المخيمات الفلسطينية في لبنان نقطة سوداء في العلاقة الفلسطينية اللبنانية

بقلم/محمد أبو علان:

عندما بث تلفزيون فلسطين برنامج “أرزه وزيتونة” من مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان  طيلة شهر رمضان المبارك، وظهر خلال البرنامج تواضع معلومات اللاجئين الفلسطينيين بالتاريخ والجغرافيا الفلسطينية ثارت ثائرة الكثيرين منا لدرجة أن البعض اقتنع بصدق المقولة الإسرائيلية القائلة: ” الكبار يموتون والصغار ينسون”.

ولكن من يشاهد  واقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء في لبنان يجد لهم العذر  حتى لو  غاب اسم فلسطين عن ذاكرتهم بالمطلق، فعندما يفتقد الإنسان لأبسط ظروف الحياة الإنسانية، ويشعر بتناسي معاناته من ذوي الشأن علينا عدم لومه حتى لو نسي حتى أصله وفصله.

 فما أن تدخل لمخيمات صبرا وشاتيلا حتى ترى حجم المعاناة وانعدام الكرامة الإنسانية فيها، عشرات الشبان والأطفال يتجولون في أزقة المخيمات على غير هدى، ترى في وجوههم البؤس والمعاناة وفقدان الأمل،  عماد شاب فلسطيني يسكن في مخيم عين الحلوة، تطوع لمرافقتي في زيارة مخيمي صبرا وشاتيلا ، وهو يعمل في إحدى المؤسسات الراعية للأطفال في مخيم شاتيلا، قال لي “أنظر شباب تعيش بلا أمل، وأصعب ما في الحياة أن تجد الإنسان يعيش بدون أمل، حينها يكون مستعد لعمل أي شيء”، وتحدث مرافقي كذلك عن نسبة تسرب عالية للطلبة حتى في مرحلة الصفوف الدنيا، وعن اكتظاظ هائل في الصفوف الدراسية، فكيف يمكن أن يخرج هذا الواقع طلبة متعلمين وواعين بواقع قضيتهم؟.

بيوت مكتظة، لا زال أثر الرصاص من الحروب المتتالية بادي على جدرانها الخارجية، تغطي شرفاتها قطع من القماش المقوى لتستر البيوت عوضاً عن شبابيك الألمونيوم أو الحديد التي لا يعرفها سكان المخيم لارتفاع تكلفتها بالنسبة لمستوى معيشتهم كما قال لي الشاب عماد.

 سراديب المخيم والتي تسمى عبثاً طرق وممرات تغزوها رائحة الرطوبة، وتستقر في بعضها المياه الآسنة، وضيقها لا يُمكنك من السير إلى جانب من يرافقك، فعليكما أن تسيرا واحداً تلو الآخر لتتمكنا من المرور بيسر وسهولة، بيوت متقاربة لدرجة تفقد البيوت والساكنين فيها خصوصية حياتهم اليومية.

مقبرة الشهداء في مخيم شاتيلا كانت إحدى محطات الزيارة للمخيم، وهي عبارة عن قبر جماعي لعشرات الشهداء في الطابق السفلي لمسجد المخيم، قائمة أسماء الشهداء كتبت بعناية على جدران المقبرة، وصور الشهداء علقت على جدران المقبرة، كلهم شبان في مقتبل العمر، للوهلة الأولى اعتقدت أن المقبرة تحوى رفات شهداء المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي مع عملائه  من الكتائب اللبنانية المسلحة ضد سكان مخيمي صبرا وشاتيلا في العام 1982، ولكن تبين أن هؤلاء الشهداء سقطوا بأيدي عربية مسلمة، سقطوا في الحرب التي شنتها حركة أمل ضد المخيمات الفلسطينية في العام 1985، ففي لبنان كثرٌ من ساهموا في مجازر ضد اللاجئين الفلسطينيين قبل الاحتلال الإسرائيلي وخلاله ومن بعده.

وصفة اللجوء في مخيمات صبرا وشاتيلا لم تعد خاصية مقتصرة على الفلسطينيين وحدهم، فبات فيها اللبنانيين والسوريين والسودانيين والنَوَرْ، ففي أثناء المسير في أزقة المخيم مررنا على مجموعة من النسوة غطى الوشم ذقونهن،  ويفترشن أزقة المخيم،  ويتحدثن بلغة لم أفهمها، وعند استفساري عن هويتهن تبن أنهن من “النَوَرْ”.

من هو المسؤول عن هذا الواقع المرير والبائس الذي يعيشه سكان مخيمي صبرا وشاتيلا وباقي مخيمات اللجوء في لبنان؟، الحكومة اللبنانية، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالتأكيد من أولى الجهات المسؤولة عن هذا الواقع لكنها ليست الوحيدة، فأين منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لهؤلاء اللاجئين من هذا الواقع؟، وما هو دور السفارة الفلسطينية في لبنان في هذا الموضوع؟، ولماذا السكوت عن هذا الحال، وإلى متى؟.

وأين هو مستوى العلاقات الفلسطينية اللبنانية المتطور الذي يشيد فيه كل مسؤول فلسطيني تطأ قدماه أرض لبنان في ظل هذا الحال للاجئين الفلسطينيين في المخيمات؟، إلا إذا كانت المخيمات الفلسطينية وواقعها المر خارج سياق العلاقة الفلسطينية اللبنانية الرسمية، وحالها لم يعد يعني أحد من صناع القرار الفلسطيني.

الكل يدرك أن الحديث يدور عن أرض لبنانية، ومن يعيش على هذه الأرض عليه الالتزام بقوانين الدولة اللبنانية وسياستها، ولكن أن يكون للفلسطيني كرامة واحترام، وحياة طبيعية في لبنان كما يعيش بقية البشر لحين تحقيق حل سياسي عادل لقضية اللاجئين لا يتعارض مع قوانين الدولة اللبنانية، ولا يمس سيادتها وسلطتها، واستمرار هذا الواقع هو الذي يساعد في إيجاد ظواهر وممارسات سلبية قد تمس سيادة واستقرار الدولة اللبنانية.

 لا أحد يستطيع أن يفهم  سر منع الفلسطيني من العمل في ما يقارب (80) مهنة في لبنان، في الوقت الذي ترى الفلبيني والسوري والسوداني يعملون في لبنان بطريقة أو بأخرى، واستخدم حجة  محاربة عملية التوطين لم تعد مبرر مقنع لأحد، ولا اعتقد أن فلسطيني واحد يفكر في التوطن في لبنان أن وجد حل سياسي وفق ما نصت عليه المواثيق الدولية، لا بل باتت هذه الحجة كلمة حق يراد بها باطل،  فتهجير الفلسطيني من لبنان إلى غير عودة هو الهدف الأول والأخير من تكريس هذا الواقع المعيشي  المر لسكان  المخيمات الفلسطينية في لبنان، ناهيك عن خضوع  حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لأجندة القوى السياسية اللبنانية وارتباطها الدولية والإقليمية، وما الجدل السائد هذه الأيام حول إقرار قانون يتعلق بالحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان، وعمليات التعطيل له إلا دليل واضح على سعي بعض الجهات اللبنانية للتضييق أكثر وأكثر على الفلسطينيين في لبنان.

moh-abuallan@hotmail.com

http://blog.amin.org/yafa1948

 

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash