زيارة الأقصى والقدس ما بين الشريعة والسياسة

المطلوب موقف شعبي ضاغط على الحكومات لوقف كل علاقاتها مع الاحتلال
بقلم عاطف أبو الرب *
بداية لا بد من التسليم أن دخول الأراضي الفلسطينية عامة، والقدس ومقدساته خاصة بحاجة لموافقات من سلطات الاحتلال، وهذا أمر لا نقاش فيه، فدولة الاحتلال هي من يتحكم بكل المعابر على الحدود، وهي من تسمح أو تمنع، لذلك عيب على أية جهة الإدعاء بأنها دخلت البلاد دون أية موافقات من الاحتلال.
الأمر الثاني وقبل الحديث عن تأييد الزيارات أو معارضتها، علينا أن نميز بين الحكم الشرعي، وبين المواقف السياسية، مع أنه يمكن تقاطع الحكم الشرعي مع الموقف السياسي والعكس صحيح. لكن على المفتين أن يتقوا الله في إصدار الفتاوى الشرعية من منطلقات سياسية، سواء كانت الفتوى تصب في خانة تشجيع الزيارات أو معارضتها.
أمر ثالث أرى أننا عرب ومسلمون بحاجة إليه، وهو أن يتقبل بعضنا الآخر كما هو، وأن يتفهم أن من حق الآخر الاجتهاد، ومن حق الآخر أن يفكر بطريقته، خاصة إذا ما كان تفكيره لا يتعارض مع ما جاء في كتاب الله ، وسنة المصطفى عليه السلام.
أما بخصوص الجدل الدائر حول زيارات المسؤولين والمشايخ للقدس، وما تروج له السلطة الفلسطينية من دعوات بهذا الخصوص، فلا بد أن تكون على قاعدة واضحة، وهي أن القدس تحت الاحتلال، وأن زيارتها تستدعي موافقات من الاحتلال، وأن هذا الاحتلال قد يرفض وقد يوافق، وذلك بما تمليه عليه مصلحته الصهيونية قبل كل شيء. وقبل أن يصطف الناس بين مؤيد ومعارض، على الجميع البحث في انعكاسات مثل هذه الزيارات على واقع ومستقبل القدس وفلسطين بشكل عام، فإن كانت هذه الزيارات تخدم القضية، فيمكن البحث في سبل تفعيلها، وإن كانت غير ذلك فعلينا أن نرفض الزيارات، وأن نسعى بطرق مختلفة لتأمين التواصل مع القدس وفلسطين، بصورة تحقق ما نريده من وراء هذا التواصل.
فلسطينياً أرى أن القيادة الفلسطينية في سعيها وطلبها زيارة القدس، تهدف أن تضع العرب والمسلمين في صورة ما يجري، ولكن هذا الأمر على أهيمته، يمكن أن يتحقق بعيداً عن دعوة الناس لزيارتك، في حين أنك غير قادر على تأمين وصولهم إليك من عدمه، فكل الأمر بيد الاحتلال، يعني ما قيمة أن تدعو أناس عرباً ومسلمين لزيارتك، وتقف عاجزاً عن تأمين دخولهم إليك؟ ولماذا نرضى نحن الفلسطينيين أن تكون زيارة القدس من قبل المسؤولين والوفود مرهونة بيد الاحتلال، وما قيمة هذه الزيارات، إن كان المستوى السياسي الفلسطيني غير قادر على دخول المدينة؟ وحيث أن الزيارات لها برتوكولات خاصة، وأنت كمسؤول وكسلطة غير قادر على القيام بالواجب المطلوب تجاه زوارك، إذاً فحري بنا أن لا ندعو أحد لزيارة القدس، حتى نصبح قادرين على القيام بواجب الضيافة، واعتقد أن أقل واجب للضيف أن نرافقه في بيتنا، وهنا البيت القدس. وبما أننا عاجزون عن تأمين هذه الشروط، فعلينا أن لا نشجع الناس للزيارة، وأن نترك الأمر لتقدير أصحاب الشأن، مع أنني أميل لدعوة الناس لعدم زيارة البلاد إلا وفق شروط تمليها الأمة العربية والإسلامية على الاحتلال، ودفعه للتراجع عن سياسته العنصرية تجاه شعبنا، وأن يكون ذلك أداة ضغط تساهم بسرعة تحرير البلاد.
أما عربياً، فما يدور من جدل حول زيارة مسؤول ديني أو شيخ للأقصى، واعتبار أن هذه الزيارات سقوط في حضن الصهيونية والمخابرات الإسرائيلية، فهذا فيه مغالاة وتطرف، ويجافي الحقيقة، وينطبق علينا المثل القائل ( اللي ما بقدر على الجمل بعض البردعة)، يعني الأولى أن نتحرك شعبياً للضغط على الحكومات والدول العربية والإسلامية لوقف علاقتها السياسية والاقتصادية مع دولة الاحتلال، وهذا أولى وأهم بكثير من أي أمر آخر. والحديث عن تمييز بين العلاقات الرسمية والعلاقات الشعبية، غير معقول، فما قيمة أي تحرك شعبي، إذا كانت الإرادة السياسية لشعب من الشعوب تتعامل مع الاحتلال، وتمكنه من مقدرات البلد؟ وما قيمة كل الحراك الشعبي، الذي نقدره ونحترمه، إذا لم يتمكن من إرغام نظام سياسي على وقف علاقاته مع الاحتلال؟ وهذا لا يعني أن نقول بما أن الحكومات تقيم علاقات مع الاحتلال، فنحن نسير على خطى الحكومات، حاشا لله أن أطالب بذلك، المطلوب أن لا نزور فلسطين، وأن نعمل على وقف أي علاقات للاحتلال مع دول العرب، وأن يبدأ العمل لمنع أي تمثيل سياسي أو تجاري، أو علاقات من أي نوع بين كيان الاحتلال، ودول العرب.
دينياً، عفواً أنا لست متخصصاً في التشريع، وأخشى كثيراً الحديث في أمورنا من الناحية الدينية، واعتقد أن البعض، وبكل أسف، يستخدم الدين والحكم الشرعي لتمرير موقف سياسي، وهنا الحديث عن موقف لفئة معينة دون غيرها، ومما يشعرني بالحزن، بصفتي إنسان مسلم وأعشق الإسلام، أن بعض المشايخ يسمح لنفسه بإخراج الناس من الملة، على خلفية الاختلاف في الرأي. وبخصوص زيارة القدس من قبل الشيخ الجليل علي الجفري، والمفتي علي جمعة، أرى أن الأمر أخذ منحى سياسي من قبل بعض علماء الدين، وأن مواقفهم تستند لمواقف سياسية، ولكنهم بدل أن يقدموا وجهة نظر سياسية نجدهم يصدرون أحكاماً شرعية، وهذا أمر فيه تجني على الشرع. وهنا حبذا لو وقفت هذه الفئة من المشايخ والعلماء- وإلى جانبهم عدد من الصحفيين- وطالبوا بوقف هذه الزيارات لأنها لا تخدم القضية العربية الأولى، وهي القضية الفلسطينية. اعتقد أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال، وكان أفضل من اتهام الآخرين بالسقوط وارتكاب مخالفات شرعية، وعندما نتعامل مع القضية ببعدها السياسي، يمكن الحفاظ على مساحة جيدة للحوار والالتقاء، بدلاً من الأسلوب غير اللائق بأمة محمد عليه السلام، حيث أنني سمعت الكثير من الكلام غير اللائق بحق العلماء، حتى وإن اختلفنا معهم.
وبما أن ما حصل قد حصل، فعلى الخيرين من أبناء هذه الأمة أخذ زمام المبادرة، والتحرك بسرعة للاستفادة من الحراك الحالي، لتعظيم الرفض الشعبي للاحتلال، ولتشكيل قوى ضاغطة على الحكومات لوقف كافة أشكال تعاملها مع الاحتلال، وأكثر من ذلك تشكيل أدوات ضغط على المستوى الدولي لدفع دولة الاحتلال للتراجع عن ممارساتها بجق فلسطين. هذه فرصة يمكن استثمارها بشكل صحيح، أما أن نبقى بنفس الأسلوب، فهنا سيصل بنا الأمر إلى الاختلاف والانشغال بصراعات داخلية، يستفيد منها الاحتلال.
*- صحفي مقيم في مدينة جنين

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash