مؤتمر توحيد وتفعيل اليسار: “لو جحا بفلح كان فلح في دياره”

بقلم:محمد أبو علان*:

مع انتهاء فعاليات مؤتمر “توحيد وتفعيل اليسار في العالم وفلسطين” هاي هي إحدى النظم السياسية المحسوبة على قوى اليسار العالمية تتهاوى تحت نزعات سلطوية لرأس هذا النظام في “هندوراس”، فبعد سعي رئيس “هندوراس” لتجاوز المؤسسة القضائية والتشريعية وتعديل الدستور ليتسنى له البقاء في الحكم مدة أطول قام الجيش بخلعه والإلقاء به خارج حدود بلده.

هذا التفكير لقوى اليسار في العالم ومنها فلسطين يعطي انطباع أن نظم الحكم اليسارية وقواه السياسية لا تختلفا كثيراً عن تفكير نظم الحكم الشمولية في الرغبة بالسيطرة على مقاليد الحكم ومؤسسات صنع القرار في الدولة والحزب مدى الحياة، ولا يريدون غير الموت كأسلوب لتداول السلطة، وقبل رئيس “هندوراس” كان قد فعلها الرئيس الفنزويلي “تشافيز” وعدل الدستور ليبقى في الحكم لسنوات إضافية، مما يشير لتكرار قوى اليسار وقادته لنفس الخطأ دون محاولة الاستفادة من تجارب الآخرين، ولا حتى من تجاربهم هم أنفسهم.

وعلى المستوى الفلسطيني لا يبتعد واقع اليسار عن هذه الحال، فمنذ ما يزيد عن العام كثر الحديث إلى جانب بعض المحاولات لتشكيل جبهة اليسار الفلسطيني لغرض توحيد اليسار الفلسطيني من أجل استعادة دورة على الساحة الفلسطينية، ولغرض تشكيل جسم سياسي ثالث في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي باتت تسيطر على الشارع الفلسطيني وخاصة بعد احتدام الصراع بين حركتي فتح وحماس، والسعي لتوحيد الصف الفلسطيني كانت من إحدى المهام التي رفعها من اعتبروا أنفسهم نواة جبهة اليسار الفلسطيني.

هذه المحاولة كان الفشل الذريع من نصيبها على الأرض، فلا اليسار توحد، ولا الوحدة الفلسطينية تمت، ولم يستطيع اليسار الفلسطيني أن يؤثر ولو قيد أنملة في الوضع الفلسطيني الداخلي، لا بل الأدهى والأمر أنه بات يعاني من حالة فقدان الوزن السياسي مما دفع طرفي  الصراع لتجاهله بشكل مطلقً في موضوع الحوار الداخلي الفلسطيني، وأضحت جلسات الحوار ثنائية فتحاوية حمساوية بحتة، ولم تحظى قوى اليسار حتى بمرتبة شاهد الزور على هذه الحوارات.

ودون التفكير والدراسة في أسباب فشل  توحيد قوى اليسار الفلسطينية تداعت بعضها في مؤتمر تحت عنوان “ تجارب توحيد وتفعيل اليسار في العالم وفلسطين” عقد في مدينة البيرة يومي السادس والسابع والعشرون من الشهر الحالي، قرأت بعض ما كتب عن المؤتمر، بالإضافة لإطلاعي على ورقة العمل المقدمة من “جبهة النضال الشعبي”، والعنوان الرئيس الذي حاول منظمي المؤتمر جعله عنواناً لمسببات فشل اليسار هي مجموعة من العوامل الموضوعية أهمها انهيار المعسكر الاشتراكي، وانحسار النظم الديمقراطية ذات الصبغة اليسارية في العالم، وحاولوا إخفاء الأسباب الحقيقية للفشل عبر اللجوء للنزعات اليسارية المعتادة باستخدام مصطلحات وعبارات فلسفية خادعة في التعبير وفارغة من المحتوى.

في المقابل حاولوا قدر الإمكان التقليل من دور العامل الذاتي في الأزمة والتشرذم الذي يعيشها اليسار الفلسطيني بشكل خاص، وأهم هذه العوامل الذاتية تحول معظم تنظيمات اليسار الفلسطيني لأشبه بمنظمات العمل الأهلي عبر العديد من المؤسسات الاجتماعية والبحثية التي أقامتها برأس مال ورواتب خيالية كلها من دول أوروبية مانحة ذات نظم سياسية واجتماعية واقتصادية رأسمالية تتنافى والقيم الاجتماعية والاقتصادية التي من المفترض أن اليسار يؤمن بها ويسعى لتثبيتها وتعزيزها على أرض الواقع.

والعامل الآخر سعي بعض القيادات في التيارات والقوى اليسارية لشغل مناصب قيادية ووزارية في السلطة مما أبعدها عن دورها الحقيقي في العمل مع الجماهير لغرض تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الفلسطيني، وبات عليهم من الصعب التخلي عن الامتيازات السلطوية والمكاسب الشخصية التي باتوا يتمتعون بها.

بالإضافة إلى ذلك تراجع اهتمامهم بالقضية الوطنية الفلسطينية وما يتطلب ذلك من مقاومة الاحتلال بما فيها المقاومة المسلحة لصالح رفع شعارات النضال الشعبي والسلمي مما أفقدهم شعبيتهم وجماهيريتهم التي حظو بها نتيجة عملية مقاومة استمرت لسنوات سقط فيها قوافل من الشهداء والجرحى والمعوقين وسرعان ما تخلوا عنها لصالح نضال وطني من فئة خمس نجوم.

 ومن أهم المعضلات التي تعيق توحد اليسار الفلسطيني رفض قادة  هذا اليسار الاعتراف بانعدام الثقة بين قوي اليسار وقادتها السياسيين وحتى على مستوى القواعد الشعبية، وتجربة الانتخابات الرئاسية الثانية كانت أفضل دليل على انعدام الثقة، والتي عادت قوى اليسار لتكرارها في الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006.

كما أن الاستخفاف بوعي وفكر الجماهير الفلسطينية مسألة متأصلة لدى فصائل اليسار الفلسطيني، فهي تتبنى المواقف السياسية ومن ثم تعود بعد سنوات لتتبنى عكسها دون بذلها أي جهد للتبرير أو التوضيح لهذه الجماهير المبررات والمسوغات لمثل هذا التقلب في المواقف السياسية، بل تريد من جماهيرها أن تسير من خلفها كالقطيع دون تفكير أو حساب لها على هذه المواقف.

غياب الروح الديمقراطية في بناء المؤسسات الحزبية حولت هذه القوى لما هو أشبه بإقطاعيات لمجموعة من الشخصيات القيادية وبعض المنتفعين حولهم، وباتت هذه القيادات تحتل الأمانة العامة واللجنة المركزية أو المكتب السياسي، والمجلس التشريعي والوزارة إن قدر لأحدها الالتحاق بأحد الحكومات المتعاقبة، مما يجعل المواطن البسيط يخرج بانطباع أن هذه القوى أنجبت هذه القيادات وبعدها أصيبت بالعقم المطلق.

ففي ظل هذا الواقع الأشد من المرارة نفسها لا ولن تستطيع أموال مؤسسة “ روزا لوكسمبورغ اليسارية“، ولا كل أموال الدول المانحة من توحيد صفوف اليسار الفلسطيني ما لم يتم العمل على عقلية هذه القيادات اليسارية الفلسطينية على أن هناك من هو أقدر منهم، ولربما يكون أفضل منهم يستطيع النهوض باليسار الفلسطيني وإعادته لدوره الريادي إن هم فتحوا المجال لحياة ديمقراطية حقيقية في المؤسسات الحزبية لقوى اليسار الفلسطيني.

وهنا أعود وأكرر يسار عاجز عن توحيد نفسه وهو صاحب قضية وطنية، بالتأكيد لا ولن يستطيع المساهمة في توحيد وتفعيل اليسار العالمي، وينطبق على واقع اليسار برمته عالمياً ومحلياً المثل الشعبي القائل ” لو جحا بفلح كان فلح في دياره”، وإلا أين هو حجم التأثير السياسي والاجتماعي لنصرة قضايا المظلومين والمسلوبة حقوقهم على المستوى العالمي كنتاج لتوحيد قوى اليسار في بعض الدول التي حاولت عرض تجربتها كمثل أعلى سواء كانت في أوروبا أو أمريكا اللاتينية، وإن وجد هذا التأثير فهو لا يتجاوز حدود التأثير الإعلامي والاستعراضي لا أكثر ولا أقل.

*- فلسطين المحتلة.

moh-abuallan@hotmail.com

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash