سبتمبر
28
في 28-09-2012
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    273 views

شعور بالنقص كان دائما ما يملئ قلبها كرها، يؤجج النار التي اتقدت فيها سنينا، شعور خلف ورائه إحساس بالحياة، أنساها الزمان وتوقف على لحظات مؤلمة من عمرها ، اصطخب عقلها قليلا لكنها سرعان ما نهضت تقاوم أية رغبة في التذكر.

نهضت بخطاها المثقلة تشد ورائها أحلاما مبعثرة، تخفي بقلبها حزنا استطاع منه امتلاءا، بحركات لا إرادية ترنحت واقفة، وجدت نفسها أمام مرآتها، التي لم تشاطرها إلا الحقيقة، نظرت إلى الوجه اليائس، العينان الواسعتان، الفم الممتلئ، القد الممشوق، لم تكن من الجمال ذلك الشيء الساحر، كانت تحب ذاتها وتحس أنها خليلة روحها، أحبت الوحدة وعشقت في نفسها الأنانية، غالبا ما تكون الأنانية فينا واهية نتستر بها عما في داخلنا، ليس رغبة في الكره، إنما من شدة الحب.

ألقت بنفسها على الفراش مرة أخرى، أسدلت الجفون التي تلكأت عليها العبرات دونما وعي، نظرت إلى الورقة التي طالما نظرت إليها، إنه اليوم، أجل اليوم، لقد حان لقلبها أن يتكلم وتخرج من عزلتها.

قامت ترتدي معطفها الطويل، تهم بالخروج، لكن شيئا ما أوقفها فجلست تتريث قبل أن تفتح الباب لتخرج، بكت بحرقة، عندما تشرع دموعها بالهطول، ترتبك غير مدركة أن في الدموع من الصبر الشيء الكثير، في العبرات شيء يريح النفس يقويها رغم الألم، رغم العذاب، فالدموع هي ترياق ناجع في الشفاء، تمالكت نفسها قليلا، وقفت، واستطاعت أن تطرد دموعها جانبا بعدما أراقت منها الشيء الكثير، خرجت مسرعة مخافة أن تعاودها نوبات الصرع التي أنهكت جسدها وأرقته.

يعزف الخريف بسيمفونيته أصواتا رائعة في الخارج، ويحدث الورق المتساقط من الشجر أنغاما تتلاءم مع جمال الخريف، غيوم في السماء تكاثرت ومالت إلى الاسوداد، أشجار رصت على قارعة الطريق، وفي ذهنها تناجي روحها المنقبضة، في عقلها الباطني تتأمل الروعة دونما شعور، خرجت لموعدها المنتظر، كلمات، كلمات تقولها ستذهب الأسى ربما أو تزيده، كل منا لديه في قلبه شعور، كل منا إنسان، رغم القسوة، رغم الضيق، رغم الوحدة، هناك الشعور.

ودت لو تحتضن نفسها قليلا وتبكي، إن البكاء خليلها الوحيد، ودت لو تبقى وحيدة، ففي الوحدة أسمى معاني الحياة، في الوحدة كل ما تتمناه تدركه، إنها الوحدة.

تابعت مسيرها في الطريق، كانت تتمشى على مهل إنها لا تريد الوصول، لكن عليها ذلك، طوال الطريق كانت تخاطر نفسها، إن في ذلك الراحة الكبيرة، والأمل الكبير، كانت تعاني، وكانت صامتة، ما أبشع الصمت مع أنه أسمى الكلام، لكنها قررت ألا تبقى صامتة، عل في ذلك ما يشفي روحها التي سقمت الصمت وتعبته.

في داخلنا، شيء يعزز القوة فينا يعطينا جرعة من الأمل، يعطينا سلاما واطمئنانا، في الحياة، الحب والكره تساويا وامتثلا لمشيئة القدر، وفي حياتها عرفت الحب مرة، ثم مات فيها الحب، ليولد الكره، ثم مات فيها الشعور حتى أصبحت لا تعرف للحب أو للكره معنى.

وصلت وفي داخلها شعور بالرهبة المستوحشة، اتخذت لنفسها مكانا قصيا تنأى به عن غيرها من الناس وتستمر في السمر مع ذاتها، لكن السمر لم يطل، وأطلت عليها الممرضة تقول: “سيدتي، الآنسة ليلى بانتظارك”.

دخلت واصطخبت في رأسها الأفكار تباعا، دوت صرخات الماضي وانفجرت، ودت لو تغادر المكان، تجري وتصرخ لا أريد الكلام، تنأى بنفسها عن البشر، أحبت لو حبذا نوبة من الصرع تأتيها فتموت، ولكن دفعها شيء إلى الأمام، وبخطى واثقة تقدمت وجلست.

تفحصت المكان بنظرات خاطفة، ورود اصطفت على حافة النافذة ينبعث منها رحيق أشبع أنفاسها المتهدجة، لوحات نثرت على الجدران البيضاء، لم يكن شيء يثير الريبة في نفسها إلا خوفها من الطبيبة، كانت د.ليلى جميلة ترتدي ثوبا أبيضا أثار في نفسها الراحة، صففت شعرها بطريقة عشوائية مما زاد من جمالها، أما هي فدقات قلبها توالت مسرعة، يداها الباردتان اقترنتا سويا، شفتاها أطبقتا وضمتا بعضهما حتى كادتا أن تنسيا معنى الكلام.

استقبلتها د. ليلى التي انشغلت بترتيب بعض الأوراق مرحبة بها، نظرت إليها نظرات أولية، العينان اللتان أحيطتا بهالة من السواد المعتم، البشرة التي نتأت من الدموع، الشعر الذي أهمل ولم يسرح، أحست بالعبء يرزح خلف تلك العينان، الدموع تراكمت خلف العين واستترت، أدركت أن سرا كبيرا يكمن وراء هذا الوجه الجميل الذي أضناه الألم وقالت لها مواسية:

” كل منا لديه ما يخفيه وفي قلبه يطمره ، فكل منا إنسان، وتلك غرائز إنسانية، لكن اعلمي، إن من الأسرار ما يقتل، بعض الصمت يولد غصة إذا ما تفاقمت أقدمنا على الموت دونما خيار، وبعض الكلام ما يفيق من غيبوبة استطاعت منا امتلاكا، فقولي وفرجي لي كربك، عل في ذلك ما يريح، وما تقولين لي سيبقى بيننا، فلا تخافي”.

تنفست قليلا وأرخت جسدها أسدلت العينين والأهداب وبدأت تتذكر، آه ما أبعد ذلك الوقت لكنها تتذكر، أجل ستبوح بما في جعبتها أنه خيارها الوحيد، صمتت قليلا ثم استدركت نفسها، وقالت:

“في ليالي الشتاء، تلعب الرياح وتتراقص على أنغام السحاب، تقشعر أجسادنا بردا وتطلب الدفء، حضن أمي هو المكان الوحيد الذي أشعر به بالدفء، وقد فقدت الدفء كما فقدت أمي، فقدت الحب كما فقدتها، فقدت الحياة والوجود، وما عاد شيء يقيني البرد، فقد ماتت أمي كما فعل أبي الذي مات قبل أن ترى عيني النور، ماتوا وتركوني وحيدة، كنت صغيرة جدا، كنت وحيدة، أحببت الوحدة ليس حبا بها، بل لأنها ولدت معي لقد وئدت في الحياة، في كل ليلة كنت أسيرة دمعي وحزني، لا شيء لي سوى المناجاة، فقدت الحب وفقدت الكره فقدت الشعور منذ نعومة أظافري، لم أكن أقوى على الكلام، كانت دموعي لغتي، بكائي صوتي، ووحدتي نجاتي.

انتقلت إلى بيت عمي، كنت صغيرة لم أبلغ العاشرة بعد، لم أفارق غرفتي شهورا، كان عمي يحبني، رغم ثرثرة زوجته، كنت أشعر بالغيرة عندما أراها تحتضن ابنها، حبذا لو احتضنتني أمي، احتاج الحب واحتاج الحنان أيضا، اللوعة في قلبي فاقت الحدود، الشوق إليها أرقني، كنت أبكي وحيدة في ليالي الشتاء، كان البرد ينال مني، و الدفء ابتعد عني، وامتلكني البرد.

حاولت أن أقاوم وحدتي، مرت سنون كثر، استطعت خلالها أن أنجح بدراستي، وأتفوق فيها، كبرت وتوهجت عيناي وانشرح قلبي حتى كاد ينسى ألمه، لكن الألم لا ينسى، بقيت أمي في ذاتي ذلك الشيء الجميل الذي لا يموت.

بلغت عامي الثاني والعشرين عندما أقبل شاب يخطبني، فوافقت ليس رغبة مني في الزواج، بل لأني كنت أحس نفسي ذاك الحمل الثقيل الذي يرزح على كاهلي عمي ويؤرقه، مع أنه أحبني كما أحب ابنته.

كان مراد قد بلغ التاسعة والعشرين من عمره حين تزوجنا، كان هذا زواجه الثاني، ذو عينان واسعتان مالتا إلى اللون البني المحروق، وشعر أسود كثيف، وأكسبته الشمس من أشعتها بعض السمرة، كان فارع الطول، ممتلئ الجسد، جميلا إلى درجة الاعتدال، أحب العزلة والانطواء، وابتعد عني كما لم أقترب منه، كنت أحس بشيء يكمن خلف تلك العينان، ولكنه لم يقل لي كما لم أسأله.

بدأ فصل جديد من ربيع عمري، بدأ معه، كنا لا نتقابل إلا ما فيما ندر، بسبب عمله الذي يتطلب منه أن يخرج مع إشراقة الشمس ليعود في المساء منهك الحال، كان أجمل شيء في حياتي مع أنه لم يشغلها، الأمل البعيد في الحياة التي طالما أضنتني وأرقتني، الشخص الوحيد الذي شاركني نظرات الحزن والوحدة، كنت أعرف أنه يود لو يصارحني بما يخفيه، لكنه لم يفعل.

استمرت حياتنا تجري مسرعة تنهل من الحزن لتعطينا نحن الاثنان، لكن الحزن لم يطل بظلاله علينا وأمد بشيء من السعادة قلوبنا التي أماتها الحزن وأضناها، اقتربنا من بعضنا قليلا حتى أصبحنا نتبادل الكلام مطولا كما كنا نتبادل النظرات، خرجنا من عزلتنا التي أسرتنا وحيدين في الظلمة الدكناء، كانت تلك أسعد أيام حياتي وأروعها، حيث امتلئ القلب حبا، والعيون أشبعت بالنظرات المتهدجة التي أنارتها الحياة فينا.

في صبيحة أول أيام تموز، وبعد سنتين من الزواج، أحسست بشيء ما يؤرقني، واضطراب بالرأس ألح علي ألما، ذهبت إلى الطبيب الذي أعطاني أجمل نبأ في حياتي السقيمة، كنت حاملا، كان الشعور بالروعة يملئ قلبي، كنت أتحرق شوقا لأخبره أن طفلا سيأتينا ويملأ بيتنا فرحا وضحكات، ما أعظم سعادتي ذلك الوقت.

في الخارج كانت الشمس تلدغني لكني لم أحس بحرقتها، كنت أرى الجو لطيفا يصيبني بنفحات من البرد التي تسرع الشمس لتزيلها، فيرقص جسدي فرحا وأمل، أحسست أن أمي تطل  علي بوجهها من السماء، تضحك فرحة، تبادلني الحب الذي حرمتني إياه بموتها، أطلقت العنان لضحكتي حينها، حتى ليظن من في الشارع أن ضربا من الجنون أصابني، أنا التي كنت أضن على الضحكة أن تخرج من الثغر الذي مل العبوس وأبخل عليها بالخروج، أترنح الآن بضحكات دوت في قلبي الذي تعالت دقاته حتى كدت أسمع الموسيقى تخرج من بين ثناياه، كنت فرحة جدا، لقد بدأت حياتي تأخذ منحى أخر، تبتعد عن البؤس لتتخذ من السعادة عنوانا.

تابعت السير وعقلي مشغول بما في أحشائي، جلست قليلا علني أتدارك الفرح في قلبي، كان البحر أمامي صافيا ركدت أمواجه كأنها تعبت من الحركة، ما أجمل حيفا، أول مرة أحس فيها ببديع المنظر، كل شيء كان ساكن رغم الضجة، فقلبي لم يشعر بالصرخات التي انطلقت من أفواه الأطفال، كأن صراخهم رنين أنغام بديعة تساعد ذهني على التفكير في طفلي، كنت حقا فرحة، آه لا أستطيع أن أشرح لك مدى فرحتي حينها”.

لاحظت د. ليلى الدموع التي انسابت من بين العينان المغمضتان اللتان تتذكران بشيء من الروعة، وأكملت صفاء كلامها: “أحسست حينها بشعور غريب، تذكرت حين ماتت أمي، كيف حزنت وبكيت، صحيح أني فقدت أمي، لكن الآن لدي أمومتي، ونهضت في شيء من الراحة، ثمة شيء شدني إلى المنزل بقوة، فاتخذت طريقي إليه، شرعت في تحضير الطعام الذي يحبه مراد، كانت رائحة الطعام تبعث في أنفاسي رائحة زكية، وصوت المقلاة يحدث ضجيجا أشبه بالموسيقى الصاخبة التي أمتعتني حينها، لبست أجمل فساتيني حينما انتهيت، وصففت شعري الذي نادرا ما صففته، وبشيء من العطر اكتملت أناقتي، كانت أول مرة أتأنق هكذا، نظرت إلى مرآتي، التي كادت أن تقول لي “آه، كم أنت جميلة” ضحكت في نفسي قليلا حتى خرجت الضحكة إلى شفتاي، ووضعت يدي على بطني بشيء من الخفة، وتأملت روعة الرب الذي أعطاني ووهبني أسعد شيء في الدنيا، الذي منحني ساعات تملؤها الروعة، حتى أنني شغلت المذياع الذي ما لبث يغني وأغني معه:

“أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي، أحبيبني لأيام لساعات فلست أنا الذي يهتم بالأبد…… أحبيني”

كانت رائحة الطعام الممزوجة برائحة العطر والورود التي اصطفت على الشرفة تملئ البيت، وصوت المذياع الذي انسجم مع صوتي مصحوبا بالصدى مصدرين ثلاثتنا ضجة جميلة في أرجاء المقصورة، شعرت بالروعة المطلقة، وحينما نظرت إلى الساعة كانت قد بلغت السادسة، مر الوقت بسرعة، كان صوت أقدام مراد يتناهى إلى أذناي، كان يرتقي السلم، واستقبلته أفتح له الباب، والتقت نظراتنا، عيناي اللتان أشبعهما الفرح ونظراته اللتان طالما خيم عليهما الحزن الغامض الذي يخفيه بصدره، كدت أصرخ بالنبأ كي تضحك عيناه كما عيناي، لكني صمتت منتظرة إياه ليدخل، علت الدهشة بالمنظر وجهه، أنا متأنقة، ورائحة الطعام والعطر تفوحان بالبيت، وأصوات الموسيقي المنبعثة من المذياع تتعالى محدثة ضجة، قال لي بشيء من الدهشة:

-       صفاء ما الأمر؟

-       هناك أنباء جميلة يا مراد أنا في غاية سعادتي..

-       ماذا هناك؟ أنا حقا مندهش!

-       انتظر وستعرف حين نتناول طعامنا، لقد حضرته بنفسي.

وحين اجتمعنا على المائدة التي حضرت بعناية فائقة، والشموع تنير الظلام الذي ساد الغرفة وترسل بأنوارها شيئا من الدفء وشيئا من النور، والمذياع الذي لم يتوقف عن الغناء يصدح بموسيقى بيتهوفن الجميلة، والنافذة الكبيرة التي بعثت الأنوار من الخارج، في أجواء جميلة أحسست بها لأول مرة في حياتي، تناولنا طعامنا الذي كان قوامه السمك وحساء ساخن وأرز، وبعض من السلطات المتنوعة، وكأسي عصير من المانجا الشهية، لم أتمالك نفسي وقلت له:

-       سيأتينا طفل يشاركنا هذه السعادة، وينير حياتنا فرحا.

قلتها ونظرت إلى عينيه مباشرة، تلكأت دمعة خلف عينه ولم ترد النزول خجلا، لكنها سرعان ما تهاوت على الخد الأسمر، وسرعان ما أزالها، استحياء من نزولها، لقد صدم كثيرا، ولم يتمالك نفسه وهم بالانصراف إلى الداخل دون أن ينبس ببنت شفة، إحساس بالغرابة اعتراني، هل تلك دموع الفرح!، تبعته إلى الغرفة حيث أوصدها بشيء من الإحكام، طرقت الباب وناديته لكنه لم يفتح ولم يتكلم، رجوته أن يقول لي ما به، توسلت إليه لكنه لم يشفق على دموعي التي انهارت ولم تتمالك نفسها…….”

لم تتمالك صفاء نفسها وشرعت بالبكاء، قامت ليلى إليها مسرعة تحتضنها بشيء من الحب والحنان، وتآلف الجسدان بشيء من الحب الذي خففت الدموع من وطأته، حقا إن الألم الذي يختبئ في نفوسنا أقوى وأعظم من أي ألم كان، الحزن، شعور يسرق النفس من ذاتها ليعذبها ويقتلها، حيث تصبح الدموع الرفيق الوحيد والدواء الوحيد….

إن حياتنا مليئة بالحزن، بالمشاعر المكبوتة، التي تصرخ في الأعماق والوجدان، تطالبنا بالتحرر منها، ولكن غرائزنا الإنسانية تسيطر على عقلنا الواعي وتجعلنا في حالة من اللاوعي، والانكسار.

استطاعت ليلى أن تخفف من روع صفاء، وجلست مقابلها، تتأمل الدموع التي انسكبت من العينان، تتأمل شفتاها اللتان اعترتهما رغبة في الكلام، تتأمل اليدان اللتان فتلتا بعضهما، وتابعت صفاء قائلة:

“ذاك المساء جلست لوحدي في الظلام، حيث كانت الشمعة ترسل أخر أنوارها إلي، فكرت قليلا، ولكن أفكاري لم تصل بي إلى أبعد من جدران الغرفة تلك، بكيت، حقا لقد مللت البكاء، وددت لو أموت، روحي المعذبة ملت عذابها، جلست أتأمل، لم أكن بعيدة جدا عن السعادة، التي بلحظة تركتني وحيدة مع الحزن، كرهت زوجي الذي بخل على قلبي بفرحته، لماذا فعل هذا بي، لماذا؟!

في الصباح كان الكحل قد سال من عيوني مع دموعي، وخلف ورائه منظرا قبيحا، وذابت الشمعة التي أنارت قلبي بفرح، لتطفئه كما انطفأت أخر أنوارها، وهو لا يبالي بي، هو السبب في شقائي، تعاستي وأحزاني…….

فتح باب الغرفة، وخرج منها مكسور الرأس، وجلس إلى جانبي، وسألني أن نتمشى، فأجبته أن نعم، ضحك فؤادي قليلا، ربما يود أن يكفر عن ذنبه البارحة، ويخفف من وطأت عذابي، وبخمس دقائق، اغتسلت ومسحت الكحل الذي سال مني، وبدلت ثيابي، كنت على عجل، وددت لو أعرف ماذا سيقول……..

خرجنا معا، كان الطريق مفعما بالحياة، لم تكن الشمس استوت على لهيبها بعد، والضجيج آخذ بالارتفاع، ولكني لم أسمع إلا صوته ولم أعي إلا ما يقول، كان يحدثني عن طفولته، وكم هي جميلة، ثم دخلنا إلى مقهى على جانب الطرق، كانت تنبعث منه أغنية فيروز “بعدك على بالي”، كان المكان هادئا لطيفا، وطلبنا فناجني قهوة، بينما تابع كلامه قائلا:

“قبل أن أتزوجك يا صفاء كنت أعيش في حالة من البؤس، والفراغ التام في حياتي، قررت ألا أتـزوج، لكن أمي ألحت علي بالزواج، بعد أن فشل زواجي الأول، كنت سعيدا معها في حياتي كما أنا سعيد معك الآن، إلى أن كانت هي الأخرى حاملا، فرحت في بادئ الأمر، لكن بعد أن أنجبت مات الولد، لم نيأس وأنجبنا ولدا أخر الذي أصيب بشلل في الدماغ، ومات بعد أن بلغ شهرين من حياته، أما أنا فقد امتلأت حياتي بؤسا، وأجرينا الفحوصات لنعرف ما السبب، وكنت أنا، أنا السبب يا صفاء، إن كل أولادي يموتون، ولا يبقون على قيد الحياة، أما هي فطلبت الطلاق، رغبة منها في أن تصبح أما، حاولت أن اخبرك لكن خفت أن تهجريني كما فعلت، ولا أرغب الآن بأن تتألمي أنت أيضا وتذوقي العذاب، وإني أريد أن تجهضي الولد”.

قالها وانفجرت دموعي، وامتدت يدي إلى أحشائي أتحسس طفلي، لأتأكد أنه لا يزال صامدا أمام تلك الكلمات، الآن، لماذا الآن!؟ إني أكرهه وأمقته….

في رأسي كانت الأفكار تتزاحم دون وعي، في قلبي، كان شيء من الكره يمتلكه وشيء من الحب يخفف عن قلبي المعذب حزنه، أما جسدي فامتلأت به الرعشة، وخرجت مقاومة أية رغبة في الكلام،  انهارت أعصابي، حتى بدأت أجري وأجري أهرب من الواقع إلى المجهول، وحيث كان قلبي وعقلي وجسدي مضطربين، ويدي تمتد إلى حيث يوجد طفلي ولم أدرك الوجود وطغت علي حالة من اللاوعي والانهيار، وتهاويت على الأرض كمن مسه شيء من الجنون…

حين فتحت عيني، كان الأطباء يحيطون بي، والإبر تملئ جسدي الممزق، سمعتهم يتحدثون أن نوبات من الصرع تتملك جسدي المجنون، فصرخت بكل ما في من جوارح، “طفلي”…

لقد ذهب كما تذهب الرياح لتأتي بالصيف، ليذهب الدفء الذي ملئني لأيام ليأتي البرد الذي امتلكني سنين عمري، فقد فقدت أمومتي كما فقدت أمي، إنها سخرية القدر…

لماذا أعاني هذا الحرمان العضال، لماذا؟!..

أما هو فقد كان يذرف الدموع التي أغرقت مآقيه، يطلب مني الرحمة، ولكني كما بلحظة أحببته، بكلمة نبذته وكرهته، فهو السبب في معاناتي، في حرماني…

عدت إلى البيت، لم أكلمه حتى أنني لم أكن أراه مع أنه كان دائما موجودا، يطالبني بالرحمة، لم أتحدث، ولم أبكي فقد جفت الدموع، ولم أشغل نفسي به أو أعي ما يقول، فقلبي وعقلي كانا مشغولين بشيء أهم، شيء بعيد ضاع في الأفق، وذهب مع مهوى الريح.

بدأت نوبات الصرع تشتعل في جسدي المنهك، أما هو كان يلح  علي أن أرى طبيبا نفسيا، إنه يتهمني بالجنون، لكني كنت صامتة لا أتكلم، مرت شهور على هذه الحال، حتى استيقضت في الصباح لأرى منه رسالة، قرأتها حتى حفظت كل كلمة فيها، حتى أنني علقتها على جدار غرفتي، ويقول لي فيها:

“صفاء:

معك عرفت الحب كما عرفت الحزن، إني لأعلم أني السبب في شقاءك مع أني لا أقوى عليه، أرجو الرحمة من ربي ومنك، معذب أنا ومجروح، أعيش حياتي في عذاب لا متناهي، وأنت يا خليلة الروح، معذبة مثلي، لقد أسرنا العذاب وأخذ من روحنا وحياتنا كما أخذ طفلنا الذي لم ترى النور عينيه، أنا لا أقوى أن أرى روحك الجميلة تضن بالعذاب وتتألم، وقلبك الذي لم يعرف الكره، يكرهني، وأنا الذي لطالما أحببتك…

صفاء…. عيني لا تنفكان تذرفان الدموع عليك، فارحمي بي واغفري لي، إن نوباتك التي تعانين منها، كأنما تشعل النار في جسدي، الذي لم يقوى على الاحتمال أكثر، لقد أخذت لك موعدا مع الطبيبة النفسية، كتبته أسفل الورقة، وإني أرجو من قلبك الكبير وروحك الجميلة أن لا تضن على قلبي بالمغفرة والرحمة…

زوجك مراد”

لقد تألمت على بعده، مع أني في أيامي تلك، مقته أشد المقت، وكرهته أشد الكره، لكنه زوجي، وهو من أخرجني من عذابي الأول، ليرميني في عذاب أشد وأقسى، كرهته ليس كرها فيه، إنما شدة في حب ولدي، تمنيت الموت، الجحيم لعذابي الذي يستمر يسقيني المر بكلتا يديه، ينهل منه ليعطيني عذابي وحرقتي وألمي، وقررت أن أتي إليك هذا الصباح بعد أن تأملت تلك الورقة، خفت من الكلام، إلا أن فيه راحة لأعصابي المنهكة، وإني الآن لأحس في قلبي سقم، وروحي تشتاط بالعذاب وتضن لوحدها، أما مراد فإن شوقي إليه يضاهي كرهي له، مشاعري اختلطت واضطربت أيما اضطراب، وعيوني جفت مآقيها، حتى نبذت الدموع والعبرات، والكلام الآن انتهى لكن الحزن باق يؤرق في قلبي.

وصمتت….

أما ليلى فقد نظرت إلى مريضتها، نظرت إلى العينين اللتان تطلبان الرفق والرحمة، تتوسلان الدموع ألا تذرف، اختلجت في نفسها المشاعر، وقالت لها:

“إن ألم النفس أقوى الألم، وإني لأفهم شعورك الذي اختلطت وارتبك غير مدركا الصواب، الشعور بالنقص، الغضب، الوحدة، مشاعر أليمة تؤرق وتقتل، في أغلب الأحيان نحن نصنع هذه المشاعر، تلح فينا الأنا، فلا نقوى عليها ونخضع لها، تتملكنا حالات هستيرية لأننا فقدنا ما نحب، ندرك الصمت ونختاره عل في الصمت ما يستر ويريح.

ولكن ذاك الصمت يقتلنا ويعث في النفس فسادا حتى يدميها ألما، والحزن في قلبك عظيم، أحيانا نخفي في داخلنا سرا دفينا نشعر بالموت إذا ما عرفه أحد، ولكننا لا نعلم أننا حين نقول نرتاح ونفرج كروبنا إذا ما شاطرنا أحد ذلك الحزن مهما كان أليما.

القدر، مشيئة من الله، فهو إذا ما أخذ شيئا منا مدنا بخيره، وكما أخذ منك طفلك، أعطاك زوجا محبا، زوجك عذبه القدر كما عذبك، والحياة كما فيها مرها فيها حلوها، فاتركي الدموع والحزن جانبا، واضحكي تضحك الدنيا لك، ومن منا يعلم، ربما يأتي ذاك اليوم الذي يتعافي فيه زوجك، ويرزقك الله بأبناء كثر يزينون حياتك وحياته.

عندما نفقد من نحب، تسود الدنيا في عيوننا، ونغرق في حزن لا متناهي، ذلك الحزن الذي يسلبنا الحياة والروح ويبقينا حبيسين أرواحنا…

التفاؤل، هو طريقك للنجاة، إن فيه النور الذي يضيء الظلمة الدكناء التي خيمت على قلوبنا، الإنسان مخلوق عظيم الحساسية، بكلمة يضحك وبكلمة يبكي ويثور.

الظلم مذاقه مر كالعلقم، وأنت يا صفاء، ذقت الظلم حتى تسممت روحك الجميلة، ولكن قد خلق الله لكل داء دواء، فالإحساس بالظلم أعظم من الظلم نفسه، فلا تبقي نفسك رهينة ذاك الإحساس، وانطلقي إلى الدنيا بجمالها، وانظري إلى الجانب المشرق، ولا تتسمري على لحظات مرت وانقضت، إنما انطلقي نحو الحب، نحو الفرح، نحو الجمال.

أما صفاء، فرنت كلمات ليلى في رأسها رنينا يكاد يصم الأذن، كان لها الوقع الكبير في نفسها، خرجت، لا تدرك خيارا وطريقا تسلكه، كانت أوراق الشجر في الخارج لا تزال مستمرة في النزول، وقطرات الماء تنساب متسللة من بين ثنايا السحب، والشوارع تبللت بقطرات المطر القليلة، والسيارات تكاثرت وامتلئ بها الشارع، وأصوات الموسيقى تتسلل من جدران المقهى المجاور، أما هي فقد شعرت بجمال المظهر كما لم تشعر من قبل، وجلست على المقعد الذي مل الوحدة، وبرفق أخذت تتأمل الشجيرات التي تترامى منها الأوراق، ورفعت بصرها تجول به المكان، ورأته، كان بانتظارها طوال الوقت، فقامت توجهها المشاعر وتأخذها إليه، وبدون كلام سارا في الطريق يناجيان بعضهما دون كلام…..

النهاية

Be Sociable, Share!


التعليقات

pandora بتاريخ 21 أكتوبر, 2012 الساعة 10:39 ص #

The reason why Pandora style beads have a wide variety of designs is because the repetition of designs is highly avoided. They are designed in a way to make it match with a current necklace or bracelet. If you decide to purchase a necklace as opposed to the beads alone, then you will have a more personalized collection to suit you. The pandora necklace and bracelet come in various sizes and can be adjusted to fit you perfectly. The best part is that it would be very difficult to find the exact same one as the one you have bought.
Charm bracelets can be funky and fun, or they can be formal and fashionable. They are usually comprised of bulkier chains which can carry the weight of the charms and the ump rings?used to attach them. This sort of bulkiness often makes them difficult to wear with lighter or more delicate garments,pandora charms and many people bemoan just how easily a charm might fall from the bracelet without the wearer ever noticing the event.


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash