كتبت وطن بلاص

كثيرا ما ينتاب المواطن أحمد الأحمد، من قرية رمانة غربي جنين، شعور قاتل وهو ينظر إلى طفله سلطان الذي لم يتجاوز من العمر أربع سنوات، يبكي بدون انقطاع لساعات طويلة، دون أن يتمكن من معرفة سبب بكائه أو ألمه.

ويعاني الطفل سلطان، كما يقول والده، من شلل دماغي رباعي كامل، جعل منه طفلا عاجزا عن مجرد الحركة أو الكلام، في وضع مأساوي رافقه بعد ولادته مباشرة، ويعتقد والده بجزم، أنه ناجم عن إهمال طبي، وعدم العناية بزوجته عندما كانت في حالة ولادة.

يقول الأحمد، إن زوجته أنجبت طفلها دون أن يكون الطبيب المختص موجودا في المستشفى وقت الولادة، ما اضطره إلى نقل زوجته وطفله الذي لم يتجاوز وزنه 6ر4كلغم إلى المستشفى العربي التخصصي في مدينة نابلس، ليعلم حينها أن طفله يعاني من شلل دماغي رباعي من الحالات النادرة جدا، بسبب حدوث أخطاء في عملية الولادة.

ويعتبر الطفل سلطان، واحدا من بين حالات كثيرة معظمها من الأطفال ممن فقدوا إما قدرتهم على الحركة، أو الإبصار، أو السمع والنطق، ويعانون من إعاقات متعددة الأشكال، ليطلق عليهم اسم “معاقين”، أو “أشخاص ذوي إعاقة”، فأصبحوا “عاجزين” عن مجرد الشعور بالحد الأدنى بالمساواة مع أقرانهم، بعد أن وقعوا “فريسة” للأخطاء الطبية.

 وكان الطفل عبد الله أبو الحسن الذي لم يتجاوز من العمر ستة أعوام، من بلدة اليامون غربي جنين، أحد هؤلاء “الضحايا”.

فبينما كان الصمت هو سيد الموقف، يقول الدكتور عماد أبو الحسن، والد الطفل عبد الله، “إن عبد الله أصيب بشلل في ساقه بعد أن حقنه طبيب بمكان خاطئ في ساقه، ما أصابه بضرر بالغ في عصب ساقه، وضمور عضلي فيها، وعدم القدرة على المشي”.

واليوم، يضيف الأب، إن ابنه عبد الله يمشي بقدم ونصف القدم، وذلك بعد أن صمم له ساقا اصطناعية متحركة أصبحت أشبه ما تكون بجزء من جسده لا يستطيع التحرك إلا باستخدامها.

113ألف شخص معاق

وتشهد الأراضي الفلسطينية ارتفاعا ملحوظا في نسب الإعاقة، حيث وصل عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة إلى 113ألف شخص منهم 75ألف حالة في الضفة الغربية و38ألف حالة في قطاع غزة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، ووزارة الشؤون الاجتماعية.

ويبقى السؤال الأبرز الذي يراود كثيرين من المهتمين بمجال الإعاقة وأصحاب الإعاقة أنفسهم، “هل تشكل الأخطاء الطبية أحد أسباب هذه الإعاقات المتزايدة؟!”.

يقول أخصائي العلاج الطبيعي، محمود أبو قذيلة، إن هناك من 15حالة إعاقة ولغاية 25حالة ناتجة عن الأخطاء الطبية، تصل إلى مركز العلاج الطبيعي حيث يعمل في مدينة جنين سنويا، وأغلبها شد في الكتف وشلل دماغي أو خلع بالمفصل.

ويعتبر الشلل الدماغي، أحد أكثر الأمراض انتشارا في فلسطين وخصوصا في محافظة جنين، حيث يتجاوز عدد الأطفال المصابين بهذا المرض، 532حالة مرضية بحسب إحصاءات جمعية “الجليل” للرعاية والتأهيل الخيرية، ومقرها مخيم جنين، وهؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم بين يوم واحد ولغاية 16سنة.

وبينت الجمعية، أن نسبة الأطفال المصابين بالشلل الدماغي من مجموع الإعاقات الكلي، تبلغ 20%، وغالبية هؤلاء الأطفال، مصابون بتلف في خلايا الدماغ ناتجة عن نقص الأكسجين أثناء الولادة، وغالبيتهم يعانون من تعدد في الإعاقات.

واستعرضت، العوامل والمؤشرات التي تؤدي إلى الإصابة بالشلل الدماغي، وكان أبرزها تدني مستوى الوضع الصحي للنساء، ونقص الأكسجين أثناء الحمل والولادة وما بعد الولادة بسبب الإهمال الطبي، وصغر محيط الرأس، وزيادة السائل الدماغي الشوكي وهو ما اصطلح الأطباء على تسميته “استسقاء الدماغ”.

وفي حديثه عن الشلل الدماغي يقول أبو قذيلة، “إن هناك ضحايا كثيرة تنتج عن الأخطاء الطبية، وأغلبها حالات شلل دماغي ناتجة عن نقص الأكسجين في الدماغ، ويكون ذلك بسبب إهمال الطبيب في تشخيص حالة المرأة الحامل، وسوء تقدير في عملية الولادة الطبيعية، ما يؤدي إلى اختناق الطفل ونقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ، وهو ما يؤدي إلى حدوث الشلل الدماغي، ومن ثم حالة الخلع في الكتف.

علاج ولكن

يقول رئيس الاتحاد العام للمعاقين رفيق أبو سيفين، أن مرضى الأخطاء الطبية لا ينالون أبسط حقوقهم، وهذه الأخطاء يمكن أن تؤدي إلى حدوث إعاقات دائمة لا علاج لها.

وبينما يؤكد أبو قذيلة، أن الإعاقات الناتجة عن الأخطاء الطبية تتفاوت في درجة خطورتها، فتتم معالجة بعضها عن طريق المتابعة الدائمة للحالة وإخضاعها للعلاج الطبيعي والوظيفي، إلا أنه أشار في ذات الوقت، إلى وجود حالات مستعصية ونادرة لا علاج لها.

ويعالج أبو الحسن، ابنه عبد الله منذ ستة أشهر من اكتشاف إصابته، حيث عرض حالته على ثلاثة مستشفيات فلسطينية، ويتناول اليوم مقويات لعصب ساقه، ويخضع لجلسات “المساج الطبيعي” بما معدله ثلاث مرات في الأسبوع، وهو علاج يعتقد الأب أن له أثر سلبي على الحالة النفسية لطفله.

أما الأحمد ورغم إجماع الأطباء، على عدم وجود جدوى لإخضاع طفله سلطان لأي شكل من أشكال العلاج، واستقرار وضعه على ما هو عليه، يصر على إخضاعه للعلاج الطبيعي والوظيفي في مركز التأهيل التابع لجمعية “الجليل” للرعاية والتأهيل المجتمعي الخيرية في مخيم جنين.

ومن وجهة نظر الأحمد، فإن هذا المركز يعمل بإمكانيات محدودة، ولا يعتمد على أي شكل من أشكال الدعم الحكومي، كمؤسسة أهلية وحيدة تقدم خدماتها للأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديدا مرضى الشلل الدماغي ممن لا يتلقون الحد الأدنى من الرعاية، باستثناء جمعية “الجليل” والتي تستقبل مثل هذه الحالات.

وتتفق المواطنة سميرة خلف “45عاما” من مدينة جنين، مع آراء كثيرين بشأن عدم توفر العناية لضحايا الأخطاء الطبية.

وبالرغم من إصابتها بشلل تام في يدها وساقها بسبب خطأ طبي منذ خمس سنوات، إلا أن هذا الشلل سرعان ما سيطر على جسد خلف بالكامل، لتستسلم له بعد محاولاتها الدؤوبة لتلقي العلاج الطبيعي والوظيفي، وذلك بعد أن أكد لها الأطباء عدم إمكانية تحسن حالتها.

وبقليل من الصبر، استطاعت خلف أن تتمالك نفسها خشية البكاء لتقول، “إن الإهمال الذي تعاني منه كثير من المستشفيات الفلسطينية، أمر أشبه ما يكون بالكارثي، لأن هذا الإهمال يترك أثره العميق في نفسية المريض كما يؤثر على جسده، بل لعل الأثر النفسي أشد وأقسى من الجسدي، ومعاناتي مع الأخطاء الطبية طويلة بدأت قبل نحو خمس سنوات، ولا أستطيع حتى النهوض لتلبية أبسط احتياجاتي”.

جرائم بلا أدلة

وأكد تقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عدم وجود أرقام إحصائية دقيقة عن حجم الأخطاء الطبية التي تقع في قطاع الصحة الفلسطيني سواء الخاص أو العام.

إلا أن هذا التقرير، يشير إلى وجود بعض الأرقام المتناثرة هنا وهناك والغير دقيقة لدى الهيئة أو وزارة الصحة، كما هو الحال بالنسبة لنقابة الأطباء والنيابة العامة وحتى القضاء، والتي يمكن من خلالها الاستدلال على وجود عدد ليس بالقليل من قضايا الأخطاء الطبية وقعت في المؤسسات الصحية العامة والخاصة.

وبحسب أستاذ العلاج الطبيعي في الجامعة العربية الأميركية، الدكتور زياد نصر الله، فإن معظم ملفات الحالات التي تحضر إلى الجامعة من أجل الحصول على خدمة العلاج الطبيعي، تفتقر لذكر سبب الإعاقة فيها، مع أن الأخطاء الطبية أحد أبرز أسبابها.

وقال نصر، “إنه لا يوجد طبيب يعترف على طبيب مخطئ”، وهذه مسألة معقدة عادة ما تكون ضحيتها الأولى والأخيرة، المريض الذي ليس باستطاعته تحديد هوية المسؤول عن الكارثة التي ألمت به.

ومن وجهة نظر المدير الإداري لمستشفى “الرازي” التابع للجنة أموال الزكاة في جنين، فواز حماد، فإنه لم ولن يدان أي طبيب في تاريخ فلسطين بتهمة ارتكاب خطأ طبي، وذلك بسبب عدة عوامل أبرزها عدم اعتراف الأطباء على بعضهم، ودور لجان التحقيق في التستر على بعض هذه القضايا.

وأضاف حماد، إنه يتم التستر بشكل كبير على الأخطاء الطبية، ومن خلال تجربته في العمل، لم يحدث أن أخبر طبيب أهل المريض بارتكابه خطأ طبيا كان ضحيته المريض.

وشدد، على أن هذا الأمر لن يحدث، ما يعني أن الطبيب لا يخبر أهل المريض بوقوع خطأ، وفي حالة كان الأهل جاهلين يتم التستر الكامل على الخطأ.

من المسؤول

ويعتقد الطبيب في مديرية صحة جنين، غسان عبد الله قاسم، أن الأخطاء الطبية ظاهرة منتشرة ويتحمل مسؤوليتها الأطباء والأهل، وتقع أغلبية تلك الأخطاء على عاتق مسؤولية طاقم التمريض، بسبب الإهمال أو عدم التركيز في العلاج.

ويضيف، “بدلا من أن يعطى المريض الدواء أو الحقنة المناسبة، قد يتم إعطائه دواء غير مناسب له، وبدلا من إعطائه الجرعة اللازمة والمعينة يعطى جرعة زائدة أو ناقصة، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث مضاعفات في جسمه ويعيق حركته أو ربما يشلها تماما”.

ويؤكد أبو قذيلة، أن معظم الحالات التي تأتي إلى مركز العلاج الطبيعي، يتم تحويلها من المستشفيات الحكومية، وغالبا ما تكون ناجمة عن الإهمال الطبي المقصود والغير مقصود في تشخيص الحالة، لافتا، إلى أن نسبة الحالات التي تأتي من المستشفيات الحكومية، تصل إلى 90% من مجموع الحالات.

ويحمل محمد فتحي قبها “35عاما”، من قرية طورة الغربية، مسؤولية إصابته بشلل نسبته 90% في قدميه إلى إحدى المستشفيات الحكومية، وذلك بسبب “إهمالها الشديد وضعف أداء الأطباء فيها”، كما قال.

يقول قبها، إن مأساته بدأت عندما انزلق في منزله، الأمر الذي أدى إلى حدوث ألم في أسفل الظهر، فتوجه إلى المستشفى الحكومي لإجراء الفحوص الطبية اللازمة، ومن خلال الفحص تبين أنه يعاني من إصابة في الغضروف السفلي في الظهر، وبسبب نقص الأدوات العلاجية تم تحويله إلى مستشفى “رفيديا” في مدينة نابلس، وهناك قرر الأطباء إجراء صورة طبقية لتوضيح سبب المشكلة، لكن هذه الصورة لم تف بالغرض ولم تحدد سبب المشكلة.

وأضاف، إن الأطباء قرروا إجراء عملية جراحية في الأعصاب الملازمة للفقرة الرابعة في الظهر والتي بينت الصورة المغناطيسية سبب الألم فيها، وحينها أجريت العملية الجراحية له لتكون المصيبة الكبرى حيث لم يتم علاج الألم بل زادت من معاناته.

وأصيب قبها، بشلل في القدمين نسبته 90%، نتيجة إجراء عملية جراحية بالفقرة الرابعة بدل الخامسة، وزادت العملية من تعقيد الحالة لأنها ضربت العصب المسؤول عن الحركة في القدمين.

ويعتقد، أن المستشفيات في فلسطين، لا تمتلك الجاهزية لاستقبال وعلاج كثير من الحالات المرضية، والإهمال الطبي الذي يحدث فيها يمكن أن يدمر مئات الأشخاص غيره.

وبدمعة احتقنت في عينيه، خلص قبها إلى القول، “إنني أعيل أسرة كبيرة، واليوم لا أستطيع حتى خدمة نفسي..حسبي الله ونعم الوكيل”.

ضعف الإمكانيات

ويؤكد أبو سيفين، أن الأخطاء الطبية موجودة بسبب غياب الرقابة القانونية والرشوة التي يتعرض لها بعض الأطباء ليهتموا بمريض على حساب الآخر، مشيرا، إلى أن المتضررين لا ينالون أبسط حقوقهم.

وبينما يعزي نصر الله أسباب انتشار الأخطاء الطبية إلى مجموعة من العوامل التي من أبرزها ضعف الإمكانيات في المستشفيات الفلسطينية، والإهمال غير المقصود وضغوط العمل.

ويضيف، إن لانقطاع التيار الكهربائي عن حاضنات الأطفال، دور مهم في انتشار الإعاقات في أوساط هؤلاء، وهو أمر يمكن تجنبه، مشددا على أن هناك ضرورة قصوى لتحسين الأوضاع في المستشفيات.

وأورد تقرير الهيئة المستقلة، جملة من الأسباب التي يمكن أن تتمخض عنها الأخطاء الطبية، منها عدم توفر المعلومات التي قد يتم تشخيص المريض على أساسها، والأخطاء التقنية كوضع فصيلة دم مختلفة على كيس الدم، وفشل الأجهزة الطبية المستخدمة في معالجة المرضى، والخلل في إعطاء التخدير وكمية الجرعة المناسبة لكل مريض.

شلل حركي

أما ساحرة عبد الله لحلوح “45عاما”، من جنين، فترجع إصابتها بشلل حركي في ساقها وعينها ويدها اليمنى، إلى الإهمال الطبي الشديد من قبل الأطباء المعالجين، وقلة الكفاءة والخبرة لديهم.

تقول لحلوح، “إن الذي أصابني كان من الممكن تفاديه، إلا أن الإهمال المقصود من قبل الطبيب المعالج شل قدرتي على الحركة، فلولا هذا الخطأ لما عانيت مدة عشرين عام من هذا المرض”.

وتحدثت، بإسهاب عن معاناتها مع الأخطاء الطبية والشلل الذي أصابها بسبب حقنة خاطئة من قبل طبيب تبين فيما بعد أنه بيطري ومتخصص في علاج الحيوانات فقط.

وبعد أن نقلت لحلوح إلى غرفة العمليات وهي فاقدة للوعي تماما، تبين أن الإبرة التي أعطيت لها غير قابلة للاستعمال البشري وإنما تعطى ل “الحمير”، كما قالت.

قانون العقوبات

ويعتقد المحامي علاء سكافي، أن أسباب استمرار الأخطاء الطبية وتفاقمها، يكمن في عدم وجود قانون خاص يحدد المسؤولية عنها أو يتخذ العقوبات الرادعة بحق الأطباء الذين يتسببون بمثل هذه الأخطاء، بل أن بعض هؤلاء الأطباء لا تصل إليهم أيدي البحث والتقصي والتحقيق، فضلا عن تطبيق العقوبات الرادعة أو غير الرادعة.

ويضيف سكافي، إن هذا لا يعني عدم وجود بعض القوانين التي تنص في بعض موادها على معاقبة الطبيب على أخطائه الطبية وتحمي المتضرر من هذه الأخطاء، فالمادة الثانية تحديدا من قانون الصحة الفلسطيني رقم “20، لسنة 2004م، تؤكد على تولي وزارة الصحة الرقابة والإشراف والمتابعة للوضع الصحي للسكان في فلسطين، ويتضمن مساءلة الأطباء عن الأخطاء الطبية وفقا لمسؤولية التابع عن أعمال المتبوع.

وأشار، إلى الفقرة “أ” من المادة “344″ من قانون العقوبات والتي على أنه “إذا لم ينجم عن خطأ الشخص إلا الإيذاء كان العقاب بالحبس من شهر إلى سنة أو بغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين دينارا”، بينما نصت الفقرة “ب”، على “يعاقب كل إيذاء غير مقصود بالحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز عشرة دنانير”.

وتشير المادة السابقة، إلى أنه لا يتم منع الأطباء المخطئين من مزاولة عملهم، بل يبقون على رأس عملهم، ما يتيح الفرصة لتكرار الخطأ الطبي، وهو أمر أكده مدير المستشفى الحكومي في جنين، الدكتور محمد أبو غالي الذي قال، “إنه لم يتم منع الأطباء الذين يقعون في مثل هذه الأخطاء من مزاولة المهنة بل اقتصرت العقوبة على الجزاء المادي”.

شكاوى ولكن

وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الإعاقة الناتجة عن الأخطاء الطبية، إلا أن الضحايا بشكل عام لا يقدمون على رفع الشكاوى على الأطباء المخطئين، وذلك بسبب جملة من العوامل من أبرزها ارتفاع تكلفة الخدمة القانونية، وإدراك الضحايا مسبقا بحتمية فشل القضية.

وأعطى قانون الصحة العامة، للمريض الحق في تلقي شرح واضح للعلاج المقترح له، وضرورة موافقته على ذلك العلاج، وضمان حقه في تقديم الشكاوى ضد المؤسسة الصحية أو أحد العاملين فيها إذا ما انتهك حقه، وألزم المؤسسة الصحية بالاهتمام بهذه الشكاوى والرد عليها خلال فترة معقولة.

ونص قانون الخدمة المدنية، على إيقاع إحدى العقوبات التأديبية بحق الموظف الذي يثبت ارتكابه مخالفة القوانين والأنظمة والتعليمات والقرارات المعمول بها في الخدمة المدنية.

وبالرغم من كل ذلك، راودت والد الطفل سلطان الأحمد، والذي يعمل محاميا، مطولا باللجوء إلى القضاء والتقدم بشكوى رسمية ضد الطبيب المعالج.

إلا أن الأحمد، قرر العدول عن وجهة النظر هذه، لعدة أسباب أبرزها، أنه محامي ويدرك جيدا أن القضاء يعاني من عجز في متابعة القضايا ذات الصلة بالأخطاء الطبية التي وصفها بأنها فساد منظم يتفق فيه الطبيب مع القابلة والممرض والإدارة على الضحية.

وعبر الأحمد، عن اعتقاده أن محكمة الرأي العام، تشكل الحل الأمثل لمشكلة الأخطاء الطبية التي عادة ما تخلف مآسي كبيرة، مضيفا، “إننا لا نؤمن بالانتقام، وإنما نؤمن بالعقاب”.

وأشار تقرير الهيئة المستقلة، إلى ارتفاع نسبة الشكاوى المتعلقة بقضايا الأخطاء الطبية، حيث بلغ عدد الشكاوى في الأعوام العشرة الأخيرة، 148شكوى في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يتم الرد إلا على 46شكوى منها.

كما وأشارت إحصاءات أجرتها وزارة الصحة الفلسطينية لنتائج الشكاوى التي تتابعها النيابات العامة، إلى أنه لم يتم الحكم على أية قضية لغاية الآن، في أن سببها خطأ طبي.

وتراوحت نتائج الإحصائية بين وقف إجراءات التحقيق، أو تحويل القضية إلى المحكمة أو عدم اكتمال التحقيق، أو حفظ الملف لعدم وجود خطأ طبي، أو أن القضية منظورة أمام المحكمة المدنية أو الجزائية، أو أن التحقيقات لم تنته، أو أن القضية قيد التحقيق، فيما تم تحويل قضية واحدة في نيابة محافظة رام الله إلى التحقيق.

اللجان الطبية

وورد في المادة “9″ من قانون العقوبات، ضرورة إحالة الشكاوى الناتجة عن الأخطاء الطبية إلى لجنة فنية عليا للنظر فيها، وإبداء رأيها الفني في الشكوى وتحديد عناصر المسؤولية عنها، وهو أمر تلتزم به وزارة الصحة من خلال حرصها على إحالة أية شكوى ترد إليها عن الأخطاء الطبية إلى لجنة طبية للتحقيق في القضية.

وفي هذا الشأن، يقول حماد، “إن اللجان التي تشكل من قبل النيابة للتحقيق في الخطأ الطبي مكونة من أطباء، والأطباء لا يدينون بعضهم، لذلك لم تتم إدانة أي طبيب بارتكاب خطأ طبي حتى الآن، فيما تسهم نقابة الأطباء بشكل كبير في حماية الأطباء، فليست هناك إمكانية لمحاكمة طبيب بشكل مباشر أمام القضاء إلا بعد تشكيل لجنة طبية من وزارة الصحة فيها عضو ممثل لنقابة الأطباء”.

وتناول تقرير الهيئة المستقلة، مجمل الردود التي وردت الهيئة عن شكاوى الأخطاء الطبية من وزارة الصحة، والتي تجمع على أن مفهوم الخطأ الطبي غير واضح للجان الطبية القائمة على التحقيق، وفي بعض الحالات ومع اعترافها بوقوع الفعل محل الشكوى، إلا أنها اعتبرته في إطار المضاعفات الطبيعية غير المؤاخذ عليها، والتي ليس فيها تقصير أو إهمال.

وأبرز التقرير، بعض الحالات التي كان منها إقرار لجنة التحقيق بنسيان الطاقم الطبي قطعة شاش داخل بطن المريضة خلال عملية جراحية، بعدم وجود خطأ طبي يستدعي فرض عقاب تأديبي.

ويبقى السؤال الذي يراود ضحايا الأخطاء الطبية، “هل من الممكن أن يكون القاضي هو الجلاد؟!”، وسط أصوات تعلو مطالبة بتشكيل محكمة الرأي العام لمحاسبة المسؤولين عن الأخطاء الطبية، حتى لا يبقى القاضي هو ذاته الجلاد.

 

مايو
30
في 30-05-2013
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    27 views

IMG_3721watan IMG_3729 IMG_3726 IMG_3714 IMG_3709 IMG_3729 IMG_3708

مايو
30
في 30-05-2013
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    30 views

http://www.flickr.com/photos/93897650@N02/

 

اكتسحت كتلة الشبيبة الطلابية في الجامعة العربية الأمريكية، أمس، مقاعد مجلس الطلبة بعد فوزها بانتخابات المجلس، وحصدها 22 مقعد من أصل 33، وسط أجواء امتلأت بالحماسة ونشوة النصر، بعد تحديات واجهتها الحركة إزاء مشاركة حركة حماس في الانتخابات، بعد غياب استمر ست سنوات.

وعبر مؤيدو الكتلة عن فرحتهم العارمة بهذا الفوز المنشود، ذلك بعد احتفالات شهدتها مدينة جنين استمرت حتى ساعات الصباح الأولى من هذا اليوم، وقال ممثل حركة الشبيبة الطلابية أحمد جرار: “إن هذا الفوز هو لكل طلبة الجامعة، حيث سنحث الخطى باتجاه تطور الجامعة ومساعدة الطلبة، والتعاون مع كافة الأحزاب الأخرى من أجل إيصال تمثيل طلبة الجامعة خير تمثيل”.

بينما أبدت كتلة وفاء الأحرار “اندماج حركتي حماس والجهاد الإسلامي” رضاها عن نتائج الانتخابات، مؤكدة أنها حلم يراودها منذ ستة سنين، وذلك بعد حصولها على ثمانية مقاعد من مجلس الطلبة.

كما وحصلت كتلة الجبهة الديمقراطية على ثلاثة مقاعد، وكتلة الأسير سامر العيساوي على مقعدين، بينما لم تحصد كتلة المبادرة الطلابية وكتلة فلسطين الجميع أية مقاعد.

وأكد مدير العلاقات في الجامعة العربية الأمريكية فتحي اعمور، على أن الانتخابات جرت بصورة نزيهة وبكل صدق وشفافية، بإشراف مجموعة من الأساتذة، وعبر عن سعادة الجامعة بهذا العرس الديموقراطي، مشيرا إلى أن الانتخابات هي حق لكل طلبة الجامعة.

 

 


وسط أجواء شحنت بالانفعالات الفياضة، قدمت الكتل المرشحة لانتخابات مجلس الطلبة في الجامعة العربية الأمريكية، أمس، مناظراتهم في عرس وصف بالديمقراطي حمل في طياته أبعادا ديكتاتورية.
وقدم ممثلو الكتل المرشحة مناظراتهم التي بعدت كل البعد عن مضمون الدعاية الانتخابية التي نادوا بها باسم التغيير والإصلاح.

وبينما كان الهجوم لا الدفاع هو سيد الموقف بين جميع الكتل المتنافسة، تناسى المرشحون أن مصلحة الطالب هي المطلب الوحيد والأهم في هذه الانتخابات.

أما على صعيد الكتلتين الأساسيتين في هذه الانتخابات “فتح” و”حماس”، فقد حملت مناظرتيهما تناقضات جوهرية، مع الشعارات المنمقة التي ينادون بها.

ومثلت حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” اللتان اندمجتا معا تحت اسم “كتلة وفاء الأحرار”، أبرز التناقضات، فمثلا، دعت هذه الكتلة إلى ضرورة مشاركة العنصر النسوي في هذه الانتخابات، ونجدها تقفل أبواب اجتماعاتها في وجه الطالبات اللواتي لا يرتدين “الجلباب”، هذا على مستوى الحزب ككل، أما أفرادها فكانوا ينهالون بالسباب على كل من يرتدي الكوفية خاصة الطالبات منهن، بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك بكثير، فهل هذا هو التغيير الذي تطالب به هذه الكتلة؟

والأمر المثير للعجب، جملة تداولتها ألسنة أفراد هذه الكتلة، التي سرعان ما انتشرت على صفحات الفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعي، كان منها: “صوتوا لحماس إرضاءا لله”، “ومن يخاف الله يصوت لحماس”، “ومن يصوت لفتح لا ضمير له”، وكأن الإسلام أصبح مقرونا بالتصويت لحماس في الانتخابات!
وحملت هذه العبارات في طياتها الكثير من المعاني التي تبعد كل البعد عن الديمقراطية، وتعزز مفهوم التعصب بين أفراد هذه الكتلة.

أما على مستوى الطلبة ومشاكلهم، كان الهم الأخير لهؤلاء الكتل، فلم يتم ذكر الطلبة إلا في جمل عارضة، كانت جزءا من الدعاية الانتخابية وتنديدا بالمجلس السابق،و إنجازاته.

أما كتلة “الشهيد ياسر عرفات”، ممثلة بحركة فتح، فقدمت مناظرة اندمجت فيها الموسيقى مع الهتافات الرنانة والعبارات المزخرفة، والشعارات الرنانة، التي سيطرت على المكان لفترات طويلة.

وبدأت الكتلة مناظرتها بدقيقة استذكرت فيها الشهداء بالذكر الحكيم، تعالت بعدها الأعلام الصفر، مرتفعة في الساحة الأمامية لكلية العلوم والآداب، التي احتوت المناظرات جميعا.
واستعرضت الكتلة أهم انجازاتها، مؤكدة أن فتح أسطورة وتاريخ عريق، بينما غابت التوجهات المستقبلية لها عن الوجود.

وكغيرها من الأحزاب، هاجمت الكتلة المتنافسين على مقاعد مجلس الطلبة، مذكرة أن من غاب ست سنوات عن الانتخابات لا حق له في مساءلة مجلس طلبة عن انجازاته، مؤكدة على أن المجلس قدم كل ما بوسعه لتقديم مساعدات للطلبة وخاصة المحتاجين منهم.

معادلة صعبت على الطالب قراره، في أجواء أشبه ما تكون بالهزلية، سطع فيها نجم الانتقاد وخفت فيها نجم الطلبة، فمن سيفوز في هذه الانتخابات التي أصبحت الموضوع الرئيسي في الجامعة؟ وهو سؤال ستجيب عنه الساعات القادمة من هذا اليوم.

 

 

وسط هجوم دار بين جميع الكتل الانتخابية المتنافسة على مقاعد مجلس الطلبة في الجامعة العربية الأمريكية، قدم ممثلوا الكتل، مناظرات كانت تحمل بمضمونها انتقادات وجهت بشكل لاذع إلى كافة المرشحين.

وقدمت بداية كتلة المبادرة الطلابية مناظرتها، حيث وعدت الطلاب بالتجديد على جميع الأصعدة، مؤكدة على ضرورة مشاركة المرأة في مجلس اتحاد الطلبة.

وخلال مناظرتها قدمت المبادرة مسرحية هاجمت فيها الكتل الطلابية الأخرى، وقالت أن حركة الشبيبة الطلابية تنقل المجلس من فشل إلى فشل أخر، مؤكدة على أنها دائما ما تعود بخفي حني.
وفي نهاية مناظرتها، قال ممثلوا المبادرة: “سواء أكنا من المجلس أم لم نكن سنسعى دائما إلى مصلحة الطلبة، والمضي بالجامعة إلى الأمام.

ثم قدمت كتلة وفاء الأحرار خطابها الدعائي بعد غياب دام ست سنوات عن انتخابات المجلس، حاملة رقم التصويت (1)، وذلك بعد أن تعالت الأعلام الخضر جنبا إلى جنب مع الأعلام السوداء، وبعد وعود مستمرة على تخفيض الأسعار، وحل مشاكل الطلبة، ورسوم التسجيل الباهظة على الطلبة.

ثم عرض ممثلوا كتلة فلسطين الجميع مناظرتهم، مؤكدين فيها على توجهات الكتلة المستقبلية، التي تتضمن مساعدتها لجميع طلبة الجامعة وخصت المحتاجين منهم، وضرورة مشاركة الطالبات في المجلس الطلابي.

وقال ممثلو الكتلة: “نحن الفلسطينيون بمختلف مشاربنا الفكرية نسعى نحو بناء دولتنا فلسطين ونحن لا نؤمن بإلغاء دور الاحزاب الأخرى، ويجب أن يكون هناك تكامل بين جميع الأحزاب، وذلك حرصا على مصلحة الطلبة”.

 وفي نهاية مناظرتهم، دعا ممثلو الكتلة إلى بناء الجامعة لكل طلابها، مؤكدين على مبادئ الوحدة، واتحاد طلبة فلسطين الداخل في هذه الكتلة.

تلا ذلك، عرض كبير قدمته حركة الشبيبة الطلابية، حيث تهافتت حشود صقور الشبيبة، وتزينت ساحة الجامعة باللون الأصفر والكوفية الفلسطينية، واندمجت صرخات الطلبة بموسيقى دوت في أرجاء المكان.

 وبين الرايات التي حلقت عاليا في سماء الجامعة، وهتافات كانت تصدح بحناجر طلبة الشبيبة الطلابية، مؤكدة على أن فتح هي أسطورة وتاريخ عريق حمل على عاتقه مسيرة النضال الفلسطينية لعشر سنوات متواصلة من التضحية والفداء.

وبين أصوات الغناء التي تواصلت تحدو باسم الشبيبة وهتافات تعالت من أفواههم، قالوا: “قف على باب فتح وانتظر إذن الدخول واحني كثيرا حتى تلامس أرضها البتول”.

كما وأطلق طلبة الشبيبة على كلية العلوم الإدارية والمالية اسم الشهيد امجد أبو الرب الذي كان أول منسق لحركة الشبيبة في الجامعة العربية“.

وفي نهاية مناظرتهم أكدوا على أن دولة فلسطين التي تحمل اسم الياسر لا يمكن أن تهزم وهي تحمل اسم الشبيبة.

فبراير
09
في 09-02-2013
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    48 views
نوفمبر
02
في 02-11-2012
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    56 views

سقيمة هي الحياة، تميتنا تخنق في عقولنا الضارية، بائسة أنا ولكن…

لكن أنت……. أنت بعثت في الروح لاستعيد الحياة واستعيد الوجود….

أكتوبر
13
في 13-10-2012
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    89 views

من النور الذي يشع في داخلنا نستمد أملا يضيء يشع بحياتنا السقيمة، التي تفجرت ضجرا وحزنا وشوقا.

اليأس….. اليأس امتلك قلبي وأشبعه، إن الحياة مع اليأس أشبه بالجنون الذي يمتلك أعصابي ويؤرق قلبي أيما أرق….. لكن ذلك اليأس استطاع مني والجنون اخترق أعصابي دمرها، وتسمرت ها هناك بعيدا، وحدي، وحدي مع الحياة…

أجل، لقد انتهى زمن الدموع، انتهى زمن اللاشيء، انتهى زمن الغوغائية، وبدأت مع نفسي بحقبة جديدة، قلبي الحزين، ودموعي المتساقطة، والزمن اللعين، أشعاري نفذت، وكلماتي تشتت حروفها، وأنا أغرق في غيبوبة، أنا مع اللاشعور……

سبتمبر
28
في 28-09-2012
تحت تصنيف (غير مصنف) بواسطة وطن بلاص
    200 views

شعور بالنقص كان دائما ما يملئ قلبها كرها، يؤجج النار التي اتقدت فيها سنينا، شعور خلف ورائه إحساس بالحياة، أنساها الزمان وتوقف على لحظات مؤلمة من عمرها ، اصطخب عقلها قليلا لكنها سرعان ما نهضت تقاوم أية رغبة في التذكر.

نهضت بخطاها المثقلة تشد ورائها أحلاما مبعثرة، تخفي بقلبها حزنا استطاع منه امتلاءا، بحركات لا إرادية ترنحت واقفة، وجدت نفسها أمام مرآتها، التي لم تشاطرها إلا الحقيقة، نظرت إلى الوجه اليائس، العينان الواسعتان، الفم الممتلئ، القد الممشوق، لم تكن من الجمال ذلك الشيء الساحر، كانت تحب ذاتها وتحس أنها خليلة روحها، أحبت الوحدة وعشقت في نفسها الأنانية، غالبا ما تكون الأنانية فينا واهية نتستر بها عما في داخلنا، ليس رغبة في الكره، إنما من شدة الحب.

ألقت بنفسها على الفراش مرة أخرى، أسدلت الجفون التي تلكأت عليها العبرات دونما وعي، نظرت إلى الورقة التي طالما نظرت إليها، إنه اليوم، أجل اليوم، لقد حان لقلبها أن يتكلم وتخرج من عزلتها.

قامت ترتدي معطفها الطويل، تهم بالخروج، لكن شيئا ما أوقفها فجلست تتريث قبل أن تفتح الباب لتخرج، بكت بحرقة، عندما تشرع دموعها بالهطول، ترتبك غير مدركة أن في الدموع من الصبر الشيء الكثير، في العبرات شيء يريح النفس يقويها رغم الألم، رغم العذاب، فالدموع هي ترياق ناجع في الشفاء، تمالكت نفسها قليلا، وقفت، واستطاعت أن تطرد دموعها جانبا بعدما أراقت منها الشيء الكثير، خرجت مسرعة مخافة أن تعاودها نوبات الصرع التي أنهكت جسدها وأرقته.

يعزف الخريف بسيمفونيته أصواتا رائعة في الخارج، ويحدث الورق المتساقط من الشجر أنغاما تتلاءم مع جمال الخريف، غيوم في السماء تكاثرت ومالت إلى الاسوداد، أشجار رصت على قارعة الطريق، وفي ذهنها تناجي روحها المنقبضة، في عقلها الباطني تتأمل الروعة دونما شعور، خرجت لموعدها المنتظر، كلمات، كلمات تقولها ستذهب الأسى ربما أو تزيده، كل منا لديه في قلبه شعور، كل منا إنسان، رغم القسوة، رغم الضيق، رغم الوحدة، هناك الشعور.

ودت لو تحتضن نفسها قليلا وتبكي، إن البكاء خليلها الوحيد، ودت لو تبقى وحيدة، ففي الوحدة أسمى معاني الحياة، في الوحدة كل ما تتمناه تدركه، إنها الوحدة.

تابعت مسيرها في الطريق، كانت تتمشى على مهل إنها لا تريد الوصول، لكن عليها ذلك، طوال الطريق كانت تخاطر نفسها، إن في ذلك الراحة الكبيرة، والأمل الكبير، كانت تعاني، وكانت صامتة، ما أبشع الصمت مع أنه أسمى الكلام، لكنها قررت ألا تبقى صامتة، عل في ذلك ما يشفي روحها التي سقمت الصمت وتعبته.

في داخلنا، شيء يعزز القوة فينا يعطينا جرعة من الأمل، يعطينا سلاما واطمئنانا، في الحياة، الحب والكره تساويا وامتثلا لمشيئة القدر، وفي حياتها عرفت الحب مرة، ثم مات فيها الحب، ليولد الكره، ثم مات فيها الشعور حتى أصبحت لا تعرف للحب أو للكره معنى.

وصلت وفي داخلها شعور بالرهبة المستوحشة، اتخذت لنفسها مكانا قصيا تنأى به عن غيرها من الناس وتستمر في السمر مع ذاتها، لكن السمر لم يطل، وأطلت عليها الممرضة تقول: “سيدتي، الآنسة ليلى بانتظارك”.

دخلت واصطخبت في رأسها الأفكار تباعا، دوت صرخات الماضي وانفجرت، ودت لو تغادر المكان، تجري وتصرخ لا أريد الكلام، تنأى بنفسها عن البشر، أحبت لو حبذا نوبة من الصرع تأتيها فتموت، ولكن دفعها شيء إلى الأمام، وبخطى واثقة تقدمت وجلست.

تفحصت المكان بنظرات خاطفة، ورود اصطفت على حافة النافذة ينبعث منها رحيق أشبع أنفاسها المتهدجة، لوحات نثرت على الجدران البيضاء، لم يكن شيء يثير الريبة في نفسها إلا خوفها من الطبيبة، كانت د.ليلى جميلة ترتدي ثوبا أبيضا أثار في نفسها الراحة، صففت شعرها بطريقة عشوائية مما زاد من جمالها، أما هي فدقات قلبها توالت مسرعة، يداها الباردتان اقترنتا سويا، شفتاها أطبقتا وضمتا بعضهما حتى كادتا أن تنسيا معنى الكلام.

استقبلتها د. ليلى التي انشغلت بترتيب بعض الأوراق مرحبة بها، نظرت إليها نظرات أولية، العينان اللتان أحيطتا بهالة من السواد المعتم، البشرة التي نتأت من الدموع، الشعر الذي أهمل ولم يسرح، أحست بالعبء يرزح خلف تلك العينان، الدموع تراكمت خلف العين واستترت، أدركت أن سرا كبيرا يكمن وراء هذا الوجه الجميل الذي أضناه الألم وقالت لها مواسية:

” كل منا لديه ما يخفيه وفي قلبه يطمره ، فكل منا إنسان، وتلك غرائز إنسانية، لكن اعلمي، إن من الأسرار ما يقتل، بعض الصمت يولد غصة إذا ما تفاقمت أقدمنا على الموت دونما خيار، وبعض الكلام ما يفيق من غيبوبة استطاعت منا امتلاكا، فقولي وفرجي لي كربك، عل في ذلك ما يريح، وما تقولين لي سيبقى بيننا، فلا تخافي”.

تنفست قليلا وأرخت جسدها أسدلت العينين والأهداب وبدأت تتذكر، آه ما أبعد ذلك الوقت لكنها تتذكر، أجل ستبوح بما في جعبتها أنه خيارها الوحيد، صمتت قليلا ثم استدركت نفسها، وقالت:

“في ليالي الشتاء، تلعب الرياح وتتراقص على أنغام السحاب، تقشعر أجسادنا بردا وتطلب الدفء، حضن أمي هو المكان الوحيد الذي أشعر به بالدفء، وقد فقدت الدفء كما فقدت أمي، فقدت الحب كما فقدتها، فقدت الحياة والوجود، وما عاد شيء يقيني البرد، فقد ماتت أمي كما فعل أبي الذي مات قبل أن ترى عيني النور، ماتوا وتركوني وحيدة، كنت صغيرة جدا، كنت وحيدة، أحببت الوحدة ليس حبا بها، بل لأنها ولدت معي لقد وئدت في الحياة، في كل ليلة كنت أسيرة دمعي وحزني، لا شيء لي سوى المناجاة، فقدت الحب وفقدت الكره فقدت الشعور منذ نعومة أظافري، لم أكن أقوى على الكلام، كانت دموعي لغتي، بكائي صوتي، ووحدتي نجاتي.

انتقلت إلى بيت عمي، كنت صغيرة لم أبلغ العاشرة بعد، لم أفارق غرفتي شهورا، كان عمي يحبني، رغم ثرثرة زوجته، كنت أشعر بالغيرة عندما أراها تحتضن ابنها، حبذا لو احتضنتني أمي، احتاج الحب واحتاج الحنان أيضا، اللوعة في قلبي فاقت الحدود، الشوق إليها أرقني، كنت أبكي وحيدة في ليالي الشتاء، كان البرد ينال مني، و الدفء ابتعد عني، وامتلكني البرد.

حاولت أن أقاوم وحدتي، مرت سنون كثر، استطعت خلالها أن أنجح بدراستي، وأتفوق فيها، كبرت وتوهجت عيناي وانشرح قلبي حتى كاد ينسى ألمه، لكن الألم لا ينسى، بقيت أمي في ذاتي ذلك الشيء الجميل الذي لا يموت.

بلغت عامي الثاني والعشرين عندما أقبل شاب يخطبني، فوافقت ليس رغبة مني في الزواج، بل لأني كنت أحس نفسي ذاك الحمل الثقيل الذي يرزح على كاهلي عمي ويؤرقه، مع أنه أحبني كما أحب ابنته.

كان مراد قد بلغ التاسعة والعشرين من عمره حين تزوجنا، كان هذا زواجه الثاني، ذو عينان واسعتان مالتا إلى اللون البني المحروق، وشعر أسود كثيف، وأكسبته الشمس من أشعتها بعض السمرة، كان فارع الطول، ممتلئ الجسد، جميلا إلى درجة الاعتدال، أحب العزلة والانطواء، وابتعد عني كما لم أقترب منه، كنت أحس بشيء يكمن خلف تلك العينان، ولكنه لم يقل لي كما لم أسأله.

بدأ فصل جديد من ربيع عمري، بدأ معه، كنا لا نتقابل إلا ما فيما ندر، بسبب عمله الذي يتطلب منه أن يخرج مع إشراقة الشمس ليعود في المساء منهك الحال، كان أجمل شيء في حياتي مع أنه لم يشغلها، الأمل البعيد في الحياة التي طالما أضنتني وأرقتني، الشخص الوحيد الذي شاركني نظرات الحزن والوحدة، كنت أعرف أنه يود لو يصارحني بما يخفيه، لكنه لم يفعل.

استمرت حياتنا تجري مسرعة تنهل من الحزن لتعطينا نحن الاثنان، لكن الحزن لم يطل بظلاله علينا وأمد بشيء من السعادة قلوبنا التي أماتها الحزن وأضناها، اقتربنا من بعضنا قليلا حتى أصبحنا نتبادل الكلام مطولا كما كنا نتبادل النظرات، خرجنا من عزلتنا التي أسرتنا وحيدين في الظلمة الدكناء، كانت تلك أسعد أيام حياتي وأروعها، حيث امتلئ القلب حبا، والعيون أشبعت بالنظرات المتهدجة التي أنارتها الحياة فينا.

في صبيحة أول أيام تموز، وبعد سنتين من الزواج، أحسست بشيء ما يؤرقني، واضطراب بالرأس ألح علي ألما، ذهبت إلى الطبيب الذي أعطاني أجمل نبأ في حياتي السقيمة، كنت حاملا، كان الشعور بالروعة يملئ قلبي، كنت أتحرق شوقا لأخبره أن طفلا سيأتينا ويملأ بيتنا فرحا وضحكات، ما أعظم سعادتي ذلك الوقت.

في الخارج كانت الشمس تلدغني لكني لم أحس بحرقتها، كنت أرى الجو لطيفا يصيبني بنفحات من البرد التي تسرع الشمس لتزيلها، فيرقص جسدي فرحا وأمل، أحسست أن أمي تطل  علي بوجهها من السماء، تضحك فرحة، تبادلني الحب الذي حرمتني إياه بموتها، أطلقت العنان لضحكتي حينها، حتى ليظن من في الشارع أن ضربا من الجنون أصابني، أنا التي كنت أضن على الضحكة أن تخرج من الثغر الذي مل العبوس وأبخل عليها بالخروج، أترنح الآن بضحكات دوت في قلبي الذي تعالت دقاته حتى كدت أسمع الموسيقى تخرج من بين ثناياه، كنت فرحة جدا، لقد بدأت حياتي تأخذ منحى أخر، تبتعد عن البؤس لتتخذ من السعادة عنوانا.

تابعت السير وعقلي مشغول بما في أحشائي، جلست قليلا علني أتدارك الفرح في قلبي، كان البحر أمامي صافيا ركدت أمواجه كأنها تعبت من الحركة، ما أجمل حيفا، أول مرة أحس فيها ببديع المنظر، كل شيء كان ساكن رغم الضجة، فقلبي لم يشعر بالصرخات التي انطلقت من أفواه الأطفال، كأن صراخهم رنين أنغام بديعة تساعد ذهني على التفكير في طفلي، كنت حقا فرحة، آه لا أستطيع أن أشرح لك مدى فرحتي حينها”.

لاحظت د. ليلى الدموع التي انسابت من بين العينان المغمضتان اللتان تتذكران بشيء من الروعة، وأكملت صفاء كلامها: “أحسست حينها بشعور غريب، تذكرت حين ماتت أمي، كيف حزنت وبكيت، صحيح أني فقدت أمي، لكن الآن لدي أمومتي، ونهضت في شيء من الراحة، ثمة شيء شدني إلى المنزل بقوة، فاتخذت طريقي إليه، شرعت في تحضير الطعام الذي يحبه مراد، كانت رائحة الطعام تبعث في أنفاسي رائحة زكية، وصوت المقلاة يحدث ضجيجا أشبه بالموسيقى الصاخبة التي أمتعتني حينها، لبست أجمل فساتيني حينما انتهيت، وصففت شعري الذي نادرا ما صففته، وبشيء من العطر اكتملت أناقتي، كانت أول مرة أتأنق هكذا، نظرت إلى مرآتي، التي كادت أن تقول لي “آه، كم أنت جميلة” ضحكت في نفسي قليلا حتى خرجت الضحكة إلى شفتاي، ووضعت يدي على بطني بشيء من الخفة، وتأملت روعة الرب الذي أعطاني ووهبني أسعد شيء في الدنيا، الذي منحني ساعات تملؤها الروعة، حتى أنني شغلت المذياع الذي ما لبث يغني وأغني معه:

“أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي، أحبيبني لأيام لساعات فلست أنا الذي يهتم بالأبد…… أحبيني”

كانت رائحة الطعام الممزوجة برائحة العطر والورود التي اصطفت على الشرفة تملئ البيت، وصوت المذياع الذي انسجم مع صوتي مصحوبا بالصدى مصدرين ثلاثتنا ضجة جميلة في أرجاء المقصورة، شعرت بالروعة المطلقة، وحينما نظرت إلى الساعة كانت قد بلغت السادسة، مر الوقت بسرعة، كان صوت أقدام مراد يتناهى إلى أذناي، كان يرتقي السلم، واستقبلته أفتح له الباب، والتقت نظراتنا، عيناي اللتان أشبعهما الفرح ونظراته اللتان طالما خيم عليهما الحزن الغامض الذي يخفيه بصدره، كدت أصرخ بالنبأ كي تضحك عيناه كما عيناي، لكني صمتت منتظرة إياه ليدخل، علت الدهشة بالمنظر وجهه، أنا متأنقة، ورائحة الطعام والعطر تفوحان بالبيت، وأصوات الموسيقي المنبعثة من المذياع تتعالى محدثة ضجة، قال لي بشيء من الدهشة:

-       صفاء ما الأمر؟

-       هناك أنباء جميلة يا مراد أنا في غاية سعادتي..

-       ماذا هناك؟ أنا حقا مندهش!

-       انتظر وستعرف حين نتناول طعامنا، لقد حضرته بنفسي.

وحين اجتمعنا على المائدة التي حضرت بعناية فائقة، والشموع تنير الظلام الذي ساد الغرفة وترسل بأنوارها شيئا من الدفء وشيئا من النور، والمذياع الذي لم يتوقف عن الغناء يصدح بموسيقى بيتهوفن الجميلة، والنافذة الكبيرة التي بعثت الأنوار من الخارج، في أجواء جميلة أحسست بها لأول مرة في حياتي، تناولنا طعامنا الذي كان قوامه السمك وحساء ساخن وأرز، وبعض من السلطات المتنوعة، وكأسي عصير من المانجا الشهية، لم أتمالك نفسي وقلت له:

-       سيأتينا طفل يشاركنا هذه السعادة، وينير حياتنا فرحا.

قلتها ونظرت إلى عينيه مباشرة، تلكأت دمعة خلف عينه ولم ترد النزول خجلا، لكنها سرعان ما تهاوت على الخد الأسمر، وسرعان ما أزالها، استحياء من نزولها، لقد صدم كثيرا، ولم يتمالك نفسه وهم بالانصراف إلى الداخل دون أن ينبس ببنت شفة، إحساس بالغرابة اعتراني، هل تلك دموع الفرح!، تبعته إلى الغرفة حيث أوصدها بشيء من الإحكام، طرقت الباب وناديته لكنه لم يفتح ولم يتكلم، رجوته أن يقول لي ما به، توسلت إليه لكنه لم يشفق على دموعي التي انهارت ولم تتمالك نفسها…….”

لم تتمالك صفاء نفسها وشرعت بالبكاء، قامت ليلى إليها مسرعة تحتضنها بشيء من الحب والحنان، وتآلف الجسدان بشيء من الحب الذي خففت الدموع من وطأته، حقا إن الألم الذي يختبئ في نفوسنا أقوى وأعظم من أي ألم كان، الحزن، شعور يسرق النفس من ذاتها ليعذبها ويقتلها، حيث تصبح الدموع الرفيق الوحيد والدواء الوحيد….

إن حياتنا مليئة بالحزن، بالمشاعر المكبوتة، التي تصرخ في الأعماق والوجدان، تطالبنا بالتحرر منها، ولكن غرائزنا الإنسانية تسيطر على عقلنا الواعي وتجعلنا في حالة من اللاوعي، والانكسار.

استطاعت ليلى أن تخفف من روع صفاء، وجلست مقابلها، تتأمل الدموع التي انسكبت من العينان، تتأمل شفتاها اللتان اعترتهما رغبة في الكلام، تتأمل اليدان اللتان فتلتا بعضهما، وتابعت صفاء قائلة:

“ذاك المساء جلست لوحدي في الظلام، حيث كانت الشمعة ترسل أخر أنوارها إلي، فكرت قليلا، ولكن أفكاري لم تصل بي إلى أبعد من جدران الغرفة تلك، بكيت، حقا لقد مللت البكاء، وددت لو أموت، روحي المعذبة ملت عذابها، جلست أتأمل، لم أكن بعيدة جدا عن السعادة، التي بلحظة تركتني وحيدة مع الحزن، كرهت زوجي الذي بخل على قلبي بفرحته، لماذا فعل هذا بي، لماذا؟!

في الصباح كان الكحل قد سال من عيوني مع دموعي، وخلف ورائه منظرا قبيحا، وذابت الشمعة التي أنارت قلبي بفرح، لتطفئه كما انطفأت أخر أنوارها، وهو لا يبالي بي، هو السبب في شقائي، تعاستي وأحزاني…….

فتح باب الغرفة، وخرج منها مكسور الرأس، وجلس إلى جانبي، وسألني أن نتمشى، فأجبته أن نعم، ضحك فؤادي قليلا، ربما يود أن يكفر عن ذنبه البارحة، ويخفف من وطأت عذابي، وبخمس دقائق، اغتسلت ومسحت الكحل الذي سال مني، وبدلت ثيابي، كنت على عجل، وددت لو أعرف ماذا سيقول……..

خرجنا معا، كان الطريق مفعما بالحياة، لم تكن الشمس استوت على لهيبها بعد، والضجيج آخذ بالارتفاع، ولكني لم أسمع إلا صوته ولم أعي إلا ما يقول، كان يحدثني عن طفولته، وكم هي جميلة، ثم دخلنا إلى مقهى على جانب الطرق، كانت تنبعث منه أغنية فيروز “بعدك على بالي”، كان المكان هادئا لطيفا، وطلبنا فناجني قهوة، بينما تابع كلامه قائلا:

“قبل أن أتزوجك يا صفاء كنت أعيش في حالة من البؤس، والفراغ التام في حياتي، قررت ألا أتـزوج، لكن أمي ألحت علي بالزواج، بعد أن فشل زواجي الأول، كنت سعيدا معها في حياتي كما أنا سعيد معك الآن، إلى أن كانت هي الأخرى حاملا، فرحت في بادئ الأمر، لكن بعد أن أنجبت مات الولد، لم نيأس وأنجبنا ولدا أخر الذي أصيب بشلل في الدماغ، ومات بعد أن بلغ شهرين من حياته، أما أنا فقد امتلأت حياتي بؤسا، وأجرينا الفحوصات لنعرف ما السبب، وكنت أنا، أنا السبب يا صفاء، إن كل أولادي يموتون، ولا يبقون على قيد الحياة، أما هي فطلبت الطلاق، رغبة منها في أن تصبح أما، حاولت أن اخبرك لكن خفت أن تهجريني كما فعلت، ولا أرغب الآن بأن تتألمي أنت أيضا وتذوقي العذاب، وإني أريد أن تجهضي الولد”.

قالها وانفجرت دموعي، وامتدت يدي إلى أحشائي أتحسس طفلي، لأتأكد أنه لا يزال صامدا أمام تلك الكلمات، الآن، لماذا الآن!؟ إني أكرهه وأمقته….

في رأسي كانت الأفكار تتزاحم دون وعي، في قلبي، كان شيء من الكره يمتلكه وشيء من الحب يخفف عن قلبي المعذب حزنه، أما جسدي فامتلأت به الرعشة، وخرجت مقاومة أية رغبة في الكلام،  انهارت أعصابي، حتى بدأت أجري وأجري أهرب من الواقع إلى المجهول، وحيث كان قلبي وعقلي وجسدي مضطربين، ويدي تمتد إلى حيث يوجد طفلي ولم أدرك الوجود وطغت علي حالة من اللاوعي والانهيار، وتهاويت على الأرض كمن مسه شيء من الجنون…

حين فتحت عيني، كان الأطباء يحيطون بي، والإبر تملئ جسدي الممزق، سمعتهم يتحدثون أن نوبات من الصرع تتملك جسدي المجنون، فصرخت بكل ما في من جوارح، “طفلي”…

لقد ذهب كما تذهب الرياح لتأتي بالصيف، ليذهب الدفء الذي ملئني لأيام ليأتي البرد الذي امتلكني سنين عمري، فقد فقدت أمومتي كما فقدت أمي، إنها سخرية القدر…

لماذا أعاني هذا الحرمان العضال، لماذا؟!..

أما هو فقد كان يذرف الدموع التي أغرقت مآقيه، يطلب مني الرحمة، ولكني كما بلحظة أحببته، بكلمة نبذته وكرهته، فهو السبب في معاناتي، في حرماني…

عدت إلى البيت، لم أكلمه حتى أنني لم أكن أراه مع أنه كان دائما موجودا، يطالبني بالرحمة، لم أتحدث، ولم أبكي فقد جفت الدموع، ولم أشغل نفسي به أو أعي ما يقول، فقلبي وعقلي كانا مشغولين بشيء أهم، شيء بعيد ضاع في الأفق، وذهب مع مهوى الريح.

بدأت نوبات الصرع تشتعل في جسدي المنهك، أما هو كان يلح  علي أن أرى طبيبا نفسيا، إنه يتهمني بالجنون، لكني كنت صامتة لا أتكلم، مرت شهور على هذه الحال، حتى استيقضت في الصباح لأرى منه رسالة، قرأتها حتى حفظت كل كلمة فيها، حتى أنني علقتها على جدار غرفتي، ويقول لي فيها:

“صفاء:

معك عرفت الحب كما عرفت الحزن، إني لأعلم أني السبب في شقاءك مع أني لا أقوى عليه، أرجو الرحمة من ربي ومنك، معذب أنا ومجروح، أعيش حياتي في عذاب لا متناهي، وأنت يا خليلة الروح، معذبة مثلي، لقد أسرنا العذاب وأخذ من روحنا وحياتنا كما أخذ طفلنا الذي لم ترى النور عينيه، أنا لا أقوى أن أرى روحك الجميلة تضن بالعذاب وتتألم، وقلبك الذي لم يعرف الكره، يكرهني، وأنا الذي لطالما أحببتك…

صفاء…. عيني لا تنفكان تذرفان الدموع عليك، فارحمي بي واغفري لي، إن نوباتك التي تعانين منها، كأنما تشعل النار في جسدي، الذي لم يقوى على الاحتمال أكثر، لقد أخذت لك موعدا مع الطبيبة النفسية، كتبته أسفل الورقة، وإني أرجو من قلبك الكبير وروحك الجميلة أن لا تضن على قلبي بالمغفرة والرحمة…

زوجك مراد”

لقد تألمت على بعده، مع أني في أيامي تلك، مقته أشد المقت، وكرهته أشد الكره، لكنه زوجي، وهو من أخرجني من عذابي الأول، ليرميني في عذاب أشد وأقسى، كرهته ليس كرها فيه، إنما شدة في حب ولدي، تمنيت الموت، الجحيم لعذابي الذي يستمر يسقيني المر بكلتا يديه، ينهل منه ليعطيني عذابي وحرقتي وألمي، وقررت أن أتي إليك هذا الصباح بعد أن تأملت تلك الورقة، خفت من الكلام، إلا أن فيه راحة لأعصابي المنهكة، وإني الآن لأحس في قلبي سقم، وروحي تشتاط بالعذاب وتضن لوحدها، أما مراد فإن شوقي إليه يضاهي كرهي له، مشاعري اختلطت واضطربت أيما اضطراب، وعيوني جفت مآقيها، حتى نبذت الدموع والعبرات، والكلام الآن انتهى لكن الحزن باق يؤرق في قلبي.

وصمتت….

أما ليلى فقد نظرت إلى مريضتها، نظرت إلى العينين اللتان تطلبان الرفق والرحمة، تتوسلان الدموع ألا تذرف، اختلجت في نفسها المشاعر، وقالت لها:

“إن ألم النفس أقوى الألم، وإني لأفهم شعورك الذي اختلطت وارتبك غير مدركا الصواب، الشعور بالنقص، الغضب، الوحدة، مشاعر أليمة تؤرق وتقتل، في أغلب الأحيان نحن نصنع هذه المشاعر، تلح فينا الأنا، فلا نقوى عليها ونخضع لها، تتملكنا حالات هستيرية لأننا فقدنا ما نحب، ندرك الصمت ونختاره عل في الصمت ما يستر ويريح.

ولكن ذاك الصمت يقتلنا ويعث في النفس فسادا حتى يدميها ألما، والحزن في قلبك عظيم، أحيانا نخفي في داخلنا سرا دفينا نشعر بالموت إذا ما عرفه أحد، ولكننا لا نعلم أننا حين نقول نرتاح ونفرج كروبنا إذا ما شاطرنا أحد ذلك الحزن مهما كان أليما.

القدر، مشيئة من الله، فهو إذا ما أخذ شيئا منا مدنا بخيره، وكما أخذ منك طفلك، أعطاك زوجا محبا، زوجك عذبه القدر كما عذبك، والحياة كما فيها مرها فيها حلوها، فاتركي الدموع والحزن جانبا، واضحكي تضحك الدنيا لك، ومن منا يعلم، ربما يأتي ذاك اليوم الذي يتعافي فيه زوجك، ويرزقك الله بأبناء كثر يزينون حياتك وحياته.

عندما نفقد من نحب، تسود الدنيا في عيوننا، ونغرق في حزن لا متناهي، ذلك الحزن الذي يسلبنا الحياة والروح ويبقينا حبيسين أرواحنا…

التفاؤل، هو طريقك للنجاة، إن فيه النور الذي يضيء الظلمة الدكناء التي خيمت على قلوبنا، الإنسان مخلوق عظيم الحساسية، بكلمة يضحك وبكلمة يبكي ويثور.

الظلم مذاقه مر كالعلقم، وأنت يا صفاء، ذقت الظلم حتى تسممت روحك الجميلة، ولكن قد خلق الله لكل داء دواء، فالإحساس بالظلم أعظم من الظلم نفسه، فلا تبقي نفسك رهينة ذاك الإحساس، وانطلقي إلى الدنيا بجمالها، وانظري إلى الجانب المشرق، ولا تتسمري على لحظات مرت وانقضت، إنما انطلقي نحو الحب، نحو الفرح، نحو الجمال.

أما صفاء، فرنت كلمات ليلى في رأسها رنينا يكاد يصم الأذن، كان لها الوقع الكبير في نفسها، خرجت، لا تدرك خيارا وطريقا تسلكه، كانت أوراق الشجر في الخارج لا تزال مستمرة في النزول، وقطرات الماء تنساب متسللة من بين ثنايا السحب، والشوارع تبللت بقطرات المطر القليلة، والسيارات تكاثرت وامتلئ بها الشارع، وأصوات الموسيقى تتسلل من جدران المقهى المجاور، أما هي فقد شعرت بجمال المظهر كما لم تشعر من قبل، وجلست على المقعد الذي مل الوحدة، وبرفق أخذت تتأمل الشجيرات التي تترامى منها الأوراق، ورفعت بصرها تجول به المكان، ورأته، كان بانتظارها طوال الوقت، فقامت توجهها المشاعر وتأخذها إليه، وبدون كلام سارا في الطريق يناجيان بعضهما دون كلام…..

النهاية