“المذكرة الاستراتيجية”: دعوة إلى تدمير النفط.. إقفال السويس.. تهجير الأقليات – الجزء الثاني

بواسطة , 2015/06/07 6:34 مساءً

 

الجزء الثاني من القراءة في كتاب “المذكرة الاستراتيجية” لعبدالله بن محمد، والذي نشر عام 2011 عند بداية أحداث العالم العربي، وفيه وضع استراتيجية التنظيمات الاسلامية المتطرفة لإنشاء دولة الخلافة في الشام واليمن، وهو الكتاب الذي يفسر الكثير من أحداث المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية.
مقاتل متطرف
مقاتل متطرف
بعد أن تحدثنا في الجزء الأول عن “نظرية الذراعين” التي يدعو إليها الكاتب، نتطرق في الجزء الثاني إلى “استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين”، والدعوة التي يطلقها لتدمير صناعة النفط وتهجير الأقليات وغيرها من الأهداف التي شوهدت معالمها تنفذ على الأرض في سياق فوضى “الربيع العربي” المفترض.تعتمد الاستراتيجية العامة للتحرك في “نظرية الذراعين” بحسب الكاتب على حشد وتركيز الطاقات الجهادية في منطقتي المشروع، مع تحويل بقية الجبهات إلى مراكز دعم وإمداد بشري وفني لمنطقتي المشروع، ويقول: “وقد جَعَلْتُ” العمل في المشروع في منطقتين بدلاً من واحدة كي تتضاعف فرص النجاح من جهة ولكي تعمل الجبهتان والمنطقتان كذراعين تغطي كل واحدة منهما الأخرى وتمنع من تركيز أي مجهود عسكري يستهدف أية جبهة لوحدها. ويضيف إن “شبكة الإشغال والتثبيت والتغطية هذه تدخل فيها بقية الجبهات بشكل جزئي بجانب مهمامها الأخرى في الدعم الفني والبشري والمعلوماتي”.

وعن سبب اقتراح طريقة العمل بالذراعين في المرحلة الأولى، يقول: “لأني أعتقد أن الأعداء على اختلاف ألوانهم سوف يلجأون إلى تشكيل تحالف عسكري مهمته القضاء على التواجد الجهادي في الشام والذي يهدد أمن ووجود إسرائيل أو التواجد الجهادي في اليمن والذي يهدد منابع النفط والممرات البحرية المهمة ومن الأفضل لنا حينها أن نقاتل على جبهتين مدعومتين بسلسلة جبهات جزئية في العراق وجزيرة العرب ومصر وليبيا والصومال والمغرب الإسلامي وغيرها لأن تشتيت جهود أي تحالف عسكري يحتاج إلى مواقع تتبادل الضغط والتغطية في ما بينها”. ويضيف أن جبهة الشام ستستفيد “من أذرع الإمداد والتموين الآتية من العراق وتركيا ومصر وشمال جزيرة العرب.. وإن هذه ديناميكية لا تنقصها إلا الفوضى العارمة كي تبدأ بالعمل”.

وفي هذا السياق، يقترح “نقل الكوادر العاملة في بلاد الرافدين إلى الداخل الشامي”، لأن “الحرب في العراق قد ولدت خبرات واسعة وثمينة في تكتيكات قتال المدن والمناطق الزراعية وأساليب الدفاع الجوي وتقنية العبوات المتفجرة واللاصقة والكواتم”.

وفي ناحية التنظيم، يؤكد أهمية ذلك في مرحلة الفوضى العارمة، ويعطي مثالاً على التنظيم بوصفه “ديفيد بن غوريون برجل الدولة”، حيث تعامل هذا الأخير بقسوة مع عصابات الشتيرن والهاغانا وغيرهما بعد سيطرتهم على فلسطين وإعلان دولتهم.

ويشدد الكاتب بعد ذلك على أهمية جمع كل الحركات الجهادية  تحت “عنوان واحد،  كـ “الاتحاد الإسلامي أو أنصار الشريعة أو غيره، و”مكان واحد” هو إحدى منطقتي المشروع، وينصح بتغيير إسم “تنظيم القاعدة” لتلافي الآثار السلبية للصورة النمطية التي يقول إن الإعلام والدول الغربية صبغته بها، والتي أدت إلى إبعاد بعض جماهيره عنه. ومرةً أخرى، يعطي مثالاً إسرائيلياً حول جدوى تغيير الإسم، فحزب “كاديما” الإسرائيلي هو عبارة عن تحالف لمجموعة أحزاب.

ويختار الكاتب السير في فكرتين متوازيتين، بدل اختيار إحداهما، وهما “اتحاد للمنظمات الجهادية”، وتشكيل “دولة تكون نواة الخلافة”، على أن يحشد لهما قدرات فنية ومالية ومراكز دعم وزخم إعلامي عبر عشرات المكاتب في البلدان الإسلامية؛ وحين يتم التمكين في إحدى منطقتي المشروع تتحول المكاتب التي بدأت كماكتب استخبارية إلى ما يشبه القنصليات والسفارات للدولة الوليدة.

ومجدداً، يشبّه الظروف التي يعيشها المشروع بالظروف التي عاشها اليهود قبل إعلان دولتهم، فهرتزل قال بعد مؤتمر بازل: “إن أردتم أن ألخّص لكم أعمال المؤتمر فبوسعي أن أقول إن في بازل أسست الدولة اليهودية”، ويتابع الكاتب أن اليهود أنشأوا مكاتب تحت عنوان “الوكالة اليهودية” وتغلغلوا في المؤسسات الحاكمة في الغرب حتى تمكنوا.

 

أهم التوصيات التي يمكن أن تخدم المشروع

يدعو الكاتب إلى تدمير صناعة النفط بين الحين والآخر
يدعو الكاتب إلى تدمير صناعة النفط بين الحين والآخر
ويطرح الكتاب إجراءات احترازية أثناء تطبيق المشروع، وهي “بمثابة إجراءات الأمن والسلامة عند تشييد بناء جديد”، ويقول إنه يجب مراعاة هذه الإجراءات على المدى القريب والمتوسط والبعيد، إلى ثلاثة أنواع: التأمين الدعائي، التأمين الذاتي والتأمين الاستراتيجي. 

التأمين الدعائي: وهو في عدم الدخول في أية صراعات مع أي طرف إسلامي خارج دائرتي المشروع والتمسك بمبدأ إظهار المثال الحسن للدولة النواة، ويوضح بعبارة: “اتركوا الإخوان ما تركوكم”، ثم يركز على دور القيادات بالتواصل مع القاعدة الشبابية وتوجيهها. 

التأمين الذاتي: وهو على الشكل التالي: 

-       1- توفير الخدمات: والقصد هنا توفير السلعة الوحيدة المطلوبة وهي الأمن. 

-       2- الاستقطاب: وهو مؤشر النمو الحقيقي للحركة أو الجماعة. وفيه تكليف بعض الدعاة والأكاديميين بوضع مناهج تعليمية إسلامية لمختلف الفئات العمرية وتشجيع ودعم ذلك حتى يكون بديلاً من التعليم التقليدي. 

-       3- الردع: في أية بقعة من العالم يتمثل الأعداء في قسمين عدو داخلي وعدو خارجي. وقد تأخذ قوة الردع أشكالا متعددة في التعبير عن نفسها كالظهور الأمني المكثف في المناطق المسيطر عليها وعمليات الإغارة خارج مناطق النفوذ وتدريب وتخريج بعض الدفعات العسكرية من أبناء المنطقة، ويعطي في هذا السياق مثالاً آخر عن الإسرائيليين. 

 

ويقسم الكتاب استراتيجية التحرك العسكري في الشام  إلى ثلاث مراحل: البناء، القتال، والتمكين. 

-       أولا: مرحلة البناء: 

“تعتمد هذه المرحلة على السرية في كل شيء، وترفع شعار “البناء من خلال المعركة” بحيث “يكون الشغل الشاغل للمجاهدين يتركز في تدريب وإعداد الكوادر العسكرية وبناء شبكات الرصد وتشييد البنية التحتية للمرحلة القادمة والتي تتطلب امتلاك وتخزين كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، ويمكن تأمين ذلك عن طريق تجار السلاح وشبكات التهريب أو من خلال الإغارة على الأرتال العسكرية، أي أن الهدف الرئيسي لعملياتنا العسكرية في هذه المرحلة هو الحصول على السلاح من يد العدو”، ويضيف أنه من “المهم في هذه الفترة ترتيب بعض الاختراقات اللازمة في أجهزة العدو العسكرية والأمنية فالمتعاطفين كثر”. 

-       ثانياً: مرحلة القتال: 

وهي بحسب الكاتب، “تبدأ بالتزامن مع ضعف الشعور بجدوى التظاهرات السلمية، فعندما يدرك الناس عدم جدوى المشروع السلمي في إسقاط النظام نبدأ الإعلان عن مشروعنا المسلح لإسقاطه”، ويرى أن “المعركة المناسبة ضد الجيش السوري هي التي تؤدي إلى تفكيكه وليس إلى هزيمته”، لأن المستهدف هو الروح المعنوية للجندي، ويقترح تقسيم مناطق سوريا إلى مناطق ضغط ومناطق رعب، يوضع في الأولى ثقل العمليات العسكرية، ويعتمد في الثانية على ثقافة الكواتم والعبوات اللاصقة. 

ويضيف الكاتب: “قد يقول قائل أن سخونة المعارك قد تؤدي إلى حملات عسكرية ضخمة تؤذي الأهالي والحرث والنسل وأقول أن هذا الإحتمال وارد.. ولم يقل أحد بأننا ذاهبون في نزهة”، ويقترح أن يكون الرد بـ”أننا ندافع ونقاتل نظام مارس القتل والتعذيب والترويع وتعطيل الشرع والتلاعب بأعراض المسلمين منذ أكثر من 30 عاماً”. ويدعو إلى عدم التأثر بنداءات المتضررين وأصحاب المصالح من المدنيين. 

-       ثالثاً: مرحلة التمكين: 

وهي بحسب الكاتب، المرحلة التي تقدر فيها القيادة أن العدو على وشك الإنهيار العسكري في إقليم معين، لتبدأ “عمليات الفتح والسيطرة على المناطق في عمليات خاطفة ومتزامنة” تنتهي بالتطهير، والشروع  ببناء أرضية الدولة الجديدة التي ستتخذ من هذا الإقليم قاعدة للتدريب والتموين ونموذجا لفرض الأمن والنظام. 

 

التأمين الاستراتيجي: ويشبّهه الكاتب بباب سد الذرائع في الفقه الإسلامي “فالمقصود من الإجراءات المقترحة هنا هو العمل على شلّ قدرات العدو العملية على شن الحرب ضدنا”، ويقول: “فلو أننا نقاتل في مدينة يفصل بين شطريها جسر، وهذا الجسر مهم لنا في التنقل وفي تغطية بعض الخدمات، إلا أنه قد يكون من الضروري لنا أن نقوم بنسفه قبل أن يستخدمه الأعداء في العبور إلينا”. 

ولتأمين الدولة استراتيجياً، يقترح الكاتب قطع “علائق نفوس” الأقليات بأرضهم وتهجير الأقليات، الذين يعتبرهم “مفاتيح العمل الاستخباراتي لكل غازٍ”، ويقول إن النبي “حرق نخيل بني النضير لقطع علائق نفوسهم بالمكان”. 

ويضع الكاتب ثلاث خطوات لتأمين الدولة بعد إعلانها مباشرة، وهي: 
 

أ – إغلاق قناة السويس (يصفها بالقناة المشؤومة) وتضييق باب المندب: جعل البحر الأحمر محمية خاصة بالدولة لتأمين انتقال جيوش الدولة بين شبه الجزيرة ومصر، ومنع تحرك البوارج الحربية المعادية وغيرها. 

ب – تدمير صناعة النفط !(يصفها بالمفاجأة الأخرى): لقطع علائق نفوس العالم بالمنطقة. 

وفي هذا الباب يقول: “ينبغي لنا أن نحافظ على قدراتنا الذاتية في تدمير صناعة النفط على الساحل الخليجي من وقت إلى آخر، وفي هذه العبارة إيحاء بأننا لن نحقق تواجداً دائماً على ذلك الساحل لأني أظن أن من الخطورة بمكان ضم ذلك الشريط للدولة في بداياتها الأولى، لأن كل القوى العالمية سواء كانت أميركا أم من سيأتي بعدها كالصين والهند وغيرهما ستحاول الاستقتال للسيطرة على ذلك الشريط”. وهنا يتخوف الكاتب من أن الصين مستعدة لرمي مئات آلاف القتلى للحصول على هذه المادة، خصوصاً وأنها لا تقيم اعتباراً للرأي العام المحلي، بحسب قوله. 

ج- تهجير الأقليات المعادية: ويقول الكاتب: “التاريخ يحمل من الشواهد ما يكفي لإجلاء الأقليات الدينية المعشعشة في المنطقة العربية، فالسجل الإجرامي لهذه الأقليات في التآمر على المسلمين وخاصة في فترات الاستعمار التي كانوا خير معين له علينا هي أكبر دليل على ذلك”، ويضيف أن “يستوجب علينا ومن مبدأ تأمين قلب الدولة أن نعمل على تهجير الأقليات الدينية من تلك المنطقة وجعل الشام ثاني منطقة محظورة على غير المسلمين بعد جزيرة العرب”، ويستطرد قائلاً: “فلذلك أرى أنه من الواجب علينا بعد أو قبل إعلان دولة الخلافة بحسب الظرف أن نعمل على طرد اليهود وتهجير النصارى والدروز والنصيرية والبهائية بالإضافة إلى الشيعة وعبدة الشيطان وغيرهم. ويوضح مقصده بالقول: “بعبارة أوضح أقول أن أفضل سياسة للتعامل مع ملف الأقليات وما يحمله من مخاطر هو بفرض واقع جديد خال من تلك الأقليات”.

استراتيجية خاصة بالصراع العالمي ومكان التيار الجهادي منه

الصراع العالمي ومكان التيار الجهادي
الصراع العالمي ومكان التيار الجهادي
يعتقد الكاتب “أن مؤشر قوة المسار الجهادي واستمرار صعوده كان متزامناً مع المؤشر الأميركي، وكأنهما إنطلقا من المستوى نفسه ليلتقيا في الوسط وكل منهما في أوج قوته”، ويعيد انطلاق الشرارة الأولى للفكر الجهادي “المودودي” و”سيد قطب”، حيث تكون الأساس الحركي للتيار الجهادي الذي اتخذ من فقه بن تيمية أساساً شرعيا له. ويرى أن “هذا التيار بثلاثة رموز تاريخية عبر من خلالها إلى العالم وهم: سيد قطب، عبدالله عزام وأسامة بن لادن”. 

ويقسم مراحل تطور التيار الجهادي إلى أربع: 

المرحلة الأولى: ويطلق عليها “الجهاد الشعبي”، ويقول إنها انطلقت بعد سقوط الخلافة العثمانية، ومرت في محطات عديدة “مثل ثورة الإمام شامل في القوقاز، وعزالدين القسام في فلسطين، وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وعمر المختار في ليبيا”، ويرجع هذا النوع من الجهاد إلى الدافع الفطري الديني. 

المرحلة الثانية: ويسميها “الجهاد القطري” ويقول إن جذورها “تمتد وتستند إلى أفكار سيد قطب عن الجهاد والحاكمية والتمايز عن الكفر والمفاصلة عن الجاهلية، والتي استمدها من المودودي”، ويضيف أنه في تلك المرحلة “بدأت ولأول مرة تظهر سمات فكرية مميزة وواضحة للحركات الجهادية التي آمنت بأن العقبة الأولى أمام عودة الإسلام الحقيقي للمسلمين ورفع الظلم عنهم هي بإزاحة هذه الأنظمة العميلة التي زرعها العدو قبل رحيله”، على حد تعبيره. ويقتبس في هذا المجال قولاً لسيد قطب عند إعلان انسحاب القوات البريطانية من مصر: “خرج الإنجليز الحمر وبقي الإنجليز السمر!”. ويوضح أنه يستثني من الجماعات الجهادية التي شاركت في هذه المرحلة من وصفهم بـ “الجماعات مشوّهة الفكر والتصوّر كحركة حماس وجبهة مورو الإسلامية وغيرهما وإن كانت تنطلق وتمتد من نفس الجذور التاريخية”. 

ويرى الكاتب أن “كتب سيد قطب عندما وجدت القالب المناسب لها عند أتباع المنهج السلفي … أنتج هذا التزاوج مقاتلين عقائديين، فتفجرت نتيجة لذلك سلسلة من الحركات والتنظيمات الجهادية في شتى بلدان المسلمين”، ويورد بعد ذلك لائحة نقلها عن المدعو أبو مصعب السوري في كتابه “سرايا المقاومة”، وهي بحسب الكتاب كالتالي: 

-       1 – “تجربة حركة الشبيبة المغربية بقيادة عبدالكريم مطيع سنة 1963 

-       2 – تجربة تنظيم الجهاد المصري 1965 – 2001 

-       3 – التجربة الجهادية في سوريا 1965 – 1983 

-       4 – تجربة حركة الدولة الإسلامية في الجزائر 1973 – 1976 

-       5 – تجربة الجماعة الإسلامية في مصر 1975 – 2001 

-       6 – التجربة الجهادية في تونس أوائل الثمانينات 

-       7 – تجربة الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا 1990 – 2001 

-       8 – التجارب الجهادية المعاصرة في الجزائر منذ 1990 

-       9 – التجارب الجهادية في اليمن منذ 1990 

-       10 – المحاولات الجهادية في المغرب منذ 1995 

-       11 – محاولة الأفغان العرب في جبال النبطية في لبنان 1999 

-       12 – التجربة الجهادية في طاجكستان 1992 – 2000 

-       13 – التجربة الجهادية في أوزبكستان 1998 – 2001 

-       14 – التجربة الجهادية لمجاهدي تركستان الشرقية 1975 – 2001 

 

المرحلة الثالثة: ويطلق عليها تسمية “الجهاد الإقليمي”، ويعتبرها “الناقل الرئيسي لجميع الحركات الجهادية من مسرح عملياتها المحدود إلى خارج حدود البلد”، ويرجع ذلك إلى “القمع الشديد الذي تعرضت له الجماعات الإسلامية في المرحلة السابقة”، والذي أدى بحسب رأيه “إلى بحثهم عن أي ( نجاشي ) يستظلون في ظله”. ويعتبر الكاتب أن محطة التحول الكبيرة بالنسبة للجماعات الجهادية كانت في أفغانستان، حيث “اختلطت فكريا مع بعضها البعض وتعرفت على قضايا المسلمين المختلفة وأصبح الهم مشتركا والنضج أكبر والرؤية أوضح بعض الشيء”، ويضيف بأنه “لأول مرة منذ زمن بعيد على صعيد الأمة الإسلامية يناقش أمر الجهاد على العلن وفي صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزة بعد أن كان نسياً منسياً”، وفي ذلك إشارة من الكاتب إلى دور وسائل الإعلام التي روجت لمصطلحات وعمليات الإسلاميين في أفغانستان. ويطرح إلى جانب ذلك أمثلة “عن نصرة المجاهدين من مختلف الدول لبعضهم في الشيشان وأفغانستان وغيرها”؛ وللدلالة على فاعلية هذه النصرة  يشير إلى تحول “المجاهدين” إلى “قوات تدخل سريع كما سمعوا هيعة أو فزعة طاروا لنجدة المسلمين ولو كانوا في أقصى الصين”. 

 

المرحلة الرابعة: ويسميها “الجهاد العالمي”، حيث يقول: “أخذ الجهاد يمتد عالميا بعد أن أثبت المجاهدون أنفسهم في تحويل مجريات الأحداث العالمية في أفغانستان والبوسنة والهرسك، وأخذ الغرب ينظم المؤتمرات العالمية كمؤتمر شانغهاي لمكافحة الإرهاب ومؤتمر دايتون وشرم الشيخ وغيرها لتحجيم وتقنين ومكافحة ما بات يعرف بالجهاد العالمي.

نقطة التحول التاريخي في الصراع

حرب الخليج ونقطة التحول
حرب الخليج ونقطة التحول
يعتبر عبدالله بن محمد أن نقطة التحول التاريخية في المسار الفكري “للمجاهدين” كانت عند ما يصفه بـ”الغزو الصليبي لجزيرة العرب عام 1990 تحت ذريعة تحرير الكويت”، ويرى أن هذه المحطة وأحداثها “كشفت للمجاهدين حقيقة الأنظمة الحاكمة في المنطقة وحقيقة المؤسسات الدينية التابعة لهم وضخامة المؤامرة الصليبية التي اعتمدت على الأطراف السابقة في وصول جيوشها إلى المنطقة وإضفاء الشرعية على هذا الوجود الدائم”. 

ويسترسل بعد ذلك في الحديث عن تنظيم “قاعدة الجهاد” ودوره. 

تنظيم “قاعدة الجهاد”

مقاتلون متطرفون
مقاتلون متطرفون
يتحدث الكتاب كيف “اندمجت القدرات التنظيمية لجماعة الجهاد المصري بقيادة الدكتور أيمن الظواهري مع القدرات القيادية لأسامة بن لادن لتكوين تنظيم قاعدة الجهاد التي تبنت الدعوة إلى قتال الرأس المدبر لجميع مآسي المسلمين والركن الركين للأنظمة الحاكمة الجاثمة فوق صدور المسلمين (أميركا) وذلك باستهداف جميع المصالح الأميركية السياسية والاقتصادية والعسكرية والمدنية في أية بقعة كانت من الكرة الأرضية”، وينقل أن “بن لادن لخص المعادلة الجديدة التي ستهدم خطوط العدو الرئيسية: المؤسسات الدينية، الأنظمة الحاكمة والقوات الصليبية”، على حد تعبيره. 

ويتابع أن “بن لادن اختار البدء بضرب الأميركيين قبل ضرب آل سعود، لأن آل سعود كانت المؤسسة الدينية تدافع عنهم لأكثر من سبعين سنة، وبنت لهم شرعية عند الناس، وبضرب الأميركيين يدافع آل سعود عنهم فتسقط شرعيتهم، وعندما تدافع المؤسسة الدينية عنهم تسقط شرعيتها معهم. وذلك عوضاً عن البدء بقتال آل سعود والمخاطرة بفشل المشروع بسبب حصانتهم الموفرة من المؤسسة الدينية في السعودية. 

ويسترجع تاريخ عمليات القاعدة، وكيف بدأت بضرب السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، وثم تدمير المدمرة الأميركية “يو أس أس كول” قبالة عدن عام 2000، ويقول إن “أمراً ما قد حدث فغير وقلب موازين الصراع العالمي”. 

الحرب اللامتوازية.. والكسر في مسار التاريخ

أحداث 11 سبتمبر والكسر في مسار التاريخ
أحداث 11 سبتمبر والكسر في مسار التاريخ
يقول الكاتب في سياق شرحة “للحرب اللامتوازية” كما يصفها، والتي هي مختلفة عن “الحرب اللامتوازنة”، إن تقارير استراتيجية وضعت على مكتب الرئيس الأميركي بيل كلنتون تفيد أن الخطر الحقيقي بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة يكمن في الجهاد العالمي أو الإسلام المتطرف بالمعنى الأميركي، ويعزو ذلك إلى “أن هذا النوع من المواجهة إن حدث فسيقود أميركا إلى ما يسمى بـ (الحرب اللامتوازية) وهو نوع جديد من الحروب سيسلب الجيش الأميركي فاعليته العسكرية، كما يقول. 

ويتحدث عن عملية الحادي عشر من أيلول وضرب برجي مركز التجارة العالمي، ويسهب في شرح نظرية صامويل هنتنغتون الشهيرة “صدام الحضارات”، والتي تقول إن العالم لا يمكن أن يتسع لحضارتين. 

ويوافق الكاتب نظرية هنتنغتون بأنه يجب أن تسود العالم حضارة واحدة، تفرض نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي حتى يسود السلام العالم كله، ويضيف: “نحن كمسلمين نوافقه في ما ذهب إليه ونرى أن العالم فعلا لا يتسع لحضارتين في آن واحد”. 

ويتابع: “حتى ندرك الصورة التي كانت في أذهان الساسة الأميركيين في تلك الأيام أنقل إليكم هذه الكلمات البليغة ممن يحلو لي أن أطلق عليه اسم “بروفسور المجاهدين”، قال لي البروفسور: أميركا دولة لم يكن لها نموذج سابق في التاريخ، من حيث أن الأمن لم يكن يشكل لها هاجسا كبقية الدول، وذلك لبعد مركزها عن دوائر الصراع في العالم ، ولم يتغير هذا الأمر إلا في يوم 11 سبتمبر … لقد أحدثت عمليات الحادي عشر من سبتمبر كسراً في مسار التاريخ”. 

وبعد الإشادة بفضل بن لادن على المشروع الجهادي، يعود الكاتب مرة أخرى لأخذ العبرة من تاريخ الحركة الصهيونية، فيقول: “إن كان اليهود لم ينسوا فضل هيرتزل في بناء وتوطيد دولتهم التي أنشئت بعد وفاته فقاموا بنقل رفاته من أوروبا إلى تل أبيب، كتقديرٍ على جهوده في بناء الدولة اليهودية التي كانت من بنات أفكاره، فإني (والكلام للكاتب) لا أجد أفضل من أن نعمل بجدٍ واجتهاد كما علمنا الشيخ (بن لادن) لنبني ونمد حدود دولة الإسلام ومهد الخلافة، لتشمل بحر العرب وما وراءه كي تضم بركة الشريعة قبره الشريف ولكي يبلغ خبر رسالتي التي لم تصل إليه” (رسالة تحدث في سياق الكتاب أنه أرسلها إلى بن لادن ولم تصله بسبب مقتل الأخير في الفترة نفسها). 

وبالمختصر، يبدأ الكتاب بوصف دموي للرسول، وينتهي بالدعوة لأخذ الأسوة من الحركة الصهيونية، وبين دفتيه ترد أفكار تمثل الدليل العملي للحركات الإسلامية المتطرفة لتدمير المنطقة وإيصالها إلى “الفوضى العارمة” في سبيل الوصول إلى الخلافة الإسلامية، وقد شهدت السنوات الثلاث الماضية أحداثاً تتوافق إلى حدٍ بعيدٍ مع ما يدعو إليه الكاتب، وبالتالي فإن الاستنتاج يقود إلى توقع دور فاعل لهذا الكتاب وصاحبه في البنى القيادة للجماعات الإرهابية المقاتلة في المنطقة.الميادين

المصدر: كتاب المذكرة الاستراتيجية لعبدالله بن محمد
Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash