مؤسسة الحق: تحليل قانوني للأوامر العسكرية الإسرائيلية

1649 و 1650: الترحيل والنقل القسري كجرائم دولية 

المرجع: 61/2010 

بتاريخ 13/04/2010 دخل الأمر العسكري رقم 1649 “بشأن الإجراءات الأمنية”، والأمر العسكري رقم 1650 “بشأن منع التسلل”، والصادرة عن القائد العسكري العام لقيادة المنطقة الوسطى لقوات الاحتلال الإسرائيلي، حيّز النفاذ.[1] يوسّع هذان الأمران العسكريان بشكل دراماتيكي نطاق التعريف الحالي لـمصطلح “الـتسلل” في الضفة الغربية المحتلة، كما يجرمان ويُخضعان للترحيل كل الأشخاص الموجودين فيها. وإذا ما تم تطبيقهما، فإن من شأن هذان الأمران أن يسهلا الترحيل الجماعي أو النقل القسري لمواطنين فلسطينيين وغيرهم من الأشخاص المحميين من الضفة الغربية، وذلك في انتهاك واضح للقانون الدولي.

تقدّم هذه الورقة تحليلاً لنصوص هذين الأمرين العسكريين ذاتهما، كما تقدم مراجعةً للسياق العام لنظام الأوامر العسكرية الذي يأتيا كجزء منه. كما تنظر في الكيفية التي قد يتم فيها توظيف التهديد بالسجن أو الإبعاد في استهداف مجموعات معينة من الأشخاص المحميين في الضفة الغربية. وتقدّم الورقة تحليلاً لمحتوى هذه الأوامر العسكرية وكذلك حظر الإبعاد والنقل القسري بالرجوع إلى القانون الدولي.

تحليل للأوامر العسكرية: كل الأشخاص المتواجدين في الضفة الغربية هم “متسللون”

تعريف التسلل

يعدِّل الأمر العسكري رقم 1650 الأمر العسكري السابق رقم 329 “بشأن منع التسلل”، والذي كان قد أصدر في العام 1969. ووفقاً لذلك الأمر العسكري، فإن المتسلل كان يعتبر أي شخص دخل إلى الضفة الغربية من الأردن أو سوريا أو لبنان أو مصر بدون تصريح من القائد العسكري للمنطقة، أو بقي في المنطقة بعد انتهاء تصريحه. وكان الهدف من هذا الأمر في الأساس هو منع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، ومنع المقاتلين المسلحين من دخول الأراضي المحتلة. كما تم تعريف “الدخول غير القانوني” إلي المنطقة بشكل يقوم على الإشارة إلى عكسه، أي على مصطلح الدخول القانوني، والذي كان يعني دخول المنطقة “بناءً على تصريح من القائد العسكري”. واشتمل العقاب على التسلل على السجن أو الغرامة، مع إمكانية الإبعاد.

يوسع الأمر العسكري 1650 الذي صدر مؤخراً تعريف التسلل بشكل جذري، ليشمل كل الأشخاص الذين (أ) يدخلون المنطقة “بشكلٌ غير قانوني، و (ب) أولئك الموجودون في المنطقة بدون أن يكون بحوزتهم تصريح قانوني. ويعرَّف التصريح على أنه:

“وثيقة أو تصريح صادر عن قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي أو أي شخص يتصرف بالنيابة عنه وفقاً لأحكام التشريعات الأمنية، أو صادر عن السلطات في دولة إسرائيل بموجب قانون الدخول إلى إسرائيل… والتي تسمح بوجود الشخص في المنطقة”".

هذا التعريف الجديد لـ “التصريح” غامض جداً، ويبدو أن أي قراءة تقنية له تستثني بطاقات الهوية الفلسطينية من نطاق الوثائق التي يمكن اعتبارها تصاريح بموجب الأمر العسكري، حيث أن بطاقات الهوية الفلسطينية، وعلى الرغم من أن إسرائيل تقرّها في نهاية المطاف، هي في الواقع وثائق تصدرها السلطة الفلسطينية وفقاً لأحكام الاتفاقيات المؤقتة بين إسرائيل والفلسطينيين، وبالتالي فهي لا تفي بمتطلبات هذا التعريف. كما يبدو أن “الوثيقة القانونية أو التصريح القانوني” الذي يسمح بموجبها لأي شخص بالوجود في المنطقة، كما هو مشارٌ إليها أعلاه، لا تتضمن بطاقات الهوية الفلسطينية.

ومن المهم الإشارة إلى أن الأمر العسكري يحذف تعريف الأشخاص “المقيمين في المنطقة”، كما يفشل في إعادة وضع تعريف لهذا المصطلح، حيث كان في السابق على أي شخص لا يحمل وثائق تثبت أنه من سكان المنطقة أن يثبت أنه ليس متسللاً. وعليه فقد كان هناك افتراض بأن الأشخاص الذين بحوزتهم وثائق إقامة ليسوا متسللين. وبالتناقض مع ذلك فإن الأمر العسكري الجديد لا يتضمن أية أحكام من هذا القبيل، حيث أن القسم 5 منه، والذي يحدد أولئك الأشخاص الذين يفترض أنهم متسللون، ينص على أنه “يعتبر الشخص متسللاً إذا كان موجوداً في المنطقة بدون وثيقة أو تصريح يثبت أن وجوده قانوني في المنطقة ومن دون مبرر معقول”. وبعبارة أخرى، فإن جميع الأشخاص المتواجدون في الضفة الغربية يمكن اعتبارهم متسللين، بصرف النظر عما إذا كانوا فلسطينيون ممن يحملون بطاقة هوية تحدد مكانتهم كمقيمين دائمين في الضفة الغربية.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الأمر العسكري الجديد يجرّم الأشخاص الذين يعتبرون متسللين، وبينما كان يمكن ترحيل المتسلل حسب الأمر العسكري القديم، فإنه وفقاً للأمر العسكري الجديد لا يمكن أن يتم ترحيله فحسب، بل ويمكن أيضاً الحكم عليه بالسجن لمدة قد تصل إلى سبع سنوات إذا كان قد دخل المنطقة بصورة غير قانونية، وبالسجن لمدة ثلاث سنوات إذا كان موجوداً في المنطقة بدون تصريح قانوني.

إن مصطلح “تسلل” غامضٌ ويسبب الالتباس، ولكن قراءةً حرفيةً له تجعله يشمل جميع الأشخاض الموجودين في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك أولئك الذين وُلدوا ويقيمون فيها بشكل قانوني. ولا يقتصر مفهوم التسلل على الأشخاص الذين دخلوا المنطقة بصورة غير قانونية أو لديهم تصاريح دخول منتهية الصلاحية فحسب، ولكن على كل الأشخاص الموجودين في الضفة الغربية سواءً من دخلوا المنطقة أو كانوا موجودون فيها طوال حياتهم. وبذلك، فوفقاً لهذا التعريف الجديد يمكن تجريم وجود جميع سكان الضفة الغربية الحاليين، وكذلك إخضاعهم جميعاً لاحتمال إبعادهم عنها.

تعسف الأمر العسكري

وبالإضافة إلى ما سبق فإن الأمر العسكري الجديد يزيل أي تعريف لمصطلح “قانوني”، وبالتالي يترك معنى “دخول غير قانوني” مبهماً ويمكن أن يشمل ظروفاً أخرى تتجاوز شرط الحصول على تصريح الدخول الصحيح. كما أن الأمر العسكري يسمح بالتعسف، وذلك بسبب نصه على أنه يفترض أن المتسللين هم أولئك الأشخاص الموجودين في المنطقة بدون “التصريح اللازم” وبدون “مبرر معقول”. إن تضمين الأمر العسكري لاستثناء الـ “مبرر المعقول”، بدون تقديم أي تعريف له، يسمح للقائد العسكري بتطبيقه حسب ما يلائمة سياسياً.

غياب الرقابة القضائية

وأخيراً، فإن الآليات المتاحة للاعتراض على أوامر الإبعاد غير ملائمة، حيث تم إنشاء لجنة وفقاً للأمر العسكري

1649 للرقابة على عمليات الترحيل. بيد أن الأشخاص الذين يخضعون لأوامر الإبعاد لا يمكنهم أن يبادروا إلى الاستئناف أمام اللجنة، وعوضاً عن ذلك يفترض أن يتم عرضهم على اللجنة خلال ثمانية أيام من تاريخ استلامهم لقرار الإبعاد، حيث يمكن الاستماع إلى اعتراضاتهم في هذه المرحلة. وفي نفس الوقت يسمح الأمر للقائد العسكري بإبعاد أي أشخاص خلال اثنتين وسبعين ساعة، وبالتالي فإنه من الممكن تماماً أن يتم إبعاد أشخاص دون أن تكون قد أتيحت لهم الفرصة للاعتراض على الإبعاد أمام اللجنة. وعلى أي حال فإن هذه اللجنة تتألف من قضاة عسكريين يعينهم قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي – أي نفس الجهة التي تصدر أوامر الإبعاد في الأساس. وليس الواضح إلى أي مدى سيكون اختصاص المحكمة الإسرائيلية العليا الأصلي للنظر في المراجعات القضائية المتعلقة بأوامر الترحيل متاحاً بالنظر إلى احتمال اعتبار اللجنة آلية “إنصاف بديلة”. وحتى في حالة كون الاستئناف إلى المحكمة العليا متاحاً، فإن للمحكمة تاريخ، على الأقل فيما يتعلق بحالات الإبعاد، من قبول محاججات الجيش الإسرائيلي من دون تدقيق ملائم فيها.

مراجعة لنظام التصاريح الحالي في الضفة الغربية

الأمر العسكري ونظام التصاريح

من المهم أن نفهم أن الأوامر العسكرية الجديدة، وإن كانت غير مسبوقة من حيث نطاقها، ليست جديدة من حيث فرضها قيوداً على حياة الفلسطينيين. وهي تأتي كجزء من نظام قائم من الأوامر العسكرية يهدف ومنذ بدء الاحتلال إلى تقييد الوجود “القانوني” للفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث فرض على الأشخاص الحصول على تصاريح لكي يتمكنوا من الوجود في بعض المناطق، أو للانتقال بين المناطق المختلفة. كما أن إصدار بطاقات الهوية، وبينما هو متعلق أساساً بحقوق الإقامة في الأرض الفلسطينية المحتلة، متداخل مع ممارسة متبّعة تتمثل في تقييد الوجود في هذه المناطق وحرية التنقل فيها.

ومنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، تعرض أكثر من 150000 فلسطيني لسحب بطاقات هوياتهم، الأمر الذي أفقدهم أية مكانة تعترف بها اسرائيل للدخول إلى أو العيش في الأرض الفلسطينية المحتلة.[2] وقد اتخذت عملية سحب بطاقات الهوية أشكال كثيرة ومتنوعة، حيث فقد آلاف من الفلسطينيين مكانتهم القانونية بسبب قضائهم فترات من الوقت في الزيارة، أو الدراسة، أو العمل في الخارج. كما نجم عن تطبيق إسرائيل لتغييرات إدارية تعسفية أحادية الجانب سحب لبطاقات الهوية من أولئك الفلسطينيون، الذين منذئذٍ كان عليهم التقدم بطلبات “جمع شمل الأسرة”، التي تسيطر عليها إسرائيل من أجل الحصول على تصريح بالعودة إلى منازلهم وأماكن ولادتهم. وقد تعرض مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الإقصاء عن وطنهم عبر هذه العملية. وعلى سبيل المثال، إذا حصل أحد سكان القدس الشرقية الفلسطينيون على جواز سفر من دولة أخرى، كالولايات المتحدة مثلاً، فسوف يتم سحب هويته التي أصدرتها إسرائيل، وبالتالي حرمانه من أية مكانة “كمقيم” في القدس.
وعلى النقيض من ذلك، يمكن للاسرائيليين أن يحملوا جنسيات لدول متعددة دون أن يفقدوا أيّ من حقوقهم للعيش في إسرائيل. إن الهدف السياسي من وراء مثل هذه الإجراءات الإدارية التمييزية، وكما هو الحال مع الأوامر العسكرية الجديدة أيضاً، هو العمل على تخفيض عدد السكان الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة في الوقت الذي يتم فيه زيادة عدد السكان الإسرائيليين. وعلى أية حال، فإنه حتى عندما يتم منح الفلسطينيين بطاقات هوية أو تصاريح للإقامة في أرضهم، فإن هذه الوثائق تمنحهم حق الإقامة لمدة تقتصر على مدة صلاحية هذه الوثيقة، مع عدم الاعتراف بالضفة الغربية أو قطاع غزة كوطن دائم لهم، أو بأي مكانة تقترب حتى من المواطنة. يجب قراءة هذه الأوامر العسكرية الجديدة في هذا السياق من الاستبعاد، وغياب الجنسية، والتمييز.

 

نظام التصاريح في الأرض الفلسطينية المحتلة

منذ بداية الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، تم إصدار أوامر عسكرية تعلن عن قطاع غزة والضفة الغربية مناطق عسكرية مغلقة، وبالتالي تطلب من سكانها الفلسطينيين الحصول على تصاريح خاصة لدخول مناطق معينة. وعلى سبيل المثال، يجب على الفلسطينيين أن يحصلوا على تصاريح لدخول القدس الشرقية، ووادي الأردن، وبعض المناطق خلف جدار الضم – ما يعرف بـ”المناطق الواقعة بين الجدار والخط الأخضر (seam zone) ” – وكذلك من أجل التنقل بين غزة والضفة الغربية، وحتى أن هناك تصاريح مطلوبة لدخول المنطقة (ج)، ورغم أن هذا الشرط لا يطبّق في كثير من الأحيان، إلا أنه لا يزال يشكّل أحد الصلاحيات التعسفية لقوات الاحتلال الإسرائيلي.

ويخلق نظام التصاريح حالة متواصلة من عدم اليقين فيما يتعلق بحرية الحركة لأنه يطبّق بشكل انتقائي وغير متسق. وفي أوقات “التصعيد الأمني” يتم تطبيقه بشكله الكامل، ما يسبب حالة من الشلل تصيب المجتمع الفلسطيني. وخلال الانتفاضة الثانية على سبيل المثال، طُلب من الفلسطينيين حيازة تصاريح للسفر حتى بين المدن داخل الضفة الغربية، بينما في أحيان أخرى يتم فرض هذه الشروط بشكل أكثر مرونة، ليجد الفلسطينيون أن بإمكانهم السفر إلى عديد من المناطق في الأرض الفلسطينية المحتلة دون عوائق، ولكن ليس بدون الخوف من التعرض للاعتقال.

بطاقات الهوية

إن إصدار بطاقات الهوية، وفي الوقت الذي يتعلق فيه أساساً بحقوق الإقامة، يؤثر أيضاً على حرية الحركة وعلى قدرة الفلسطينيين على أن يتواجدوا في مناطق معينة من الأرض الفلسطينية المحتلة بشكل قانوني. وقد جاء نظام بطاقات الهوية إلى الوجود نتيجةً لأمرٍ عسكري صدر بعد وقت قصير من بداية الاحتلال، وفرض على جميع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة أن يحصلوا على بطاقات هوية تصدرها إسرائيل كشرط لإقامتهم الدائمة فيها. ومع ذلك فقد تم تحديد الأشخاص الذين سيمنحوا بطاقات هوية بناءً على تعداد سكاني أجرته السلطات الإسرائيلية في بداية الاحتلال، حيث تضمن التعداد أسماء جميع الأشخاص الذين كانوا موجودين في الأرض الفلسطينية المحتلة في ذلك الوقت، ولكنه استبعد أولئك الذين فروا إلى الدول المجاورة نتيجة للحرب، وأولئك الذين تصادف أنهم كانوا يعيشون في بلدان أخرى في ذلك الوقت.[3]

ولاحقاً للاتفاقيات الإسرائيلية-الفلسطينية المؤقتة في العام 1995، انتقلت المسؤولية عن السجل السكاني – الذي نشأ نتيجة التعداد المذكور أعلاه – ظاهرياً إلى السلطة الفلسطينية، غيرأن منح الإقامة الدائمة بقي مشروطاً بموافقة مسبقة من إسرائيل.[4] وبينما كان بإمكان السلطة الفلسطينية إجراء تغييرات على السجل السكاني إلا أنه ليس هناك ما يضمن أن اسرائيل ستجري نفس التغييرات على نسختها من هذا السجل. وحيث أن الجيش الاسرائيلي يعتمد على النسخة الاسرائيلية من السجل في تحديد مكانة الأشخاص الموجودين في الضفة الغربية، فإن التغيرات التي يجريها الجانب الفلسطيني على السجل لن تُترجم بالضرورة إلى منح حقوق للأشخاص على الأرض، وستتضح أهمية ذلك بالنسبة للأشخاص المسجلين بعناوين في قطاع غزة  في القسم التالي.

فقد وظّفت إسرائيل عملياً بطاقات الهوية وتنظيم الإقامة في الأرض الفلسطينية المحتلة لفرض قيود “قانونية” –وفقاً للشروط الإسرائيلية – على وجود الفلسطينيين وحرية حركتهم داخل الأرض الفلسطينية المحتلة. ففي الأوقات التي يتم فيها فرض نظام التصاريح بشكلٍ صارم، فإن بطاقات الهوية تقصر قانونية وجود حاملها في منطقة يحددها العنوان المسجل فيها فقط. لذلك فقد وجد الفلسطينيون أنفسهم خلال الانتفاضة الثانية في أغلب الأحيان محصورين في المنطقة المسجلة في بطاقة الهوية الخاصة بهم، وبالتالي لم يتمكنوا من التنقل خارجها إلى أجزاء أخرى من الضفة الغربية دون تصريح خاص. وبالمثل، فإن الأشخاص الذين يسكنون في الضفة الغربية ولكن تحمل بطاقات هويتهم عناوين غزة لا يسمح لهم قانوناً – وفقاً للسلطات الإسرائيلية – أن يكونوا في الضفة الغربية بدون تصريح إضافي.

وهكذا فإن الأوامر العسكرية الجديدة، وفي حين أنها توسع مفهوم التسلل بشكل كبير وغير مسبوق، فإنها تكمل نظام التشريعات العسكرية القائم الذي يضع قيوداً واسعة على قدرة الفلسطينيين على الإقامة والتنقل داخل الأرض الفلسطينية المحتلة. وإذا نظرنا إليها في هذا السياق، فسيكون من الممكن الوصول إلى فهم أفضل للطريقة التي يُرجح أن تطبق فيها هذه الأوامر العسكرية، وكذلك للمجموعات التي يُرجح أن تتضرر منها.

المجموعات التي يُرجح أن تستهدف بالإبعاد بموجب الأمر العسكري الجديد

صرّح متحدث إسرائيلي أن الأمر العسكري 1650 “لا يُقصد به أن يتم تطبيقه على الإسرائيليين، وإنما على من هم متواجدون بصورة غير قانونية في يهودا والسامرة”[5]، وأنه يتعلق بـ “إجراءات ترحيل الفلسطينيين المتواجدين في الضفة الغربية بصورة غير قانونية”[6]. وبحسب تصريح للوزير حسين للشيخ، وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية، فقد صرًح مسؤولون إسرائيليون له أن الأوامر ستقيّد دخول “الأجانب” إلى الضفة الغربية، والذين لا تعتبر تأشيراتهم تصاريح لدخول الضفة الغربية.[7] وبينما تفضي قراءة الأمر العسكري قراءةً حرفية إلى إمكانية تطبيقه على جميع الأشخاص، فإنه يبدو أن عدد من المجموعات تعتبر أكثر عرضةً للخطر من غيرها، ومنها:

سكان قطاع غزة  الذين يعيشون في الضفة الغربية

أكثر المجموعات عرضةً للخطر تضم آلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية ولكنهم مسجلون في سجل السكان الفلسطيني بعناوين في قطاع غزة. كثير من هؤلاء ولدوا في الضفة الغربية، أو عاشوا فيها لسنوات مع أسرهم. وكما هو مذكور أعلاه، فعلى الرغم من أن السلطة الفلسطينية تحتفظ بالسجل السكاني وتقوم بتحديثه، فإن لإسرائيل سلطة الموافقة النهائية على أية تغييرات تجرى عليه. وفي العام 2000 جمّدت إسرائيل إحداث أية تغييرات على نسختها من السجل السكاني، مما يعني أنها لم تعد تعترف بأية تغييرات أدخلها الفلسطينيين على عناوينهم من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. وفي العام 2007 شرعت إسرائيل بتطبيق سياسة يتعين بموجبها على جميع “سكان” قطاع غزة (أي أولئك المسجلين بعناوين في غزة) الحصول عل تصاريح للبقاء في الضفة الغربية. هذه السياسة هي في الأساس قرار إسرائيلي داخلي، حيث لم تنشر على الملآ أبداً، كما أنها لا تستند إلى أي تشريع محدد.

إن عملية الحصول على مثل هذا التصريح هي مسألة صعبة للغاية، حيث أنه يجب على مقدمي الطلبات إثبات أنهم عاشوا في الضفة الغربية لمدة ثماني سنوات متواصلة، وأنهم متزوجون ولديهم أطفال، ولديهم موافقة أمنية وسياسية، وتنطبق عليهم شروطاً “إنسانية” إضافية. ونتيجة لذلك تم رفض العديد من طلبات الحصول على تصاريح، وتم ترحيل مئات الأشخاص بالفعل إلى غزة. [8]

ويُحتمل أن يكون الأمر العسكري الذي صدر مؤخراً سيساهم في إضفاء طابعاً رسمياً على هذه العملية، التي كانت قد بدأت بالفعل، والقاضية بترحيل الفلسطينيين المسجلين بعناوين في قطاع غزة من الضفة الغربية إلى غزة، وأنه وفي سياق أوسع من القيود الشديدة المفروضة بالفعل على حرية التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن الغرض من الأمر العسكري هو تعزيز السياسة الإسرائيلية المتمثلة في فصل قطاع غزة وسكانه عن الضفة الغربية.

أزواج وزوجات فلسطينيي الضفة الغربية الذين يحملون جوازات سفر أجنبية

وتتمثل إحدى الفئات الأخرى من الأشخاص المعرضين للخطر في أزواج وزوجات الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية ويحملون جوازات سفر أجنبية. كثير من هؤلاء هم فلسطينيو الأصل، ولكنهم كانوا قد عاشوا في بلدان أخرى، أو كانوا قد استبعدوا من التعداد السكاني الذي أجري عند بداية الاحتلال، وينتظرون نتائج البت في طلبات جمع شمل الأسرة التي تقدموا بها. ففي العام 2000 جمّدت إسرائيل النظر في جميع طلبات جمع شمل الأسر، ونتيجة لذلك لم يتمكن آلاف من الأشخاص من تسوية أوضاعهم في الضفة الغربية، وقد أدى ذلك إلى خلق حالة مستمرة من عدم اليقين تردع كثير من سكان الضفة الغربية حتى من محاولة الإقدام على الزواج من غير المقيمين في الضفة الغربية، أو بإحضار أزواجهم وزوجاتهم للعيش معهم في الضفة الغربية. كما حدا ذلك أيضاً ببعض الفلسطينيين إلى مغادرة الضفة الغربية للعيش في بلدان حيث يتمتع فيها أزواجهم أو زوجاتهم بإقامة قانونية. وفي العام 2007 ونتيجة لضغط سياسي وقانوني، قامت السلطات الإسرائيلية بإنجاز عدد محدود من حالات جمع الشمل، ولكن كثير منها بقيت معلّقة. وبقي بالتالي آلاف من الزوار “الأجانب” في موقف متزعزع يتمثل بعدم تمتعهم بأي مكانة قانونية في الضفة الغربية. وقد يكون ترحيلهم أحد المقاصد من وراء هذه الأوامر.

الأجانب

وأخيراً، وكما صرحت وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية، فقد يكون حاملي جوازات السفر الأجنبية الذين لديهم تأشيرات سفر سياحية ويزورون أو يعملون في الضفة الغربية في خطر. وفي الواقع فقد تكون الأوامر العسكرية الجديدة جزءاً من استراتيجية دائمة تسعى إلى ضمان عدم قدرة الموظفين الأجانب في المنظمات الدولية والمدافعين عن حقوق الإنسان على دخول الضفة الغربية أو البقاء فيها. وقد كانت هناك مؤخراً عدة سياسات إسرائيلية أخرى ترمي إلى الحد من الوجود الدولي في الضفة الغربية، على سبيل المثال إصدار ” تأشيرات سياحية صالحة في مناطق السلطة الفلسطينية فقط”، وتأشيرات سياحية بدلاً من تأشيرات عمل للعاملين الأجانب في المنظمات غير الحكومية العاملة في الضفة الغربية. وبالإضافة إلى ذلك فقد تم اعتقال كثير من نشطاء حركة التضامن الدولية من منازلهم في الضفة الغربية، وإصدار قرارات إبعاد بحقهم خلال الأشهر الأخيرة. إن للقيود المفروضة على قدرة المواطنين الأجانب، ولا سيما أولئك الذين يدعمون السكان المدنيين الفلسطينيين من خلال العمل الإغاثي أو أنشطة التضامن، على زيارة الضفة الغربية والبقاء فيها آثار عديدة. فهي تحد من قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على المدى الطويل على مجابهة الاحتلال بفعالية، وعلى الحفاظ على علاقاته مع العالم الخارجي وتطويرها. إن لمثل هذه العلاقات، ولا سيما في ظل الاحتلال العسكري طويل الأمد، أهمية حيوية لقدرة السكان على البقاء والصمود.

القانون الدولي: الانتهاكات الجسيمة، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية

المساءلة والقانون الدولي الإنساني

يحظر القانون الدولي الإنساني الترحيل أو النقل ألقسري “للأشخاص المحميين” في الأرض المحتلة. وتحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تعتبر ملزمة لإسرائيل، “النقل ألقسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة… أياً كانت دواعيه”.

كما تجرّم عمليات الترحيل أو النقل القسري بموجب المادة 7 (1)(د) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تنص على أن إبعاد السكان أو النقل القسرى للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، يشكل جريمة ضد الإنسانية. وبموجب المادة 8 (2)(7) من نظام روما الأساسي فإن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين”  تشكل جريمة حرب، “ولا سميا عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسية عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم”.[9]

وهناك فهم للإبعاد والنقل القسري في القانون الدولي على أنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد من الأراضي التي يقيمون فيها [...]“. كما يفترض الإبعاد النقل إلى خارج حدود الدولة، بينما يتعلق النقل القسري بالتهجير داخل حدود الدولة”.[10] ففي قرارها في قضية (Kristic) في العام 2001، تناولت الشعبة الابتدائية للمحكمة الدولية ليوغوسلافيا سابقا حالة من النقل القسري داخل الدولة، وقررت أن (Radislav Kristic) مذنب بارتكاب جرائم ضد الإنسانية لنقله قسرياً مسلمي البوسنة في داخل أراضي البوسنة والهرسك.[11] وبذلك فإن نقل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى غزة، وإن كان داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، هو أمرٌ محظور. فعمليات إجلاء الأشخاص المحميين تجوز في ظروفٍ استثنائيةٍ للغايةِ فقط، في حالة تطلبتها الضرورة العسكرية القاهرة أو أمن السكان المدنيين. وإذا لم توجد مثل هذه الظروف الاستثنائية، فإن عمليات الترحيل أو النقل تكون غير قانونية، وتشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية جنيف، وتستوجب العقاب عليها بأشد العقوبات، وتنشأ مسؤولية جنائية فردية لأولئك المسؤولين عن مثل هذه الممارسات.
والأشخاص المحميون في الأراضي المحتلة هم جميع أولئك الذين يجدون أنفسهم في أيدي القوة القائمة بالاحتلال ولكنهم ليسوا من أتباع الدولة المحتلة (أو دولة محايدة ليست من الدول الموقّعة على اتفاقية جنيف). وهكذا فإن كل من الفلسطينيين والأجانب هم أشخاص محميون، سواءً كانوا في الإقليم المحتل عند بداية الاحتلال أو دخلوا الإقليم في وقت لاحق.
[12] إن مكانة الشخص المحمي لا تتوقف على إصدار تصاريح أو وثائق إقامة من قبل السلطة القائمة بالاحتلال. وعليه فإن كون الأشخاص لديهم تصريح ليكونوا موجودين في الضفة الغربية هي مسألة ليست ذات صلة بتاتاً بمسألة ما إذا كانوا أو لم يكونوا أشخاصاً محميين، ويبقى ترحيلهم أو نقلهم محظوراً.

وليس هناك من شك بأن عمليات نقل أو إبعاد الفلسطينيين أو حاملي جوازات السفر الأجنبية وفقاً لأوامر عسكرية جديدة يعتبر أمر غير مشروع، حيث أن سبب عمليات الترحيل المصرح به هو سبب إداري (عدم وجود التصريح اللازم)، وليس الضرورة العسكرية القاهرة أو الاحتياجات الأمنية للسكان.

وعليه فإن هذه الأوامر العسكرية إنما تشرّع على نحو فعال لارتكاب جرائم حرب، وفي حال تم تنفيذ عمليات ترحيل فإن الأشخاص المسؤولين عن إصدار هذه الأوامر العسكرية أو تخويل ذلك، بما في ذلك وزير دفاع إسرائيل إيهود باراك واللواء غادي شَمني، قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، إضافةً إلى أولئك الذين سيخططون وينفذون عمليات الترحيل، سيكونون مسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة.

وفي حالة تنفيذ عملية ترحيل جماعي، وبالنظر إلى الآثار الضارة التي قد تُوقعها على السكان المدنيين، بالإضافة إلى الإشارة بأنها مدفوعةٌ بجهود ترمي إلى تقسيم السكان المدنيين، فإن من المرجّح أن يتم اعتبارها على أنها تشكل هجوماً واسعاً أو منظماً ضد السكان المدنيين، وبالتالي جريمةً ضد الإنسانية.[13]

الحق في دخول الضفة الغربية

وفيما يتعلق بالقيود المشددة التي من شأن الأوامر العسكرية الجديدة أن تفرضها على قدرة الأشخاص على دخول الضفة الغربية من بلدان أخرى، فإن موقف القانون الدولي يخضع للقواعد العامة بشأن إدارة الأراضي المحتلة، ولا سيما قواعد اتفاقيات لاهاي. وكمبدأ أساسي، فالاحتلال العسكري يُفترض أن يكون ذو طبيعة مؤقتة، وبالتالي فإن التدابير الرامية إلى إحداث تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة محظورة، وهناك عاملين اثنين فقط يمكنهما أن يبررا فرض تدابير إدارية من قبل السلطة القائمة بالاحتلال، وهما الاحتياجات العسكرية لجيش الاحتلال، واحتياجات رفاه السكان المحميين. ومن الواضح أن أمراً عسكرياً يمنع دخول جميع الأشخاص إلى الضفة الغربية من دون “التصريح” اللازم لا يمكن تبريره بالاعتماد على أيّ من هذين الاعتبارين: فهو يضر بالحياة الطبيعية للسكان المحليين، كما أنه – ونظراً لأنه يحتمل أن يقيّد بصورة تعسفية دخول جميع الأشخاص إلى الضفة الغربية – لا يمكن تبريره باعتبارات عسكرية.

وبالإضافة إلى ذلك ينبغي أن تسهل القوة القائمة بالاحتلال دخول الأشخاص المشاركين في تقديم المعونات أو المساعدات الإنسانية التي تعود بالفائدة على السكان المدنيين. فعلى سبيل المثال تنص المادة 30 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن “تسهل الدول الحاجزة أو دول الاحتلال بقدر الإمكان الزيارات التي يرغب ممثلو المؤسسات الأخرى القيام بها للأشخاص المحميين بهدف تقديم معونة روحية أو مادية لهؤلاء الأشخاص”. ولذلك فإنه من غير المشروع أن تقوم إسرائيل بفرض إجراءات تكاد تصل إلى درحة فرض حظر على مجمل الوجود الدولي في الضفة الغربية، بما في ذلك وجود أولئك العاملون في مجال العمل الإنساني.

القانون الدولي لحقوق الإنسان

يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يلقي على إسرائيل التزامات تجاه كل شخص تحت سيطرتها، في المادة 12 حق الأشخاص الموجودين بصفة قانونية داخل إقليم ما في حرية اختيار مكان إقامتهم. وتتمثل الاستثناءات الوحيدة المسموح بها بتلك الضرورية  لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وحقوق الآخرين وحرياتهم.[14] وحيث أن الأمر العسكري سيؤدي إلى منع الفلسطينيين الذين سيتم ترحيلهم من الضفة الغربية إلى قطاع غزة من القدرة على اختيار الإقامة في الضفة الغربية، وبدون دواعي أمنية واضحة، فإن هذه الأوامر العسكرية تشكل انتهاكاً للعهد.

كذلك فإن إبعاد حاملي جوازات السفر الأجنبية بناءً على هذه الأوامر ينتهك المادة 13 من العهد، والتي تنص على حق أي دولة بإبعاد الأجانب الموجودين بصورة قانونية داخل أراضيها ممكن وفقط بناءً على قرار اتخذ وفقاً للقانون. إن عبارة “وفقاً للقانون” تفترض وجود قوانين عادلة تنظم وجود الأجانب في الإقليم، وإتاحة عملية قانونية لأولئك الذين يواجهون الإبعاد.[15] وكما هو موضح أعلاه فلا الطابع التعسفي للأوامر التي تخالف القانون الدولي الإنساني، ولا اللجنة العسكرية التي ستقوم بالإشراف والمراقبة على عمليات الإبعاد، يمكن وصفها بأنها تسمح بعمليات الإبعاد “وفقا للقانون”. وعليه فإن إبعاد المواطنين الأجانب وفقاً لهذه الأوامر ينتهك المادة 13 من العهد.

الحق في تقرير المصير

إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في الأرض الفلسطينية المحتلة راسخٌ، وهو ينطبق على كل الأرض التي احتلتها إسرائيل أثناء حرب العام 1967 – أي على الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة – كوحدة إقليمية واحدة. والحق في تقرير المصير هو، بمعناه الأكثر عمومية، حقٌ لمجموعة من السكان في السيادة على إقليم معين، وهو يشتمل على حق السكان في ممارسة حياتهم بشكل طبيعي داخل الإقليم، وفي التحرك فيه بحرية، وفي إقامة علاقات دولية، وفي تحديد من يدخل ويبقى داخل أراضي الإقليم. إن الأوامر العسكرية الجديدة، ومن حيث مساهمتها في الفصل الدائم لغزة عن الضفة الغربية، تؤدي إلى تجريم الفلسطينيين على أساس مجرد وجودهم في وطنهم، كما تعيق سير الحياة بشكل اعتيادي، وكذلك جهود تنمية السكان الفلسطينيين. إن نظام السيطرة الكاملة الذي يفرضه الاحتلال على حياة الفلسطينيين من خلال نظام الأوامر العسكرية يشكّل أحد العوامل الرئيسية التي تسهم في حرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

عدم قانونية الأوامر العسكرية وفقاً لاتفاقيات أوسلو

ومن المسلم به عموماً أن اتفاقيات أوسلو، سواء من حيث المضمون أو الممارسة، قد منحت للسلطة الفلسطينية سلطات حقيقية ضئيلة على سير الأمور في الضفة الغربية، وأنها لم تؤّدِ إلى تحسين الظروف بالنسبة للسكان تحت الاحتلال. ولذلك فإن هذه الورقة لن تتضمن تحليلاً مفصلاً لهذه الأوامر في ضوء اتفاقيات أوسلو. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أنه وحتى في ظل شروط اتفاقيات أوسلو التقييدية فيما يتعلق بصلاحيات ومسؤوليات السلطة الفلسطينية، فإن الأوامر العسكرية الجديدة، إضافةً إلى ممارسات السلطات الإسرائيلية خلال الفترة التي سبقت إصدارها، تبدو كأنها تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقيات.

وبشكلٍ خاص، فقد منحت الاتفاقية المؤقتة بين الاسرائيليين والفلسطينيين للعام 1995 (أوسلو 2)، السلطة الفلسطينية ولايةً على الشؤون المدنية لجميع الأشخاص – باستثناء الإسرائيليين – في المناطق (أ) و(ب) من الضفة الغربية.[16] فالمسؤولية عن إصدار وثائق الهوية في مناطق (أ) و(ب) تقع على عاتق السلطة الفلسطينية (رغم أن منح إقامة دائمة يتطلب الحصول على موافقة إسرائيلية مسبقة).[17]

ويمكن القول بأن وجود أمر عسكري يخوّل القائد العسكري صلاحيات عليا على جميع الأشخاص الموجودين في جميع أنحاء الضفة الغربية مباشرةً وبطريقة شاملة، وبتجاهل تام للسلطات التي كان من المفترض أن تُمنح للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. ودون تقديم أي مبرر أمني مزعوم لإصدار مثل هذا الأمر فإن إسرائيل بذلك تنتهك هذه الاتفاقات، مع الإشارة بأن اتفاقية أوسلو 2، تعطي لإسرائيل مسؤولية الأمن الشامل عن الاسرائيليين. ومع ذلك، وحيث أنه لم يتم حتى مجرد تقديم مبرر يعتمد على الأمن المزعوم، فمن الواضح أن إسرائيل في حالة انتهاك لهذه الاتفاقيات. وبالمثل فإن قرار إسرائيل تجميد جميع التغييرات على سجل السكان بحيث لا يمكن حتى البدء بإجراءات إصدار حقوق الإقامة للفلسطينيين من قبل السلطة الفلسطينية، تشكل انتهاكاً للترتيبات التي توخت اتفاقيات أوسلو تأسيسها. ومن هنا فإن الأوامر العسكرية موضع الدراسة ليست مخالفة لمعايير القانون الدولي فحسب، بل وتشكل خرقا لاتفاقيات أوسلو التي أبرمتها إسرائيل طواعيةً مع الفلسطينيين، وبهذا تمثل الأوامر العسكرية خروجاً متزايداً عن أوسلو وتهميشاً لوظائف السلطة الفلسطينية من قبل إسرائيل.

الخلاصة

يوضح شرح (Pictet) الرسمي لاتفاقية جنيف الرابعة أن “واضعي الاتفاقية صوتوا بالاجماع لصالح الحظر المطلق لعمليات الإبعاد الفردي أو الجماعي من الأراضي المحتلة”،[18] ويشير إلى أن مثل هذا النص كان غائباً عن قواعد لاهاي السابقة على أساس أن هذا ربما يرجع إلى اعتبار ممارسة إبعاد الأشخاص في بداية هذا القرن كالسقوط في الهاوية. ولذلك فإنه من غير المقبول أنه وفي العام 2010 يجد الفلسطينيون أنفسهم عرضةً لمثل هذا السلوك الإجرامي من جانب السلطات الاسرائيلية. إن قوانينا كانت تعتبر ضرورية في بداية القرن العشرين تتعرض اليوم للانتهاك دونما عقاب، حيث يُوصم الفلسطينيون بأنهم متسللون، ويجرّمون على أنهم “متسللون” في أرضهم ووطنهم.

وتستمر معاناة الفلسطينيين بفعل آثار عمليات الإبعاد والنقل القسري التي حدثت في الماضي، حيث يعيش مئات الآلاف منهم في مخيمات اللاجئين في الأرض الفلسطينية المحتلة وخارجها. وكما أشارت إليه هذه الورقة، فإن هناك مجموعة كبيرة من الآليات العسكرية والسياسية والاقتصادية والقانونية التي تواصل جعل حياة السكان الفلسطينيين صعبةً للغاية، حيث أن مثل هذه الإجراءات والقيود المفروضة على التنقل، ومصادرة الأراضي، وبناء جدار الضم  ساهمت بشكل غير مباشر في التهجير الداخلي والهجرة القسرية للسكان المحميين. إن الأوامر العسكرية الجديدة تشكل تهديداً ملموساً أكثر، وتشكل آلية يمكن من خلالها ممارسة عمليات إبعاد مباشرة للفلسطينيين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

إن على المنظمات الدولية، والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، والمجتمع الدولي ككل أن يتخذوا خطوات ملموسة وفورية لضمان عدم قيام إسرائيل – القوة القائمة بالاحتلال – بممارسات محظورة كالإبعاد والنقل القسري للسكان المدنيين. إن الحصانة والإفلات من العقاب على الجرائم التي ترتكب ضد الفلسطينيين لا يمكن التسامح معها بعد الآن، ويجب تقديم أولئك الأشخاص المسؤولين عن مثل هذه الممارسات غير القانونية إلى العدالة بناءً على مسؤوليتهم الجنائية عنها.

 



[1] الأمر العسكري بشأن منع التسلل (التعديل رقم 2)، والأمر العسكري بشأن الإجراءات الأمنية (التعديل رقم 112)، يمكن الوصول إليها على الرابط http://www.hamoked.org.il/news_main_en.asp?id=904.

[2] HSRC Occupation, Colonialism, Apartheid? A Re-assessment of Israel’s practices in the occupied Palestinian territories under international law (Cape Town, 2009) 199-219 متوفر على الرابط            http://www.hsrc.ac.za/Document-3227.phtml

[3] مؤسسة الحق، Occasional Paper No 8: The Right to Unite (1990) 3

[4] الاتفاقية المؤقتة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ملحق 2، المادة 28 (2) (1).

[5] أنظر http://www.haaretz.com/hasen/spages/1162075.htm (باللغة الإنجليزية).

[6]أنظر Dan Izenberg New law could deport of thousands of West Bank Palestinians Jerusalem Post, 12 April 2010. Available at: http://www.jpost.com/Israel/Article.aspx?id=172917.

[7] أنظر وكالة معاً للأنباء/ وزير فلسطيني: الأوامر العسكرية الإسرائيلية لا تنطبق على سكان غزة,

[8] في شهر مارس من عام 2001 تقدم ائتلاف من المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية باستئناف لدى المحاكم الإسرائيلية ضد إجراء جديد وضعته وزارة الدفاع الإسرائيلية، يمنع بموجبه كل الفلسطينيين تقريباً من الانتقال للسكن من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. ولا يؤسس هذا الإجراء، الذي وصفه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على أنه جزء من “سياسة عامة تهدف لتقليص حرية الحركة” بين قطاع غزة والضفة الغربية، لمعايير ضيقة جداً لتلبية شروط الاستحقاق فحسب، بل إنه يقترح كذلك تخصيص حصة محددة من عدد طلبات التصاريح التي “سيتم النظر فيها سنوياً”. أنظر State of Israel Ministry of Defense Coordinator of Government Activities in the Territories „Procedure for Processing Requests of Gaza Strip Residents to Settle in Judea and Samaria‟ 8 March 2009)). وفي الحالات القليلة التي يمكن فيها فعلياً منح تصريح وفقاً للتفسير الإسرائيلي لمصطلح “لاعتبارات إنسانية”، سيتعين على مقدم الطلب أن يعيد التقدم بطلب كل ستة أشهر، ومن ثم كل سنة لمدة سبع سنوات، يتم بعدها “النظر في” تغيير عنوان السكن لهذا الشخص إلى العنوان الجديد حيث مسحل أنه يسكن من قبل السلطات الإسرائيلية. نص الاستئناف متوفر باللغة العبرية على الرابط:

http://www.hamoked.org.il/items/112250.pdf. وللمزيد من المعلومات حول هذا الإجراء أنظر http://www.gisha.org/index.php?intLanguage=2&intItemId=1707&intSiteSN=113.

 

[9] توضح “عناصر الجرائم” في ميثاق روما أنه ولغرض المادة 7(1) (د) بشأن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، فإن المصطلح “قسرياً” لا يقتصر على استخدام القوة المادية، بل قد يتضمن التهديد باستخدام القوة أو الإكراه الذي قد ينجم عن الخوف من العنف، أو الضغط، أو الاحتجاز، أو الاضطهاد النفسي، أو إساءة استخدام القوة ضد شخص أو أشخاص، أو غيرهم، أو باستغلال وجود بيئة تسبب الإكراه.

أنظر http://www.icc-cpi.int/NR/rdonlyres/9CAEE830-38CF-41D6-AB0B-68E5F9082543/0/Element_of_Crimes_English.pdf p 7 من أجل النص الأصلي باللغة الإنجليزية.  هذا النص مترجم عن الإنجليزية ترجمةً غير رسمية.

[10] أنظر Kristic, ICTY, Trial Chamber, Case no. IT-98-33-T, para 521.

[11] في حكمهت في قضية (Kristic) في العام 2001، تناولت الشعبة الابتدائية للمحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة حالة النقل القسري داخل حدود الدولة. ففي العام 1995 تم نقل 25000 مسلم بوسني قسرياً في حافلات من قبل جيش صرب البوسنة إلى خارج معزل سربرينيتسيا، حيث نقلوا إلى أراض تحت سيطرة مسلمي البوسنة (ولكن بداخل حدود البوسنة والهرسك). وقد وجدت المحكمة (Radislav Krstić) مذنباً نظراً لكونه شارك عن علم مسبق في النقل القسري لأشخاص محميين، وأدانته بارتكاب النقل القسري بوصفه جريمةً ضد الإنسانية.

[12] أنظر تعليق (J Pictet (ed)) على اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب (اللجنة الدولية للصليب الأحمر: جنيف: 1958)، صفحة 47. في العام 2004 أكد المدعي العام الأمريكي هذا الرأي في مذكرة للرئيس الأمريكي، مؤكداً أن “مصطلح مواطني دولة محايدة الذين يجدون أنفسهم في إقليم دولة معتدية” يجب أن يفسر في ضوء البناء الفوقي للاتفاقية… فلو كان القصد من مصطلح “إقليم دولة معتدية” على أنه يشمل الإقليم المحتل إضافةً إلى الإقليم الوطني للدولة الطرف في النزاع، فإن مواطني الدول المحايدة قد يفقدون الحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف في كل مكان في العالم. وعليه فإن تفسير “إقليم الدولة المعتدية” على أنه يشمل الأرض المحتلة قد يفرغ هذه العبارة من معناها”. وهذا التفسير غير محبّذ. أنظر أيضاً قضية (Factor ضد Laubenheimer،, 290 U.S. 276, 303-04 (1933))، (Jack L Goldsmith III) مساعد المدعي العام الأمريكي “مكانة الشخص المحمي في العراق المحتل وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة: مذكرة رأي لمستشار الرئيس، 18 مارس 2004، الصفحات 9-11، النص الأصلي متوفر على الرابط: http://www.justice.gov/olc/2004/gc4mar18.pdf هذا النص مترجم إلى العربية عن النص باللغة الإنجليزية ترجمة غير رسمية لغرض التوضيح.

[13] أنظر قضية (Kristic). ولمزيد من التفصي أنظر أيضاً

 Antonio Cassese International criminal Law (OUP, 2003) 76-7.

[14] أنظر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 27: المادة 12 (حرية الحركة)، الجلسة السابعة والستون (1999)، HRI/GEN/1/Rev.9 (Vol.I).

[15] أنظر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 15: مكانة الأجانب بناءً على العهد، الجلسة الثانية والسبعون (1986)، HRI/GEN/1/Rev.9 (Vol.I).

[16] أنظر المادة XVII من الاتفاقية المؤقتة بشأن الضقة الغربية وقطاع غزة.

[17] أنظر الاتفاقية المؤقتة بين الاسرائيليين والفلسطينيين بشأن الضقة الغربية وقطاع غزة، الملحق 2، مادة 27 (أ) (1).

[18] تعليق (Pictet) على اتفاقية جنيف الرابعة، صفحة 279، النص مترجم عن الإنجليزية ترجمة غير رسمية.

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash