“المذكرة الاستراتيجية”: كيف خططوا للخلافة من خلال “الفوضى العارمة”؟ – الجزء الأول

بواسطة , 2015/06/07 6:32 مساءً

 

قراءة في كتاب “المذكرة الاستراتيجية” لعبدالله بن محمد، والذي نشر عام 2011 عند بداية أحداث العالم العربي، وفيه وضع استراتيجية التنظيمات الاسلامية المتطرفة لإنشاء دولة الخلافة في الشام واليمن، وهو الكتاب الذي يفسر الكثير من أحداث المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية.
المذكرة الاستراتيجية
المذكرة الاستراتيجية
يفتتح عبدالله بن محمد كتابه “المذكرة الاستراتيجية” الصادر عن “مؤسسة المأسدة الإعلامية” عام 2011، بوصف النبي محمد بـ”الضحوك القتّال”؛ وبذلك يعطي إشارةً أولى عن مضمون الاستراتيجية التي يوجه من خلالها “المجاهدين” في سبيل الوصول إلى “دولة الخلافة” التي يعتبرها هدف كل الجهاديين ومنتهى مشروعهم.وتشهد الفترة الراهنة إصدارات متزايدة تشكل القاعدة الفكرية للجماعات الإسلامية المتطرفة، ودليل عملهم الميداني والاستراتيجي؛ وفي هذا السياق كنا قد تحدثنا سابقاً عن كتاب “إدارة التوحش” لأبي بكر ناجي.

ويقدم كتاب “المذكرة الاستراتيجية” رؤية تستند إلى المنهج السلفي وعلمائه في فهم التاريخ الاسلامي، لاسيما سيرة النبي محمد والأحاديث المنسوبة إليه. غير أن اللافت الأبرز في هذه الناحية، هو كثرة الأمثلة عن استراتيجية اليهود والحركة الصهيونية في مسارهم لبناء دولتهم، ودعوته لاتباع خطوات شبيه بخطواتهم من أجل الوصول إلى دولة الخلافة، واعتباره أن المسلمين يمرون بنفس المراحل التي مر بها اليهود في سعيهم لإنشاء دولتهم؛ بالإضافة إلى اقتباسات من تجارب أخرى من التاريخ الأوروبي والروسي والأميركي، فضلاً عن استعانته بأحداث وأشخاص المنطقة الاسلامية.

يتحدث الكاتب بدايةً عن أهمية “الثورات العربية” في “دعم وتثبيت المشروع الجهادي”، وكيف أنها “في محصلتها النهائية كيوم بعاث الذي قتلت فيه صناديد الأوس والخزرج واضطربت فيه موازين القوى في المدينة ليفتح ذلك أمام أي قوة فتية تصلح للقيادة وتستطيع ملأ الفراغ”.

ويرى أن نجاح الثورات كان بسبب التوافق بين القوى التي خرجت على الحكام، وأن هذا التوافق لا يمكن أن يستمر، ويرجع ذلك إلى خلل في الخصائص الاجتماعية عند العرب، ويعتبر أنهم قوم “لا تصلح لهم الديموقراطية بحال”، وأنهم لا ينقادون إلا للقوي؛ ويرى أن توازن القوى الناتج عن إسقاط “النظام القوي الوحيد” في الدولة سيفشل التوافق بين قوى المجتمع، وسيفسح في المجال أمام “الفوضى العارمة” التي تعطي الفرصة “للاعب الأقوى” وهو التيارات الاسلامية؛ وفي هذا السياق يعطي نموذجين سابقين عن الفوضى العارمة، وهما الحرب الأهلية في لبنان، والحرب الأهلية في الصومال، حيث جرت كل واحدة من الحربين في ظل توازن قوى بين الأطراف المتحاربة.

ويبرز الكاتب منذ البداية أهمية المنطقة العربية بالنسبة للمشروع الجهادي، كونها تحتوي على ثلاث مضائق بحرية فائقة الأهمية، إضافة إلى حزام النفط الأهم في العالم.

 

أي دور للتيار الجهادي في هذه المرحلة؟ ما هو المشروع؟ وماهي فرص نجاحه؟

مقاتلون من الجماعات الجهادية
مقاتلون من الجماعات الجهادية
يعتبر بن محمد أنه في ظل هذه الفوضى المرتقبة (الكتاب صادر عام 2011)، لن يكتب للمشاريع الجزئية أي فرصة للحياة في الأوضاع الجديدة، ويدعو لاستثمار الظروف الطارئة بأفضل وأكمل الاستراتيجيات وتوظيف الجهود في هدفٍ عام. ويقول إن حالة الفوضى سوف تؤدي إلى تهيئة نفسية الشرائح المتضررة من منها لرفض الديموقراطية، وان السواد الأعظم من الناس سيرحبون بأي “قوة” تستطيع توفير الأمن والاستقرار. 

ويتابع قائلاً: “عندما لا تجد القوى العظمى مصلحة في التدخل أو تعجز عن ذلك كما هو متوقع يكون الحل الوحيد على يد قوة بالمواصفات المحلية، وهذا هو عين ما حدث مع حركة طالبان عند سيطرتها على أفغانستان ووصولها إلى سدة الحكم في كابول”، على الرغم من أنها لم تكن تملك أي مشاريع تنموية أو رؤى سياسية، بل كانت تملك السلعة الوحيدة التي يبحث عنها الشعب في ظل الفوضى، وهي الأمن. 

ويتوقع الكاتب ظروفاً مشابهة في المنطقة العربية، ويدعو إلى “مشروع متكامل للمنطقة” التي تعيش ظروفاً متشابهة وتشترك في المعطيات والقواسم كاللغة والدين والتاريخ والعادات، ويضيف إن هذا المشروع يجب أن يقوم فيجب على فكرة قادرة على عبور الحدود والتحرك بين الناس كما فعلت فكرة الثورة، ويستنتج أن الفكرة الوحيدة القادرة على جمع شتات الناس ومخاطبة أحلامهم هي “الخلافة”.

قرب انهيار النظام العالمي وتفكك نظام سايس-بيكو

خارطة تظهر تقسيمات سايكس-بيكو
خارطة تظهر تقسيمات سايكس-بيكو
يطرح الكتاب توقعاً لانهيار “نظام سايكس-بيكو” كمقدمة لإغراء القارئ بفكرة الخلافة الاسلامية التي يعتبر أن بغيابها منذ العام 1923 وهو تاريخ توقيع إتفاقية لوزان بين أتاتورك والإنكليز، بقي المسلمون بلا رأس يقودهم وبلا كيان يجمعهم. وكدليلٍ على فكرته، يستعيد تنبؤ “أحد مفكري التيار الجهادي” بعدم إمكانية “قيام دولة إسلامية بالمعنى الصحيح إلا عندما يزول أو يتغير هذا النظام الدولي”. 

وانطلاقاً من تحول “الثورات” إلى كرة ثلج تكبر من بلد إلى آخر، يلحظ الكاتب توسع معنى المطالبات مع كل انتقال تحققه، ففي تونس بدأت المطالب محلية، واتسعت مع “ثورتي” مصر وليبيا لتطال الأمن الأوروبي والهجرة غير الشرعية، وامتدت مع سوريا واليمن إلى مسائل أخرى منها التهديد بانهيار دول الطوق حول إسرائيل. ويرى بعد ذلك أن “الربيع العربي” ألهم الشعوب الأوروبية في اليونان وإسبانيا للتحرك ورفض خطط التقشف الاقتصادي، حتى يصل إلى حد اعتبار أن الاسرائيليين تأثروا بـ”جيرانهم” بحسب تعبيره، وقاموا بإستخدام العبارة العربية الشهيرة “الشعب يريد إسقاط النظام” أثناء المظاهرات المنددة بمشكلة السكن والغلاء. 

ويراهن الكاتب على “وسائل الإعلام والعلماء” في إحداث دفعٍ في الشارع العربي “يعطل التعاون العربي المشترك في ظل فوضى عارمة، حيث لن تتمكن دولة من مساعدة دولة أخرى بوجه الفوضى”. وبالدخول أكثر في توجيه القارئ، يرى أن “تدمير الأنظمة هو تدمير حقيقي لأعمدة سايكس-بيكو، لأن هذه الفوضى العارمة ستخضع خارطة العالم العربي لتعديلات جديدة على موازين القوى السياسية والعسكرية وستخلق مساحات خالية من السيطرة المركزية وستجلب تحالفات جديدة للمنطقة، وستحيي بنفس الوقت الولاء للقبيلة والطائفة والعرق؛ وهذا ما سيجعل الحركة داخل المنطقة العربية لا تخضع للحدود المتعارف عليها والتي صنعت على عين سايس وبيكو”. 

وعلى المستوى الدولي، يتوقع الكاتب انكماش السياسة الخارجية الأميركية على نفسها، بسبب الأزمة المالية، ويستشعر خطر تفكك الفيدرالية، ويرجع الفضل في ذلك إلى حرب الاستنزاف الاقتصادي التي خاضها “تنظيم القاعدة” ضد واشنطن، ويستشهد بكتاب “حرب الثلاثة آلاف مليار” للبروفيسور الأميركي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغلتز والباحثة ليندا بيلمس. ويعتبر أن انهيار أميركا القادم “سيجعل العالم بلا قوة قادرة على قيادته ونسج التحالفات اللازمة لإدارة الصراعات فيه وستفقد المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن القدرة على ضبط النزاعات وفرض العقوبات”، لأن “أميركا لم تترك من خلفها من يستطيع ملأ الفراغ من بعدها بنفس الكفاءة والمقدرة”، ويستطرد قائلاً إنه مع التفكك الوشيك لمنظومة سايكس بيكو نكون قد وصلنا إلى المناخ الملائم للشروع في المراحل التنفيذية لمشروع إعادة الخلافة الاسلامية، ويقول بعبارة أوضح إنه “ولأول مرة منذ سقوط الخلافة في عام 1923 يكون فيها رحم الأمة قابلاً للإحتفاظ بجنين الخلافة”.

نظرية الذراعين

ذراعي المشروع (اليمن والشام)
ذراعي المشروع (اليمن والشام)
وبعد تأمين المناخ الملائم لمشروع الخلافة، يطرح الكاتب “نظرية الذراعين”، كطريق تنفيذي لهذا المشروع،ويستنجد لتبرير تفاؤله أمام القارئ بمجموعة من الأحداث التاريخية التي لم تستطع خلالها العقول والأذواق استيعاب ألمعية المفكرين وأفكارهم في وقتها، فيتحدث عن “ليدل هارت” وكيف سخر منه العسكريون البريطانيون عند طرحه لاستراتيجية “الاقتراب غير المباشر“، والتي استفاد الألمان في عهد هتلر ليبتكروا نظرية “الحرب الخاطفة”، والتي احتلوا بها غرب وشرق أوروبا بين الأهوام 1939 و1941.ويدعو بعدها لاستغلال المساحات الجغرافية التي ستفتقد فيها دول المنطقة في ظل الفوضى السيطرة المركزية، وذلك لإقامة إمارة إسلامية كنواة لمشروع الخلافة الاسلامية، ويطرح تساؤلات حول المساحات الجغرافية الأنسب لبدء المشروع، ثم يشبه هذه التساؤلات لتلك التي دارت بين اليهود في مؤتمر “بازل” عام 1897، حيث رفض هرتزل أخذ وطن في الأرجنتين أو أوغندا لبناء الوطن القومي اليهودي، مع أن ذلك كان متوافراً من قبل سلطات الاستعمار سياسياً ومالياً، واختياره فلسطين كمشروع قومي لدولة اليهود يبدأ بمستعمرات زراعية وينتهي بإعلان الدولة خلال خمسين عام وهي الفترة ما بين المؤتمر الأول وإعلان الدولة، وكيف أن الدعاية اليهودية ركزت على وصف فلسطين “بأرض اللبن والعسل”.

ومن هنا، ينطلق الكاتب ليطرح نقطة مركزية في مشروعه، وهي الأهمية الفائقة لمسألة الحشد الفكري والعاطفي التي يجب أن تسبق الخطوات التنفيذية، ويقول إن “الأمة الاسلامية قد غيبت عن مفهوم الخلافة” لفترة طويلة، في مواجهة مفاهيم القومية والوطنية.

وللدلالة على أهمية الحشد الفكري والعاطفي، يستعيد تجربة الحركة الشيوعية، والأحزاب النازية، والسياسة الأميركية التي ركزت على الضخ الثقافي والإعلام، ويشير إلى التعبئة التي مارسها الكرد حول مشروع الدولة ويختصره بشهادة لأحدهم يقول فيها: ” كانوا يضعون لنا مشروع الدولة مع حليب الأطفال”.

ويدعو إلى اعتماد استراتيجية بعيدة المدى تتضمن أدوات إعلامية متنوعة كالإصدارات المرئية والكتب والدراسات والمؤتمرات الصحفية والندوات الفكرية لخلق “حالة من القبول الفكري أو على أقل تقدير أن نجعل مشروع الخلافة الاسلامية قضية مطروحة عند رجل الشارع العادي”، ويشيد بدور سيد قطب وعبدالله عزام في إعادة إحياء مصطلحات إسلامية مطمورة، وبدور “الجهاد الالكتروني” الذي حول “غزوتي نيويورك وواشنطن” إلى مجال استفادة للعمل الجهادي.

ويشدد في سبيل إنجاح الحشد الفكري والعاطفي وإكمال نتائجه على أهمية “قاعدة نفسية مفادها أن النموذج الناجح هو خير دعاية للفكرة التي تقف من ورائه”. ويطمئن “المجاهدين” إلى أن مرحلة الفوضى سوف تعفيهم من عبء  توفير الخدمات للناس في المناطق التي يسيطرون عليها، لأن الناس سوف يهتمون بتوفير الاساسيات، مثل الأمن والمأكل والمشرب، حيث تصبح البنى التحتية والخدمات الأخرى التي توفرها الدولة عادةً من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، ويضيف ان المرحلة الفوضوية العارمة سوف تعيد تشكيل ظروف المعيشة بما يتناسب مع المشروع، أي أن الناس ستفقد الكماليات أساساً بفعل الفوضى.

ويضع الكاتب “خريطة العالم العربي على الطاولة”، ليبحث “عن أفضل المواقع التي تصلح كقاعدة لإنطلاق هذا المشروع”، وفق الشروط والمتطلبات اللازمة لذلك والتي سيكون من أهمها:

-       أولاً: ألا يكون الموقع في منطقة ميتة حيوياً وسياسياً كبعض الأقاليم في السودان والصومال وموريتانيا وصعيد مصر وغيرها من المناطق التي لا تحظى بعوامل تجعل منها محط اهتمام للشارع الاسلامي.

-       ثانياً: أن يكون الموقع ضمن أو بالقرب من مناطق التأثير الديني، فالتاريخ يشهد بأن الخلافة ارتبطت دائما بمن قبلة المسلمين والرمز الذي يلتفون حوله.

-       ثالثاً: أن يضم الموقع الجغرافي تضاريس تساعد على العمل العسكري الدفاعي كالموانع الطبيعية مثل الجبال والغابات والمستنقعات والأحراش وغيرها من الموانع التي تعيق حركة الجيوش النظامية أو تحيد بعض الاسلحة المتفوقة كالطيران والمدرعات… ولا يشذ عن ذلك إلا من يجيد استخدام الكثافة العمرانية والبشرية كغطاء للتحرك والتواجد العسكري كما هو الحال في العراق.

-       رابعاً: الأمن الغذائي أي أن يضم الموقع أنهار ومناطق زراعية وبحيرات طبيعية تشكل له قاعدة للإكتفاء الذاتي من الماء والغذاء.

-       خامساً: الطبيعة السكانية المساعدة أي أن تتضمن الخصائص البشرية للمنطقة نسب مقبولة من ناحية التدين والشجاعة والصبر.

وبعد وضع المواصفات، يجد أن هذه الشروط تتوافر أكثر ما تكون في منطقتين من العالم العربي وهما “اليمن والشام” (الذراعين)، لأن كلا المنطقتين “تقعان في المجال الحيوي لقلب العالم الاسلامي ونستطيع من خلالهما تحريك عموم المسلمين وتضمان تضاريس وموانع طبيعية بها وفرة في الماء والغذاء تجعلهما في دائرة حصينة من ناحية الأمن الغذائي”؛ يستنجد الكاتب لتأكيد أهمية المنطقتين المختارتين بأحاديث منسوبة للرسول عن أهمية اليمن والشام ودعوته إلى الجهاد فيهما، ويؤكد أن سكانهما هم من أشد العناصر العسكرية انضباطا في الحروب وأليقها به.

نستكمل في الجزء الثاني من هذه القراءة الحديث عن استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين، وأهم التوصيات التي يطرحها الكاتب للجهاديين لتحقيق مشروع الخلافة، حيث تتضمن هذه التوصيات مفاجآت كبرى كالدعوة إلى إغلاق قناة السويس وتدمير صناعة النفط وتهجير الأقليات، وغيرها من الموضوعات اللافتة جداً.

الميادين

المصدر: كتاب المذكرة الاستراتيجية لعبدالله بن محمد
Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash