صَدّقوا أو لا تُصدّقوا..أنتم زائلون

بواسطة , 2015/06/07 1:59 مساءً

بقلم: فراس ياغي

الكاتب العراقي “حيدر حيدر”  في روايته “وليمة لأعشاب البحر” قال: ” نحن نعشق والآخرون يتزوجون عشيقاتنا”..وبعض الفضائيات تزوجت الديمقراطية وحقوق الانسان بعد عشق الشعب لها..بل إحتكرت الحقيقه وأصبحت لديها وصفات جاهزة ولكل شيء وبفتاوى “قرضاوية”..حتى أن هذا العالم الجليل ورغم وسطيته حلّلَ التدخل الاجنبي لفرض الديمقراطية على الشعوب قبل الانظمة..بل في خطبته يوم الجمعة في “بنغازي” أصبح منجماً عارفا لما سيحدث في بعض البلدان ك “اليمن” و “سوريا”، طبعا تناسى “البحرين” وما حولها..وأقسم بأن الشعوب ستنتصر..واقع الامر وتاريخيا حين تُقرّر الشعوب الخروج على الظلم والدكتاتورية وتكسر عقدة الخوف فهي منتصرة بإذن الله..المشكلة ليست في ذلك بقدر ما يريد شيخنا الجليل محاكاته..فهو ومثل بعض الفضائيات يقف لجانب جزءاً من الحقيقه ولا ينظر لعمق الحقيقه ذاتها ومن نفس الكأس التي يشرب منها تلك الحقيقه.

شتى الشعوب تتوق للحرية والديمقراطية..ولا يجادل أحداً في الحق الطبيعي للانسان بأن يعيش بكرامةٍ في وطنه بما يشمل كافة حقوقه غيرُ منقوصه..الحق في المشاركة الفاعلة في الدولة من الاختيار عبر الانتخابات إلى حق السكن والتعليم والصحة وحرية الرأي والتكتل ضمن أحزاب..إلخ..وهنا لا بدّ علينا أن ننظر لما يحدث وحدث في الوطن العربي حتى الآن على أنه مسألة طبيعية في السياق التاريخي..فلا يمكن للشعوب أن تبقى مُستباحه مَذلولة لا حول ولا قوة لها..فهي مصدر كل السلطات..وهي صاحبة الحق في الوطن وفي تقدمه وتطوره بما يخدم مصالحها أولا وقبل كل شيء..السياق الطبيعي أن تنضج الثورة وفقا للقدرات الذاتية أولا قبل إنضاج العامل الموضوعي..فالشعب ومعه أحزابه وحركاته ومستقليه يُجمع على ضرورة إحداث التغيير..بإعادة صياغة عقد إجتماعي جديد لشكل نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي يسمح للجميع بالمشاركه ويحفظ للأقليات حقوقها وبما يخدم توحد الوطن تحت راية واحدة.

في “تونس” و”مصر” كان العامل الذاتي هو عنوان الثورة..وجاء الموقف الدولي مؤيداً بحذر وداعما بحذرٍ أكثر، في حين الاقليمي كان متوجسا خائفا ومستعداً للدفاع عن الديكتاتوريات بل حتى إستقبال رموزها، الموقف الغربي جاء كنتيجة واقعية للمحافظة على مصالحه بالاساس وعدم المجازفة بالاستمرار بالوقوف إلى جانب الديكتاتوريات، ومحاولة إمتصاص الضربة وبأقل الخسائر..حتى الآن لم تتضح الصورة وتحتاج لبعضٍ من السنين لمعرفة واقع التغيير الذي حدث وإرتداده على الاقليم والمجتمع الدولي ككل، ومع ذلك بدايات التحولات القائمة في البلدين تؤسس لنوع من التغيير الذي سيُحدث مشاركة جماهيرية فاعلة في الحكم رغم مخاطر ما يحيق بها من ظروف نابعة من التدخلات الخارجية..

في “ليبيا”..كان للعامل الموضوعي الدور الحاسم..تدخل “الناتو” وفرض أجندة جديدة بالقوة العسكرية أدت لسقوط الطاغية، ولكن إرتداداتها غير معروفة العواقب وتحتاج لعقدٍ من الزمن بالحد الادنى لإعادة بناء الدولة “الليبية” شرط أن تتفق المجموعات المحلية المختلفة على شكل التغيير الذي تريده وتُحدث عملية مصالحة شاملة بين قطاعات الشعب الليبي ككل..بينما في “اليمن” هذا العامل كان المعيق الاول والاساسي في إحداث التغيير الديمقراطي الحقيقي وفق مطالب الحركة الشعبية المليونية والمستمرة..فالاقليم من خلال الدول المحيطه وبدعم غربي وأمريكي بشكل خاص منع عن شعب “اليمن” طموحاته..ومع ذلك المسألة هناك لم تحسم بعد..ومخاطر إرتداداتها القبلية والجِهَوية واقعية وممكنة، وقد تؤدي لتحول اليمن لشظايا متعددة إذا لم يُحسن الشعب وحركاته السياسية قيادة المعركة برؤيا وطنية شاملة..و”لمملكة البحرين” قصة أخرى، فالحركة هناك قُمعت من العامل الخارجي الاقليمي وبدعم غربي وأمريكي مباشر، وبحجج طائفية غير مبررة إلا في عقول الطائفيين المتعودين على حكم الاغلبية بالقمع، والمُتمتعيين بخيرات البلد الذين لا يريدون للأغلبية الساحقه من الشعب مشاركتهم فيها..هنا الحل لا يمكن أن يستمر وفقا لرؤيا ملكية أو بتناسي الشيخ الجليل داعم الثورات، بل بإصلاحات جذرية تحفظ للجميع حقوقه وتؤدي للمشاركة الفاعلة لقطاعات الشعب المختلفه وبرؤيا جامعة لا مفرقة.

أما “سوريا” وما أدراك ما “سوريا” كحقيقه جغرافية وتاريخية لها إمتداداتها عبر التاريخ، وتقع في قلب العرب والعروبه وتُشكل رأس المشرق العربي المُتَفتح وحاميته من كلِّ المخاطر المحيقه، فأحداثها وحركة شعبها وقواه السياسية الفاعلة والحيّة وقفت وستقف بالمرصاد لمتزوجي الديمقراطية والحرية العُرفيين..التغيير والاصلاح لا بدّ أن يحدث ووفق أجندة سورية مسنودة من الاخوة والاصدقاء المخلصين، ومؤامرة الفضائيات ومن خلفهم ستكون وبالا عليهم وعلى مصداقيتهم وستؤدي لزيادة الجرح والمعاناة التي يعيشها شعب سوريا الابي..نُقر بحق الشعب السوري في إختيار قيادته ونظامه السياسي شكلا ومضمونا وفق خطوات مدروسه وبرؤيا جمعية للحركات المختلفه وبمن فيهم النظام السوري وبحيث تراعي التنوع والتعدد الذي تتميز به قلعة بلاد الشام..ولا مجال هنا للسجال أو الخطأ أو رفع سقف المطالب وفقا لمتطلبات إقليمية ودولية كما يحدث مع “غليون” و “مجلسه”..التسامح والحوار وحده والمضي قدما بالاصلاحات هو وحده الكفيل بالخروج من الأزمة، وغيرُ ذلك هي وصفات مجنونة وحاقدة تُريد نزع الزهرة المُتفتحة عن غُصن العرب وإبقاء شوكها.

البلاد ليست ملكا لكم ولا لفضائياتكم وأموالكم..وخططكم باءت بالفشل سابقا ومصيرها المستقبلي الفشل المحتوم أيضا، فهم “لا يرون من الايام شموسها وصباحتها” كما قائل “الحيدر” العراقي، وبين الشعب وجلاديه الآن مسافة صرخة وهتاف، ولا مفرّ من المحاسبة والتغيير..والشعوب العربية لم تعد طفلاً مُتلقي في غابة البترول وفضائياته..والزمن القبيح تمحوه ميادين التحرير وسواعد المتشبثين بالكرامة الرافضين لدشاديش الديمقراطيين صُناع الاعلام الموجه والمُزيف..والشعوب عاشقة الحرية لن تسمح لطفيليي التكنلوجيا من سرقة عشيقاتهم ولن تستطيع حرف دربهم، رغم كلّ حُفرهم ورشاويهم وقراراتهم ومؤسساتهم الاقليمية والدولية، وصَدّقوا أو لا تُصَدّقوا، فكروشكم كشفتكم، وعروشكم زائلة، وأنتم لم تعودوا تملكوا البلاد ولا العباد، وإرادة الشعوب لا نجاة منها.

Firas94@yahoo.com

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash