فلك التاريخ والسياسة والدين .. وإسطرلاب الألباب

بواسطة , 2015/06/07 2:03 مساءً

وكالة أوقات الشام الإخبارية

أسد زيتون

أكاديميّة أثينا المسيحيّة … وتعاليم أرسطو الكنسيّة

—————————

حسب مفاهيم الفاتيكان فإن الحضارةَ اليونانيّة حضارةٌ وثنيّة , فهل مَن يستطيع تقديم تفسيرٍ مقنعٍ لاتخاذ الكنيسة تعاليمَ أرسطو تعاليمَ كنسيّةٍ مقدّسةٍ يستحقّ الحرق على الخازوق كلّ مَن يخالفها الرأيَ والاعتقاد ؟!

الحقيقة إنّ هذا السؤال النوويّ لوحدهِ كافٍ لكشف أكبر عورات التزوير في التاريخ لمن يؤمن بنور العقل , فعندما تعتمدُ الكنيسة الرسوليّة نظريّة أرسطو حول الجوهر والشكل أساساً لفلسفة القربان المقدّس في اللاهوت المسيحيّ , فإنّ هذا يجب أن يجعلنا نتساءل عن علاقة أرسطو بالمسيح لا أن نبحث في وثنيّة أثينا ؟!

في القرن التاسع عشر تمّ إلغاء محاكم التفتيش بعد أن التهمت نيرانها ملايين الضحايا البشريّة , ولكنّها ألغت أيضاً الكثير من الحقائق والمستندات والوثائق التاريخيّة , ووضعت إرثاً ثقيلاً من التلاعب والتزوير الذي ما يزالُ يسحقنا بحروبه حتّى الآن تحتَ بكرات مجد الربّ إله الجنود الظاهر كشبه إنسان ..

فيثاغورث الشهير بالنسبة للأغلبيّة الساحقة اليوم ليس إلاّ عالم الرياضيّات الشهير , وقلّة منهم يعرفونه بصفة الفيلسوف الحكيم , وأقلّ منهم يعرفونه بأيقونيته اللاهوتية كإبن للإله أبوللو ومُتلقّي تعاليمه !!

ربّما تفكّرون الآن بأنّني أسوق الدليل على أنّه المسيح الحقيقي !! كلاّ أيّها السادة ليس الأمرُ كذلك وإن كان يتعلّق بهِ ويقود إليه ؟!

تحدّثنا في الجزء السابق من فلك التاريخ عن حلقة السيّد المسيح الدراسيّة التي خلصت نتائج دراساتها عام 1995م إلى أنّ المسيح لن يعودَ إلى الحياة , كما تناولنا رأي أستاذ اللاهوت لوقا جونسون في كتابه ( المسيح الحقيقيّ ) حول عمل اللجنة والإشكاليّة الكبرى بين المسيح الحقيقيّ والمسيح التاريخي وتأكيده على أنّ السمة الثالثة للأخبار السيئة – بالنسبة للمؤرّخين – هي أنّ الكتابات الموجودة – الآن – ضمن العهد الجديد , الجزء الأكبر منها , يستحيل تحديدها بدقّة إمّا جغرافياً أو زمنياً , وبأنّ ما وصل إلينا من التاريخ خضع للقرار البشريّ حتّى بالنسبة للمواضيع التاريخيّة الأكثر علمانيّة ..

ولكنّ النتيجة الأهمّ التي يجب تناولها والتزوّد منها هي تلك التي توصّل إليها الدكتور كمال صليبي في كتابه ( البحث عن يسوع ) , وممّا توصّل إليه سنستند على ما يلي :

أنّ بولس الرسول لم يشر أبداً إلى أنّ والدة يسوع اسمها مريم وإنّما أختها اسمها مريم , كما أنّه أوّل من اشتقّ لفظة اليهودية ( Ioudaismos باليونانية ) من اسم اليهود Ioudaioi باليونيانية ) للدلالة على ديانتهم في رسالته الشهيرة إلى أهل غلاطية (14,13:1) ولا توجد أيّة إشارة معروفة إلى إسم لهذه الديانة من قبل , كما أنّه لا يذكر يسوع بأنّه كانَ يهودياً وإنّما إسرائيلياً ومن نسل داؤد في إشارةٍ عابرة , ولا يشير بولس إلى ولادته من عذراء كما لم يذكر أنّ اسم والدته مريم وكذلك الإنجيل الرابع ( يوحنا ) مثله مثل بولس لا يعرفها بأي اسم عند ذكرها , بل يشير إلى أنّ أختاً لها ( باليونانية adelphe ) أي إحدى خالات يسوع , كانَ اسمها مريم ( يوحنّا 25:19 ) , ممّا ينفي ضمناً كون مريم اسم والدة يسوع أمّا الأناجيل الثلاثة ( متّى ومرقس ولوقا ) تعرّف والدة يسوع باسم مريم , وفقط إنجيلي متّى ولوقا يذكران ولادته من عذراء , علما أنّ هذين الإنجيلين هما اللذان يوردان نسب يسوع إلى زربّابل , ثمّ إلى داؤد , عن طريق الذكور وإن بطريقتين مختلفتين ( متّى 6:1-16 ؛ ولوقا 23:3 – 31) من دون الملاحظة بأن هذا النسب لا يتفق مع القول بولادة يسوع من عذراء , وكما هو الأمر في رسائل بولس , فلا توجد أيّة إشارة في إنجيلي مرقس ويوحنّا إلى ولادة يسوع من عذراء , أضف إلى أنّ الأناجيل كلّها تتفق مع ما يقولهُ بولس عن كون يسوع سليلاً لداؤد بل يُسمى يسوع في ثلاثة منها : “ابن داؤد” في مخاطبة الناس له , وبالعودة إلى العهد القديم نجد مصير زربّابل مجهولاً بعد أنّ لبّى نداء قورش بالعودة إلى أورشليم ولم يكن حاضراً في تدشين بيت الربّ , ويرى الدكتور صليبي أن الكهنة الصادوقيّون الذي عيّنهم داؤد إلى جانب كهنة بيت عالي هم المسؤولون عن إخفائه بعدَ أن سعوا في بابل لتنظيم اليهود على أساس الشريعة وغمزوا هم وكتبتهم من قناة بيت داؤد ..

والأناجيل الأربعة مثلها مثل رسائل بولس لا تُعَرّف يسوع بأنّه كانَ يهوديّا , بل جلّ ما في الأمر أنّه خُتِنَ وتربّى ” حسب شريعة موسى ” ( على ما يُستفاد من إنجيل لوقا 21:2 -24,27 ) بينما اليهود اتهموا المسيح بأنّه كان سامريّاً ( يوحنّا 48:8) , ونجد في إنجيلي ( متّى 55:13 ) و ( مرقس 3:6 ) أنّ يسوع لم يكن لهُ أخ واحد فحسب ( وهو المسمّى يعقوب والذي التقى به بولس في أورشليم مرّتين ) , بل كان له ما لا يقلّ عن أربعة أخوة هم : يعقوب وسمعان ويوسي ( يوسي حسب إنجيل مرقس ويوسف حسب إنجيل متّى ) ويهوذا , وذلك عدا عن الأخوات , كما نجد أنّ بولس يؤكّد على ولادة يسوع خرج من الجليل , ويفيد يوحنا بأن من الإسرائيليين من لم يعترف بكون يسوع هو المسيح المنتظر لأنّه لم يأتِ من بيت لحم يهوذا حسب نبوءة ميخا , بل كانَ مجيئه من الجليل ) يوحنا 41:7-42)

يتفق العلماء على أنّ رسائل بولس أقدم منَ الأناجيل والمسيحيّة الرسوليّة التي نعرفها اليوم نتاج دعوته , وهو يصرّ على أنّه لم يستشر أحداً , لا حنانيا في دمشق ولا الرسل في أورشليم , بعد أن تجلّت له الحقيقة بشأن يسوع شخصيّاً , بل ذهبَ مباشرةً إلى العربيّة ( Arabia ) ومنها عاد إلى دمشق , ولم يذهب لمقابلة بطرس ويعقوب أخوي يسوع في أورشليم إلاّ بعد عودته من العربيّة بثلاث سنوات , وهذا ما يقوله بولس بكل وضوح ويقسم عليه ..

من هذه المعطيات الموثقة والواضحة ومن غيرها على منوالها , يخلص الدكتور صليبي إلى أنّه لا يمكن أن يكون عيسى بن مريم وهو اللاوي والهاروني الأصل هو ذاته يسوع بن يوسف النجار الذي كانَ اسمَ خالته , وليس أمّه , مريم وهو الذي كان من بيت داؤد ومن سبط يهوذا بشهادة الأناجيل الأربعة وكذلك بشهادة بولس , بل جُلّ ما في الأمر أنّ الأمر اختلط على مرقس ومتّى ( ولكن ليس على يوحنا ) فأطلقوا اسم والدة عيسى على والدة يسوع , بل إنّ لوقا ومتّى ذهبا إلى أبعد من ذلك فأخذا ما كان يقوله إنجيل النصارى عن ولادة عيسى من عذراء اسمها مريم ناسبين ذلك إلى يسوع , وفي الوقت نفسه نسبا يسوع إلى بيت داؤد عن طريق والده يوسف واصفين إيّاه أنه كانَ خطيباً لمريم لم يدخل عليها بعد , عندما ولدت بكرها يسوع , ولوقا الذي كان لديه اطّلاع مباشر على ما ورد في إنجيل النصارى عن ولادة عيسى ( كما لم يكن لمتّى ولا لمرقس ) هو وحده الذي أخذَ ما وجدهُ في هذا الإنجيل وطبّقهُ على ولادة يسوع بالتفصيل بما في ذلك الإشارة إلى كون مريم نسيبة لزكريّا الذي كانَ كاهناً , وهذا يعني أن مريم أيضاً وكذلك ابنها عيسى كانا ينتميان إلى السلالة الهارونية من سبط لاوي , وليس إلى السلالة الداؤدية من سبط يهوذا .

ويتفق كلاّ من الدكتور أحمد داؤود والدكتور فاضل الربيعي في أبحاثهما على معظم النتائج التي توصّل إليها الدكتور صليبي في كتابيه ( التوراة جاءت من جزيرة العرب ) و ( البحث عن يسوع ) , بأنّ التوراة وكذلك الإنجيل انطلق من بلاد العربيّة جنوبي الحجاز حيث ما تزال معظم التسميات الجغرافية موجودة , سيّما أنّ الناصرة في فلسطين لا وجود لها قبل القرن الثالث الميلادي , ولكنّ خطّ السير والانتشار والتمكين لكلٍّ من التوراة والإنجيل ما يزالُ أمراً إشكالياً لم تفصح عنه أيّاً من الأبحاث , وقد آثرتُ الاستناد على ما توصّل إليه الدكتور صليبيّ حول شخصيّة يسوع , لأنّه لم يضطرّ للاجتهاد برأيهِ وتحليله الشخصي , وإنّما أبدى بعض الآراء والاستنتاجات بما لا يخالف النصوص التي تناولها وبما لم يقسرها على التأويل ..

الحقيقة أنّه لم يكن المسيحيّون في الغرب وحدهم المصعوقين من نتائج البحث عن المسيح التاريخيّ , وإنّما كانت خيبة علماء التوراة والباحثين عن الإرث التوراتي في فلسطين أكبر وأشدّ , فهذا العالم التوراتي أستاذ علم الآثار في جامعة ماركويت طومسون Thomas L. Thompson وصل إلى نتيجة مخيبة للتوراتيين ولأحلام الغرب الصهيوني وهي : ( أنّ مجموع التاريخ الغربي لإسرائيل والإسرائيليين يستند إلى قصص من العهد القديم من صنع الخيال ) فطرد من منصبه في العام 1992م , وقد أقرّ نائب رئيس الجامعة بالمكانة العلمية لطومسون ولكنّه برر القرار بأن الجامعة تحصل على الدعم من الكنيسة التي يجب من نظرها أن تتوافق النصوص التاريخية مع وجهة نظر نواميس العقيدة , ولا أهمية لقيمتها التاريخية والعلمية إن لم تكن كذلك ) . أمّا جوناثان تاب وهو من أكبر علماء الآثار في تاريخ المنطقة العربية القديم في المتحف البريطاني : فقد أكّد ( أن طومسون دقيق جداً في بحثه العلميّ الكبير وشجاع في التعبير عمّا كان كثيرٌ منّا يفكّر فيه حدساً منذ زمنٍ طويل , وإن كانوا فضلوا كتمانه ) ..

لا شكّ أنّ فقدان أثر المسيح التاريخي في فلسطين هو فقدان لبني إسرائيل وهيكلهم منها , ولكن الباحثين العرب لم يفرّقوا في زحمة الردّ على المزاعم والمطامع الصهيونيّة , بين الحقائق التاريخية وبين المزاعم والاختلاقات الاستعماريّة , فبني إسرائيل هم أحد المكوّنات الرئيسيّة في تاريخ المشرق العربيّ مثلهم مثل بني إسماعيل وبني لخم وكنانة وبني تنوخ وباقي المكوّنات المجتمعيّة لشعوب المنطقة العربيّة وقبائلها , ومعظم الباحثين وقعوا أسرى التسميّات والتصنيفات التي فرضها علماء الاستشراق , فإذا بالعربي غير الآرامي , والآرامي غير السرياني , وإذا بأسماء العائلات تتحوّل إلى أقوام وشعوب , واختلطَ الحابل بالنابل حتى لم تعد تعرف للحقيقة وجهاً , بينما نجدُ أنّ التقسيم الحقيقي بين سكّان المنطقة قديماً كانَ أوّلاً بين الحضر والبدو وبين المدن والأرياف , وليسَ على أساس اللهجات التي تختلفُ بين قرية وأخرى , أي بينَ الحواضر والمناطق الزراعية المستقرة وبين المضارب المتنقلة والمناطق الرعويّة الشاسعة , وكانت من بين الأسرة نفسها مَن يميل أو يضطرّ إلى الحياة البدويّة , بينما يبقى قسمٌ منها في المناطق الحضرية , وقد أطلق البابليون على البوادي الممتدة بين غرب الفرات إلى تخوم الشام ( متو أربي ) وأتى اسمها في النصوص الفارسيّة الإخمينيّة زمن داريوس ( أرباية ) , كما أدخل “هيرودوتس” اسم العربيّة على البوادي الممتدّة من سيناء إلى شواطئ نهر النيل , وحضارتنا التي عادت إلينا غريبة عنّا بألفاظها وأسمائها لم تكن إلاّ بسبب جهل المستشرقين أوّلاً وتعمّدهم التزوير ثانياً , وبسبب جهلنا وضآلة عقولنا عندما أخذنا نترجم حضارتنا وأسماءنا عن لكنتهم الضحلة والغريبة ..

أسقط الباحثون أهمّ حلقة لتعليق الأحداث التاريخية القديمة للمنطقة العربيّة , فأسقطوا التاريخ وخبطوا خبطَ عشواء في بواديه , ومن العجب أن لا يعني لهم دفن المدن فوق المدن والقصور فوق القصور والمعابد فوق المعابد شيئاً سوى الانتقال من ملكٍ إلى ملكٍ آخر , فخروج إبراهيم ولوط ومن معهم لم يكن للسياحة والاستجمام , وإنّما كان السفينة التي أنقذت صفوة من الأخيار قبل أن تفجّر الطبيعة غضبها وتردّ للعاصين أعمالهم السيّئة وإرثهم الموبوء بما لا أمل فيه بإصلاحهم وصلاحهم ..

اليوم عندما تدمّر المدن بالحروب والكوارث فإنّ ترحيل الأنقاض والبحث عن الناجين وانتشال الجثث والأشلاء هو ما يسبق إعادة البناء والإعمار , الذي تعود به المنطقة المنكوبة خلال سنوات إلى سابق عهدها وربّما أفضل , بينما كانت المدن والقرى تبني قديماً على أنقاض المدن والقرى , وتشاد القصور فوق القصور المدفونة بما فيها ومن فيها تحت التراب , ويحتاج الناجون منها أو بعضهم إلى عقودٍ طويلة لإعادة إعمار المنطقة وبنائها من جديد ما لم تبقى مهجورةً قائمةً للعبرة والاعتبار بالمصير المؤلم , وفي طروادة الحديثة نسبياً قياساً ببابل , فقد اكتشف علماء الآثار تسع طبقات وما زالوا حائرين في أيّ طبقة كان حصارُ طروادة الشهير , وهو الحصارُ الذي ولدت روما العظيمة من أحشائه , فما بالكم بآلاف السنين من قبل نُقِشَت فيها خرائط السموات على شواهد الأرض ..

سنتزوّد بأحد الأسئلة النوويّة في رحلتنا للبحث عن المسيح الحقيقيّ , وزادنا في الحقيقة مجرّدُ سؤالٍ بسيط كحبّة النواة ولكنّه لن يكفّ عن الدوران في مداراتها :

هل يكونُ المولود من عذراء دون أب , شخصاً واحداً هو المسيح التاريخيّ الحقيقي , وعنهُ أخذت كلّ أمّةٍ من الأمم شخصيّة مسيحها ومخلّصها ؟!

بحسب إنجيل متّى فإن مجوساً من المشرق قد جاؤوا إلى أورشليم ليسجدوا للمولود الجديد بعدَ أن رأوا نجمهُ في المشرق , وبحسب إنجيل الطفولة الأرمني فإنّ هؤلاء المجوس هم ثلاثة ملوك : بلتصّر من شبه جزيرة العرب , وغاسبار من الهند , وميلكون من فارس , ونجد أن المولود من عذراء هو عيسى ابن مريم العربيّ وبوذا الهندي , وزارادشت الفارسي , والتشابه بين الأناجيل الثلاثة أكبر بكثير من أن نغضّ النظر ونشيح بوجه الحقيقة عن هذا الاحتمال ..

ولكن ألا يدعونا إنجيل متّى إلى التساؤل الحادّ والصارخ : لماذا لم تنتشر دعوة المسيح بين المجوس ما دام أوّل المؤمنين به والساجدين له كانوا مجوساً ؟! أليسَ لهؤلاء لسانٌ ينطق بما رأوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم فيخبرون به قومهم ويحدّثونهم عنه ؟! أم أنّ الله يسّر لهؤلاء مشاهدة هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ البشريّة دون غيرهم من البشر لهواً وعبثاً أو هامشاً ثانوياً على مسرح الأحداث ؟! ثمّ ما هي العلاقة بين النار التي يحافظ المجوس على جذوتها متّقدةً في معابدهم وبين النار التي آنسها موسى واقتبس منها الهدى ؟! أفيكون المجوس أحد الطوائف المولودة من رحم بني إسرائيل ؟!

الرسول بولس لم ينشر المسيحية في الجزيرة العربية ولا في اليمن ولا في شبه جزيرة العرب , لا بل إنّ الرومان هاجموا بشدّة مسيحيي المشرق وفرضوا عليهم عقائدهم , ونقرأ في أحد الانتقادات الغربيّة لمسيحيي المشرق : (( قال إنجيل الطفولة و كان رائجاً في الجزيرة العربية ضمن صفوف بعض الهراطقة : إن يسوع قد تكلم حتى وهو فى المهد وقال لأمّه : ” يا مريم إني أنا يسوع ” , وقال إنجيل الطفولة أيضا : ” عمل أشكالاً على هيئة الطير والعصافير , وعندما أمرها أن تطير طارت ” , ولم ينتهِ القرن الأول الميلادي حتى ظهر للوجود تأليفات كثيرة تسجل حياة ومعجزات وصلب وقيامة المسيح .. )) والحقيقة أنّ هذا الانتقاد من مسيحيي كنيسةٍ نشأت في القرن الثالث لمسيحيي القرن الأوّل غريب فعلاً ويستدعي التوقّف والتمحيص , ومراجعة كلّ التراث المسيحيّ في العالم ..

ونقرأ في أحد الأناجيل العربيّة : ( ظهرَ يوماً في فارس ملاك في هيئة نجم أضاء نوره البلاد كلّها فخرجَ الناسُ إلى خارجِ منازلهم ليمتعوا نظرهم بهذه الظاهرة السماويّة , فمجّدوا النارَ والنجوم , وارتدى الملوك والقادة والكهنة أبهى حللهم واجتمعوا لبحث الأمر والتشاور به , فقالَ الكهنة الذين طلب منهم تأويل ما يجري لقد ولد ملك الملوك , إله الآلهة , نورُ العالم , وعندَئذٍ أخذَ ثلاثةٌ من أبناء الملوك طريقهم حاملين الهدايا والتقدمات للمولود الإلهي .. ) ويبدو هذا الخبر منسجماً مع ما ورد في الإنجيل الأرمني , وبالتأكيد فإنّنا عندما نقول إنجيلاً عربيّاً فإنّنا لا نقصد إنجيل برنابا الذي وضعه عبدة الشيطان ..

لندع الحديث عن بولس الرسول والمسيحية الرسولية إلى حين ونعود إلى ما بدأنا به لنمسك بطرف الخيط الذي يصل أرسطو بالمسيح ونحلّ أحجية فلسفته الكنسيّة ؟! فهل نجد في التراث اليونانيّ القديم ما يصلنا باللاهوت الكنسيّ المسيحيّ ؟!

الجواب سنأخذه من أرسطو نفسه في كتابه الآثار العلْويّة : ( وكما يقول الفيثاغورثيون إنّ العالم كلّهُ والأشياء كلّها الموجودة فيه تُختصر في العدد الثالث , لأنّ النهاية والوسط والبداية تعطي العدد للكلّ , ورقمها ثلاثيّاً , ومن هنا أخذنا نحن هذا العدد من الطبيعة , كما كانَ واحداً في قوانينها , واستخدمناهُ حتّى في عبادة الآلهة ) , فمن هو فيثاغورث الذي أوصلنا إليه أرسطو ؟!

يفيدنا التاريخ أن فيثاغورث قضى في معابد مصر اثنتين وعشرين سنة عرف خلالها أسرار النجوم والهندسة , ثمّ انتقل إلى بابل في زمن قنبيز بن قورش الكبير , وفي بابل أكمل معارفه الإلهية في معابدها ووصل إلى قمّة المعرفة في علم الحساب , الموسيقى , وفي جميع المعارف والعلوم الأخرى , قبل أن يعود إلى جزيرة آموس ليبدأ وينطلق منها لنشر تعاليمه وفلسفته , ونقرأ لأحد شعراء ساموس ( بيثايس أيتها القبيلة الساميان الأعدل .. إحملي من تقبّلات إله العصر فيثاغورث الشهير )

ولنعرف أكثر عن فيثاغورث نقرأ للحكيم الفيثاغورثيّ أبوليوس تأكيدهُ على أنّ فيثاغورث تلقّى إرشاداته من زارادشت بالذات , وهذا يوصلنا بدورهِ إلى زارادشت فمن هو زارادشت معلّم فيثاغورث ؟! وما علاقتهُ ببابل التي تلقّى فيها فيثاغورث أسرار حكمته التي انتشرت في بلاد اليونان ؟!

قدّم لنا الباحث والمفكّر فراس السواح في كتابه ( الرحمن والشيطن ) ذخيرةً ثمينةً عن زارادشت جمعها من أهمّ المصادر والمراجع البحثيّة , فزارادشت هو المولود من عذراء والناطق في المهد الذي احتفلت كلّ مظاهر الطبيعة بولادته وحدثت سلسلة من المعجزات التي رافقت ذلك الحدث المهمّ في تاريخ الكون وتاريخ الإنسانية , وعندما شبّ عن الطوق جاء الشيطان لكي يجرّبه , ووضع في يده سلطان الأرض كلّها مقابل تخلّيه عن مهمّته القادمة , ولكنّ زارادشت نهره وأبعده عنه , وهذه المواجهة بينَ المخلّص والشيطان نجدها أيضاً في الأدبيّات الدينيّة البوذيّة والمسيحيّة , وقد عاشَ زارادشت عمراً مديداً وذاعت شهرتهُ في العالم القديم واعتبرهُ الإغريق سيداً للحكمة والمعارف السريانيّة ..

يفيدنا المفكّر السواح أيضاً بأنّ ما وصلنا عن زارادشت وتعاليمه لم يُدَوَّن كتراثٍ روحي لأهل فارس إلا في عهد الأسرة الساسانيّة التي بدأت مع أزدشير سنة (225) م ( أي قبل قرن تماماً من مجمع نيقية , وسنحتاج لبحث هذه المائة لاحقاً ) , وأفضل النظريّات المفترضة لولادته هي في أواسط الألف الأول قبل الميلاد , وهذا يتّفق مع ما دوّنه الفيثاغورثيون عن حياة معلّمهم بين ( 500-580ق.م ) ويعيدنا إلى ما قبل ألف سنة من ولادة الرسول الأمّي في مكّة , ولكن قبل الولوج إلى أسرار تلك الألف ويومها الإلهيّ دعونا نتساءل عن معنى كلمة : زارادشت ؟!

اختلفَ المستشرقون في معنى زارادشت اختلافاً لئيماً ومقصوداً حتّى نسبوه إلى الجَمَل , وخيراً فعل ( بريوشينكين ) مؤلّف كتاب ( أسرار الفيزياء الفلكيّة والميثولوجيا القديمة ) إذ أورد الترجمة الإغريقية لزارادشت بالنجم المضيء , وهذا ينسجم مع أناشيد الأفيستا ومع النجم الساطع المبشّر بولادته ..

مع زارادشت نصل إلى الملك الفارسي قورش الكبير المولود عام 530 ق.م لأسرة فارسيّة من طبقة النبلاء هي الأسرة الإخمينيّة , والذي تمكّن بمساعدة الكهنة الزارادشتيين من القضاء على دولة الآشوريّين والدولة البابليّة الثانية التي أعاد تأسيسها نبوخذ نصّر , وأسّسوا امبراطوريّة شاسعة انتشرت فيها ديانة واحدة هي الزرادشتية ولغة مشتركة هي الآرامية , ومن هنا نمسك بطرف الخيط الذي سيقودنا إلى الشخصيّة الحقيقيّة لزارادشت , وليس إلى تلك التي ضنّ بها قومٌ بعينهم على أن تكونَ لسواهم , حتّى ذهبوا بمولدهِ ومسقط رأسه إلى الأورال , بينما هو في الحقيقة كان كاهناً للإله العليّ يتعمّد بماء اليردنا عندما تلقّى نداء فوهو مانا , وإذا ربطنا بين ( فوهو مانا ) وبين ( مانا أو آدم مانا ) الملاك ذي المرتبة السامية أو أيقونة العقل الكلّي الأقدس عند الصابئة المندائيين , وعقدنا على هذا الربط بالآرامية التي انتشرت بها تعاليم زارادشت , فسنصل إلى نتيجةٍ مفادها أنّ زارادشت كان صابئاً مندائياً عمّده يحيى بن زكريّا بماء اليردنا المقدّس على مصعب ماء الفرات بينَ حواريي دار السلام والناصورائيين الأطهار , ولكي نعرف أكثر عن شخصيّة زارادشت الحقيقيّة ما علينا إلاّ أن نسأل أكثر , وسنطرق باب الحقيقة بإلحاح الطالب الراغب ونسأل : لماذا غالباً ما يدعو الكُتّاب الإغريق زاراداشت بـ ( زارادشت الآشوري ) ويتحدّث الاسكندر بوليهيستر عن فيثاغورث قائلاً : إنّهُ كان تلميذ نازارات الآشوري ) وهو ما وثّقه صاحب كتاب الفيزياء الفلكيّة مشكوراً ..

وبهذا السؤال لا نصل بتتبّع التوافق الزمني إلى الآشوريين فقط , وإنّما أيضاً إلى نبوخذ نصّر الأوّل الذي تمكّن من إعادة تأسيس دولة بابل الجديدة (612-539ق.م) بعد أن تمرّد على حكم الآشوريين في نينوى وأعلن نفسه ملكاً على بابل , ومنهُ إلى نبوخذ نصّر الثاني ( 605-539ق.م) وحلمهِ المزعج الذي طلب من الحكماء والكهنة أن يُفسّروه دون أن يرويه لهم إذا كانوا حكماء صادقين , وعندما عجزوا أمر بإبادة حكماء بابل ( ولأجل ذلك غضب الملك واغتاظ جدّاً وأمر بإبادة كلّ حكماء بابل فخرجَ الأمر وكانَ الحكماء يُقتلون .. ) سفر دانيال الإصحاح الثاني , ومنه نصل إلى بلطشاصّر وهو الاسم الذي أطلقه نبوخذ نصر على دانيال بعد أن فسّر له حلمهُ , لنربط بينهُ وبينَ ما ورد في الإنجيل الأرمني عن ( بلتصّر من شبه جزيرة العرب ) أحد الملوك الثلاثة الذين جاؤوا ليسجدوا للمولود الإلهيّ , ولأنّ حرف السين والشين يتبادلان ويختلطان في الآراميّة ولقرب حرف السين من الصاد وكذلك التاء والطاء فإنّ تحوّل بلطشاصرّ إلى بلتصّر يعتبرُ أمراً طبيعيّاً سيّما في اللسان الأرمنيّ , فإنّنا نستطيع أن ننطلق من فرضيّة أنّ بلطشاصّر رتبة كهنوتيّة تخصّ قوم نبوخذ نصّر وليس إسماً لشخص , وهذا ما نفهمه بوضوح من كلام نبوخذ نصّر ( يا بلطشاصّر كبير المجوس من حيث إنّي أعلمُ فيك روح الآلهة القدّوسين .. ) سفر دانيال / الإصحاح الرابع , وهو في هذا الخطاب يسأل دانيال عن تفسير حلمه الثاني عن الشجرة العظيمة التي قُطِعت وبقيَ أصلها مقيّداً إلى الأرض ..

هذه المعطيات تؤكّد انتماء نبوخذ نصّر إلى المجوسيّة باعتبارها طائفة تؤمن بموسى وبناره ولكنّنا هنا سنتبع طرق التحليل الجنائي لمعرفة الحقيقة ليس فيما يخصّ نبوخذ نصّر , وإنّما فيما يخصّ مصير النبي يحيى الذي أخفته التوراة المحرّفة على الرغم من أنّ ولادته لزكريّا لا تختلف عن ولادة إسحاق لإبراهيم , ونقرأ بعد سفر زكريا مباشرةً سفر ملاخي أي ملاكي , ولشدّة وضوح الدجل والتزوير فإنّه لا وجود لحرف الخاء في العبريّة ولا في الآراميّة الأمّ , وإنّما جاءت على لسان يهود الخزر ومعهم , وأمّا يهود المشرق العربيّ فالغالب على لسانهم حرف الحاء بدلاً من الخاء فيقولون أحي وأحتي بدلاً من أخي وأختي , والأحبار هم كتبةُ الأسفار ورواة أخبار الأنبياء وآثار الأمم الماضية , والخِبْر بكسر الخاء وتسكين الباء هو العلم بالشيء , وتلفظ الخاء حاءً ومنها أتى اسم الحِبر والأحبار , ولمّا كان بني إسرائيل معروفون بالتنبؤ وتعبير الرؤيا فقد أطلق عليهم اسم العبرانيين , وأعتقد أنّ هذا أفضل ما يقرّه ويُسلّم به العقل والمنطق ..

يروي الإخباريون العرب أنّ بخت نصّر قتل سبعين ألفاً انتقاما ليحيى بن زكريّا , وهنا نتساءل إذا كانوا قصدوا به بخت نصّر الأول , أم بخت نصّر الثاني , ولمّا علمنا أنّ إنكار وجحود بني إسرائيل لولادة المسيح من عذراء وما يعنيه هذا الإنكار من تهكّم وكيد لزكريّا الذي كفل مريم , وليحيى الذي عمّدَ المسيح بماء اليردنا , فإنّنا نستطيع أن نربط بينَ الخبرين , لنستدلّ على سعي الكهنة اليهود لدى بخت نصّر الأوّل بعد استقلاله عن الآشوريين في بابل لقتل زكريا ويحيى , ثمّ ارتدّ كيدهم إلى نحرهم على يد بخت نصّر الثاني , عندما رأى الحلم المزعج وأمر بقتلهم وإبادتهم , كما نستدلّ على أنّ بخت- نصّر لقباً ملكياً , وبلطشاصّر لقباً كهنوتياً في عشيرة بختنصّر الآراميّة , وأنّ بيت لحم التي خرج منها المسيح ليست إلاّ قبيلة لخم اليمنيّة الذين أتوا إلى العراق أيّام الملك الآشوري سرجون الثاني , ونقرأ في السجّلات العسكرية للملك الآشوري سرجون الثاني أنّ مملكة سبأ قدّمت له هديّة من الذهب واللآلئ والبخور والأعشاب , كما نقرأ لجيمس بريستد في كتابه ( العصور القديمة ) : ( وكانت دولة آشور ولا سيّما في أيّام مجدها العسكري أول دولة خطر لها أن تشمل سيطرتها العالم بأسره , وخطت في هذا السبيل خطوات مهمة … وظلت حملات آشور جارية في مجرى الشدة والقوة حتى صارت أعظم مملكة رآها العالم منذ أن ولد , ولم تكن دولة في الأرض تجرؤ على مناوأتها .. وكانت جيوشهم أول جيوش تسلحت بأدوات مصنوعة من الحديد وقد وجدَ في مخزن السلاح بقصر سرجون الثاني مائتا طن من الأدوات الحديدية ) , فهل يرجو العاقل وثيقةً أفضل من هذه ليجد أنّ الملك الآشوري سرجون الثاني هو الملك سليمان بن داؤود الذي تزوّج ملكة سبأ , وأنّ اليهود هم الكهنة الذين أنكروا ولادة المسيح من عذراء وهم الذي سعوا بزكريا ويحيى ليقتلوا , وأنّ دعوة الأسرة الإخمينيّة الفارسية آمنت بالمسيح وانطلقت بدعوته لتنشرها في المعمورة بلغة السيد المسيح ولغة إنجيله المقدّس , وأنّ قورش قام ينفي الكهنة الخونة وكتبتهم إلى فلسطين حيث أقام حاميةً منهم على طريق القوافل التجاريّة في ذروة صراعه وتنافسه مع مملكة وادي النيل ؟!

قدّم لنا الدكتور فاضل الربيعي بدراسته للأساطير والقصص الشعبيّة العربيّة , في كتابه ” المسيح العربيّ ” كنوزاً معرفيّة لا تقدّر بثمن , فرواية يومي السعد والنحس وقصّة النديمين التي تتكرّر بصيغ وشخوص مختلفة مع جميع الملوك الذين حكموا الحيرة , ودلالتها على الإنتقال من الثنويّة إلى المسيحيّة , تُعتبر الدراسة الأولى من نوعها في هذا المجال الفريد , ولكي نفهم هذا الربط بين الأسطورة ورموزها وبين الواقع ما علينا إلاّ أن نقرأ سيرة الملك سيف بن ذي يزن الشعبية لنجد أن الخيال العربي قد ألبسه مجد العصور والأيّام فأعطاه خاتم سليمان وسيف آصف بن برخيّا وحكّمه بملوك الجنّ , ولم يترك مجداً ولا فضلاً إلاّ أسبغه عليه , ومن هذا المنظور والفهم المتعمّق في طبيعة الشخصيّة العربية فإنّ الأساطير والقصص الشعبيذة التي ألبسها العرب على ملوك الحيرة أيّام الأسرة الساسانيّة ليست إلاّ تكراراً لمثيلاتها أيّام الأسرة الإخمينيّة ..

ولكن أين الرومان من كلّ هذا وأين هيرودوس ؟! وعن أيّ سبيٍ يتحدّثون ؟!

الحقيقة الصادمة أنّه في زمن المسيح التاريخيّ الحقيقيّ كانت ما تزالُ روما تحبو على ضفاف التيبر بعد أن وصل إليها البطل الطروادي إينياس سنة 753 ق.م , ولم يُكتب لها الحضارة والعمران إلاّ بعد فرار المهندسين السوريين إليها من وجه الحروب ومعهم مياه نهر العاصي التي صبّت في نهر التيبر حاملةً آلاف السنين من الحضارة والعمران كما قال الشاعر اللاتيني جوفيال ..

نتوقف قليلا عند ينبوع الدكتور فاضل الربيعي لنتزوّد منه ببعض المعين في هذه الرحلة المعقّدة والشاقة , ونقرأ في كتابه اكتشاف أورشليم : ( .. في الواقع شاع اسم بيت المقدس قبل الفتح الإسلامي وبقرون طويلة خارج اليمن , وبشكلٍ أخصّ في الحبشة , وذلك مع انتشار اليهوديّة فيها , ثمّ مع تحوّلها إلى النصرانية …. كما يتداول مسيحيو إثيوبيا حتّى اليوم , معتقدات دينيّة تقول : أنّ أورشليم مدينة سماويّة هبطت من السماء , وفي سياق انتشار يهوديّة اليمن في محيطها الحبشيّ ظهر إسم مقديشو العاصمة الصوماليّة أي القدس _ بمعاملة ميم الميم الحِمْيَريّة كأداة تعريف : مقدس = القدس ) , وسأستند إلى هذا الاقتباس لكي لا أتقيّد بما افترضهُ الباحث من وقوع جميع الأحداث التوراتيّة في اليمن ومحيطها الحجازيّ , وإنّما سأنطلق في مقاربة الأحداث من الوقائع التي جرت عند نقل مركز الخلافة من المدينة إلى الكوفة وكان تأثير الأحداث يعمّ جميع المناطق التي انتشر فيها الإسلام , فالذي انتصر في البصرة انتصر أيضاً في مكّة والمدينة في الوقت عينه , وبعد هذا التوضيح ننتقل إلى كتاب الدكتور فاضل “المسيح العربي” وإلى مملكة الحيرة تحديداً ( يُقصد بمملكة الحيرة حصراً المملكة العربيّة القديمة التي لعبت أدواراً مثيرة في تاريخ العرب . ورد ذكرها لأوّل مرّة في سجّلات الملك الأكادي نارام سين 2270-2230ق.م ….. يرتبط اسم المملكة باسم مؤسّسها الملك الأسطوري جذيمة الأبرش كما ترتبط بها قصص التنصّر ) ونستفيد من كتاب الدكتور فاضل أن الإخباريين العرب ربطوا نشوء مملكة الحيرة بعصر نبوخذ نصّر المعروف عندهم بـ ( بخت –نصّر) كما إنّ بعض المصادر السريانية تسمّي الحيرة : حيرتا دي طيّاته , ومنها ربط الباحث بين الحيرة وبين قبيلة طيّ التي كان منها عديّ بن حاتم الطائيّ الذي أكرم الرسول ضيافته ودعاه إلى الإسلام , وهو من الطائفة الركوسيّة التي تجمع بين الصابئة المندائيين والنصرانيّة , كما ربط الباحث بين الأبرشيّات المسيحيّة وبين الملك جذيمة الأبرش , ولكنّه لم يوفّق بربط نشوء الحيرة بزمن بخت نصّر , ولم يمسك بطرف الخيط الحقيقي الذي يقود إلى جريمة مقتل النبي يحيى على يد بخت نصّر وقبله زكريّا , وهو الخيط الذي سيقودنا إلى نفي الخونة من بابل وليس إلى السبيِ البابلي , ومنه سنعرف الفرق بين أورشليم إبراهيم الخليل وبين أورشليم الحصن , ولا يفوتنا أن نشكر الباحث على الشاهد الفريد الذي قدّمهُ لنا بخصوص الغريّيين المبنيين في ظاهر الكوفة عن هشام ابن الكلبيّ المتوفّي عام 204 للهجرة ويقول في وصفهما : ( إنّما سمّيَ الغريّين لحسنهما في ذلك الزمان , وإنّما بُنيَ الغريّان على مثل غريّين بناهما صاحب مصر وجعل عليهما حرساً , فكلّ مَن لم يُصلِّ لهما قُتلَ إلاّ أن يُخبره خصلتين – لغزين ليس فيهما النجاة ) فهل ثمّة علاقة بين هذين الغريّين وبين تمثال الذهب الذي صنعهُ نبوخذ نصر وأمر بالسجود له بعد أن فسّر له دانيال حلمه المزعج فأكرمه نبوخذ نصّر وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل وأطلق عليه اسم إلهه بلطشاصّر ..

أيّها السادة إنّ عالم الآثار البريطاني الروائي الشهير بول سوسمان , لم يكن غبيّاً عندما جعل بابل في مصر القديمة في روايته ( آخر أسرار الهيكل ) , وإنّما كان يعرف الحقيقة بما لا شكّ فيه , وتعمّدَ تقديمها بشكلٍ مقلوب وتقديمها على طبقٍ شهيّ ممهورةً لائحته بختم ( الكتاب الذي مُنع في إسرائيل ) لزيادة الإقبال عليه , واصطياد العقول وصمّ الآذان عن الأصوات التي بدأت ترتفع وينتشر صداها ضدّ التزوير الوقح للتاريخ والجغرافيا والتراث الحضاري والروحي للبشرية …..

إذا أردتم معرفة خفايا وكواليس وأهداف الخطط الغربيّة وكيف تدار , وكيف ستفشل وتنهار أرجو أن تتابعونا …………. فللشيطانِ الألفيّة تفاصيلٌ مثيرة في البقيّة

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash