد ويقتات على رضوخه للمرض..ثمّ يسكب نفسه على مصرعيّ بوّابة الصباح، فتتفشّى رائحة عطبه بين القضيان ممزّقةً بتلات وعود الليل التي لم تحظى بفرصة لأن تُزهر.. اغتنم البحر الجشع خَور السماء واصطاد درجات الزّرقة كلّها في شباكه، كالمجنون الذي يهوى جمعَ المشاعر المتناقضة في فؤاده تحت سقف واحد، ينتهكُ الحكايات التي تسردها، ويصفّط أبطالها صدفا على شاطئ نشوته تذكارا، متناسيا واجب احترامه لحرمة خيال من سردها.. ألقى الكرى تعويذته على أشعّة الشمس، فهجعت إلى سرير سباتها، وغطّت في طوفان دمّ النّهار الذي أجهضه الزّمن قربانا يتلمّس به قدسيّة الغسق.. اقترب السّمر في خطاه على خارطة المنفى، فالوطن بات قريبا، ومراد العودة تحرّر من جموده وبدأ يدنو من أفق الواقع.. تزلزلت الأرض وكأنها تتنفّس الصّعداء لاّوّل مرّة، وقامت بدفن الماضي في باطنها، فلبّى الحاضر نداءها وهمّ بزرع مستقبلا في رحمها، لتفقد عذريّتها وهي تلد أشباح الأمس لتحيا في تابوت الغفلة.. أخفضت عيناي جناحيّ جفونها، لتتقصّى أثر سرّ يتقنّع العلانيّة ليستر بها شوائب حقيقته، سرٌّ يلتهم الغموضَ وليمةً يوميّة احتفالا بفحواه المحظور بوحه، تقدّسه هالةٌ مبهمة المصدر، بعيدٌ عنه استيعابي بمسافاتٍ ضوئيّة مع أنّه يحدّق مباشرة في مقصورة روحي.. خيّم الظلام على الخلق وأغلق بيوت الحياة الصاخبة، وأخذت الكواكب تعزف مقطوعات الشّجن لتُسكر بها بريق النجوم وتطفئها، وقام القنوط بسكب كأس مدامه على لظى شغفها ليخمد توهّجها المتلألئ..ورسم البؤس بريشته طيورا تمزّق أجنحتها أمنية الهروب مع الريح، لتتطاير بعيدا عن كنف الأغصان التي تخنقها في سجن اللا حركة..تحاول أن تسرق ما تبقّى من شفافيّة السماء لتتسربل بها درعا يحمي أجسادها الصّغيرة في معكرتها لذبح المارد الذي أخد من تشكّلات الغمائم رهينة وأخضعها لتترتّب على هيئته الموحشة، عسى أن تظفر أجنحتها المكسورة بقبلةٍ من الحريّة تداوي برقّة شفتيها الجروح التي غرزت نفسها ندباتٍ على ريشها.. أجهشت الغيوم دموع الانعتاق من قبضة المارد التي قد عنّفت وجعها بتجاعيدٍ مكفهرّة، وذرفتها قطراتٍ من النّدى التي تتسابق الورود لتخزّنها في صميمها حتّى تروي بها عطشها في يومٍ تعبسُ فيه الظّلال ولا تبستم.. طرق الضّنك على حجرات قلبي مكبّلا بشؤم زيارته نباضته بإيقاعٍ يكاد أن يستحضر سكرات المنيّة بالشّعوذات التي يردّدها ببطء..فشاركته خلجاتي بترتيل أفكارٍ قد ألحدت بإله المنطق.. فلعلّ الليل ينشد نوتاته القاتمة على القمر فنظنّ أنّ رونق اللحن نورَه، ولعلّ الدّجى الذي نخشى في قربه ترّقّب الجاثوم للنوم يتقربعُ بملامح الإبداع التي أثرت قصائد قصائد الشعراء على مرّ العصور.. وربّما الشمس تحاول أن تحرق إنسانيّتنا، فتخدعنا بدفء أشعتها التي قد تكن سبب ضيق النّفس الذي يصيبنا فجأة..ولعلّ المياه التي نبحث عن إجاباتٍ لسريرة الحياة في انعكاسها تلتمس هي بدورها استفهاماً للأسئلة ذاتها في حطام صورتنا التي تنكسر على سطحها ثمّ ترقد في قعرها.. لا أدري فلم تعد الحقيقة التي كنت أنظر إليها إلى ما حولي كافيةً لسدّ رمقي الذي أصابه جفافُ السعادة..

https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2017/03/09/431106.html

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash