مصادرة إسرائيل لأراضي بلدة العيساوية من منظور القانون الدولي والإنساني

معتصم عوض

أكدت مصادر صحفية إسرائيلية، نهاية الشهر الماضي، أن بلدية القدس الإسرائيلية، ممثلة باللجنة المحلية للتنظيم والبناء الإسرائيلي، حوَّلت ما مساحته ٦٦٠ دونمًا من أراضي بلدة العيساوية في القدس المحتلة إلى حديقة قومية، حارمة سكان القرية من التوسع والبناء على أراضيهم. وكانت سلطات الإحتلال الإسرائيلي قد بحثت هذا المخطط قبل خمس سنوات، ولم يبت في الموضوع إلا مؤخراً.  

ويأتي هذا المخطط في سياق سياسة سلطات الإحتلال في المدينة مصادرة أراضي الفلسطينيين ومنعهم من الإستفادة منها، لتحقيق هدف إستراتيجي إسرائيلي بتغيير الطابع الديموغرافي في المدينة بنسبة 72 بالمئة لصالح اليهود.

إن هذه السياسات العنصرية (مصادرة الأراضي، هدم البيوت، سحب الهويات، تعجيز القدسيين في الحصول على رخصة بناء..الخ) التي تنتهجها إسرائيل تجاه القدس الشرقية وسكانها، والتي تهدف بالأساس إلى تقليص عدد المقدسيين في المدينة، قد أسفرت عن إنتهاكات خطيرة لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ويعد القرار الأخير لبلدية القدس الإسرائيلية الخاص بمصادرة 660 دونماً من أراضي بلدة العيساوية إجراء ممنهجاً هدفه السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، لتكريس الأمر الواقع، وتحقيق الأطماع الإسرائيلية المتمثلة بتحديد عدد السكان الفلسطينيين في القدس عن طريق الضم والتوسع.

ويتعارض هذا الإجراء مع قانون الإحتلال الحربي، الذي   هو جزء مهم من القانون الدولي الإنساني، والذي اكد بوضوح عدم الحق في السيادة لسلطة الإحتلال على الأرض المحتلة، لكون الإحتلال حالة مؤقتة، لحين عودة الأرض إلى صاحب السيادة الشرعي، وأن أي تغيرات تقوم بها سلطة الإحتلال يجب أن تراعي فيها مصالح السكان. والسؤال هنا أين مصلحة السكان الفلسطينيين في مصادرة أراضهم، المحدودة أصلاً، لبناء حدائق ومرافق عامة تخدم بالأساس الإسرائيليين والسياحة الإسرائيلية؟

إن الإحتلال هو إستمرار لحالة العدوان، وقد أكدت المادة 42 من أنظمة لاهاي لعام 1907، أن أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ونصت المادة 43 أنه إذا إنتقلت سلطة القوة الشرعية بصورة فعلية إلى يد قوة الاحتلال يتعين عليها تحقيق الأمن والنظام العام وضمانه، مع إحترام القوانيين السارية في البلاد. كما أكدت المادة 46 على ضرورة إحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها.  بالإضافة إلى ذلك أكدت إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، في مادتها رقم 53، على عدم جواز تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة إلا للضرورات العسكرية الملحة. فأين الضرورة العسكرية الملحة التي تسمح لسلطلت الإحتلال بمصادرة أراضي بلدة العيساوية؟

ويعد هذا الإجراء مخالفة صريحة لقرارات مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، المتعلقة بالقدس، ومن أهمها القرار رقم 476، الصادر في
30 حزيران 1980، حيث أكد على وصف إسرائيل بالدولة المحتلة وأن الأرض التي احتلتها بعد حرب 1967 هي أراض محتلة بحكم القانون الدولي. وأدان القرار استمرار إسرائيل في تغيير المعالم المادية والتركيب الجغرافي والهيكل المؤسسي والقانوني في المدنية، مؤكدا عدم قانونية هذه الإجراءات ومخالفتها لإتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المنطبقة قانوناً على الأرض الفلسطينية المحتلة، وبالتالي بطلانها وضرورة إلغائها. كما طالب القرار إسرائيل بضرورة إنهاء احتلالها المطول للأراضي التي تحتلها  منذ عام 1967 بما فيها مدينة القدس المحتلة، و أن تنصاع للقرارات الدولية ذات العلاقة. هذا بالإضافة إلى قرارات مجلس الأمن 252 لعام 1968، و267 لعام 1969، و298 لعام 1971، و478 لعام 1980، التي أكدت على الوضع القانوني لمدينة القدس كأرض محتلة، ومخالفة الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القائم في المدينة المحتلة لقانون الاحتلال الحربي.

إذا ما العمل؟ وكيف يمكن للفلسطينيين التحرك للعمل ضد هذا الإجراء؟ وهل تستطيع بلدية القدس الإسرائيلية وقف هذا الإجراء أو إلغاءه؟

لقد أثبتت التجربة مع دولة الإحتلال الإسرائيلي أنه لا سبيل لوقف إجراءاتها غير القانونية إلا بالضغوط القوية من الداخل والخارج. فمن الداخل على الفلسطينيين العمل بطريقة جماعية لوقف هذا الإجراء، بمساندة الإطار السياسي الفلسطيني وبدعم من الحكومة الفلسطينية. وبالتالي لا بد من تشكيل لجنة لمتابعة هذا الإجراء على أن تضم هذه اللجنة قانونيين ومهندسين وإعلاميين وسياسيين، ونشطاء حقوق إنسان…الخ، وأن تكون مرجعيتها السلطة الفلسطينية. ومن ناحية أخرى لا بد من تحضير ما يلزم من معلومات ووثائق وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية لنشرها دوليا عند الضرورة، لتشكيل ضغط من الخارج على الحكومة الإسرائيلية.

ويمكن الإستفاده من تجربة سكان عرب السواحرة في هذا الموضوع. حيث قام أكثر من ستين شخصاً بطلب إعادة تنظيم أراض يملكونها في البلدة، وكانت بلدية الاحتلال قد حولتها الى أراض خضراء يمنع عليها البناء منذ عقود، ما حمل البلدية على المواقفة على إعادة التنظيم للمنطقة. وهذا مثال يمكن أن يشكل نقطة انطلاق للمواطنين المقدسيين للعمل الموحد والجماعي ضد السياسات الاسرائيلية في المدينة، وبدعم مؤسساتي من السلطة الفلسطينية والخارج.

من ناحية أخرى علينا الإستفادة من مواقف مؤسسات حقوق الإنسان الإسرائيلية المناصرة للجانب الفلسطيني وتشكيل ضغط من الداخل على الحكومة الإسرائيلية على أمل تغيير مواقفها العنصرية. كذلك على المستوى السياسي الفلسطيني العمل بجد وتفعيل وحدات القدس في الوزارات والإستفادة من مواقف المجتمع الدولي، مثل بيان الإتحاد الأوروبي الأخير الخاص بالقدس، ووضعها على المحك لتشكيل ضغط دولي قوي يمكن أن يؤثر على السياسات الاسرائيلية ولو بشكل مؤقت، لحين تغيير الوضع القائم لصالح القضية الفلسطينية.

 

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash