ترّزية المقاومة الفلسطينية

d985d982d8a7d988d985d8a9

بقلم: محمد أبو علان

الترزي (الخياط بلغتنا الدارجة) يستخدم مقصه ومهارته لتكييف الملابس على مقاس صاحبها، أما أن يتحول السياسيين وقادة الفصائل الفلسطينية لترّزيه والقضية الوطنية بشكل عام وقضية المقاومة لقطعة قماش يكيفونها وفق مصالحهم الحزبية ومقاساتهم الشخصية في الكثير من الأحيان فهذا أمر غير مقبول.

عندما كانت حركة “حماس” في صفوف المعارضة كانت عملية إطلاق الصواريخ من القطاع قمة المقاومة الوطنية، وضرورية لخلق توازن الرعب مع الاحتلال الإسرائيلي، ومن طالب بوقفها على اعتبار أنها عبثية وتجلب العدوان على قطاع غزة اعتبر “خائن” بمفاهيم حماس ويسعى لإجهاض المقاومة.

بعد استلام حماس للسلطة بات قادتها السياسيين أشبه بالترزية ولكن غير المهرة في استخدام المقص، وأضحت عملية إطلاق الصواريخ من القطاع مسألة فيها نظر، ولم يكن من السهل على الدكتور محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحماس تفسير موقفه من رفص عملية إطلاق الصواريخ عندما اتهم من أطلقوا الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة بأنهم عملاء الاحتلال، وبأنهم يهدفون لصرف الأنظار عن قضية تهويد القدس.

هذا التغير الجذري في مواقف حركة “حماس” تجاه المقاومة من قطاع بشكل عام، ومن عمليات إطلاق الصواريخ بشكل خاص ليس له ما يبرره، فالاحتلال هو نفس الاحتلال، والحصار لا زال قائماً، والاغتيال والقتل نشاط يومي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ولكن المتغير هو وجود “حماس” في السلطة مما جعلها تدرك أن وجود أي حزب سياسي في السلطة يلقي عليه بالتزامات سياسية، وعليه أدركت حركة “حماس” أن وقف إطلاق الصواريخ  أمر ومطلب أساسي للحفاظ على سلطتها في قطاع غزة.

في الضفة الغربية الموقف الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية وموقف الفصائل الفلسطينية من المقاومة الشعبية وانتفاضه ثالثة لا يختلف كثيراً عن موقف حماس من قضية إطلاق الصواريخ، فهم يريدون انتفاضة ومقاومة شعبية في القدس ولا يريدونها في باقي الضفة الغربية كما كان الحال في بيت لحم على سبيل المثال لا الحصر عندما منعت أجهزة الأمن الفلسطينية المتظاهرين من الوصول لنقاط التماس مع قوات الاحتلال في منطقة “قبة رحيل” تحت حجة منع الفوضى حسب تصريح لقائد محافظة بيت لحم نقله الزميل الصحفي نجيب فراج على مدونته الشخصية “إن من حق المواطنين أن يعبروا عن ذاتهم وعن ما يدور بدواخلهم من مشاعر حيث سمح لهم بالمسيرات السلمية ” ، وتابع قائد الأمن الوطني قائلاً” السلطة تمنع اية مظاهر قد تدعو للفوضى وعلى الرأس منها إشعال الإطارات في الشوارع وإعاقة حركة السير، كما أكد أن هذه الإجراءات جاءت للحفاظ على أرواح المتظاهرين من أن يمسهم أي سوء فيما اذا وقعت المواجهات مع الجنود ، نافيا أن هذه الإجراءات وضعت من قبيل ما يسمى بالتنسيق الأمني” .

ووفق هذا المنطق الانتفاضة الشعبية السلمية أصبحت في توصف بالفوضى، وهناك من ذهب بالموقف من انتفاضة ثالثة لما هو أبعد من ذلك متهماً من يطالبون بها بارتباطهم مع جهات خارجية وأنه يتم تحريكهم على الريموت كنترول.

هذا “الكوكتيل” من المواقف الفلسطينية تجاه المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي بات من الصعب فهمه، حماس لا تريد مقاومة مسلحة من قطاع غزة وهذا ما ثبت رسمياً وعملياً منذ انتهاء حرب “الرصاص المصبوب” على قطاع غزة، وتريد المقاومة المسلحة وانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية وكأن قطاع غزة قد تحرر من الاحتلال الإسرائيلي وبقي على حركة “حماس” استكمال تحرير الضفة الغربية.

السلطة الوطنية الفلسطينية ترفض المقاومة المسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتريدها انتفاضة شعبية في القدس وتمنعها بالضفة الغربية، في المقابل كتائب شهداء الأقصى في قطاع غزة هي من تبنى إطلاق الصواريخ من قطاع غزة في الأيام الأخيرة.

إن أردنا ترجمة هذا الكلام بلغة صريحة أكثر نقول أن عودة ظاهرة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، أو غيرها من أنشطة المقاومة المسلحة هناك يعني بداية النهاية لسلطة حماس في القطاع، وهذا ما لا تريده حركة حماس.

وفي المقابل قيام انتفاضة شعبية ثالثة في الضفة الغربية يعني بداية لفقدان السلطة الوطنية الفلسطينية لسلطتها على الشارع، ولمنع مثل هذه الانتفاضة الشعبية تستخدم السلطة الوطنية والأجهزة الأمنية حجة  وشعار “لن نسمح بعودة الفوضى الأمنية مرّة ثانية”.

والخلاصة التي علينا الاعتراف بها دون مواربة هو التوافق الغريب والعجيب في المواقف من المقاومة الفلسطينية بشتى وسائلها  بين الفصائل الفلسطينية كافة وبين الاحتلال الإسرائيلي، وهذا نتاج طبيعي لمن يقبل بوجود سلطة في ظل احتلال.

وإن كان الاحتلال الإسرائيلي يضرب عرض الحائط بالقرارات الدولية ذات العلاقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويرفض الاعتراف بها وتنفيذها، فإن القيادة الفلسطينية الرسمية والفصائلية تنتهك المواثيق الدولية التي تعطي شعبنا الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال بكل السبل والوسائل المتاحة.

moh-abuallan@hotmail.com

 

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash