الأسْلَمَه السياسيه!! سَلَفيّه!!! كانت إرهاب أم إعتدال بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2015/12/22 6:49 صباحًا

شَيخ وشُيوخ مميزات وسمات في الصميم العربي ومنذ ما قبل الميلاد وما بعدها وحتى يومنا هذا…هناك شيخ القبيله وشيخ الكهنة وشيخ المشايخ وشيخ الدين وشيخ الإسلام وشيخ الحزب وشيخ الدوله وحتى شيخ النار (إبليس)…شيوخ كُثر لدرجة أن إحدى البلدات في فلسطين تسمى “الشيوخ”…في المشرق العربي الذي هاجرت إليه العديد بل الكثير من قبائل شبه الجزيره العربيه بحثا عن الكلأ والماء، ومنها وصلت لمصر وشمال أفريقيا وإنتشرت هناك، أثرت وتأثرت في البيئه التي وصلتها بل وفي أحيان كثيره تماهت معها وأصبحت جزءاً منها، وقد إستمر ذلك حتى بدأ عصر سيطرة مكة وقريش بالتحديد…البدايه كانت إيجابيه رسول من الله صلوات الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق ولِيكمل الرسالات التي سبقته في رساله عالمية السلوك والقيم وشامله لمفهوم التشريع من حيث مفهوم “نظرية الحدود”، بمعنى الحد الأدنى والأعلى أو كليهما ووفقا للمحرمات التي تم تأكيدها وتفصيلها في الذكر الحكيم والتي هي من إختصاصه وحده فقط دون غيره كان رسولاً أو نبيا أو عالماً أو فقيهاً لذلك جاءت واضحه ومفصله في “كتاب الله”، إضافة إلى المنهيات التي هي إطار للإجتهاد بما يتناسب مع كل مجتمع على حده، بمفهوم تقييد الحلال أو إطلاقه أو التشريع بمنع شيء إستناداً للمنهيات بسبب طبيعة وظروف المجتمع، فالتعميم هنا ليس مطلق بقدر ما هو نسبي ويتناسب مع واقع وظروف الحال لكل مجتمع، فما يناسب السويد لا يناسب “الأعراب” في شبه الجزيره العربيه، وكلمة “الأعراب” وردت في التنزيل الحكيم تأكيداً من الله عزّ وجل على أن هذه الفئة من الناس لم تفهم ولن تفهم معنى النسبيه في “نظرية الحدود” التشريعيه التي وردت في كتابه الكريم، ولن تفهم ولم تفهم معنى القاعدة الأساسيه في الديانه المحمديه والتي جاءت آيه واضحه لا لبس فيها، قال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…” (البقرة256)، وقام مفسروا السلفيه كموروث لا يزال قائم حتى يومنا هذا بالتعامل مع كتاب الله على أساس المطلق التفسيري وليس المطلق النصي، فالنص ثابت كمحتوى، لكن التفسير متغير بتغير الحال والظروف وبتطور المعرفه والعلم، وإلا كيف يكون هذا التنزيل العظيم خاتم للرسالات وشامل وعالمي وأيضا يحتوي المُعْجز التجريدي في غيب الماضي وغيب المستقبل، ألم يقل سبحانه وتعالى: “لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام67)، والنبأ هنا شيء غيبي وحين يصبح معلوماً يصبح خبر، وهذا النبأ قد يكون كوني أو علمي أو ما يتعلق بالحضارات القديمه التي سبقتنا والتي إستطاعت علوم الأركولوجي والأنثروبولوجي تأكيدها، فنظرية التطور لِ “داروين” ليست بعيده عما ورد في التنزيل الحكيم ولا تتعارض معها، لأنها تحدثت عن أصل واحد للبشر (قبل أن يصبح إنسان) وللقرود، لكنها لم تستطع إيجاد الحلقه التي تربط بين الإثنين، في حين أن الله تعالى أوضح ذلك في كتابه في آيات واضحه، قال تعالى  ”وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا” (نوح14)، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ” (الإنفطار7)، وحين طلب ذو الجلالة والإكرام من الملائكه السجود لآدم، كان الطلب واضح، طلب في أن السجود لشيء عاقل وليس لما كانوا يروْنَ من بَشَر يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، قال تعالى “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر29).

الأمثله أعلاه كتب عنها الدكتور “محمد شحرور” في كتبه “الكتاب والقرآن” و “القصص القرآني” و “السنه الرسوليه والسنه النبويه” وغيرها، وهي محاولات جديده لدراسه عصريه مُتَقدمه تتعاطى مع التنزيل الكريم ومحتاواه النصي الثابت بطريقه تفسيريه جديده تتوافق مع تطور العلوم العلميه والإنسانيه والكونيه، وهي تأكيد جديد على المعُجز الذي جاء به رسول الله صلوات الله عليه وسلم وحيّا، وبما يعزز فرضية أنه صالح لكل زمان ومكان ولكن وفقا لشروط الزمان المُتغير والمكان المُجتمعي، وليس وفقا لزمان قُريش ومجتمع شبه الجزيره العربيه البدائي، أعتقد أن بداية التطبيق في مجتمع بدائي مُتخلف علميا وحضاريا تأكيد على أن التنزيل الحكيم شامل لجميع الحضارات والمجتمعات كمفهوم قيمي وسلوكي وتشريعي، في حين الشعائر الدينيه من “صلاة وصوم وزكاة وحج” هي خاصة بالمؤمنين “أمة محمد عليه السلام” فقط.

المشكله أن واقع الحال الديني إنسحب على مُختلف مجالات ومظاهر الحياة، فالتقليد والعادات أصبحت ديناً، والسياسه تغَلّفت بأحاديث نبويه غير مُسنده أحياناً وتتعارض مع جوهر نص كتاب الله تعالى، كما أنها تتعارض مع أساس بَعثْ رسولنا محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلم، والذي أرسلَ ليتمم مكارم الأخلاق، لا لذبح الناس وتكفيرهم وسبيهم وتدفيعهم الجزيّه تحت عناوين ما حدث في التطبيق زمن البعثه وما بعدها والتي كانت تتلائم وتلك العصور وتتوافق معها ولا تتوافق مع عصرنا الحديث وواقع حياتنا المُختلف جذرياً عن المجتمع البدائي في شبه الجزيره العربيه، وأعتقد أن مرَد ذلك يعود لسببان، الأول: داخلي محض يتمثل في الصدمة الحضاريه التي تعرض لها العقل العربي المُسلم ولم يستطيع إستيعابها، فكانت ردة فعله النكوص للماضي والإنزواء علميا وحضاريا، وبَعث فكر مُتخلف لا يناسب أحداً، عنوانه الهجوم على “المرأه” وعلى كل شيء يتعلق بها والعمل على حجرها وتحويلها لشيطان “إبليسي” من لبسها وحتى نظرتها وأي حركة تبدر عنها، وهذا الشيء يخدم ذاك الفكر، لأن المرأة هي نصف المجتمع وهي التي تُربي النصف الآخر، فبقائها جاهلة سيُبقي المجتمع جاهل وسيؤدي بالضرورة لسيطرة فقهاء وعلماء السلاطين إن كانوا في الحكم أو في أحزاب الأسلمه السياسيه، فكر نكوصي يتدخل في كل شيء يتعلق بالأمور الشخصيه، بحيث تحول فكر محمد الرسول والنبي (ص) المُستنير، إلى شريعه تلموديه فيها من الغِّل وألإصر ما لم يذكره “التنزيل الحكيم” الذي دعا لرفع كل ذلك وتحدث عن اليُسر لا العُسر، إلى جانب ذلك إعادة للقرون الوسطى الكنسيه حيث صكوك الغفران، ظهر الشيوخ والدعاة ورجال الدين أصحاب الأجوبه على كل سؤال، يعطون هنا فتوى ويُحرّمون ويُحللّون إستنادأ للموروث وليس لواقع الحال الذي نعيشه، لقد أصبح فقهاء وعلماء الدين الإسلامي السلفيين ومن كل المذاهب وأحزاب الأسلمه السياسيه يتساوون مع تشكيلات الكنيسه في العصور الظلاميه من القرون الوسطى، فهذا مؤمن وذاك فاسق، وهذا كافر وذاك نصيري، وهذا متطرف وذاك مُعتدل، والدين سياسه وإجتماع وإقتصاد وفلسفه وكل شيء…لم ولن يفهموا معنى الرسالة المُحمديه العالميه الشامله بدون فكر مستنير يقبل الآخر ويؤكد على مفهوم الطاعه والمعصيه كمفهوم إختياري وليس جبري من جهة، ومن جهة أخرى مفهوم السياسه التي ليس لها علاقه بالدين، لأنها تُنقصه وتحيله لرساله محليه تُحاكي المجتمع المُتخلف البدائي في شبه الجزيره العربيه…أما الثاني: فهو العامل الخارجي، فقد قرأ الإستعمار الغربي جيداً العقليه البدائيه السلفيه في فهم الديانه المحمديه ودعم هذا الفكر نظريا وسياسيا، فحمى وأنتج الوهابيه السلفيه المتطرفه وجعل لها دولة، بل دويلات، قادره بإمكانياتها الماديه على التخريب على أي فكر مستنير إصلاحي يظهر في الديانه المحمديه ويؤكد على عالميتها، وهو من جانب اراد أن يُبقي هذه المجتمعات في صراع مع نفسها وبين مذاهبها ومع الديانات الأخرى والطوائف المتعدده، فأبقاها متخلفه، ولا زالت تبحث عن هويتها الجامعه والتي لن تجدها بفكر السلفيه مهما تعددت أحزابه ومذاهبه، ومن جانب آخر، أوجدت البيئه الداعمه لظهور التنظيمات الإرهابيه المتطرفه والتنظيمات المعتدله لكن بفكر تكفيري، فظهرت “القاعده” و”داعش” و |النصره” وغيرها، وأنتجت أيضا مقابل هؤلاء المتطرفين “حركة الإخوان المسلمين” وغيرها كأحزاب أسلمه سياسيه معتدله في علاقتها بالغرب، تكفيريه في منهجها الداخلي الذي يحاكي الموروث السلفي، فمثلا، “شيخ” الإخوان المسلمين “القرضاوي” كتب كتاب قيّم جداً عن الجهاد ومفهومه وبطريقه تُحاكي العصر الحديث، وهذا كان مهم للإخوان المسلمين كحركه سياسيه، الغرب كان يُريد شيء جديد في مواجهة “القاعدة” وفكر الجهاد، لكن على صعيد ممارساتهم السياسيه لم يبتعدوا قيد أنمله عن السلاطين الوهابيين والسلفيه الدينيه التي تحاكي المجتمع الداخلي، فمن لم ينتخب “الإخوان المسلمين” في مصر ينقص إيمانه، بل وصلت فيهم بأنه سيدخل النار، إرهاب فكري داخل المجتمعات العربيه والإسلاميه، وإعتدال للغرب في التعاطي مع مصالحه.

قال النبي اليهودي إشعيا “إن فقد الإخوان يهدد الأركان”، وهذا ما يقوله “القرضاوي” والسلطان العثماني “أردوغان” وحركة الإخوان المسلمين لأميركا والغرب، فبدونهم المجتمعات العربيه والإسلاميه ذاهبه للتطرف، ومعهم يحفظ الغرب مصالحه، أما الوضع الداخلي للمجتمعات العربيه والإسلاميه فتبقى وفقا للطريقه السلفيه حتى تَبقى السيطره قائمه لهم في صراعهم مع الأحزاب السلفيه الأخرى…في حين السلفيين أخذوا كلام النبي “إشعيا” اليهودي بجانبه الآخر، حين قال: “الجهل راحه والمعرفة عذاب”، وهذا بالضبط هو فكر “البغداديي وداعشيته” و “الجولاني ونصرته” و “أحرار الشام وطالبيانته” و “علوش وجيشه ووهابيته”.

ورغم كلِّ ذلك سيبقى دائما قانون “البقاء للأصلح” في البشريه هو القائم، وليس البقاء للقوي كما في الغابه…الأصلح الجامع لكل الهويات والمذاهب والديانات، الأصلح في علمنة السياسه والدولة وليس المجتمع الشرقي والعربي، الأصلح في منهاج ديني تربوي يؤكد على مكارم الأخلاق والقِيّم العالميه والإنسانيه، ” وبي أمل…يأتي ويذهب…لكن لن أودعه”، أليس هذا ما قاله المرحوم درويش.

نشر في جهينه نيوز – الرابط http://www.jpnews-sy.com/ar/news.php?id=96754

 

ما سقط وقيل عن القرآن- الكاتب محمد عابد الجابري

بواسطة , 2017/03/20 8:43 مساءً

موضوع الزيادة والنقصان في القرآن، موضوع قديم كثر فيه القيل والقال. وقد تحدثت المصادر، السُّنية منها والشيعية، عن التحريف في القرآن، نذكر هنا ملخصاً لما ورد في الأولي علي أن نخصص المقال المقبل لما ورد في المصادر الشيعية.
تميز المصادر السُّنية بين الأصناف التالية من التحريف في القرآن:
- صنف يقع بالتأويل بمعني “نقل معني الشيء من أصله وتحويله إلي غيره”، أو بالنقص أو الزيادة في الحروف أو الحركات، وذلك كاختلاف القراءات، أو بـ”الزيادة والنقصان في الآية والسورة مع التحفظ علي القرآن والتسالم (عدم التنازع) علي قراءة النبي صلي الله عليه وسلم إياها”، وهذا مثل تسالم المسلمين في البسملة علي أن النبي قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة مع اختلافهم هل هي من القرآن أم لا. وهذه الأنواع من التحريف واقعة في القرآن ومعترف بها بصورة أو أخري من طرف علماء الإسلام تحت العناوين التالية: التأويل، الأحرف السبع، القراءات، مسألة البسملة… إلخ.
- وصنف يراد به القول بأن «بعض المصحف الذي بين أيدينا ليس من الكلام المنزل»، وهذا مرفوض بإجماع المسلمين (ينسب إلي فرقة العجاردة من الخوارج، أنهم رفضوا أن تكون سورة يوسف من القرآن، زاعمين أنها قصة من القصص).
وهذان الصنفان من التحريف لا يدخلان في موضوعنا هنا. إن ما يهمنا هنا هو ما يتصل بمسألة «جمع القرآن»، أعني ما يدخل في نطاق السؤال التالي: هل «المصحف الإمام» -الذي جمع زمن عثمان والذي بين أيدينا الآن- يضم جميع ما نزل من آيات وسور، أم أنه رفعت (أو سقطت) منه أشياء أثناء جمعه؟
الجواب عن هذا السؤال، من الناحية المبدئية، هو أن جميع علماء الإسلام، من مفسِّرين ورواة حديث وغيرهم، يعترفون بأن ثمة آيات، وربما سوراً، قد «سقطت» أو «رُفعت» ولم تدرج في نص المصحف. وفي ما يلي أنواع النقص التي ذكرتها المصادر السُّنية.
١- يقول القرطبي عند تفسيره لسورة الأحزاب، وعدد آياتها ٧٣ آية: “كانت هذه السورة تعدل سورة البقرة (وعدد آياتها ٢٨٦). وكانت فيها آية الرجم. وبعد أن يشير إلي أن هذا روي عن أُبي بن كعب، أحد كتاب الوحي وجامعي القرآن، يضيف قائلاً: «وهذا يحمله أهل العلم علي أن الله تعالي رفع من (سورة) الأحزاب إليه ما يزيد علي ما في أيدينا (منها)، وأن آية الرجم رفع لفظها» (وبقي حكمهاً سائراً). وروي أنّ عمر بن الخطاب، قال: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها، ونصها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم»، فإنّا قد قرأناها). وقيل إن عمر أتي بهذه الآية إلي زيد بن ثابت حين كان يجمع القرآن فلم يأخذها منه لأنه – أعني عمر – كان وحده، وزيد كان قد اشترط شهادة رجلين فيما يأخذ من الآيات.
وفي رواية عن عائشة أنها قالت: «كانت سورة الأحزاب تعدل علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب المصحف لم يقْدَر منها إلا علي ما هي الآن». وفي رواية أخري أنها قالت: «نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن (شاة) فأكلها».
٢- ويذكر القرطبي أيضاً في بداية تفسيره لسورة براءة (التوبة وعدد آياتها ١٣٠)، وفي سياق عرضه للروايات التي تتناول عدم وجود البسملة في أولها، رواية جاء فيها: «إنه لما سقط أولها، سقط (بسم الله الرحمن الرحيم) معه. وفي رواية أخري عن حذيفة أنه قال: ما تقرؤون ربعها: يعني براءة».
٣- وذكر السيوطي وغيره أن دعاء القنوت كان سورتين، كل سورة ببسملة وفواصل، إحداهما تسمي سورة الخلع، والأخري تسمي سورة الحفد. غير أن علماء السُّنة قد اعتبروهما ضرباً من الدعاء لا قرآنا منزلاً. وهما بالتتابع: أ) «اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك»، ب) «اللّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشي عذابك، إنّ عذابك بالكافرين ملحق».
٤- ورُوي أنّ عمر قال لعبدالرحمن بن عوف: “ألم تجد فيما أُنزل علينا: «أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة”، فأنا لا أجدها؟ قال: أُسقِطت فيما أسقِط من القرآن».
٥- كما روي عن حميدة بنت أبي يونس أنها قالت: «قرأ علي أبي، وهو ابن ثمانين سنة، في مصحف عائشة: إنّ الله وملائكته يصلّون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً وعلي الذين يصلون في الصفوف الأولي». قالت: «قبل أن يغير عثمان المصاحف».
٦- وذكر السيوطي في باب الناسخ والمنسوخ عن ابن عمر أنه قال: «ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله! قد ذهب قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر».
٧- ورووا عن أبي بن كعب قال: «قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ سورة: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين»، ومن بقيتها – وهذا غير موجود في المصحف – «لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علي من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره».
٨- وفي رواية عن أبي موسي الأشعري أنه قال: «نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمني وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله علي من تاب».

٩- وعنه أيضاً أنه قال: «كنا نقرأ سورة نُشبهها بإحدي المسبحات (السور التي تبدأ بـ«سبح» و«يسبح») نسيناها، غير أني حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة».

١٠- كما يروون عن عمر أنه قال: كنا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم».

١١- وروي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال ذات يوم: «أخبروني بآيتين في القرآن لم تكتبا في المصحف فلم يخبروه فقال، الأولي: «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون». والثانية “والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون” .

١٢- وفي الصحيحين عن أنس أنه قال: «نزل قرآن في الذين قتلوا في موقعة بئر معونة، قرأناه حتي رفع وفيه: «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».

١٣- وروي الطبري في تفسيره عن الحسن أنه قال في قوله تعالي: «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا”، قال: إن نبيكم صلي الله عليه وسلم أُقرئ قرآناً ثم نسيه فلا يكن شيئاً، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرؤونه. وفي لفظ آخر: «قال: إِن نبيكم صلي الله عليه وسلم، قرأ علينا قرآناً ثم نسيه». وعن ابن عباس قال: كان مما ينزل علي النبي صلي الله عليه وسلم، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله عز وجل: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها».

هذا ويعلل بعض علماء الإسلام من أهل السُّنة، ظاهرة سقوط آيات من القرآن، بكونها داخلة في معني النسخ. غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ذلك من النسخ، وقالوا: إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلي خبر الآحاد، والقرآن لا يثبت به، وإنما يثبت بالتواتر.
نقلا عن صحيفة «الاتحاد» الإماراتية

حكام القرآن وقضايا الحياة… الثابت والمتغيّر

تاريخ النشر: الثلاثاء 03 يوليو 2007

الآية الرابعة والأخيرة التي يعتمدها القائلون بالنسخ في القرآن هي قوله تعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ” (الرعد 38- 39).

قد لا نحتاج هنا إلى الوقوف طويلاً مع هذه الآية، إذ من الواضح من السياق أنها جواب على ما ورد في آية سابقة تحكي تحدي قريش للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم بمعجزة، كأن ينزل عليه كنز أو يأتي معه ملَك، ذلك في قوله: “وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ” (الرعد 7)، ويأتيهم الجواب في الآية نفسها “إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ”. ثم تأتي الآيتان المذكورتان أعلاه (38- 39) لتقررا أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم لم يكونوا ملائكة ولا أناساً خارقين للعادة، بل كانوا كجميع البشر لهم أزواج وذرية ولم يكن في مقدور أي منهم أن يأتي بمعجزة أو ما في معناها إلا بإذن الله وفي وقت محدد سلفاً, وهذه الآيات/ المعجزات التي يأتي بها الأنبياء لإقناع أقوامهم، منها ما أثبته الله وقصَّه في رسالاته اللاحقة (كالقرآن)، ومنها ما لم يثبته. وهو يعلم هذا الصنف كما يعلم ذلك، لأن الكل مسجل في “أم الكتاب” وهو اللوح المحفوظ.

وهكذا يتضح أن قوله “يمحو” لا علاقة له بالقرآن ولا بكون بعض آياته تنسخ أخرى. وليس هناك في السياق ما يسمح بإقامة مثل هذه العلاقة. ومع أن بعض المدافعين عن وجود النسخ في القرآن يستشهدون بهذه الآية ليصرفوا معنى “المحو” فيها إلى “النَّسخ” فإن جُل المفسرين يذهبون إلى مثل ما قلنا أو قريباً منه (انظر ما ذكره الطبري في تفسيره). ونحن مطمئنون إلى صواب وجهة نظرنا هذه لأن القرآن يشهد لها بالصحة في آية أخرى هي قوله تعالى: }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ (فقصصهم وآياتهم بمعنى معجزاتهم مثبتة في القرآن) وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (وقصصهم ومعجزاتهم لم تذكر) وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ (معجزة) إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ{ (غافر 78).

يتضح من جميع المقالات السابقة التي خصصنا لمسألة النسخ أنه لا دليل في القرآن على وجود النسخ فيه بالمعنى الفقهي وأن حجج القائلين به، المستندة على الآيات الأربع التي حلَّلناها في المقالات الأخيرة لا تدل على ما يريدون إثباته بواسطتها إلا إذا سلخناها من سياقها وضمَّناها ما نريد. وهذا غير جائز. فالقرآن، ولو أنه نزل منجماً مُفرّقاً حسب مقتضى الأحوال، فإن لآياته سياقاً كما أن لها أسباب نزول. والعمل بأسباب النزول يجب ألا يعتدي على السياق. فأسباب النزول، كما سنبيِّن بعد، هي في نهاية الأمر روايات آحاد، وأكثرها ظنون وتخمينات. أما السياق فشيء معطى من القرآن نفسه. وهو توقيفي، لأن ترتيب آيات القرآن في جميع سوره ترتيب توقيفي. فإذا كان لا يجوز تغيير هذا الترتيب فلا يجوز أيضاً إهماله. والقرآن يفسر بعضه بعضاً ليس بالكلمات والألفاظ بل بالمعنى والسياق.

وواضح أنه يترتب على قولنا إنه لا دليل في القرآن على النسخ بالمعنى الفقهي، أنه ليس في القرآن الذي في المصحف آيات -أحكام أو أخبار- منسوخة، بمعنى أنها ألغتها آيات أو أحكام أخرى! كلا، ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ. كل ما هناك هو وجود أنواع من التدرج في الأحكام: من العام إلى الخاص، ومن المُطلق إلى المُقيَّد، ومن المُجمل إلى المُبيَّن، ومن المُبهم إلى المُعيَّن، هذا فضلاً عن ملاءمة الأحكام مع مقتضيات الأحوال، كأن يأتي حكم يراعي حالة المسلمين من الضعف أو غيره، ثم عندما تتحسن أحوالهم يأتي تعديل في نفس الحكم ليتلاءم مع المستجدات. وهذا لا يعني إزالة الحكم الأول ولا إبطاله بالمرة، وإنما يعني إعماله بصورة معدلة.

وإذن فنحن لا ننكر وجود آيات تنطق بأحكام عممتها آيات نزلت بعدها، أو خصصتها، أو قيدتها، أو فصّلتها، أو عدلتها، أو أجلتها، أو رفعت عنها التأجيل… الخ! نحن لا ننكر هذا! وهل يصح ذلك والقرآن نزل منجماً وفق مقتضى الأحوال، أي حسب تغير الظروف والمصالح وشؤون الحياة عامة. وإذن فما ندعو إليه هو فقط الاستغناء عن مقولة “الناسخ والمنسوخ”، التي تجعل الناسخ يحل محل المنسوخ ويبطل حكمه، وكأن المنسوخ كان خطأ أو أن إرادة الله قد تغيرت! كلا، إن أحكام القرآن كلها قائمة أبداً، لا تعارض فيها ولا تناقض ولا تجدد، بل التعارض والتجدد قائمان في الأشياء والنوازل، وليس في أحكام القرآن؛ وعلى الإنسان أن يجدد فهمه للأحكام حتى تتلاءم مع المستجدات.

وإنما نزل القرآن مفرقاً في مدى يزيد عن عشرين سنة لتكون أحكامه متلائمة مع تطور الحياة. وهو في جملته وتفصيله لا ناسخ فيه ولا منسوخ: }كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ (في منظومة كلية) ثُمَّ فُصِّلَتْ (عناصرها حسب مقتضى الأحوال) مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ{ (هود 1)، والقرآن، كليتُه ومفرَّقُه، واحد “لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد” (فصلت 42). وقد ذم الله “الْمُقْتَسِمِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ” يأخذون ببعضه ويتركون الباقي (الحجر 90- 91) وتوعَّدهم، وهذا ليس خاصاً بالعمل والسلوك فحسب بل يشمل أيضاً جميع أنواع التعامل مع القرآن، ويأتي في المقدمة فهم القرآن. فكل فهم لم يُبْنَ على مراعاة السياقات واستقراء الآيات الخاصة بموضوع واحد هو كالوقوف عند “ويل للمصلين”.

ومع أن القائلين بالنسخ في القرآن لا يدخلون جميعاً ضمن مفهوم “الْمُقْتَسِمِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ” ، فإن إعمال بعضهم لآيات وإهمالهم لأخرى تتصل بالأولى، عن قصد أو غير قصد، تصرف مخالف للقاعدة الكلية القرآنية التي تؤكد على وحدته وخلوه من الاختلاف: قال تعالى: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا” (النساء 82)، والمفهوم أنه من عند الله وأنه ليس فيه اختلاف، لا ناسخ ومنسوخ. وإذا كان القرآن ينص على أن فيه “المحكم والمتشابه” فإنه لا علاقة لهذا التصنيف مع التصنيف إلى ناسخ ومنسوخ. فليس الناسخ في حكم المُحكم ولا المنسوخ في حكم المتشابه، كما سنبين ذلك في حينه.

قد يتساءل بعض القراء وما الفائدة التي سنجنيها نحن أبناء القرن الحادي والعشرين من القول بعدم وجود النسخ في القرآن؟ والجواب أن الذي يطرح هذا السؤال قد يكون معذوراً لكونه غير مختص في المجال الذي نتحرك فيه وبالتالي فعليه أن ينتظر، لأن أي جواب الآن عن هذا السؤال سيكون قبل أوانه. أما أولئك الذين تستبد بهم “الأفكار المتلقاة”، فقد لا يستطيعون الانتظار لكونهم لا يختلفون في شيء -على صعيد المقارنة المنطقية على الأقل- عن أولئك الذين عنَّفهم القرآن مراراً وتكراراً لاحتجاجهم على ما أتى به من إصلاح وتجديد، بأن قالوا وكرروا القول: “إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ” (الزخرف 23)، و”قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا” (يونس 78)، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ونحن لا نريد أن نخوض سجالاً مع أمثال هؤلاء، فالنقاش يكون مع العلماء وليس مع الذين “لا يعلمون” ولا يعلمون أنهم “لا يعلمون”، ولا مع الذين ليس لهم استعداد للنظر واستئناف النظر “فيما يعلمون”.

ملاحظة: كان من المقرر أن ننتقل بعد قضية النسخ إلى مسألة أسباب النزول. غير أننا سنرجئ ذلك إلى حين. لقد ارتأينا –بمناسبة المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة حول قضية الصحراء المغربية، أن نخص هذه الجريدة بسلسلة مقالات نشرح فيها لإخواننا في المشرق أصول وفصول هذه القضية كما عشناها، بوصفنا أحد نشطاء الحركة الوطنية المغربية في الخمسينيات والستينيات، وأحد أطرها القيادية خلال السبعينيات من القرن الماضي، والمتتبعين لشؤونها إلى اليوم.

الشهادة والشهداء… و”الحور العين

تاريخ النشر: الثلاثاء 02 فبراير 2010

ما حملني على الخوض هنا في هذا الموضوع هو ما ورد في مقطع من فيلم بثته مؤخراً قناة فضائية عربية، يعرض صوراً لشبان يتهيأون للقيام بـ”عمليات استشهادية”، وهم فرحون مستبشرون، متباهون بكونهم سيجدون أنفسهم مباشرة بعد موتهم -بوصفهم شهداء- في نعيم الجنة بين “حور عين” وسيجدون فتيات “أَبْكَارًا، عُرُباً أَتْرَاباً”، كما هو مذكور في القرآن الكريم.

وهذا يثير ثلاثة تساؤلات: أولها، ما معنى الشهادة والشهداء؟ ثانيها، متى يكون نعيم الجنة وعذاب النار: هل مباشرة بعد مفارقة الشخص الواحد للحياة الدنيا، أم بعد خراب هذه الدنيا كلها بقيام الساعة وحصول البعث والحشر والنشور وبعد يوم الحساب؟ أما ثالث تلك التساؤلات فيتعلق بالمعنى الذي يجب أن نفهم به ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟

إن المرجع الوحيد في هذه المسائل الغيبية، التي لا مجال للعقل فيها ولا للتكهنات والتخمينات، هو ما يقوله علام الغيوب في الذكر الحكيم، فلننظر إذن فيما يقوله القرآن في هذه المسائل:

1- أما “الشهداء”، في هذا المقام فهم جمع شهيد، (والاسم الشهادة) وهم المقتولون في جهاٍد استكمل شروطه التي ذكرناها في مقال سابق (08-12-2009)، وفي مقدمتها أنها “حرب دفاعية عادلة تقوم على مواجهة عسكرية بين المُعتدَى عليه والمعتدِي ولا يُقاتَل فيها إلا الذين يشاركون في قِتال المسلمين”، دون غيرهم من النساء والشيوخ والأطفال والفلاحين والتجار وأصحاب المهن وغيرهم ممن يطلق عليهم اليوم اسم “المدنيين”… وقد وعد الله الشهداء بالتمتع في نعيم الجنة. والسؤال هنا: متى يبدأ نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؟

2- إذا نحن رجعنا إلى الذكر الحكيم نجد أن جميع ما ورد فيه حول البعث والثواب والعقاب إنما يكون بعد قيام القيامة. وقد خصص الله سُوراً كاملة لهذا الموضوع، فضلا عن آيات كثيرة من سور أخرى. ومن السور التي خصصها تعالى لهذا الموضوع سورة الزلزلة، ونصها : “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (ما في جوفها -في القبور- من الموتى)، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (أذِن لها بالزلزلة، أي بقيام القيامة)، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً (الحشر والنشر) لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (ليحاسبوا)، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الثواب)، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ”(العقاب). (الزلزلة 1-8). وواضح من هذه السورة أن الثواب والعقاب يكونان بعد قيام الساعة، وبعد والحشر والنشر والحساب. أما قبل ذلك فأجسام الموتى تبقى في جوف الأرض من زمن موتهم إلى قيام الساعة.

وهذا ما تؤكده آيات عديدة أخرى مثل قوله تعالى في وصف قيام الساعة: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ (الموتى) قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ (سجل الأعمال) وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ” (الزمر 68-70). وواضح أن هذه الآيات، تفيد مثلها مثل سورة الزلزلة أن الحساب، إنما يكون بعد قيام القيامة لا قبلها.

وليس في القرآن ما يشهد لصحة ما يروى عن “سؤال الميت في القبر” قبل قيام الساعة. أما محاولة بعض المفسرين إسناد ذلك بقوله تعالى: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (شهادة أن لا إله إلا الله) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ” (إبراهيم 27)، على أساس أن معنى “الآخرة” في هذه الآية يدل على “سؤال القبر”، حيث يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، كما ثبتهم عليه في الحياة الدنيا، أقول: أما هذه المحاولة ومثيلاتها فهي نوع من التأويل بعيد، أبعد من “تأويلات الباطنية”. ذلك أن المعنى القريب والوحيد الذي يعطيه السياق، هو أن “الآخرة” تبدأ مع قيام القيامة، لا قبلها، وأن التثبيت في “الآخرة” يعني التثبيت يوم الحساب، عندما يوضع الكتاب. إنه المعنى السائد في القرآن كله، سواء تعلق الأمر بخطاب موجه لقوم النبي عليه الصلاة والسلام أو لأقوام ماضية، كما في قوله: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً” (جميعاً: “بنو إسرائيل وفرعون وقومه” -الإسراء 104).

3- أما التساؤل الثالث الذي طرحناه أعلاه حول المستوى الذي يجب أن نفهم فيه ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟ فإن سوراً عديدة تمدنا بما يسعفنا في ذلك. ونظراً لضيق المجال نقتصر هنا على ما ورد في سورة الواقعة حيث نقرأ عن نعيم أهل الجنة أنهم “عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (منسوجة بالذهب)، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (لا يهرمون ولا يموتون)، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِين (من خمر جارية)، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (لا يصيبهم الصداع من شربها ولا يسكرون)، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ (فتيات كبيرٌ بياضُ أعينهن) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(…) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (خلقناهن من دون ولادة) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (عذارى)، عُرُباً أَتْرَاباً لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ” (عاشقات لهم متساويات في السن). أما “أصحاب الشمال” المشركون فإلى جهنم حيث سيعانون “فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (ريح حارة ودخان)، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، (دخان شديد السواد) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(…) إِنَّهُمْ “لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ”.

ولاشك في أن أولئك الشبان الذين أشرنا إليهم في مدخل هذا المقال قد فهموا (أو أُفهِموا)، هذه الآيات ومثيلاتها التي تتحدث عن نعيم الجنة فهماً لفظياً مادياً متخيلين أن “الحور العين” في الآخرة هي هي كما في الدنيا، تماماً كما فهم مشركو قريش الآيات التي تتحدث عن عذاب النار فهماً لفظياً كذلك، فاحتجوا بعدم معقولية وجود شجرة “الزقوم” في نار جهنم مع أن النار تأكل الأخضر واليابس. فرد عليهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “”إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ”(أي قصدنا ترهيبكم بها وبث الحيرة في أنفسكم)، ولكي يزيدهم حيرة وتخويفاً وترهيباً أخذ يصف تلك الشجرة فقال: “إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ” (الصافات63- 68).

أما بالنسبة لـ “الحُور العِين” فالأمر لا يتعلق بفتيات من جسم ولحم كما في الدنيا وإنما ذلك مجاز وتمثيل بقصد الترغيب، وقد صاغه النبي عليه الصلاة والسلام بصورة أخرى في حديث عن ابن عباس ورد فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَـمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِـأُحُدٍ (قتلوا في غزو أحد)، جَعَلَ اللَّهُ أرْوَاحَهُمْ فِـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلـى قَنادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فِـي ظِلِّ العَرْشِ” … فنزل في شأنهم قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 170). وللمقال صلة.

حكم المرتد في الإسلام

تاريخ النشر: الثلاثاء 14 أغسطس 2007

أثارت تصريحات مفتي مصر، التي أدلى بها مؤخراً لوسائل إعلام أميركية حول حكم المرتد في الإسلام، جدلاً بين علماء الأزهر وغيرهم من المهتمين بالشأن الديني في العالم العربي خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً. وكنا قد أبدينا رأينا في الموضوع منذ عقد ونصف من السنين، وكلما أثيرت القضية ورجعنا إلى ذلك الموقف وجدناه يمثل الرأي الصحيح كما عبَّرنا عنه أول مرة.

لقد عالجنا المسألة على مستويين، مستوى العام ومستوى الخاص. والتمييز بين هذين المستويين ضروري لتجنب الخلط واللَّبس والجدل العقيم.

أما المستوى العام فيتعلق بموقف الدعوة المحمدية من حرية الاعتقاد، وهو موقف واضح تبينه الآيات التالية: قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”؟ (يونس 99) وقال: “فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ” (الشورى 48) وقال: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ” (الغاشية 21- 26). وقال: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف 29) . وقال: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً” (الإنسان 3). وقال: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة 256).

وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حُر في أن يعتنق الإسلام، لكنه إذا أعرض فليس من حق الرسول أن يجبره على ذلك.

سيقول كثير من الفقهاء إن هذه الآيات “نُسخت بآية السيف”. وفي نظرنا أن مفهوم “النَّسخ” ومفهوم “آية السيف” مفهومان لا وجود لهما في القرآن. أما “النسخ” فقد ورد لفظه، وقد بينَّا في سلسلة مقالات، على صفحات هذه الجريدة، أن المقصود بـ”المنسوخ” فيما وُصف في القرآن بهذا الوصف، أو بما في معناه، هو إما الشرائع الماضية، وقد نُسخت بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، وإما “الآيات” المعجزات التي خص الله بها بعض أنبيائه ورسله، والتي تختلف من نبي إلى نبي (عصا موسى، آيات عيسى)… الخ. أما ما يسمى بـ”آية السيف” فقد سبق أن بيَّنا، منذ مدة وفي هذا المكان، أنه ليست هناك “آية سيف”، بل آيات تبيح -أو تدعو- إلى قتال مشركي مكة الذين كان المسلمون قد دخلوا معهم في حرب، مضطرين تحت تهديد التصفية بالقتل بعد أن طُردوا من ديارهم، ومن بينهم الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام. فالحرب التي خاضها المسلمون بقيادة النبي عليه الصلاة والسلام كانت دفاعاً عن النفس، لا غير. والجدير بالذكر أنها كانت خالية من روح الانتقام تماماً. فالمعروف أن النبي عليه الصلاة والسلام قَـبِـل “صُلح الحديبية” حينما اعترضته قريش ومنعته من الدخول إلى مكة لأداء العمرة. ومن المعروف كذلك أن فتح مكة لم يكن بقتال بل بمفاوضات مهَّد لها قرار النبي عليه الصلاة والسلام الزواج بأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مشركي قريش آنذاك، ثم قادها فيما بعد عمُّه العباس، فكانت النهاية الدخول إلى مكة بدون قتال، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي المنادي: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق بابَه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن”.

هذا عن حرية الاعتقاد على المستوى العام، أعني اعتناق الإسلام ابتداءً. أما مسألة “المرتد”، وهو الذي يعتنق الإسلام ثم يرتد عنه إلى اعتقاد آخر، فهي مسألة تقع على مستوى الخاص، إذا نظر إليها من زاوية “حرية اعتناق الإسلام”، وهذا الخاص فيه مستويان: الخاص، وخاص الخاص. أما على المستوى الخاص فالمرجع فيه هو جملة آيات هي قوله تعالى: “مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل 106)، وقوله: “وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 217)، وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران 77)، وقوله: “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ” (آل عمران 86-87). ويقول تعالى: “وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً” (النساء 115) وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً” (النساء 137). في جميع هذه الآيات نجد أن حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم… وليس القتل، وأكثر من ذلك فباب التوبة مفتوح أمامه.

هذا في القرآن، أما في الفقه، فحكم المرتد هو القتل كما هو معروف. ويستند الفقهاء في ذلك إلى حديث نبوي يقول: “من بدَّل دينه فاقتُلوه”. فكيف نفسر هذا الاختلاف؟

لنستبعد الشك في صحة الحديث المذكور، فقتال المرتدين زمن خلافة أبي بكر واقعة تاريخية لاشك فيها. ولكن لابد من التمييز بين المرتد الذي يغير دينه كشخص ليست له أية دوافع أخرى غير اقتناعه الشخصي الديني، وحكمُه، كما ورد في الآيات السابقة، عقابٌ أخروي لا غير. أما المرتد بدافع خارجي، خارج مجال الاعتقاد المحض، فشيء آخر، وهذا ما عنيناه بـ”خاص الخاص” في هذه المسألة. ذلك أن المرتدين الذين حاربهم أبو بكر بوصفه رئيساً للدولة لم يكونوا مجرد أشخاص غيروا عقيدتهم، ولا شيء بعد ذلك، بل كانوا أناساً أعلنوا التمرد على الدولة، فامتنعوا عن دفع الزكاة بدعوى أنها كانت التزاماً منهم للرسول عليه الصلاة والسلام وحده دون غيره، بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا أنفسهم للانقضاض عليها. فـ”المرتد” بهذا المعنى هو من خرج على الدولة، إسلامية كانت أو غير إسلامية، “محارباً” أو متآمراً أو جاسوساً للعدو… الخ.

وإذن فحكم الفقه الإسلامي على “المرتد” بهذا المعنى ليس حكماً ضد حرية الاعتقاد، بل ضد خيانة الأمة والوطن والدولة، وضد التواطؤ مع العدو أو التحول إلى لص أو عدو محارب. ومن هنا نفهم كيف يربط الفقهاء بين حكم “المحارب”، وهو مَن يخرج على الدولة والمجتمع ويشهر السلاح ويقطع الطريق، وبين “المرتد”. ذلك أن “المرتد” في الخطاب الفقهي الإسلامي هو صنف من “المحاربين” (قطاع الطرق) وحكمه يختلف من فقيه إلى آخر حسب ما يكون المرتد محارباً بالفعل أو لا. فالمرتد المحارب يقتل باتفاق الفقهاء، أما قبل أن يحارب، فقد اختلفوا هل يستتاب أولاً، أم يقتل من دون استتابة. كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن فقهاء الإسلام كانوا يفكرون في “المرتد” ليس من زاوية أنه شخص يمارس حرية الاعتقاد، بل من زاوية أنه شخص خان المجتمع وخرج ضده نوعاً من الخروج.

وما نريد أن نخلص إليه من كل ما سبق هو أن الوضع القانوني لـ”المرتد” لا يتحدد في الإسلام بمرجعية “الحرية”، حرية الاعتقاد، بل يتحدد بمرجعية ما نسميه اليوم بـ”الخيانة للوطن”، بإشهار الحرب على المجتمع والدولة. وبالمثل فإن الذين يتحدثون اليوم عن “حقوق الإنسان” وفي مقدمتها حرية الاعتقاد لا يدخلون في هذه الحرية “حرية الخيانة للوطن والمجتمع والدين”، ولا “حرية قطع الطريق وسلب الناس ما يملكون”، و”لا حرية التواطؤ مع العدو”. وإذن: فالحرية شيء و”الردة” شيء آخر.

ويبقى مطلوباً من الاجتهاد الفقهي المعاصر النظر في ما إذا كان المسلم الذي يعتنق ديناً آخر اعتناقاً فردياً لا يمس من قريب أو بعيد بالمجتمع ولا بالدولة، يدخل في دائرة “المرتد” الذي يستباح دمه! أعتقد أن من يقول بذلك لا يستطيع أن يدلي بأي نص ديني يرد به على من يعارضه، إلا الآيات التي أوردناها سابقاً، والتي تتوعد المرتدِّين الوعيد الأكبر، ولكن دون التنصيص على عقابه في الدنيا أي عقاب.

صلاةً معلّقة بين الأفق نادين فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:41 مساءً

 رَفعَتْ عينايَ جفونها لتصلّي إلى السماء، فلملمت الغيومُ نفسها على عدستي كالأمواج التي تحنّ لملامسة رمال حلمها الضائع، ذاك الحلم الذي تبعثرت حروفه وحُرمت من وطنها في الجمل، وبقيت معلّقة في دوّامة الحصحصة، تنظر في مقلتيّ لعلّها ترأف بها وترتّبها في سطورٍ تأويها على طيّات مخيّلتي.. همّت أفكاري بالتّنقيب في حفريّات الذكريات، تتقصّى أثر هيكل وجدناها المطمور في كهفٍ بناه السلوان حين شقّ جبال اليقظة بجبروته..وأخذت تتشكّل على جدرانه وتتثنّى، تموت في جوفه وتحيا..ما ألبث أن أبصر معالمها حتّى تتلثّم بمشهدٍ آخر، تدقّ على قيثارة حيرتي مقطوعاتٍ تَطرب على ملاحتها مهجتي.. اضطربت الغيوم وتبدّدت كالايتام الضّالّة، وفجّرها الشّفق إلى كدماتٍ بنفسجيّة تعلوها أحلاماً ورديّة..أعلن الشّروق قدومه ، فبدأ البدرُ بالعويل حينما سمع صرخات بزوغه التي يتغنّى الانتقام على أحبالها مهدّدا..وضح النهار وأرغم السماء على خلع ثوب حدادها، تاركاً عريّها مكشوفا لكلّ متربّص، وكأنّ ألمها مرآة لأملها.. تلحّف الشّفق بغيرة الشمس الصّفراء من القمر، وانبجس سقمها المرير الّذي أصابها حين هجرها خليلها المسائيّ كالصديد الذي يتفشّى على وهن الجسد ويقتات على رضوخه للمرض..ثمّ يسكب نفسه على مصرعيّ بوّابة الصباح، فتتفشّى رائحة عطبه بين القضيان ممزّقةً بتلات وعود الليل التي لم تحظى بفرصة لأن تُزهر.. اغتنم البحر الجشع خَور السماء واصطاد درجات الزّرقة كلّها في شباكه، كالمجنون الذي يهوى جمعَ المشاعر المتناقضة في فؤاده تحت سقف واحد، ينتهكُ الحكايات التي تسردها، ويصفّط أبطالها صدفا على شاطئ نشوته تذكارا، متناسيا واجب احترامه لحرمة خيال من سردها.. ألقى الكرى تعويذته على أشعّة الشمس، فهجعت إلى سرير سباتها، وغطّت في طوفان دمّ النّهار الذي أجهضه الزّمن قربانا يتلمّس به قدسيّة الغسق.. اقترب السّمر في خطاه على خارطة المنفى، فالوطن بات قريبا، ومراد العودة تحرّر من جموده وبدأ يدنو من أفق الواقع.. تزلزلت الأرض وكأنها تتنفّس الصّعداء لاّوّل مرّة، وقامت بدفن الماضي في باطنها، فلبّى الحاضر نداءها وهمّ بزرع مستقبلا في رحمها، لتفقد عذريّتها وهي تلد أشباح الأمس لتحيا في تابوت الغفلة.. أخفضت عيناي جناحيّ جفونها، لتتقصّى أثر سرّ يتقنّع العلانيّة ليستر بها شوائب حقيقته، سرٌّ يلتهم الغموضَ وليمةً يوميّة احتفالا بفحواه المحظور بوحه، تقدّسه هالةٌ مبهمة المصدر، بعيدٌ عنه استيعابي بمسافاتٍ ضوئيّة مع أنّه يحدّق مباشرة في مقصورة روحي.. خيّم الظلام على الخلق وأغلق بيوت الحياة الصاخبة، وأخذت الكواكب تعزف مقطوعات الشّجن لتُسكر بها بريق النجوم وتطفئها، وقام القنوط بسكب كأس مدامه على لظى شغفها ليخمد توهّجها المتلألئ..ورسم البؤس بريشته طيورا تمزّق أجنحتها أمنية الهروب مع الريح، لتتطاير بعيدا عن كنف الأغصان التي تخنقها في سجن اللا حركة..تحاول أن تسرق ما تبقّى من شفافيّة السماء لتتسربل بها درعا يحمي أجسادها الصّغيرة في معكرتها لذبح المارد الذي أخد من تشكّلات الغمائم رهينة وأخضعها لتترتّب على هيئته الموحشة، عسى أن تظفر أجنحتها المكسورة بقبلةٍ من الحريّة تداوي برقّة شفتيها الجروح التي غرزت نفسها ندباتٍ على ريشها.. أجهشت الغيوم دموع الانعتاق من قبضة المارد التي قد عنّفت وجعها بتجاعيدٍ مكفهرّة، وذرفتها قطراتٍ من النّدى التي تتسابق الورود لتخزّنها في صميمها حتّى تروي بها عطشها في يومٍ تعبسُ فيه الظّلال ولا تبستم.. طرق الضّنك على حجرات قلبي مكبّلا بشؤم زيارته نباضته بإيقاعٍ يكاد أن يستحضر سكرات المنيّة بالشّعوذات التي يردّدها ببطء..فشاركته خلجاتي بترتيل أفكارٍ قد ألحدت بإله المنطق.. فلعلّ الليل ينشد نوتاته القاتمة على القمر فنظنّ أنّ رونق اللحن نورَه، ولعلّ الدّجى الذي نخشى في قربه ترّقّب الجاثوم للنوم يتقربعُ بملامح الإبداع التي أثرت قصائد قصائد الشعراء على مرّ العصور.. وربّما الشمس تحاول أن تحرق إنسانيّتنا، فتخدعنا بدفء أشعتها التي قد تكن سبب ضيق النّفس الذي يصيبنا فجأة..ولعلّ المياه التي نبحث عن إجاباتٍ لسريرة الحياة في انعكاسها تلتمس هي بدورها استفهاماً للأسئلة ذاتها في حطام صورتنا التي تنكسر على سطحها ثمّ ترقد في قعرها.. لا أدري فلم تعد الحقيقة التي كنت أنظر إليها إلى ما حولي كافيةً لسدّ رمقي الذي أصابه جفافُ السعادة..

https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2017/03/09/431106.html

داؤُنــــــــــــــــــــــــــــــــا مِـــــــــــــــنا ودَواؤُنـــــــــــــــــــــــــــا مَعـــــــــــــــنا بقلم: فــــراس يــــــاغـــــــي

بواسطة , 2017/03/20 8:35 مساءً

أصرّ البعض المتنفذ في السياسه ولا يزال على النظر إلى أمريكا وكأنها المُنقذ والحامي والقادر بإعتبارها القدر المحتوم المفروض ليس على العالم وحده بالذات وإنما وبالأخص في منطقتنا بإعتبار أنّ المَعبوده وما تُمَثله من نَسق إلهي مُفضّل ومُدَلل موجود بين ظاهريْنا…دولة إسرائيل المعشوقه والعاشقه لديها رباطٌ مُقدس لا يمكن حتى مُجرد لمسه مع كبير العاشقين وحاميهم وبما يسمح لها لأن تكون المُتَفَرّده والمُقرّره بما يتعلق بالقريب منها وما بعد القريب وما بعدَ بعدَ القريب…

قال البعض أن “الشك بداية اليقين” وأضاف آخرين بأن “الشك أساس الوجود”، وبين الشك واليقين مسافه فاصله تقترب أو تبتعد وفقا لمفهوم الحقيقه، لكن في علوم الطبيعه والفيزياء هناك دائما حقيقه مطلقه لا تحتمل الشك وترفضه، قانون الجاذبيه والحركه الدائمه للكون بما فيه وعليه، وتحول الماده حتى الطاقه من شك لآخر، حتى الصوت حين ينطلق يُصبح ماده ويتحول لذبذبات مُنشره في فضاء هذا الكون اللا متناهي…في السياسه تَتعَقّد الأمور، وتُصبح القوانين مَرِنَه لدرجة الشك بل النفي أحيانا، وفي حركة المجتمعات والناس لا ثابت ولا مُطلق حتى في مفهوم “المصالح”، وتُصبح القوة إلى حين، صاحبة القرار في تحديد طبيعة الموازين ومفهوم اليقين…النسبيه لا المطلق، والحركه الدائمه لا سكون فيها، ويتحول المُتَغَيّر هنا وفق حسابات ترتبط بالمصالح أحيانا، وبالأيديولوجيا أحيانا أخرى، لكن إيقاعها ومهما كانت يُحال دائما لمفهوم “موازين القوى”.

فلسطينيا وفي خِضّم الصراع المُستمر مُنذُ عُقود، إيقاعه ليس سوى تعبير واضح لتلك التوازنات المحليه والإقليميه والعالميه، في السابق لم يكن لدى أي إسرائيلي مُتَنفذ وصانع للقرار توجه للإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينيه ومفاوضتها…الإنتفاضه الأولى فرضت معادله جديده وغَيَرَت مفهوم الثابت لصالح المُتَغيّر، فجاءت “أوسلو” وما أدراك ما “أوسلو”…الثابت في الموقف من الصانع الأول في مطبخ القرار في دولة إسرائيل لم يَتَغَيّر، لكنه تلاعب لإحداث مُتَغَيّر جديد يتلائم ومُعطيات ذاك الواقع وأوجد معادله جديده إسمها “التبادليه” بين الأمن والسلام، إستمر الحاله “العفويه” كرد فعل وليس كَ “خُطه” أوصلنا في النهايه لمفهوم الأمن لأجل الأمن، ولاحقا الأمن لأجل المصالح الإقتصاديه، وفيما بعد الأمن لصالح إستمرار الحاله للأفراد و “بِزنِسّها”، بل وصلت الأمور لأبعد من ذلك بأكثر مما يتصوره البعض ليس في مفهوم الشراكه ولا مفهوم الصراع ولا في مفهوم المصالح، وإنما في مُتَغيّرات شخصيه وأحيانا فرديه بمفهوم “المقاولات”… مقاولة الأمن في “غزة” والإقتصاد في “الضفهط، في حين غابت “القدس” لصالح الأصيل لا الوكيل المقاول.

أمريكا ليست ولم ولن تكون القَدر المحتوم، و”الترامبيّه” الجديده ليست شيء فريد في الواقع العالمي المُتَجَدّد والقديم، والموقف الأمريكي من المَعْشوقه “إسرائيل” له ضوابط إستراتيجيه مُحدّده تتغير بين الفنيه والأخرى في هوامشها بينما يبقى الجوهر ثابت، طبيعة المُتَحَكّم كَ “ثابت” لأجل البقاء والوجود الآمن بالمطلق المرتبط بالنسبي والتفوق بمفهوم القوة يتغير بهوامش ضيقه إرتباطاتها داخليه أكثر منها خارجيه، وأمريكا و “ترامب” هي لاعب مُنضبط وفقا لذلك وبما يُحقق إستمرار العمليه كإداره، لكن المُتغير هنا أن طبيعة الإداره يغلب عليها مفهوم “البزنس” و “الشركه”، فمثلا مبعوثه “غرينبلات” هو مُتخصص في “بزنس” العقارات، وعلم السياسه لديه ولدى رئيسه مرتبط بمفهوم الربح والخساره كَ “شركه” أكثر من كونها حقوق وقوانين ومواثيق…الخ.

يقول الإمام علي كرّم الله وجهه “كلما إزدادت الحقيقه وضوحا إزداد أعداؤها”، الحقيقة لدى القاصي والداني واضحه، “الترامبيه” ليست قدراً وأمريكا ليست سوى دولة ظالمه تقف إلى جانب الظُلم وصناعته، وحقيقة عدالة القضيه الفلسطينيه وضوحها ساطع وبرّاق، المشكله أن الداء فينا، وعلاجه من دواء صناعته إختصاصنا…نحن صنعنا ذاك الداء، ونحن من يرفض العلاج، بل أمعنا في صناعة الداء، فأصبحنا وفق تقرير “الإسكوا” نتعامل مع واقع “الكانتونات” الأربعه كَإداره سياسيه وإقتصاديه وإمتيازات خاصه، أحيانا فرديه في الكانتون الواحد وحزبيه مقيته في الكانتونات المُتَعَدّده، في حين يغيب الحق في مقاومته ورفضه عملياً، ووفق خطه وبرنامج، لا نظرياً وقانونياً ووفق مفهوم رد الفعل والتمسك بالثوابت فقط.

أيها الشعب: لا تُصدق السَرابْ وكأنه حقيقه، ولا تُصدّق الحقيقه الظاهره وكأنها قَدر…وإعلم أن المًتحكم في حركة السياسه ليس مفهوم فن المُمكن ولا التلاعب بالكلمات والعبارات وفق البعض المُتَنَفّذ، موازين القوى وتراكم الفعل وفق حركة دائمه ومستمره وعلى أساس خطه وبرنامج عمل هي اساس حركة السياسه، العمل الجامع وفق مفهوم المؤسسه وضمن الشراكه الوطنيه كأساس لا الفرد الواحد مهما علا منصبه وكان دبلوماسي ومثقف وخبير ومتخصص هو اساس تغيير حركة السياسه وحركة المصالح، والقُربْ والبُعْد من الحق يُحَدّده فِعلْ الشعب لا الفرد…ومرة أخرى أيها الشعب: تَمَعّن فيما قاله الإمام رضي الله عنه، إبن عم رسول الله صلوات الله عليه وسلم “دَواؤك فيكَ وما تشعرُ…وَداؤُكَ مِنكَ وما تُبصرُ…وَتَحسبُ أنكَ جُرمٌ صَغيرٌ…وِفيكَ إنطَوى العالمُ الأكبرُ…رحم الله الإمام.

http://samanews.ps/ar/post/297729/%D8%AF%D8%A7%D8%A4%D9%86%D9%80%D8%A7-%D9%85%D9%80%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%A4%D9%86%D9%80%D8%A7-%D9%85%D8%B9%D9%80%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%8A%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A7%D8%BA%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A

مشكلتنا في بيتنا وليس لدى “ترامب” بقلم فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:34 مساءً

سياسة البعض الذي لا يحمل في عقله أو لدى جماعته فكرا إستراتيجيا أو تكتيكيا مرحليا لمفهوم المواجهة وبغض النظر عن طبيعتها يلجأ لمفهوم “إبر المورفين” أو ما يُسمى بالدبلوماسيه الهادئه التي تستدعي السكون في المكان ومراقبة حدوث معجزات تُطيح بسياسة المؤامره التي تجري ضد القضية الفلسطينيه وبمباركه “ترامبيه”، حتى أن  البعض لا يزال يُفكر بأن التصريحات غير الواضحه للرئيس الأمريكي وفقا لوجهة نظره لا تُشكل سياسة الإدارة الأمريكيه الجديده، ويتساءل إذا كان “ترامب” مع الدولة الواحده أو الدولتين، مع بناء المستوطنات أو ضدها، مع نقل سفارة الولايات المتحده للقدس أو ضد النقل، مع السلام على أساس الحرية والإستقلال لمفهوم شعبين ودولتين، أم سلام شامل في المنطقه يشمل رفاه ما للشعب الفلسطيني وفقا للجغرافيا وليس وفقا لمفهوم الكيان الواحد المُتصل والقابل للحياة والإستمرار.

نظرة سريعه على تصريحات “ترامب” تُشير إلى أن الحلول الخلاّقه التي يتحدث عنها لعملية السلام غير مرتبطه بالمطلق بمفهوم الدولتين أو الدولة الواحده، فالرجل يتحايل على الكلمات لكي يُعطي أصحاب الأحلام لدينا حجه للإستمرار في سياسة العَمى السياسي، والتجاهل الوطني للوطن وبإسم إنتظار وضوح سياسة الإدارة الأمريكيه، في حين أن المعروض أصبح واضحا، سلام إقتصادي في الضفه وسيطره إسرائيليه شامله عليها جغرافيا وأمنيا (منطقة سي والأغوار) والقدس تبقى موحده تحت السياده الإسرائيليه، في حين الدولة الفلسطينيه ووفق شروط لا أول ولا أخر لها تكون هناك في (غزة)، وما تبقى من الضفه كسكان ليختاروا ما يشاؤوا، حكم ذاتي، سلطه ما منفرده او تتبع دولة (غزة)، المهم لا دولة في الضفة وغزة والقدس، ولا دولة واحده، هذا منطق (ترامب) الخلاّق، لأن المقابل هو سلام شامل مع الدول العربية المعتدله وبالذات مع دول “مجلس التعاون الخليجي”.

سياسة “ترامب” في الموضوع الفلسطيني لا ترى غير دولة “إسرائيل” وإحتياجات هذه الدولة من حيث الجغرفيا والديموغرافيا والأمن الشامل الذي يشمل سلام مع “المحيط” كأساس وتجاهل إحتياج “اللصيق” الفلسطيني لمفهوم الحرية والإستقلال لصالح مفهوم الرفاه الإقتصادي، خاصة أن “القريب” في معظمه لديه معاهدات سلام مع دولة “إسرائيل”…الدوائر الثلاث “اللصيق” و “القريب” و “المحيط” في وجهة نظر الإدارة الأمريكيه الحاليه أصبحت جاهزة لفرض الحل الذي يرغب فيه المركز واليمين الإسرائيلي بأجنحته المختلفه، فمثلا دائرة “اللصيق” وهنا المقصود بها الفلسطينيين متجزأه ومقسومه بين ضفة وغزة، والقدس غير مطروحه على أي أجنده، في حين دائرة “القريب” إما تُعاني حرب وتفتيت “سوريا” أو لديها معاهدات سلام مع دولة “إسرائيل” وتعاني أوضاع إقتصاديه سيئة جدا وتهديدات إرهابيه مستمره، في حين دائرة “المحيط” منقسمه على بعضها ومنخرطه في الصراعات الداخليه للدول العربيه ولها أجندات تتعلق بمفهوم السيطره والنفوذ مما أدى لإصطفافات غير واقعيه وتكتيكيه أثرت بشكل عميق على القضيه الفلسطينيه وعصفت بها بإتجاه الضياع وبإسم محاربة الإرهاب غير المتفق على تعريفه بشكل واضح بين مُحاربيه مُتعددي الأطراف والسياسات.

القضية الفلسطينيه شاء البعض أو تآمر البعض “حتى الفلسطيني” ليست مسأله سياسية محضه بقدر ما هي عنوان لشعب مُشتت وجزء من وجدان كل الشعوب العربيه، والنظر لها بمفهوم المصالح الآنيه لا يمكن أن يخدم سلام عادل وشامل، بل سيعزز التطرف والإرهاب أكثر مما يعتقد البعض “العاجز” والمتسمك بدفتها ولا يريد أن يفلتها ويجعل منها عاصفه وإعصار من جهة، ومن الجهة الأخرى التفكير بإستغلال الواقع “الشرق الأوسطي” لتصفيتها وفق مفهوم “اليمين” الإسرائيلي وبدعم “ترامبي” واضح سيكون تداعياته وفق التاريخ الأول في زمن “هارديان” أو زمن “نبوخذنصر”، لأن ذلك سيؤكد من جديد عقلية عدم قبول الغير “الأغيار” أو “الغوييم”، وسيدفع بإتجاه ظهور عقليه دينيه تؤكد النظريات الخاصة بالصراع كمفهوم وجودي أكثر من كونه مفهوم سياسي وطني.

الدبلوماسيه الهادئه لم تكن يوما سوى تعبير عن ضُعف أكثر من كونه سياسه، خاصة أن الحق والعدل والمواثيق الدولية وقرارات مجلس الأمن وإمكانية تفعيلها، والشعب والجغرافيا بإمتداداتها المختلفه تشكل الحلقة الأقوى لو تم إعتمادها كأساس للصراع…ومن يرى أن سياسته هي القادره على الإختراق فعليه أن يقول لنا ماذا حدث حتى الآن بعد أكثر من عِقد من الزمن وما هو حقيقة الإختراق سوى الذهاب للهاويه وفي كل الملفات، والتمسك بمفهوم الثوابت الوطنيه بحاجه لسياسة تؤكده وبشكل يومي على أرض الواقع وليس لسياسه لفظيه يستطيع أن يلفظها حتى الطفل الفلسطيني…إن المصالحه بين الضفه وغزة اساس لمواجهة التحديات الخاصة بالقضيه الفلسطينيه وأساس لبقاء مفهوم الدولتين، وأي حجج هنا أو هناك وتحميل هذا أو ذاك المسئوليه ليست سوى سياسه للهروب من هذا الإستحقاق وإستمرار في نهج قبول ما يجري بصمت وبإسم الدبلوماسيه الهادئه.

ليست أمريكيا ولم تكن قدراً ولن تكون وهي الآن ليست سيدة الشرق الأوسط كما كانت سابقا، الإتحاد الأوروبي وروسيا والصين ودول عدم الإنحياز لا تزال تقف إلى جانب مفهوم الدولتين ولا تزال تدعم القضيه الفلسطينيه، المشكله في أن أصحاب القضيه لا يدعمون أنفسهم ويقفون على جوانب وحافّات مُختلفه تُحيل موقف من يدعمهم إلى سراب لا يمكن تحقيقه، المشكله كانت ولا تزال في البيت الفلسطيني، فاي بيت مُنقسم على ذاته لا يمكن أن يصمد أمام الرياح العاتيه والعواصف المُصَنّعه في مصانع “ترامب” و “اليمين” الإسرائيلي، وأي سياسات وتحت أي مُسميات لا تستند للبيت الواحد هي وهم في حده الأدنى وتآمر في حده الأقصى، ومن يريد أن يواجه العواصف لا بدّ أن يُحصن نفسه في بيته أولا، لا أن يتسائل إذا كانت هذه العاصفه واضحه في قدومها أم أنها مُجرد واقع مُلتبس…ومؤامرة “غزة” الدولة الرد عليها بمصالحه مهما كانت تكاليفها وأثمانها، والسلام الشامل يكون على اساس المبادره العربيه للسلام لا بالدبلوماسيه الهادئه الرزينه التي تستخدم الكلمات والألفاظ بعناية فائقه تُعبر عن عجز وضعف من يقول بها.

https://www.maannews.net/Content.aspx?id=892664

ثنائيات ما بعد الوطن والوجود بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:32 مساءً

اللا معنى ليس العدم، والحياة ليست الوجود، والفهم الوجودي للحياة يأتي بالخروج عن المعنى، لقد خرجَ الأنبياء جميعا عن المعنى لفهم الوجود، وعملوا ضمن مفهوم الوجود لا مفهوم العيش، فليس “رائع حقاً أن تكون حياً” كما قال كويلو في “أحد عشر دقيقه” بل الرائع أن “تحيا”، ذلك بعضا مما أتحفنا به الكاتب “عبد الرزاق جبران” في كتابه “جمهورية النبي”، ويضيف بأن: المشكله في مفهوم الثنائيه، في الظلم مثلا، أليس الإنسان هو ضحية الإنسان، قال الإمام علي بن أبي طالب ” إضرب بطرفك حيثما شئت فهل تجد إلا فقيراً يُكابد فقراً أو غنياً بدل نِعمةَ الله كفراً”، ثنائية ظالمه، فقيرا يصبح أكثر فقرا، وغني تأخذه النعمه للغرور والتسلط والقمع وشراء الذمم والسيطره، أليس هذا كفراً، الصلاة السائده لا يمكن أن تكون بديلا عن القيم، “والصلاة التي تحمل الإنسان الخاشع خارج جسده خيرٌ من ألف صلاة سائده”، لأن هذه الصلاة هي “وضوءٌ للقلب”…النقاء الذي أسسه زرادشت بإعتبار أن “وضوء الإنسان يكون في نقاء قلبه” وجاء بالنار كرمز للنقاء لأنها تُطَهّر المعدن من الشوائب، عَصفَته الأجيال فيما بعد أخذت مفهوم النار لمعناها الذاتي غَيرِ المعنى الزرادشتي.

الحال الفلسطيني وفي كُل الساحات يعاني ثنائيه ليس لها علاقة بالإنسان نفسه ولا بقضيته الوطنية التي تقف هذه الأيام ليس على الحافه وإنما على رأس هاوية مائله بزاوية الإنحدار، ثنائية الثوابت الوطنيه والمفاوضات أجهَزت على الثوابت نفسها، وثنائية المقاومة والسلطه أنهت مفهوم المقاومه لصالح بسط سلطه الحركه ونفوذها، وثنائية الوطن والشتات أصبحت متضاده لا متجانسه بحيث أصبح الإنفكاك لا محاله، وثنائية الضفه وغزة لم تعد قائمه لا كأساس ولا كرمز ولا كواقع، أما ثنائية فلسطين والقدس فقد غابت في ظلام الشخصيه والصراعات الداخليه وأصبحت كلام للتشدق وللحفاظ على أطول فترة ممكنه للبقاء، وثنائية الضمير والقانون ذهبت مع أول مليون، ” رحمتك يا إلهي، يا من تخلق المخلوقات لتقاسي، دون أن تفهم لماذا” هكذا قال كرافيل باركر في روايته الحياة السريه ، نعم. رحمتك إلهي!!!! أما آن لهذه الثنائيات الشخصيه والحزبيه والفكريه أن تَعي أن الإنسان الفلسطيني بلا وطن ليست ثنائيه، الفلسطيني والوطن هي وحدة وجود لا ثنائيه يمكن أن ينزعها أحد كائن من كان.

بين الوطن المنشود في ثنائيته المرتبطه بالأرض والإنسان، ضاعت كرامة الإنسان ولكن ليس لصالح الأرض، بل لصالح ثنائية جديده تشكلت بعد عشرين عاما من المفاوضات، ثنائيه ظالمه أقست الأرض وأمتهنت البزنس وضربت بعرض الحائط كلّ الأحلام وبعضا من الأمنيات، ثنائية الحرية والكرامه لم تعد لها معنى في ظلّ ثنائية المُحتَل والسلطه الواقعه تحت الإحتلال، فقبل وبين وبعد الحواجز يُذَل الإنسان الفلسطيني، لا قانون قبلها ولا قانون بعدها، والسيطره والتحكم والظلم والقوة، ثنائيات تفرض نفسها وتُعبّر عن ذاتها في كل دقيقه، وفي خضَمّ هذا العيش يعلوا الصوت لينادي بالثوابت الوطنيه اما الفعل فهو لاوطني، الآذان يَسُدها الضجيج القادم من بساطير الجُند، وأي جُند، جُندنا وجُندهم، ثنائية الجُند التي لا تعرف عن الحقيقةِ إلا أسمائها، لقد صدق هنري باربوس حين قال ” إنني وقد نفذت إلى قلب الإنسانيه، فلم أجد شيئا إنسانيا”!!!

أما بعد، الحكاية تبدأ بأنه في قديم الزمان والازمان المتواصلة، كان هناك ثنائية الصراع بين القبائلِ والبطونِ والعائلاتِ والافرعِ، وكان هناك شيخاً لاحدى القبائل التي تَتَشكلْ من عدة بطون، وقبيلته هذه في صراعٍ دائم مع قبيلة أخرى أقوى عُدةً وعِده، بل سيطرت على كلِ أرضِ شيخِ القبيلة ولا تزال، لم تتورع أبداً عن ممارسة كل الدسائس والمكائد في الاحتفاظ بأرضِ غيرها لعقودٍ طويلة لا تزال مستمرة..شيخُ القبيلة الضعيفة كان ثنائياً لا يُحب الاحلام..وهو واقعي وترابي فبرجه من الابراج الترابية وفقا لطالعه وليس لواقعه..وكان يَكره ما هو غيرَ مُمْكن لان ذلك يعني له المستحيل..فالواقع هو ما يتعامل معه بسلبياته وإيجابياته..لا يبحث مطلقاً عن واقع جديد مُمكن أو قابل لأن يصبحَ مُمكناً..ولا يريد أن يحلم بغير ما تراه عينيه وتسمعه أُذنيه..وغيرَ ذلك يُعتبر بالنسبة له ضربٌ من “الطوباوية” القاتلة..فكلِ شيء لكي يَتَحَقّق يحتاج لتضحية ولقرابين، وهو مَلّ وتَعِبَ من كل ما سبق من تضحيات ذهبت جميعها أدراج الرياح وفقاً لوجهة نظره..فالصراع مع القبائل التي حوله عمرها مئة عامٍ تقريبا..لم تستطع قبيلته الحصول فيها على يوم للراحة أو إلتقاط الانفاس.

شيخُ تلك القبيله وقف وأعلن لجمهور قبيلته ثنائيته الداعيه للإستراحه..ليست إستراحة محارب فحسب..بل إستراحة دائمة من الحرب..فنحن عشنا من حرب لحرب، ومن إحتلالٍ لإحتلال، ومن حصارٍ لحصار، ومن إغتيالٍ لإغتيال، ومن إعتقالٍ لإعتقال، ومن تهجيرٍ لتهجير، ولم نحقق شيئا يذكر، وبما أنكم جَعلتموني شيخاً عليكم “مشيختموني”، فلا بدَّ أن تُعطوني الفرصة الكاملة لتنفيذ برنامجي بثنائية السلام والحوار.. يعتقد ومنذ أن ولدته أمه بأنه بثنائية المنطق والبرهان والحجة والجدال والكلام وحُسن النية يستطيع الخلاص من حُكم القبائل الاخرى وبالذات القبيلة التي سيطرت على أرض شعبه منذ عقود، قال: لقد جربنا كل شيء وفشلنا، علينا أن نُنَفذ ما هو مَطلوب منا بدون النظر لما هو مَطلوب منهم، فنحن من يجب أن يثبت حُسنَ التوجه للآخر المُحتَل وليس هو، لا سبيل لنا سوى بمواجهة كلَّ مَنْ تُسوّل له نفسه حتى في أحلامه بأن يستخدم غيرُ الذي نُقِرّه، ونحن قَرَرّنا أن نُنَافسهم بثنائية الحضارة والآداب وحُسن الجيرة ونواجهم بصواريخ من النقاش البناء، ولكي نَحصل على حقوقنا وفق المُمْكن، كمساحةٍ حتى، وليس كحدود، لا بُدَّ من أسلوب الحوار.. “فجادلهم بالتي هي أحسن”.

شيخنا، في حكايتنا المزعومة، لم يَعدم وسيلة حِوارية ثنائيه إلا وإستخدمها، وظنَّ بهم خيرا، قياسا على الحديث القدسي”انا عند ظن عبدي بي، إن خيرا فخير وإن شرأ فشر”، لذلك فقد تعلم مهارات الاتصال ليس بالعربي فحسب بل بالانجليزي وبالايديشية أيضا، درس تاريخهم، تعلم مأساتهم وما مروا به ايام “هيرودوس” والهير “هتلر”، عَلم جيداً مدى ثنائية العقد النفسية التي يعانوا منها، فقرر دراسة عِلم النفس والتخصص فيه، بل دَرس مفاهيم غريبه عليه كمفهوم “البرغل” و “البرغل الناشف” و “الكوديانا” وماذا تعني “الوصلة” وفقا لشرح الكاتب “علاء الاسواني” في روايته الرائعة “عمارة يعقوبيان”، لعلَّ وعسى تسعفه في إستقطاب الجزء المتمرد المتحضر الاوروبي القبلي الاصل..لم يَعدم وسيلة إتصالية إلا وإستخدمها، الكلام ولغة الجسد، لقد إستخدم شيخنا وسائل الاتصالات جميعها، السلكي واللاسلكي، الفيديو كونفرس، والآي فون وجميع أنواع الموبايلات ووصلت الامور لاستخدام لغة تكنولوجيا المعلومات، فإستخدم الانترنت والايميل والنت ميتنغ، والفيس بوك وحتى التويتر والواتس أب والفايبر وأخيراُ الإنستغرام..وذهب هذا الشيخ إلى إستعدادنا لفتح قلوبنا ووضع أجهزة مراقبة على عقولنا ليقرأوا كل شيء ويعلموا المخفي لدينا قبل المُعلن، فأحلامنا وتصرفاتنا وسلوكنا يجب أن يكون معلومٌ لديهم وبموافقتهم.

حاول هذا الشيخ كلَّ ما يستطيع وما لا يستطيع لكي يَجعلهم يَقتنعون بمدى إستعداده الدائم هو وبطنه في القبيله لحل كل المشاكل مُمكنة الحل “وفقا لمرونته غيرُ المسبوقه في تاريخ القبائل كلها”، عبر السجال والعصف الفكري والندوات والمحاضرات واللقاءات الصحفية المقروءة والمسموعة والمرئية، عبر المحلي وعبر الفضائيات، بل ألقى الشعر ومدح بعضاً من زعمائهم المخلوعين لفسادهم أو الذين تم إغتيالهم، تغَزّلَ فيهم وقال فيهم ما لم يقله قيس بليلى او عمرو بالخمر او عنترة بعبله او حتى جميل ببثينه، قام بهجاء ومحاربة كل من إستَعداهم، فعل كل ذلك ليزيل من صدورهم أي ضغينه قد تظهر كنتيجة لعملٍ طائش من فردٍ لا مسئول، قد يكون أصولي العقيدة والتفكير، هدفه التخريب لصالح قبائل عبدة النار سابقا، مارس كل ما قد يريحَ عقولهم ويجنبهم أي عقده نفسيه قد تستمر أو تظهر لا سمح الله.

رغم كلِّ ذلك، ورغم الود والحب والقرب والتقارب والتنسيق وحتى الشراكه أحيانا وغض الطرف، لم يشفع له كل ذلك، وما حصل عليه مزيدا من سلب الارض وهدم الخيم والاسطبلات وسرقة المزيد من ماشية قبيلته..فالشيخ بِحُسنِ نيته أراد محو الاحقاد وفرض واقع جديد من المحبة بين القبائل مختلفة الاعراق، ولكن هذا لا يمكن أن يحدث بين قبيلة تُريد ان تَحِلَّ مَحل قبيلة أخرى وتُجردها ليس من أرضها فقط، بل من وجودها وجذورها وتاريخها، وبإعتراف مسبق واضح لا لبس فيه من قبل القبيلة المُهَجَره بأحقية القبيلة المُحتَله، وبرغم كلِّ ما سبق ذكره وما حَصل عليه شيخُ روايتنا الخيالي، فلم يُحَرّك أو يُغَيِّر ذلك من عقليته، ليس لأنه لا يريد بل لأنه أصبح لا يستطيع، فمن يَدخل البحر لا بد أن يَتَبَلّلْ، ومن يَمشي تَحتَ المطر بدون شمسية سَيصبح أكثر من رطبٍ…يقول الإمام علي بن ابي طالب ” إذا أقبلت الدنيا على إمريء منحته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه”

https://www.maannews.net/Content.aspx?id=896131

الولاية القانونية بين الاختصاص والتفسير والمُطْلَق بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:30 مساءً

المطلق تعبير يراد منه تأكيد الحقيقه التي يعتقد البعض أنها ثابته ولا جدال فيها وهي قد تكون إستبداديه الفهم أو ديكتاتورية الحكم، أو حكم قانوني لا إستثناء فيه، والمطلق الإلهي شيء غير قابل للنقاش، مثل يوم الحساب والجنة والنار وحقيقة الوجود ونفخة الروح والبَعَث بعد الموت، لكن المُطْلَق لدى الحركات الإسلاميه أصبح في التشريع وفي الحاكميه وفي جعل الناس جميعا على دين الملة المحمدية، دين المؤمنين، في حين أن الله تعالى نفى على رسوله صلوات الله عليه وسلم مفهوم إكراه الناس على الإيمان، وأكد له في كتابه العظيم أن الناس سيبقون مختلفين حتى في الدين والرسالة الواحده، وهذا فهم الصانع للمصنوع، وفهم الخالق لطبيعة من خلقه ونفخ فيه من روحه، فالإنسان وفق كتاب الله “أكثر شيء جدلاً”، والمرجع في الخلاف والحكم حول الفهم الإيماني الإنساني لكل الديانات هو للواحد الأحد “ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (55 آل عمران) “ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأنعام108).

تعَمَدّتُ الحديث أعلاه لأشير أن إعطاء الفرد صلاحيه مُطلَقه لا يمكن أن تكون في الفهم السياسي للنظام المدني الذي يعتمد على مفهوم الإنتخابات، خاصة حين تكون مرجعية الحاكم كسلطه تنفيذيه أو تشريعيه للشعب صاحب الإرادة الحُرّه في الإختيار…في الواقع الفلسطيني وحيث هذا الواقع لا يُشبه غيره كونه كسلطه أقل من حكم ذاتي ولا يصل لمرتبة من أي مراتب تَكَوّن الدول بشكل جوهري بقدر ما هو في الشكل يَظهر وكأنه مُقَدِمَه لبناء دوله، فإن طبيعة النقاش حول الفهم الدستوري وتفسيرات الدستور عبر محكمة دستوريه يأخذ طابع بعيد كل البُعد عن فهم الدولة كمؤسسه يحكمها عِقد إجتماعي نابع من إستفتاء جماهيري يشمل غالبية مكونات الشعب ويؤدي لفصل حقيقي بين السلطات الثلاث وما يستدعيه ذلك من وجود مهم وضروري لمحكمة دستوريه تُفسر العِقد الإجتماعي المُستَفتى عليه حين الخلاف بين السلطه التنفيذيه والقضائيه والتشريعيه، وتُوقِف القوانين التي تتعارض مع هذا العِقد.

السلطه الوطنية الفلسطينيه وعبر المجلس التشريعي الذي تجاوز مدته منذ العام 1999، حيث إنتهت المرحلة الإنتقاليه وتم تمديدها بمفهوم الأمر الواقع وليس بإتفاق جديد، قامت بإحداث “قانون أساس” بإعتباره شكل من أشكال العَقد إلإجتماعي المرحلي “وهو أقل من دستور”، وهذا القانون جاء لينظم فقط منطقة الولاية الجغرافيه للسلطه الوطنية الفلسطينيه وفق الفهم الفلسطيني وليس وفق الإتفاقات المرحلية التي إنتهى مفعولها أيضا، والفهم السائد أخذ طابع التعامل مع هذا القانون الأساس على اساس كونه بديلا لدستور الدوله، لذلك إعتبر من المقدسات القانونيه التي يجب عدم المس بها رغم كلّ الخلافات ورغم وجود الإنقسام، فهذا القانون لا يزال يحافظ على نوع من أنواع الإنسجام القانوني ليس بين جناحي الوطني غزة والضفه، بل أيضا في العلاقه مع المجتمع وبين السلطات الثلاث، وأي إخلال بهذا القانون وفقا لتفسير أو غيره هو تلاعب بالحياة القانونيه التي ستزيد الخلاف وتُعَمّق الإنقسام حتى بين أفراد المجتمع الواحد وليس بين قطاعين جغرافيين سيشكلان وفق المنشود أرض هذه الدوله وفي كلٍّ منها ولايه قانونية مُختلفه، حيث الكثير من القوانين المصريه لا تزال سائده في قطاع غزة، وفي الضفه القانون الأردني، وهذا جاء بسبب طبيعة الموروث السياسي السابق، ووجود “قانون أساس” يتوافق عليه الجميع يُحقق صيغه قانونيه تحكم فوق الموروث وتُحَقق نوع من أنواع الوحدة القانونية المهمة لبناء أي دوله.

إن التفسير رقم (3) لعام 2016 حول حصانة النائب في التشريعي وفقا للمحكمه الدستوريه التي تم تشكيلها حديثا وفي ظلّ الإنقسام سيعزز الفصل والإنقسام ويُبْعِد مفهوم الولايه القانونيه الواحده عن الكل الفلسطيني في الضفه وغزة، كما أنه يُشكل سابقه غريبه في وضع غالبية السلطات في يد السلطه التنفيذيه على الرغم أننا لا نعيش حالة إعلان الطواريء، بل نعيش حالة حوار لإنهاء الإنقسام وإعادة اللحمه لجناحي الوطن.

المجلس التشريعي الفلسطيني صاحب الولاية القانونيه حتى لو كان مُعَطّل بسبب الخلاف السياسي النابع من الإنقسام، وما حدث في غزة من إنقلاب عام 2007، ومفهوم الحصانه لأي نائب جاءت لأسباب تخص طبيعة السياسه الفلسطينيه التي لا تحكمها مفاهيم الدولة المؤسسة مثل فرنسا ومصر، بقدر ما تحكمها أحيانا مفاهيم حزبيه وجهويه وحتى فرديه، فنحن لا زلنا في طور البناء وليس في طور الدولة الراسخه، ومفهوم الحصانه إختصاص شبه مطلق للمجلس التشريعي وليس لغيره على إعتبار أنه لم تجري أنتخابات جديده ولم يحلف الأعضاء الجُدد اليمين الدستوري، ومهما كان من خلاف أو إنقسام، فلم يتم الإعلان مثلا من قبل من منظمة التحرير الفلسطينيه صاحبة الولاية العامه على السلطه الفلسطينيه تجميد القوانين الصادره عن السلطه بسبب الإنقلاب والإنقسام، ولم تعلن إنتهاء المرحلة الإنتقاليه، وبالتالي نهاية لما جاء فيها وبداية لشيء جديد يحمل صفة مؤسسة الدولة المعترف بها من قبل الأمم المتحده، وما يترتب عليه من تأسيس مجلس تأسيسي لوضع دستور، أو القيام بعرض دستور جديد على الشعب الفلسطيني في إستفتاء عام كمفهوم نضالي بإعتبار أن الإحتلال سيحارب ذلك، وعليه يبقى القانون الأساس بصيغته المُعَدله من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني الحاكم للسلطه والمُنظم للعلاقات بين السلطات الثلاث ولا يستطيع أحد تغييره بدون ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، وتبقى حصانة النائب من إختصاص المجلس التشريعي لا أحد غيره لا بصفة الضرورة ولا بصفة الحاجه خاصة أن الخلاف هو سياسي وليس قانوني.

لست قانونيا ودرست بعض الشيء في المفهوم القانوني والدستوري، ولا أعتبر أن ما قلته أعلاه كتوصيه قانونيه بقدر ما هي إلا محاولة لربط السياسي كتحليل بتأثيره على القانوني كواقع يجب إحترامه وعدم تغييره إلا وفق أصول مرتبطه بالمُشَرّع وليس بالضرورة أو الحاجه المثلِحّه للبعض وغير المُلِحّه للبعض الآخر، وأرى أن الضرورة والحاجة المُلِحّه ومن وجهة نظري أساسها نقاش قانونية المرحلة الإنتقاليه ككل وإعلان الدولة على الأرض كأساس عملي لما تم الإعتراف به في الأمم المُتحدة، وغير ذلك يبقى في نطاق الصراع السياسي الداخلي أكثر من كونه قانوني محض.

https://maannews.net/Content.aspx?id=875216

لنشتري زمناً لنا بقلم: فراس ياغي

بواسطة , 2017/03/20 8:29 مساءً

يراقب الشعب الفلسطيني بصبرٍ مُغلّفٍ بعجزٍ يشوب مُعظم النُخب القياديه بمختلف مشاربها وجذورها المستقله والحزبيه فيما يتعلق بواقع القضيه الفلسطينيه ومن مُختلف الجوانب السياسيه والداخليه من مُصالحه وغيرها، فمن قرار مجلس الأمن 2334 إلى العصف الذهني للمصالحه في سويسرا، ثم من مؤتمر دولي في باريس والذي تحول بقدرة قادر لحفلة باريس الوداعيه إلى عصف ذهني جديد للمصالحه في موسكو، كل ذلك يعقبه بيانات وترحيبات وإيشادات، عبر بيانات وتصريحات من هنا وهناك، في حين الواقع مُختلف جذريا عما في عقول تلك النُخَب، غزة والكهرباء، غزة والحصار، السلطه وتغييب العمل التشريعي الفعلي بغياب المجلس التشريعي، القضاء وما أدراك ما القضاء، الإنتخابات العامه التي تأخرت عِقد كامل ودخلنا في العقد الثاني، الفرديه والفئويه في طبيعة التحكم والحكم والتي تفرض نفسها بفعل الإنقسام، البطاله واليأس وردّات الفعل هنا وهناك كنتيجةً لذلك…الخ.

ورغم كل ذلك لا يظهر دخان أبيض لا في غزة ولا في رام الله، وما يظهر فقط على السطح تصريحات نابعه من أحداث او حدث وقع هنا أو هناك، حدث دولي تجميلي يُعتبر نصر ساحق في ظلِّ واقع عربي أليم وفلسطيني وصل للدرك الأسفل بسبب من الإنقسام بين شطري الوطن من جهة ومن الجهة الأخرى الإنفصال والإنفصام بين القواعد الشعبيه والنخب السياسيه، الفجوات تزداد ليس بين فتح وحماس رغم كلّ الإتفاقات والتي بدأت كما قال احد الأصدقاء والكُتاب ب (شرب مياه زمزم) والآن في أحضان (شريبة الفودكا)، وإنما بين مُختلف قطاعات الجماهير وتلك النخب التي لا ترى الإحتياجات الحقيقيه للشعب في حين تُبصر وبشكل دقيق الإحتياجات الدولية والإقليميه وتَعمل على ملائمتها او الوصول لتوافق معها.

القضية الفلسطينيه في أسوأ مراحلها والفعل الشعبي غائب ليس لعدم القدره ولا لعدم الإستعداد الذاتي للفرد الفلسطيني، إنما لغياب الإرادة الحقيقيه للقيادات المتَعدّده والمُختلفه، ولفهم القطاعات الشعبيه الفلسطينيه بأن تحركها سيدخل في باب المزايدات للبعض الذي لا يزال ينتظر هبه شعبيه أو هبات متعدده ضد الظلم هناك او هنا، أو ضد المُحتل الجاثم هنا وهناك، إضافة إلى فهم عميق لدى الشعب أكثر من نُخَبِه بأن أي تحرك في ظل واقع الإنقسام والإنفصام لا يمكن أن يُحدث نتائج تُساعد على تحريك العمل السياسي الكفاحي الفلسطيني في ظِلِّ زعامات تلفزيونيه فضائيه لا ترى سوى برامجها الخاصه الفرديه والحزبيه، وفي واقع الأحلام التي تُرافق القيادات جميعها مُنذ مسيرة ومقولة “لا بديل عن المفاوضات”، و ” لا بديل عن قطر وشيخها لغزه” و “لا بديل عن اردوغان” و “لا بديل عن الإنقسام” و ” لا بديل عن القرضاوي وجماعته”، و “لا بديل عن البيت الأبيض وسياسته”، مسيرة تتماشى مع إحتياجات النخب وقيادات الحركات الفلسطينيه أكثر مما تتماشى مع المتطلبات الشعبيه ولا حتى المُتغيرات الدولية والإقليميه.

إن الواقع الجيوسياسي الفلسطيني يفرض نفسه وبقوة وبدون تحليلات على أهمية التنسيق اليومي والتكتيكي والإستراتيجي مع القيادة المصريه والقياده الأردنيه، كما أن الواقع الدولي يفرض ضرورة تنسيق الخطوات مع الصديق الروسي والصيني لنقل الملف الفلسطيني من “البيت الأبيض” و “تل أبيب” إلى الساحه الدولية المُتعددة الأطراف، وهذا يتطلب بالأساس عودة عاجلة للوحدة الوطنية وطَيْ ملف الإنقسام للأبد من خلال توحيد السلطه في رام الله وغزة وعبر تنفيذ الإتفاقات السابقه وبرعايه مصريه وأردنيه بالأساس وعربيه بالعموم وفي مقر جامعة الدول العربيه من خلال مؤتمر وطني فلسطيني جامع وشامل، يرافق ذلك تفعيل الإطار المؤقت القيادي لمنظمة التحرير وفق إتفاق القاهرة 2005 كمرجعيه للجنة التنفيذيه لحين إجراء إنتخابات عامه وشامله تشمل جميع القطاعات وعلى رأسها الرئاسي والتشريعي والمجلس الوطني وبقانون النسبيه الكامله لمنع التوجهات العشائريه والمناطقيه ولتعزيز دور المؤسسه الحزبيه في الواقع الفلسطيني.

ترامب قادم ليس كشخص وإنما كسياسه لا تحتمل المجامله ولا الديبلوماسيه، قادم وفي جعبته قرارات سيتم إتخاذها وأولها نقل السفاره للقدس، قادم وهو يعتقد أن مفهوم حل الدولتين ليس سوى فقاعه غير واقعيه ولا ضرورة لها، قادم لحسم ملفات وفق رؤيا خاصة دولية وأمريكيه لديه، فالشرق الأوسط بمجمله لا يرى فيه غير “إسرائيل” وما بعد ذلك إما إرهاب أو مأجورين يجب أن يدفعوا مقابل الحمايه، وهو مستعد لتقاسم النفوذ فيه مع روسيا وبإسم محاربة الإرهاب، وهنا يكمن الخطر، لأن أي تقاسم للنفوذ سيكون على حساب القضيه الفلسطينيه وخاصة في الضفه الغربيه والقدس واللاجئين، فهل يا ترى تعي القياده الفلسطينيه للمخاطر القادمه؟!! سؤال بعلامة التعجب، لأن الرد يجب أن يسبق الفعل، وأساس الرد هو الوحدة الداخليه الفلسطينيه والتنسيق مع الدول العربيه خاصة مصر والأردن، وإعلان الإحتياج الفلسطيني أولوية على أي إحتياجات أخرى بما يتطلب ذلك من قيادة “حماس” مرونة أكبر في السياسه، وتنفيذ فعلي وصادق للإتفاقات من قبل قيادة السلطه الفلسطينيه في رام الله، وتفعيل منظمة التحرير كأساس جامع للشعب الفلسطيني وبمرجعية الإطار المؤقت القيادي للجنة التنفيذيه.

لم يعد لدينا زمن، وعلينا شراء الزمن وبأثر رجعي، وحين نقبض على زماننا فلا أحد يستطيع أن يتحكم بزمننا، وزمننا ليس فضاء ولا خواء ولا نُعاق، زماننا فِعل وقول، كان ولا بدّ أن يكون، فلنشتري زمنناً لنا في وطننا قبل أن يُحَدِّد زمننا حفلة هناك وقرارٌ هناك، أليس الزمنُ بقريب !!! بلى، وفقط، حين يكون لنا زَمنْ.

https://www.maannews.net/Content.aspx?id=887138

الشهادة والشهداء… و”الحور العين”

بواسطة , 2016/08/17 7:39 مساءً

الدكتور محمد شحرور

تاريخ النشر: الثلاثاء 02 فبراير 2010

ما حملني على الخوض هنا في هذا الموضوع هو ما ورد في مقطع من فيلم بثته مؤخراً قناة فضائية عربية، يعرض صوراً لشبان يتهيأون للقيام بـ”عمليات استشهادية”، وهم فرحون مستبشرون، متباهون بكونهم سيجدون أنفسهم مباشرة بعد موتهم -بوصفهم شهداء- في نعيم الجنة بين “حور عين” وسيجدون فتيات “أَبْكَارًا، عُرُباً أَتْرَاباً”، كما هو مذكور في القرآن الكريم.

وهذا يثير ثلاثة تساؤلات: أولها، ما معنى الشهادة والشهداء؟ ثانيها، متى يكون نعيم الجنة وعذاب النار: هل مباشرة بعد مفارقة الشخص الواحد للحياة الدنيا، أم بعد خراب هذه الدنيا كلها بقيام الساعة وحصول البعث والحشر والنشور وبعد يوم الحساب؟ أما ثالث تلك التساؤلات فيتعلق بالمعنى الذي يجب أن نفهم به ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟

إن المرجع الوحيد في هذه المسائل الغيبية، التي لا مجال للعقل فيها ولا للتكهنات والتخمينات، هو ما يقوله علام الغيوب في الذكر الحكيم، فلننظر إذن فيما يقوله القرآن في هذه المسائل:

1- أما “الشهداء”، في هذا المقام فهم جمع شهيد، (والاسم الشهادة) وهم المقتولون في جهاٍد استكمل شروطه التي ذكرناها في مقال سابق (08-12-2009)، وفي مقدمتها أنها “حرب دفاعية عادلة تقوم على مواجهة عسكرية بين المُعتدَى عليه والمعتدِي ولا يُقاتَل فيها إلا الذين يشاركون في قِتال المسلمين”، دون غيرهم من النساء والشيوخ والأطفال والفلاحين والتجار وأصحاب المهن وغيرهم ممن يطلق عليهم اليوم اسم “المدنيين”… وقد وعد الله الشهداء بالتمتع في نعيم الجنة. والسؤال هنا: متى يبدأ نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؟

2- إذا نحن رجعنا إلى الذكر الحكيم نجد أن جميع ما ورد فيه حول البعث والثواب والعقاب إنما يكون بعد قيام القيامة. وقد خصص الله سُوراً كاملة لهذا الموضوع، فضلا عن آيات كثيرة من سور أخرى. ومن السور التي خصصها تعالى لهذا الموضوع سورة الزلزلة، ونصها : “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (ما في جوفها -في القبور- من الموتى)، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (أذِن لها بالزلزلة، أي بقيام القيامة)، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً (الحشر والنشر) لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (ليحاسبوا)، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الثواب)، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ”(العقاب). (الزلزلة 1-8). وواضح من هذه السورة أن الثواب والعقاب يكونان بعد قيام الساعة، وبعد والحشر والنشر والحساب. أما قبل ذلك فأجسام الموتى تبقى في جوف الأرض من زمن موتهم إلى قيام الساعة.

وهذا ما تؤكده آيات عديدة أخرى مثل قوله تعالى في وصف قيام الساعة: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ (الموتى) قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ (سجل الأعمال) وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ” (الزمر 68-70). وواضح أن هذه الآيات، تفيد مثلها مثل سورة الزلزلة أن الحساب، إنما يكون بعد قيام القيامة لا قبلها.

وليس في القرآن ما يشهد لصحة ما يروى عن “سؤال الميت في القبر” قبل قيام الساعة. أما محاولة بعض المفسرين إسناد ذلك بقوله تعالى: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (شهادة أن لا إله إلا الله) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ” (إبراهيم 27)، على أساس أن معنى “الآخرة” في هذه الآية يدل على “سؤال القبر”، حيث يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، كما ثبتهم عليه في الحياة الدنيا، أقول: أما هذه المحاولة ومثيلاتها فهي نوع من التأويل بعيد، أبعد من “تأويلات الباطنية”. ذلك أن المعنى القريب والوحيد الذي يعطيه السياق، هو أن “الآخرة” تبدأ مع قيام القيامة، لا قبلها، وأن التثبيت في “الآخرة” يعني التثبيت يوم الحساب، عندما يوضع الكتاب. إنه المعنى السائد في القرآن كله، سواء تعلق الأمر بخطاب موجه لقوم النبي عليه الصلاة والسلام أو لأقوام ماضية، كما في قوله: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً” (جميعاً: “بنو إسرائيل وفرعون وقومه” -الإسراء 104).

3- أما التساؤل الثالث الذي طرحناه أعلاه حول المستوى الذي يجب أن نفهم فيه ما هو مفصل في القرآن حول الحياة الأخرى، نعيماً وعذاباً؟ فإن سوراً عديدة تمدنا بما يسعفنا في ذلك. ونظراً لضيق المجال نقتصر هنا على ما ورد في سورة الواقعة حيث نقرأ عن نعيم أهل الجنة أنهم “عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (منسوجة بالذهب)، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (لا يهرمون ولا يموتون)، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِين (من خمر جارية)، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (لا يصيبهم الصداع من شربها ولا يسكرون)، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ (فتيات كبيرٌ بياضُ أعينهن) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(…) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (خلقناهن من دون ولادة) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (عذارى)، عُرُباً أَتْرَاباً لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ” (عاشقات لهم متساويات في السن). أما “أصحاب الشمال” المشركون فإلى جهنم حيث سيعانون “فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (ريح حارة ودخان)، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، (دخان شديد السواد) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(…) إِنَّهُمْ “لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ”.

ولاشك في أن أولئك الشبان الذين أشرنا إليهم في مدخل هذا المقال قد فهموا (أو أُفهِموا)، هذه الآيات ومثيلاتها التي تتحدث عن نعيم الجنة فهماً لفظياً مادياً متخيلين أن “الحور العين” في الآخرة هي هي كما في الدنيا، تماماً كما فهم مشركو قريش الآيات التي تتحدث عن عذاب النار فهماً لفظياً كذلك، فاحتجوا بعدم معقولية وجود شجرة “الزقوم” في نار جهنم مع أن النار تأكل الأخضر واليابس. فرد عليهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “”إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ”(أي قصدنا ترهيبكم بها وبث الحيرة في أنفسكم)، ولكي يزيدهم حيرة وتخويفاً وترهيباً أخذ يصف تلك الشجرة فقال: “إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ” (الصافات63- 68).

أما بالنسبة لـ “الحُور العِين” فالأمر لا يتعلق بفتيات من جسم ولحم كما في الدنيا وإنما ذلك مجاز وتمثيل بقصد الترغيب، وقد صاغه النبي عليه الصلاة والسلام بصورة أخرى في حديث عن ابن عباس ورد فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَـمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِـأُحُدٍ (قتلوا في غزو أحد)، جَعَلَ اللَّهُ أرْوَاحَهُمْ فِـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلـى قَنادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فِـي ظِلِّ العَرْشِ” … فنزل في شأنهم قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 170). وللمقال صلة.

التفسير لتجديد الشرعيات…صندوق الإقتراع

بواسطة , 2016/08/17 7:14 مساءً

 

بقلم: فراس ياغي

إنتخابات المجالس المحليه على الأبواب وأصبحت الشُفل الشاغل للشارع الفلسطيني بكل شرائحه وأطيافه وأحزابه، حراك داخلي ومراقبه خارجيه إقليميه ودوليه هدفها معرفة النتائج وتوازن القوى الداخلي بعد عشر سنوات على آخر إنتخابات موحده…لكن السؤال المهم والذي يتداوله غالبية الشعب الفلسطيني، ويُطرح بقوة: إذا كان بالإمكان عقد إنتخابات محليه، لماذا لا تُعقد أيضا الإنتخابات التشريعيه والرئاسيه؟!!!

واضح أن الشعب الفلسطيني يرى أن صندوق الإقتراع هو الحكم والفيصل لأي خلاف حدث أو ممكن أن يحدث، وأن كل الحوارات وما نتج عنها من عشرات الأوراق والتي وِقّعت وسميت إتفاقات ووثائق ( الأسرى، مكه، القاهره، الدوحه، ثم القاهره، وبعدها غزة) ليست سوى حوارات تخص الفصائل وبالذات حركة “فتح” وحركة “حماس”، في حين الشعب يريد أن يحسم مواقفه ورؤيته من خلال صندوق الإقتراع وأنه هو الحكم النهائي صاحب السياده والقرار في تحديد مصيره وتحديد قيادته لفتره محدده قد يمددها وقد يُغيرها…المعنى أن عشر سنوات من الإنقسام المستمر صودرت خلالها إرادة هذا الشعب ولم يُسمح له بتحديد الخيارات الواجبه ووفقا للظروف المحيطه سببها المحاولات المستمره لتغييبه مُتعمدا وتحت عنوان الإنفسام.

حركة حماس أصرّت على تنفيذ الإتفاقات قبل إجراء أي إنتخابات، وها هيَ اليوم توافق على إجراء الإنتخابات المحليه دون أي إتفاق سوى على إجرائها، وهي من سيقوم عمليا بمتابعتها من خلال الشرطه التابعه لها في غزة ومن خلال المحاكم التي سَتنظر في الطعون وهي التي عينت قُضاها، والمشرفين على صناديق الإقتراع سيكونون من المعلمين الذين عينتهم حماس أيضا، وهي ستسمح بالرقابه المحليه والدوليه على الإنتخابات في كُلّ خطواتها من تسجيل وترشيح وطعن وإقتراع وفرز ومن ثم طعن على النتائج، وهذا جاء بموافقة لجنة الإنتخابات المركزيه والحكومه الفلسطينيه صاحبة الولاية الفعليه على الضفه الغربيه والإسميه على قطاع غزه.

إذا كان الحد الأدنى من الممكن قد تحقق وأدى لمشاركة جماهير “قطاع غزة” الحبيب الصامد في التحضير المستمر لإجراء الإنتخابات المحليه، لماذا لا يعلن عن تحديد موعد للإنتخابات التشريعيه والرئاسيه؟!!! خاصة أن طبيعة الإجراءات في أي إنتخابات بحجم المحليه تنطبق على غيرها، قد يقول البعض أن المحليه هي خدماتيه، وليست سياسيه وسياديه، وهذا في الواقع الفلسطيني ليس دقيقا، فمن يُشكل قوائم الإنتخابات المحليه هي الفصائل المختلفه ومن سيحشد لها جماهيره وأعضاءه هي الفصائل، كما أن الإنتخابات المحليه مهمة جدا لكل تجمع لأنها تمس بشكل مباشر مختلف التجمعات الكبيره والصغيره وفي كافة جوانبه الأساسيه، وهذا يعني تجديد القياده التي تُمثل كا موقع وتجمع، والتشريعيه والرئاسيه تُعبر عن موقف الشعب ككل من القياده السياسيه والتشريعيه والرقابيه التي يُريد، وإذا تحققت الإجراءات الخاصة بالإنتخابات المحليه، فغيرها يُصبح ليس وارداً بل مؤكد التحقيق.

إن الواقع الفلسطيني المنقسم فصائليا وليس شعبيا يَستدعي من أصحاب القرار تحديد موعد لتجديد الشرعيات، وإجراء إنتخابات تشريعيه ورئاسيه بعد أن سقطت كل المُبررات لعدم عقدها في ظِل هذا التوافق غير المكتوب على إجراء الإنتخابات المحليه، والشعب هو صاحب الولايه في إختيار من يُمثله لإنهاء الإنقسام الذي أساء إليه وإلى سمعته، لذلك على حركة “حماس” وقيادتها أن تعلن أنها توافق على إجراء إنتخابات تشريعيه ورئاسيه مثلما وافقت على المحليه، ولتكن الإجراءات الخاصة بالمحليه هي نفسها التي ستطبق على التشريعيه والرئاسيه، وعلى القياده الفلسطينيه أن تحدد موعد لإجراءها وإصدار مرسوم رئاسي بهذا الخصوص، فأهمية تجديد القياده السياسيه تفوق مثيلتها المحليه وتكون عنوان إنهاء هذا الإنقسام الذي أرهق المكون الفلسطيني أينما وجد.

الشعب يريد إجراء إنتخابات شامله تشريعيه ورئاسيه ومحليه، فهل سقطت الذرائع، أم لا يزال البعض لا يرى أكثر من حدود أنفه!!! وكما يُقال “الوقت ثروة” والإنتخابات بأشكالها المختلفه “حفظٌ للثروة”، ومن يريد رأي الشعب فلا يكون ذلك تدريجيا، فالحقيقه موجوده حيث صندوق الإقتراع، والإجراءات في الإنتخابات واحده مهما كانت التسميات، يقول الكاتب الرائع باولو كويلو ” إن مملكه منقسمه على نفسها، لا تصمد في وجه غزوات العدو” لذلك ” أحاول تفسير ما هو غير قابل للتفسير” لأنه مُفَسّر من ذاته، وعنوانه هناك “صندوق الإقتراع”.

الولاية للمنظمة…”تِدَبير إم أشف”

بواسطة , 2016/02/08 2:06 مساءً

 

بقلم: فراس ياغي

تتراكم القضايا التي على الشعب الفلسطيني أن يَبُتّ بها…فمنذ إتفاق “أوسلو” وما رافقه من أخطاء قاتله وحتى هذه اللحظه لم يتم إستدعاء الشعب الفلسطيني إلا لإجراء الإنتخابات الرئاسيه والتشريعيه في العام 1996 ونفس الشيء في العام 2006، وكانت هذه الإنتخابات محكومه بسقف الإتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينيه في واشنطن مع الجانب الإسرائيلي في العام 1993 والتي سميت إتفاقيات “أوسلو”، في حين نفس هذه الإتفاقيات كانت بحاجه لإجراء إستفتاء عليها ولو على الأقل في المناطق المُحتله، لكن في حينه كانت منظمة التحرير الفلسطينيه تُمَثل الشعب الفلسطيني ولا شائبه تشوب ذلك، حيث القائد الخالد الشهيد “ابو عمار” كان يُشكّل ضمانه وطنيه ورمزيه كبيره بالنسبه للشعب الفلسطيني.

اليوم وفي ظلّ الإنقسام والصراعات الداخليه وعدم جدوى إستمرار المفاوضات وفشل إتفاقيات “أوسلو” بسبب رفض الجانب الإسرائيلي تنفيذ الإلتزامات المُتَرَتبه عليه، وترنح الشرعيه الفلسطينيه حيث لا مؤسسات شرعيه مُقنعه للشعب الفلسطيني قادره على سَدْ الفراغ الكبير الذي أحدثه عقدين من الزمن غُيّبَت فيه الشرعيه التي قدّم الآلاف لها أرواحهم قرباناً في سبيل تثبيتها، منظمة التحرير الفلسطينيه الممثل الشرعي والوحيد صاحبة الشرعيه بحاجه ماسه للتجديد ولأخذ دورها الطبيعي في قيادة الشعب الفلسطيني وفي كافة أماكن تواجده.

هناك مقولة أو “لازمة” ترددها النخب القياديه الفلسطينيه وعنوانها ” لا تنازل عن الثوابت الوطنيه”…والثوابت هذه تحددت في إتفاق “أوسلو” على أساس حدود الرابع من حزيران 1967 ووفق قراري مجلس الأمن “242″ و “338″ والقدس “الشريف” الشرقيه عاصمة للدولة الفلسطينيه الموعوده مع حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينين متفق عليه ووفق المبادره العربيه الصادره عن القمة العربية عام 2002، وخلال المسيرة التفاوضيه أي منذ عشرين عاماً ونيّف ظهرت مفاهيم جديده أدخلت على مفهوم الثوابت الوطنيه، “مفهوم تبادل الأراضي” (SWAP) ومفهوم “الكتل الإستيطانية” التي فرضتها إسرائيل على أجندة المفاوضات، وما بَعْدَ بَعْدَ ذلك جاء مفهوم “المساحة الجغرافيه”، لكن الواقع الفعلي على الأرض أجهض كل شيء وأصبح الإستيطان القائم يُنهي مفهوم الثوابت الوطنيه حتى في ظل تبادل الأراضي والكتل الإستيطانية.

رغم ذلك، فمشكلة الشعب الفلسطيني العاجله في ظلِّ الوضع الحالي لم تعد مفهوم الثوابت الوطنيه، ولا الوصول لحل دائم وسلام شامل مع وجود أغلبه شعبيه وسياسية في إسرائيل لا تُعير هذا الجانب أدنى إهتمام، بل إنّ ما سُميَ بهتاناً وزوراً “الربيع العربي” جَعَلَ من النّهم الإستيطاني أكثر تسارعاً، بل إن الواقع العربي المجاور والمحيط دفع بالحكومات الإسرائيليه وبأحزابها اليمينيه المتطرفه ووسط اليمين والمركز وحتى اليسار يذهب بعيداً في أفكاره ويرى أن القضية الفلسطينيه ليست هي المركزيه وأن حلولها ليست سوى إقتصاديه بتحسين وضع السكان من جهة، ومن الجهة الأخرى إدارة الأزمة بما يؤدي للحصول على الحد الأدنى من الهدوء الأمني “وهذا أيضا لم يتم ولن يتم بدون حلول سياسيه”…إن مشكلة الشعب الفلسطيني العاجله ونخبها المنقسمه على بعضها البعض ليس في مفهوم الثوابت ولا في الإتفاق على برنامج سياسي مرحلي أو إستراتيجي، بل في وحدتها وفي شرعيتها ليس الدولية والإقليميه بل الشعبيه الفلسطينيه، منظمة التحرير الفلسطينيه لا تزال تُشكّل حبل النجاة للكل الفلسطيني، فهي إن تم دعوة مجلسها الوطني بصيغته الحاليه، يمكن أن يؤسس لبدايات جديده في تجديد الشرعيه الفلسطينيه المتآكله ويفتح الطريق نحو وضع حد للإنقسام.

عام 1988 وعندما كنا في سجن “أنصار3″ في النقب “كتسعيوت”، دخل وزير الدفاع الإسرائيلي “إسحق رابين” على خيمة رقم “1″ وفي قسم رقم “2″ وتحدث مع المعتقلين عارضاً عليهم التفاوض لوقف الإنتفاضه الأولى، جاء رد المعتقلين ومن كافة التيارات الوطنية وباللغة العبرية “تدبير إم أشف” (تكلّم مع منظمة التحرير الفلسطينية)، ولا تزال المنظمة تحمل الصفة التمثيليه والشرعيه الوحيده للشعب الفلسطيني، فلسطينياً وعربيا ودولياً، أما الإنقسام فهو في بيت السلطه الوطنية الفلسطينيه وليس في بيت المنظمة، وحركة “حماس” أصلاً كانت ترفض الدخول لمؤسسات المنظمه، وحين وافقت على الدخول، جاءت تلك الموافقه بشروط أهمها حجم تمثيلها في مؤسسات المنظمه.

النخب السياسيه الحاليه توحي للشعب الفلسطيني بأن لا إمكانيه لتجديد الشرعيه دون إنهاء الإنقسام بين الضفه وغزة، بين فتح وحماس بالأساس، في حين أن ذلك قد ينطبق على السلطه الفلسطينيه وليس على منظمة التحرير الفلسطينيه، ف “حماس” لم تكن موجوده في المنظمة حين قدم الشعب الفلسطيني آلاف التضحيات في سبيل تثبيت وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينيه للشعب الفلسطيني، ولم تدخلها لتنشق عليها كما فعلت في مناطق السلطه الفلسطينيه، لذلك فإن القياده الفلسطينيه مدعوّه للدعوة لعقد دورة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني بأعضاءه الحاليين بحيث يكون برنامج عمله الأساسي تجديد شرعية مؤسسات المنظمه وتحديد آليات نقل السلطه خوفا من أي فراغ قد يحصل، وبحيث يصبح رئيس اللجنة التنفيذيه للمنظمه قائما بأعمال رئيس السلطه الفلسطينيه في حال الفراغ لا سمح الله، وذلك لحين إجراء الإنتخابات الرئاسيه والتشريعيه، وهذا يستند بالأساس لواقع الأمر، فالمجلس المركزي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينيه هو من أنشأ السلطه الفلسطينيه وفقا لإتفاق “أوسلو”، إذاً الولاية العامة على السلطة هي للمنظمة، وبسبب من الإنقسام، من حق من أنشأ السلطه أن يتدخل لمليء الفراغ لحين الوصول لإتفاق ينهي الإنقسام.

لا يجب أن يكون الإنقسام سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب الفلسطيني والشرعيه الفلسطينيه ومنظمة التحرير الفلسطينيه الممثل الشرعي والوحيد، ولا يجب أن تنتظر الشرعيه وتجديدها نتائج الحوارات القائمه، فالشعب الفلسطيني يريد لمؤسساته الشرعيه في منظمة التحرير أن تأخذ دورها وأن تملأ أي فراغ في حال حدوثه، وهذا يتطلب تجديد الشرعيه لمؤسسات المنظمه وفقا لما هو قائم وليس وفقا لما ستكون عليه مُخرجات الحوار بن “فتح” و “حماس”.

إن المجلس الوطني الفلسطيني هو المجلس الشرعي المؤهل لمعالجة كافة القضايا الأساسية الفلسطينيه، وتحت قبته وبالإستناد لتراثه الديمقراطي والكفاحي الغني منذ تأسيسه، هو الضامن للشرعيه الوطنية الفلسطينيه وديمومتها وبما يعزز آلياتها ومضامينها، لذلك نُعيد ما قاله المعتقلين الإداريين عام 1988 لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك “إسحق رابين” (تدبير إم أشف).

http://www.maannews.net/Content.aspx?id=827119

http://samanews.com/ar/index.php?act=post&id=261305