كتبت وطن بلاص

كثيرا ما ينتاب المواطن أحمد الأحمد، من قرية رمانة غربي جنين، شعور قاتل وهو ينظر إلى طفله سلطان الذي لم يتجاوز من العمر أربع سنوات، يبكي بدون انقطاع لساعات طويلة، دون أن يتمكن من معرفة سبب بكائه أو ألمه.

ويعاني الطفل سلطان، كما يقول والده، من شلل دماغي رباعي كامل، جعل منه طفلا عاجزا عن مجرد الحركة أو الكلام، في وضع مأساوي رافقه بعد ولادته مباشرة، ويعتقد والده بجزم، أنه ناجم عن إهمال طبي، وعدم العناية بزوجته عندما كانت في حالة ولادة.

يقول الأحمد، إن زوجته أنجبت طفلها دون أن يكون الطبيب المختص موجودا في المستشفى وقت الولادة، ما اضطره إلى نقل زوجته وطفله الذي لم يتجاوز وزنه 6ر4كلغم إلى المستشفى العربي التخصصي في مدينة نابلس، ليعلم حينها أن طفله يعاني من شلل دماغي رباعي من الحالات النادرة جدا، بسبب حدوث أخطاء في عملية الولادة.

ويعتبر الطفل سلطان، واحدا من بين حالات كثيرة معظمها من الأطفال ممن فقدوا إما قدرتهم على الحركة، أو الإبصار، أو السمع والنطق، ويعانون من إعاقات متعددة الأشكال، ليطلق عليهم اسم “معاقين”، أو “أشخاص ذوي إعاقة”، فأصبحوا “عاجزين” عن مجرد الشعور بالحد الأدنى بالمساواة مع أقرانهم، بعد أن وقعوا “فريسة” للأخطاء الطبية.

 وكان الطفل عبد الله أبو الحسن الذي لم يتجاوز من العمر ستة أعوام، من بلدة اليامون غربي جنين، أحد هؤلاء “الضحايا”.

فبينما كان الصمت هو سيد الموقف، يقول الدكتور عماد أبو الحسن، والد الطفل عبد الله، “إن عبد الله أصيب بشلل في ساقه بعد أن حقنه طبيب بمكان خاطئ في ساقه، ما أصابه بضرر بالغ في عصب ساقه، وضمور عضلي فيها، وعدم القدرة على المشي”.

واليوم، يضيف الأب، إن ابنه عبد الله يمشي بقدم ونصف القدم، وذلك بعد أن صمم له ساقا اصطناعية متحركة أصبحت أشبه ما تكون بجزء من جسده لا يستطيع التحرك إلا باستخدامها.

113ألف شخص معاق

وتشهد الأراضي الفلسطينية ارتفاعا ملحوظا في نسب الإعاقة، حيث وصل عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة إلى 113ألف شخص منهم 75ألف حالة في الضفة الغربية و38ألف حالة في قطاع غزة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، ووزارة الشؤون الاجتماعية.

ويبقى السؤال الأبرز الذي يراود كثيرين من المهتمين بمجال الإعاقة وأصحاب الإعاقة أنفسهم، “هل تشكل الأخطاء الطبية أحد أسباب هذه الإعاقات المتزايدة؟!”.

يقول أخصائي العلاج الطبيعي، محمود أبو قذيلة، إن هناك من 15حالة إعاقة ولغاية 25حالة ناتجة عن الأخطاء الطبية، تصل إلى مركز العلاج الطبيعي حيث يعمل في مدينة جنين سنويا، وأغلبها شد في الكتف وشلل دماغي أو خلع بالمفصل.

ويعتبر الشلل الدماغي، أحد أكثر الأمراض انتشارا في فلسطين وخصوصا في محافظة جنين، حيث يتجاوز عدد الأطفال المصابين بهذا المرض، 532حالة مرضية بحسب إحصاءات جمعية “الجليل” للرعاية والتأهيل الخيرية، ومقرها مخيم جنين، وهؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم بين يوم واحد ولغاية 16سنة.

وبينت الجمعية، أن نسبة الأطفال المصابين بالشلل الدماغي من مجموع الإعاقات الكلي، تبلغ 20%، وغالبية هؤلاء الأطفال، مصابون بتلف في خلايا الدماغ ناتجة عن نقص الأكسجين أثناء الولادة، وغالبيتهم يعانون من تعدد في الإعاقات.

واستعرضت، العوامل والمؤشرات التي تؤدي إلى الإصابة بالشلل الدماغي، وكان أبرزها تدني مستوى الوضع الصحي للنساء، ونقص الأكسجين أثناء الحمل والولادة وما بعد الولادة بسبب الإهمال الطبي، وصغر محيط الرأس، وزيادة السائل الدماغي الشوكي وهو ما اصطلح الأطباء على تسميته “استسقاء الدماغ”.

وفي حديثه عن الشلل الدماغي يقول أبو قذيلة، “إن هناك ضحايا كثيرة تنتج عن الأخطاء الطبية، وأغلبها حالات شلل دماغي ناتجة عن نقص الأكسجين في الدماغ، ويكون ذلك بسبب إهمال الطبيب في تشخيص حالة المرأة الحامل، وسوء تقدير في عملية الولادة الطبيعية، ما يؤدي إلى اختناق الطفل ونقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ، وهو ما يؤدي إلى حدوث الشلل الدماغي، ومن ثم حالة الخلع في الكتف.

علاج ولكن

يقول رئيس الاتحاد العام للمعاقين رفيق أبو سيفين، أن مرضى الأخطاء الطبية لا ينالون أبسط حقوقهم، وهذه الأخطاء يمكن أن تؤدي إلى حدوث إعاقات دائمة لا علاج لها.

وبينما يؤكد أبو قذيلة، أن الإعاقات الناتجة عن الأخطاء الطبية تتفاوت في درجة خطورتها، فتتم معالجة بعضها عن طريق المتابعة الدائمة للحالة وإخضاعها للعلاج الطبيعي والوظيفي، إلا أنه أشار في ذات الوقت، إلى وجود حالات مستعصية ونادرة لا علاج لها.

ويعالج أبو الحسن، ابنه عبد الله منذ ستة أشهر من اكتشاف إصابته، حيث عرض حالته على ثلاثة مستشفيات فلسطينية، ويتناول اليوم مقويات لعصب ساقه، ويخضع لجلسات “المساج الطبيعي” بما معدله ثلاث مرات في الأسبوع، وهو علاج يعتقد الأب أن له أثر سلبي على الحالة النفسية لطفله.

أما الأحمد ورغم إجماع الأطباء، على عدم وجود جدوى لإخضاع طفله سلطان لأي شكل من أشكال العلاج، واستقرار وضعه على ما هو عليه، يصر على إخضاعه للعلاج الطبيعي والوظيفي في مركز التأهيل التابع لجمعية “الجليل” للرعاية والتأهيل المجتمعي الخيرية في مخيم جنين.

ومن وجهة نظر الأحمد، فإن هذا المركز يعمل بإمكانيات محدودة، ولا يعتمد على أي شكل من أشكال الدعم الحكومي، كمؤسسة أهلية وحيدة تقدم خدماتها للأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديدا مرضى الشلل الدماغي ممن لا يتلقون الحد الأدنى من الرعاية، باستثناء جمعية “الجليل” والتي تستقبل مثل هذه الحالات.

وتتفق المواطنة سميرة خلف “45عاما” من مدينة جنين، مع آراء كثيرين بشأن عدم توفر العناية لضحايا الأخطاء الطبية.

وبالرغم من إصابتها بشلل تام في يدها وساقها بسبب خطأ طبي منذ خمس سنوات، إلا أن هذا الشلل سرعان ما سيطر على جسد خلف بالكامل، لتستسلم له بعد محاولاتها الدؤوبة لتلقي العلاج الطبيعي والوظيفي، وذلك بعد أن أكد لها الأطباء عدم إمكانية تحسن حالتها.

وبقليل من الصبر، استطاعت خلف أن تتمالك نفسها خشية البكاء لتقول، “إن الإهمال الذي تعاني منه كثير من المستشفيات الفلسطينية، أمر أشبه ما يكون بالكارثي، لأن هذا الإهمال يترك أثره العميق في نفسية المريض كما يؤثر على جسده، بل لعل الأثر النفسي أشد وأقسى من الجسدي، ومعاناتي مع الأخطاء الطبية طويلة بدأت قبل نحو خمس سنوات، ولا أستطيع حتى النهوض لتلبية أبسط احتياجاتي”.

جرائم بلا أدلة

وأكد تقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عدم وجود أرقام إحصائية دقيقة عن حجم الأخطاء الطبية التي تقع في قطاع الصحة الفلسطيني سواء الخاص أو العام.

إلا أن هذا التقرير، يشير إلى وجود بعض الأرقام المتناثرة هنا وهناك والغير دقيقة لدى الهيئة أو وزارة الصحة، كما هو الحال بالنسبة لنقابة الأطباء والنيابة العامة وحتى القضاء، والتي يمكن من خلالها الاستدلال على وجود عدد ليس بالقليل من قضايا الأخطاء الطبية وقعت في المؤسسات الصحية العامة والخاصة.

وبحسب أستاذ العلاج الطبيعي في الجامعة العربية الأميركية، الدكتور زياد نصر الله، فإن معظم ملفات الحالات التي تحضر إلى الجامعة من أجل الحصول على خدمة العلاج الطبيعي، تفتقر لذكر سبب الإعاقة فيها، مع أن الأخطاء الطبية أحد أبرز أسبابها.

وقال نصر، “إنه لا يوجد طبيب يعترف على طبيب مخطئ”، وهذه مسألة معقدة عادة ما تكون ضحيتها الأولى والأخيرة، المريض الذي ليس باستطاعته تحديد هوية المسؤول عن الكارثة التي ألمت به.

ومن وجهة نظر المدير الإداري لمستشفى “الرازي” التابع للجنة أموال الزكاة في جنين، فواز حماد، فإنه لم ولن يدان أي طبيب في تاريخ فلسطين بتهمة ارتكاب خطأ طبي، وذلك بسبب عدة عوامل أبرزها عدم اعتراف الأطباء على بعضهم، ودور لجان التحقيق في التستر على بعض هذه القضايا.

وأضاف حماد، إنه يتم التستر بشكل كبير على الأخطاء الطبية، ومن خلال تجربته في العمل، لم يحدث أن أخبر طبيب أهل المريض بارتكابه خطأ طبيا كان ضحيته المريض.

وشدد، على أن هذا الأمر لن يحدث، ما يعني أن الطبيب لا يخبر أهل المريض بوقوع خطأ، وفي حالة كان الأهل جاهلين يتم التستر الكامل على الخطأ.

من المسؤول

ويعتقد الطبيب في مديرية صحة جنين، غسان عبد الله قاسم، أن الأخطاء الطبية ظاهرة منتشرة ويتحمل مسؤوليتها الأطباء والأهل، وتقع أغلبية تلك الأخطاء على عاتق مسؤولية طاقم التمريض، بسبب الإهمال أو عدم التركيز في العلاج.

ويضيف، “بدلا من أن يعطى المريض الدواء أو الحقنة المناسبة، قد يتم إعطائه دواء غير مناسب له، وبدلا من إعطائه الجرعة اللازمة والمعينة يعطى جرعة زائدة أو ناقصة، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث مضاعفات في جسمه ويعيق حركته أو ربما يشلها تماما”.

ويؤكد أبو قذيلة، أن معظم الحالات التي تأتي إلى مركز العلاج الطبيعي، يتم تحويلها من المستشفيات الحكومية، وغالبا ما تكون ناجمة عن الإهمال الطبي المقصود والغير مقصود في تشخيص الحالة، لافتا، إلى أن نسبة الحالات التي تأتي من المستشفيات الحكومية، تصل إلى 90% من مجموع الحالات.

ويحمل محمد فتحي قبها “35عاما”، من قرية طورة الغربية، مسؤولية إصابته بشلل نسبته 90% في قدميه إلى إحدى المستشفيات الحكومية، وذلك بسبب “إهمالها الشديد وضعف أداء الأطباء فيها”، كما قال.

يقول قبها، إن مأساته بدأت عندما انزلق في منزله، الأمر الذي أدى إلى حدوث ألم في أسفل الظهر، فتوجه إلى المستشفى الحكومي لإجراء الفحوص الطبية اللازمة، ومن خلال الفحص تبين أنه يعاني من إصابة في الغضروف السفلي في الظهر، وبسبب نقص الأدوات العلاجية تم تحويله إلى مستشفى “رفيديا” في مدينة نابلس، وهناك قرر الأطباء إجراء صورة طبقية لتوضيح سبب المشكلة، لكن هذه الصورة لم تف بالغرض ولم تحدد سبب المشكلة.

وأضاف، إن الأطباء قرروا إجراء عملية جراحية في الأعصاب الملازمة للفقرة الرابعة في الظهر والتي بينت الصورة المغناطيسية سبب الألم فيها، وحينها أجريت العملية الجراحية له لتكون المصيبة الكبرى حيث لم يتم علاج الألم بل زادت من معاناته.

وأصيب قبها، بشلل في القدمين نسبته 90%، نتيجة إجراء عملية جراحية بالفقرة الرابعة بدل الخامسة، وزادت العملية من تعقيد الحالة لأنها ضربت العصب المسؤول عن الحركة في القدمين.

ويعتقد، أن المستشفيات في فلسطين، لا تمتلك الجاهزية لاستقبال وعلاج كثير من الحالات المرضية، والإهمال الطبي الذي يحدث فيها يمكن أن يدمر مئات الأشخاص غيره.

وبدمعة احتقنت في عينيه، خلص قبها إلى القول، “إنني أعيل أسرة كبيرة، واليوم لا أستطيع حتى خدمة نفسي..حسبي الله ونعم الوكيل”.

ضعف الإمكانيات

ويؤكد أبو سيفين، أن الأخطاء الطبية موجودة بسبب غياب الرقابة القانونية والرشوة التي يتعرض لها بعض الأطباء ليهتموا بمريض على حساب الآخر، مشيرا، إلى أن المتضررين لا ينالون أبسط حقوقهم.

وبينما يعزي نصر الله أسباب انتشار الأخطاء الطبية إلى مجموعة من العوامل التي من أبرزها ضعف الإمكانيات في المستشفيات الفلسطينية، والإهمال غير المقصود وضغوط العمل.

ويضيف، إن لانقطاع التيار الكهربائي عن حاضنات الأطفال، دور مهم في انتشار الإعاقات في أوساط هؤلاء، وهو أمر يمكن تجنبه، مشددا على أن هناك ضرورة قصوى لتحسين الأوضاع في المستشفيات.

وأورد تقرير الهيئة المستقلة، جملة من الأسباب التي يمكن أن تتمخض عنها الأخطاء الطبية، منها عدم توفر المعلومات التي قد يتم تشخيص المريض على أساسها، والأخطاء التقنية كوضع فصيلة دم مختلفة على كيس الدم، وفشل الأجهزة الطبية المستخدمة في معالجة المرضى، والخلل في إعطاء التخدير وكمية الجرعة المناسبة لكل مريض.

شلل حركي

أما ساحرة عبد الله لحلوح “45عاما”، من جنين، فترجع إصابتها بشلل حركي في ساقها وعينها ويدها اليمنى، إلى الإهمال الطبي الشديد من قبل الأطباء المعالجين، وقلة الكفاءة والخبرة لديهم.

تقول لحلوح، “إن الذي أصابني كان من الممكن تفاديه، إلا أن الإهمال المقصود من قبل الطبيب المعالج شل قدرتي على الحركة، فلولا هذا الخطأ لما عانيت مدة عشرين عام من هذا المرض”.

وتحدثت، بإسهاب عن معاناتها مع الأخطاء الطبية والشلل الذي أصابها بسبب حقنة خاطئة من قبل طبيب تبين فيما بعد أنه بيطري ومتخصص في علاج الحيوانات فقط.

وبعد أن نقلت لحلوح إلى غرفة العمليات وهي فاقدة للوعي تماما، تبين أن الإبرة التي أعطيت لها غير قابلة للاستعمال البشري وإنما تعطى ل “الحمير”، كما قالت.

قانون العقوبات

ويعتقد المحامي علاء سكافي، أن أسباب استمرار الأخطاء الطبية وتفاقمها، يكمن في عدم وجود قانون خاص يحدد المسؤولية عنها أو يتخذ العقوبات الرادعة بحق الأطباء الذين يتسببون بمثل هذه الأخطاء، بل أن بعض هؤلاء الأطباء لا تصل إليهم أيدي البحث والتقصي والتحقيق، فضلا عن تطبيق العقوبات الرادعة أو غير الرادعة.

ويضيف سكافي، إن هذا لا يعني عدم وجود بعض القوانين التي تنص في بعض موادها على معاقبة الطبيب على أخطائه الطبية وتحمي المتضرر من هذه الأخطاء، فالمادة الثانية تحديدا من قانون الصحة الفلسطيني رقم “20، لسنة 2004م، تؤكد على تولي وزارة الصحة الرقابة والإشراف والمتابعة للوضع الصحي للسكان في فلسطين، ويتضمن مساءلة الأطباء عن الأخطاء الطبية وفقا لمسؤولية التابع عن أعمال المتبوع.

وأشار، إلى الفقرة “أ” من المادة “344″ من قانون العقوبات والتي على أنه “إذا لم ينجم عن خطأ الشخص إلا الإيذاء كان العقاب بالحبس من شهر إلى سنة أو بغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا”، بينما نصت الفقرة “ب”، على “يعاقب كل إيذاء غير مقصود بالحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز عشرة دنانير”.

وتشير المادة السابقة، إلى أنه لا يتم منع الأطباء المخطئين من مزاولة عملهم، بل يبقون على رأس عملهم، ما يتيح الفرصة لتكرار الخطأ الطبي، وهو أمر أكده مدير المستشفى الحكومي في جنين، الدكتور محمد أبو غالي الذي قال، “إنه لم يتم منع الأطباء الذين يقعون في مثل هذه الأخطاء من مزاولة المهنة بل اقتصرت العقوبة على الجزاء المادي”.

شكاوى ولكن

وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الإعاقة الناتجة عن الأخطاء الطبية، إلا أن الضحايا بشكل عام لا يقدمون على رفع الشكاوى على الأطباء المخطئين، وذلك بسبب جملة من العوامل من أبرزها ارتفاع تكلفة الخدمة القانونية، وإدراك الضحايا مسبقا بحتمية فشل القضية.

وأعطى قانون الصحة العامة، للمريض الحق في تلقي شرح واضح للعلاج المقترح له، وضرورة موافقته على ذلك العلاج، وضمان حقه في تقديم الشكاوى ضد المؤسسة الصحية أو أحد العاملين فيها إذا ما انتهك حقه، وألزم المؤسسة الصحية بالاهتمام بهذه الشكاوى والرد عليها خلال فترة معقولة.

ونص قانون الخدمة المدنية، على إيقاع إحدى العقوبات التأديبية بحق الموظف الذي يثبت ارتكابه مخالفة القوانين والأنظمة والتعليمات والقرارات المعمول بها في الخدمة المدنية.

وبالرغم من كل ذلك، راودت والد الطفل سلطان الأحمد، والذي يعمل محاميا، مطولا باللجوء إلى القضاء والتقدم بشكوى رسمية ضد الطبيب المعالج.

إلا أن الأحمد، قرر العدول عن وجهة النظر هذه، لعدة أسباب أبرزها، أنه محامي ويدرك جيدا أن القضاء يعاني من عجز في متابعة القضايا ذات الصلة بالأخطاء الطبية التي وصفها بأنها فساد منظم يتفق فيه الطبيب مع القابلة والممرض والإدارة على الضحية.

وعبر الأحمد، عن اعتقاده أن محكمة الرأي العام، تشكل الحل الأمثل لمشكلة الأخطاء الطبية التي عادة ما تخلف مآسي كبيرة، مضيفا، “إننا لا نؤمن بالانتقام، وإنما نؤمن بالعقاب”.

وأشار تقرير الهيئة المستقلة، إلى ارتفاع نسبة الشكاوى المتعلقة بقضايا الأخطاء الطبية، حيث بلغ عدد الشكاوى في الأعوام العشرة الأخيرة، 148شكوى في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يتم الرد إلا على 46شكوى منها.

كما وأشارت إحصاءات أجرتها وزارة الصحة الفلسطينية لنتائج الشكاوى التي تتابعها النيابات العامة، إلى أنه لم يتم الحكم على أية قضية لغاية الآن، في أن سببها خطأ طبي.

وتراوحت نتائج الإحصائية بين وقف إجراءات التحقيق، أو تحويل القضية إلى المحكمة أو عدم اكتمال التحقيق، أو حفظ الملف لعدم وجود خطأ طبي، أو أن القضية منظورة أمام المحكمة المدنية أو الجزائية، أو أن التحقيقات لم تنته، أو أن القضية قيد التحقيق، فيما تم تحويل قضية واحدة في نيابة محافظة رام الله إلى التحقيق.

اللجان الطبية

وورد في المادة “9″ من قانون العقوبات، ضرورة إحالة الشكاوى الناتجة عن الأخطاء الطبية إلى لجنة فنية عليا للنظر فيها، وإبداء رأيها الفني في الشكوى وتحديد عناصر المسؤولية عنها، وهو أمر تلتزم به وزارة الصحة من خلال حرصها على إحالة أية شكوى ترد إليها عن الأخطاء الطبية إلى لجنة طبية للتحقيق في القضية.

وفي هذا الشأن، يقول حماد، “إن اللجان التي تشكل من قبل النيابة للتحقيق في الخطأ الطبي مكونة من أطباء، والأطباء لا يدينون بعضهم، لذلك لم تتم إدانة أي طبيب بارتكاب خطأ طبي حتى الآن، فيما تسهم نقابة الأطباء بشكل كبير في حماية الأطباء، فليست هناك إمكانية لمحاكمة طبيب بشكل مباشر أمام القضاء إلا بعد تشكيل لجنة طبية من وزارة الصحة فيها عضو ممثل لنقابة الأطباء”.

وتناول تقرير الهيئة المستقلة، مجمل الردود التي وردت الهيئة عن شكاوى الأخطاء الطبية من وزارة الصحة، والتي تجمع على أن مفهوم الخطأ الطبي غير واضح للجان الطبية القائمة على التحقيق، وفي بعض الحالات ومع اعترافها بوقوع الفعل محل الشكوى، إلا أنها اعتبرته في إطار المضاعفات الطبيعية غير المؤاخذ عليها، والتي ليس فيها تقصير أو إهمال.

وأبرز التقرير، بعض الحالات التي كان منها إقرار لجنة التحقيق بنسيان الطاقم الطبي قطعة شاش داخل بطن المريضة خلال عملية جراحية، بعدم وجود خطأ طبي يستدعي فرض عقاب تأديبي.

ويبقى السؤال الذي يراود ضحايا الأخطاء الطبية، “هل من الممكن أن يكون القاضي هو الجلاد؟!”، وسط أصوات تعلو مطالبة بتشكيل محكمة الرأي العام لمحاسبة المسؤولين عن الأخطاء الطبية، حتى لا يبقى القاضي هو ذاته الجلاد.

 

Be Sociable, Share!


التعليقات

نقل عفش بتاريخ 9 يوليو, 2014 الساعة 1:37 م #

مشكوور
مدير موقع نقل عفش


وي كير جيرماني بتاريخ 9 يوليو, 2014 الساعة 1:41 م #

مشكوور

مدير موقع وي كير جيرماني


Mysurprise بتاريخ 14 سبتمبر, 2014 الساعة 12:37 م #

مشكوور
مدير موقع Mysurprise


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash