القوانين الفلسطينية بين الشيخوخة والاختراق

بقلم:محمد أبو علان

في إطار مشروع “جسر الفجوات: الأجهزة الأمنية وحقوق الصحفيين” والمنظم من قبل شبكة أمين الإعلامية تعرف الصحفيون على الكثير من الأمور والقضايا ذات العلاقة بالقوانين المعمول بها في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وخاصة تلك التي لها علاقة بحقوق الإنسان والحريات العامة، وكان اللقاء الأخير في إطار مشروع جسر الفجوات تحت عنوان “التغطية الصحفية للأشخاص المكلفين بإنفاذ القانون”.

من خلال اللقاءات التي أدراها عدد من المختصين في القانون والعاملين في مجال حقوق الإنسان بانت لنا الصورة غير الوردية، والقصور الواضح فيما يتعلق بالقوانين سارية المفعول في الأراضي الفلسطينية في الكثير من المجالات، سواء كان ذلك من حيث قدم هذه القوانين، أو من حيث خرقها وعدم الالتزام بها حتى من قبل القائمين على إنفاذها في بعض الحالات.

هذا القصور في الجانب التشريعي يتحمل مسئوليته بالدرجة الأولى السلطة التشريعية الفلسطينية التي قارب عمرها على الأربعة عشر عاماً، وطيلة هذه الفترة لم يتم تحديث وتطوير بعض القوانين غير الفلسطينية المعمول بها في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ذات العلاقة بكافة جوانب حياة الشعب الفلسطيني، مما أبقى الكثير من القوانين الأردنية والمصرية وتلك القوانين من عهد الانتداب البريطاني، ومن المرحلة العثمانية سارية المفعول.

ففي مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية لا زال يطبق قانون العقوبات الأردني لسنة (1960)، وكذلك قانون منع الجرائم الخطيرة لنفس العام، أو ما يعرف بقانون الحبس على ذمة المحافظ، القانون الأول تم تعديله مرات عدة في الأردن ليواكب التطورات في المجتمع الأردني، والقانون الثاني ألغي منذ سنوات، بينما لدينا لا زالت هذه القوانين نافذة على حالها منذ عقود من أدى لوجود حوالي (285) نزيل يقبعون حالياً خلف القضبان في مراكز التأهيل والإصلاح لمدة أكثر من عام بانتظار المحاكمة وفق تصريح سابق للعقيد محمود رحال مدير عام مراكز الإصلاح والتأهيل.

 وفي موضوع الأحوال الشخصية يفتقد القضاء الفلسطيني لقانون أحوال شخصية فلسطيني، ولا زالت الأحوال الشخصية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية تدار بموجب قانون الأحوال الشخصية الأردني لسنة (1976)، والقائمة في هذا الإطار طويلة، فمن القوانين القديمة أيضاً والتي لا زالت سارية المفعول في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، قانون الأحداث الأردني لسنة (1954) في الضفة الغربية، والفلسطيني لسنة (1936) في قطاع غزة.

مقابل ذلك هناك بعض القوانين الفلسطينية التي بدون شك تعتبر قوانين عصرية من الناحية النظرية خاصة تلك التي لها علاقة بحقوق الإنسان والحريات العامة، ولكن عصريتها لم تعد تعني أي شيء بعد تجاوزها في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني، والتي بات قمع الحريات العامة، والاعتقال السياسي والتعذيب في المعتقلات نهج معتمد وظاهرة مستشرية رغم محاولات البعض إنكار وجود ذلك سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهناك عشرات حالات الوفاة التي حدثت في السجون الفلسطينية في شقي الوطن، وحتى تاريخه لم نسمع عن أية محاكمات لمن تسببوا في وفاة سجناء.

والأغرب في موضوع تطبيق القوانين الفلسطينية أنها تخرق من قبل الأفراد والأجهزة القائمة على إنفاذها، والمثال الحي في هذا السياق ما حصل في الاجتماع الأخير  للمجلس الثوري لحركة فتح، والذي تمثل بقبول ستة من قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تزكيتهم لعضوية المجلس الثوري لحركة مع أن القانون يحذر ذلك عليهم بشكل مطلق.

وهذه الخطوة تعتبر خرق فاضح وصريح لقانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطينية  رقم (8) لسنة (2005) والذي يحظر على العاملين في الأجهزة الأمنية العمل بالسياسية أو الانتماء لأحزاب سياسية، فقد نصت المادة (90)، وفي البند الأول منها في قانون الخدمة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية ” يحذر إبداء الآراء السياسية، والاشتغال بالسياسية، أو الانتماء للأحزاب السياسية أو الهيئات أو الجمعيات أو المنظمات ذات الأهداف السياسية”.

وقانون الخدمة في قوى الأجهزة الأمنية الفلسطينية لسنة (2005) ليس القانون الوحيد الذي يتم خرقه من قبل القائمين على إنفاذ القانون، بل هناك بعض القوانين رغم عدم دستورية تطبيقها، يتم أيضاً خرقها بشكل صارخ، ومن هذه القوانين القانون الثوري الصادر عن منظمة التحرير الفلسطينية بتاريخ 11/7/1979  والذي طبق في مناطق السلطة الوطنية بعد قيام السلطة دون تغير أو تبديل رغم تحول الحالة الفلسطينية من حالة الثورة لحالة السلطة والمؤسسات المدنية، وتطبيق هذا القانون يشكل اليوم نقطة خلاف جوهرية بين مؤسسات حقوق الإنسان والسلطة الوطنية الفلسطينية كونه يتعامل مع المدنيين الفلسطينيين بحكم العسكريين من خلال جهاز القضاء العسكري، وقد  أشار تقرير صادر عن الهيئة الفلسطينية المستقلة “ديوان المظالم” بعدم وجود سند قانوني لتطبيق هذا القانون.

وتطبيق هذا القانون يشكل خرق وتجاوز قانوني للمرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس الراحل أبو عمار والذي حمل الرقم (1) لسنة 1995 ، ونص المرسوم على سريان كافة القوانين والقرارات التي كان معمول بها قبل تاريخ 5/6/1967، ومخالف أيضاً للقرار الرئاسي الصادر عن رئيس السلطة الوطنية محمود عباس بتاريخ 16/10/2008 والموجه لجهازي المخابرات والأمن الوقائي والذي يحذر عليهم عرض مدنيين لم يثبت انتمائهم لمليشيات مسلحة على القضاء العسكري استناداً للقانون الثوري، كما اعتبر القانون الثوري لسنة (1979) خرق وتجاوز لقانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001 الذي يحدد إجراءات الاعتقال وتمديد التوقيف للمعتقلين المدنيين.

هذا الواقع الذي يعيشه الجهاز القضائي نتيجة حال القوانين المعمول بها في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية يشكل مس واضح وصريح لحقوق المواطن الفلسطيني مما يستدعي من جميع الجهات ذات العلاقة أخذ المبادرة باتجاه سن القوانين العصرية التي تتماشى مع ما شهده المجتمع من تغير في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

والحل لا يكون إلا بوجود مؤسسة تشريعية فلسطينية فاعلة ونشطة من أجل توحيد القوانين المعمول فيها في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، والعمل على سن وتعديل القوانين بما يجعلها تتناسب مع الواقع الفلسطيني، وفي حال بقية المؤسسة التشريعية في حالة الموت السريري الذي تعاني منه منذ سنوات لا بد من الجهات القانونية والإعلامية الفلسطينية تشكيل لوبي قوي وضاغط باتجاه جعل الرئيس الفلسطيني يمارس صلاحياته في موضوع إصدار القوانين بالتشاور مع الجهات القانونية ومؤسسات المجتمع المدني لحين عودة الروح للمؤسسة التشريعية.

والخطوة الأولى في هذا الاتجاه مطلوبة من الإعلام والإعلاميين لتوسيع الاهتمام بعمل الجهاز القضائي والمشاكل التي يعانيها نتيجة حالة القوانين الفلسطينية، ومن شأن اهتمام كهذا أن يشكل رأي عام ضاغط باتجاه قوانين فلسطينية عصرية تلبي احتياجات المجتمع وتحقق العدالة للمتقاضين.

moh-abuallan@hotmail.com

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash