لا بد من إجراءات ومواقف صارمة بحق المستثمرين في المستوطنات

عاطف أبو الرب

في الوقت الذي يسعى فيه بعض النشطون لحشد تأييد شعبي لحملاتهم الهادفة مقاطعة منتجات إسرائيلية، تظهر دراسة بحثية أن قيمة الاستثمارات الفلسطينية في إسرائيل تقدر بمئات مليارات الدولارات. ومع أن وجود علاقات تجارية بين فلسطينيين وإسرائيليين ليس بالأمر الجديد، إلا أن الغريب في الأمر تراجع قيمة الاستثمارات في الأراضي الفلسطينية، وارتفاع وتيرة الاستثمار بالشراكة مع إسرائيليين، والسؤال المطروح هنا ما قيمة الحملات التي نظمتها وزارة الاقتصاد الوطني، منها حملة أنت وضميرك؟.

ولمن لا يتذكر نقول إن الحكومة تبنت برنامج لمقاطعة منتجات المستوطنات، واعتقد أن قانوناً قد صدر بتجريم مروجي هذه المنتجات، ونظمت الحملات من قبل مؤسسات السلطة، وتم الاحتفال في مختلف المحافظات بخلوها من منتجات المستوطنات. ومع أنني غير مقتنع بقدرة الشعب الفلسطيني، ومن خلفه السلطة الفلسطينية، في هذا الظرف على الانعتاق من العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، إلا أنني من أشد المتحمسين لتعزيز ثقافة ونهج المقاطعة، لكل ما هو إسرائيلي.

على أية حال، أطرح مجموعة من التساؤلات، وسأحاول إيحاد إجابات لها. السؤال الأول، هل صحيح أن حجم الاستثمار الفلسطيني في المستوطنات، علماً أن كل إسرائيل مستوطنات،؟  قد يقول البعض نعم، لدينا استثمارات بهذا القدر أو يزيد، وقد يقول البعض هناك مبالغة في الرقم. ومهما كانت الإجابة فإن مجرد وجود استثمار فلسطيني داخل المستوطنات يعني تجاوز لكل القيم والثوابت الفلسطينية، وتخلي عن أبسط الحقوق، حيث أن الدول بشكل عام تقدم كل التسهيلات في سبيل جلب استثمارات خارجية، والسلطة الفلسطينية لم تكف عن مطالبة الآخرين بالاستثمار في مناطق السلطة، والأجدر برأس المال الفلسطيني أن يستثمر في مناطق السلطة، الأجدر أن يستفيد المستثمر الفلسطيني من التسهيلات التي تقدمها السلطة. ولا يعقل في ذات الوقت أن نستثمر هذه المبالغ الطائلة في إسرائيل، وفي بعض الحالات دون حصول المستثمر الفلسطيني على أي امتياز، ودون أن يكون لهذا الاستثمار أي مردود وطني على الاقتصاد الفلسطيني.

السؤال الثاني هل هذا الاستثمار دون علم السلطة، أم أن هناك أطراف فلسطينية تعرف حقيقة ما يدور؟ والجواب هنا ليس له سوى احتمالين، فإما أن تكون السلطة، وهي توافق على ما يجري، وهنا لا بد من توضيح موقف السلطة، ولماذا تصمت على مثل هذه الاستثمارات، وإن كانت غير موافقة، وهذا أمر ممكن، فلا بد من فضح هذه المجموعة من المستثمرين، ومحاصرتها محلياً، وفضح نشاطها المشبوه في المحيط العربي، ليدفع هؤلاء فاتورة باهظة لتجاوازتهم الثوابت الوطنية. وقد يقول قائل إن السلطة تفاجأت بهذه المعلومات، وأنها لم تكن تدري بوجود استثمارات فلسطينية في المستوطنات الإسرائيلية، ومع أن البعض يتمنى أن تعلن السلطة مثل هذا الموقف، ولكنها في الحالة هذه لا تستحق أن تكون سلطة، لأنها غير قادرة على مراقبة ما يجري في محيطها، لا بل غير قادرة على معرفة نششاطات رعاياها، فهل ستكون السلطة قادرة على بناء اقتصاد، ومؤسسات؟

وحتى لا نبقى في إطار فرض الاحتمالات، فلا بد من تحرك جدي، تحرك يستند على قاعدة تجريم الاستثمار في المستوطنات، وسن قوانين تجرم كل مستثمر فلسطيني يستثمر أمواله في هذه المستوطنات، وهنا ليس مهماً أين تقع هذه المستوطنات، سواء كانت في الأراضي المحتلة عام 1948، أم تلك المحتلة عام 1967. هذا إلى جانب وبموازاة تشكيل لجنة تحقيق رسمية، يتم تكليفها باستدعاء، واستجواب أي من الأسماء الواردة في التقارير. حيث لا بد من محاسبة هذه المجموعات من عدة جوانب، الجانب الأول مخالفة قواعد العمل السياسي، وخرق قرار مقاطعة المستوطنات، حيث أن الاستثمار في هذه المستوطنات أشد فتكاً ترويج منتجاتها.

ومما يزيد من فظاعة الاستثمار في الكيان الإسرائيلي، أن إسرائيل ماضية في فرض القيود على الاقتصاد الفلسطيني، فما تلبث أن تنتهي من إجراء اقتصادي بحق السلطة والشعب الفلسطيني، حتى تطل علينا بعقوبات اقتصادية، وتحتجز أموال الضرائب الفلسطينية، وكل ذلك لتحطيم الاقتصاد الفلسطيني، ومنع إمكانية قيام دولة فلسطينية. حيث أن أقل ما يمكن فعله معاملة إسرائيل بالمثل، صحيح أننا لسنا في موقف يمكننا من احتجاز أموال لإسرائيل، وصحيح أنه ليس بإمكاننا فرض قيود على الاقتصاد الإسرائيلي، وصحيح أننا بحاجة لموافقات إسرائيلية، لكننا حتماً غير ملزمين بالاستثمار المشترك معهم، وفي المستوطنات، وبلدنا أحق بأموالنا واستثماراتنا.

ومما يزيد غرابة موقف المستثمرين أن إسرائيل تسعى لفرض قيود على المشروع الوطني الفلسطيني، وتسعى بكل ما لديها من وسائل ضغط لمنع قيام دولة فلسطينية، ومن وجهة نظري أرى أن مشاركة فلسطنييين في مشاريع مشتركة مع مستوطنين، بمثابة مباركة لما تقوم به إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني من إجراءات عقابية. وعليه فإن أقل ما يمكن فعله مباشرة إجراءات بحق هذه المجموعة من المستثمرين، ومراجعتها، وتوجيهها نحو الاستثمار في الأراضي الفلسطينية، ومن يصر على موقفه بالاستثمار في المستوطنات، فلا بد من إجراءات عقابية، من خلال فضحه، على مستوى الشارع الفلسطيني والعربي، بما يجعله عنصر غير مرغوب به في النسيج الفلسطيني.

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash