خربة الفارسية: ماذا يمكن لـ”فياض” ان يفعل؟!

116
الحياة تحت ضوء القمر.. شاعرية لكنها بائسة

 

بقلم: جميل ضبابات

يقود شاب طفل بين صف من المقاعد البلاستيكيتة في ارض مظلمة شبه خلاء في الغور.. لكن ضوء القمر وهو بدر مكتمل فوق الارض اجمل ما يكون في المنطقة التي تقع في قاع العالم.

ليس اكثر من ذلك  من “بؤس شاعري” يمكن رؤيته في خربة الفارسية شمال الغور التي هدمت مساكنها مرتين مرات، وتنتظر الهدم للمرة الثالثة.

 انها حفلات الهدم اليومية؛اسرائيل تهدم والسلطة تلملم.والناس حائرون بين البقاء او الرحيل.

لكن ممثلا للرئيس محمود عباس (مروان طوباسي محافظ طوباس) واقفا بين بضع عشرات من سكان الجبال الذي دعيوا الى مائدة افطار تحت ظل العلم الفلسطيني الذي قابل اعلاما اسرائيلية في منطقة عسكرية مغلقة، افهم الحضور ما مفاده ان السلطة تخوض “حربا” لفرض ما تريد فرضه هنا، في المنطقة الاستراتيجية الحساسة.

لكن الظلام دامس والحياة بائسة. ماذا  يمكن للسلطة ان تفعل، وماذا يمكن لسلام فياض ذاته الذي بدأ معركة الاغوار ان يفعل؟ قال الشاب الذي يدعى ايهاب دراغمة: ان فياض دشن جبهةحرب خاصة في الغور.. لكن ماذا يمكن ان يفعل حيال الظلام؟

سؤال كبير تحت ضوء القمر؟

في كثير من مناطق الغور الظلام في الليل دامس، ولا شبكات كهرباء الا تلك التي تغذي المستعمرات وقواعد الجيش الاسرائيلي. وفي المضارب ضوء القمر شاعري وطفلة توقد النار قرب مستوطنة يسكنها راديكاليون يهود.

ذاته ايهاب انتقل للعيش مجددا في بيت من الخيش الاسود للحصول على الكهرباء من القرية الزراعية عين البيضا. يقول انه سئم حياته في مسكنه القديم. “اكلنا الذباب والناموس” قال مشيرا الى اربعة اطفال يتحلقون حول جهاز تلفزيون لم يكن صوته مسموعا بسبب دوران مروحتين في الغرفة المفتوحة على الفضاء.

اخيرا استطاع الحصول على الكهرباء، واستطاع اطفاله مشاهدة المسلسلات الرمضانية. يجتاحك سؤال ماذا يمكن ان يفعل اطفال المستوطنين في المستوطنات المجاورة في هذا الوقت.

ربما اللهو تحت ظلال الاشجار الاستوائية الضخمة المزروعة في المحيط.

ذهب الشاب هو طفله الى حفلة الافطار. وهناك عاد الى الفضاء الرحب المظلم”الشاعرية”.لكن اثار عمل حكومة فياض واضحة هنا. لقد زار الرجل المنطقة نحو اربعة مرات.

وذات مرة وقف على كليتا رجلية وسأل اين هم سكان المنطقة؟ وتفصد العرق من جبينه ذات صيف قائظ.استمع جيدا لكلام الرعاة الحالمين جدا.

وتخوض السلطة حربها بشكل واضح في الغور؟ انها تبني كل ما تهدمه اسرائيل. بنت خربة الفارسية مرتين متتاليتين وبنت مضارب اخرى قريبة، واوعز فياض الى بناء كل ما يتم هدمه.

بين الهدم والبناء ساعات قليلة.

لذلك قال طوباسي التي يظهر انه نقل عمله الى منطقة الغور، اذ يتواجد فيها بشكل شبه يومي” سنعمل كل شي يمكن عمله هنا”.

واضاف الرجل فيما كان يقف بين الرعاة الذي هبطوا مساء من اعالي الجبال لتناول طعام الافطار” ان منطقة الاغوار  ستزود بعيادة طبية  متنقلة  من قبل وزارة الصحة الفلسطينية  في التاسع عشر من الشهر القادم  الامر الذي من شانه تطوير الخدمات المقدمه لهم.

روى سكان في المنطقة قصة العريسين اللذين دخلا عش الزوجية فاكتشفا في لحظات حبهما الاول افعى من النوع القاتل تنام بينهما، فاضطر الجيران الى نقل خيمة العريسين الى مكان اخر بسبب الظلام.

اذا لا فائدة لشاعرية القمر حتى في ليلة العرس!!

 لكن طوباسي خاطب الرجال وهم واقفين في الظلمة  قائلا: “ان السلطة ستبقى الى جانبهم ومعهم خاصة في ظل تصاعد وتيرة الانتهاكات والاعتداءات الاسرائيلية التي ترتكب بحقه مؤكدا على حق كافة ابناء شعبنا  اينما كانوا  العيش بكرامة والتمتع بالحرية والاستقلال”.

ايهاب يريد العودة الان الى منزله. يجتاحك سؤال مرة اخرى؟ ماذا لو كان القمر هلالا، ماذا لو كان الفصل شتاء واختفى البدر كليا وراء الغيوم؟كيف ستكون هذه الامتار القليلة التي تربط بين التل والشارع؟

وهو بدر جميل عندما يطلع من فوق حبال الاردن الشرقية لكنه ليس كافيا لانارة الطريق امام ايهاب وابنه كي يعودا الى الشارع للانتقال مرة اخرى الى قرية عين البيضا.

لا احد يشك في عمل هذه الطاحونة الحكومية التي تدور بعنف في الغور.

حققت الحكومة عدة انجازات. لقد زودت المضارب بالصهاريج والخيام. وبني احد وزراءها الخيام بكلتا يديه قبل اسابيع. لكن يبدو ان الحل لضوء القمر يظهر صعبا جدا.. وبعيد حتى الان.فاسرائيل تربط قضية الغور بقضاياها الاستراتيجية الكبرى، والفلسطينيون يقولون انه لا دولة بدون القدس والغور.

قال وزير شؤون الاستيطان ماهر غنيم ” نحن ننظر الى الموضوع من ناحية البقاء على الارض وارادة البقاء، واعمار كل ما يهدمه الاحتلال الذي يدمر مقومات الحياة”.

ردود الحكومة واضحة بالنسبة للناس هنا. وثمة من يعتبرها انها حرب مع اسرائيل وقودها “بناء ما يتم تدميره”. هكذا قال فياض اكثر من مرة.

يمكن وصفها بانها تحدٍ لسياسة الهدم.

لكن غنيم قال” القضية ليست عنترية. نحن نريد انجازات على الارض ودعم البقاء وارادة الشعب. يريدون الهدم وردنا الصحيح هو اعادة البناء”.

في الافق المظلم يمكن تلمس اثر ضوء خافت لبعض المساكن الخيشية. المساء رطب في ارض جافة. ونباح الكلاب يسمع من مسافات بعيدة. وهناك على التلة التي اقيمت عليها مائدة الافطار حديث في السياسة، وبعض الحلوى والمياه المعدنية التي جلبت للافطار.

والمساكن تنتظر الهدم للمرة الثالية.”ربما بعد العيد. ربما يوم العيد يأتون للهدم” قال احد الرعاة.

وتمر خطوط الماء والكهرباء الضخمة من ساحات المنازل وتنير مستوطنة على قمة جبل تدعى”روتم” وتلقي المستوطنة المضاءة بظلال قاتمة على التل لولا ضوء القمر.

ربما هو الاستطيان السياسي، او الايدولوجي، او الزراعي، تقول في نفسك، وانت تشاهد الهضاب المضاءة باعمدة ضخمة. وربما هو اعادة تذكير بوجود الاحتلال تقول لنفسك وانت تقف على حاجز تياسير تحاول جدال جندي يداعب صديقته على الهاتف المحمول وينسى وجودك.

لكن كيف ستحل الحكومة مشكلة ضوء القمر الشاعري؟

يقول الوزير غنيم” منع الضوء والماء عن سكان هذه المنطقة هو سياسة الاحتلال. لكن يمكن التعويض عن ذلك من خلال وحدات الانارة او المواتير او الانارة من خلال الخلايا الشمسية”؟

“الاسرائيليون يضعون عقبات من اجل منع ايصال الكهرباء والمياه هنا ويراهون على ذلك ونحن نريد ان نعمل جيدا على خلق واقع افضل”.

الناس هنا يرددون اسم فياض. وضع الرجل بصماته في كل مضرب. وضع حجرا اساسا لمدرسة في اعالي الجبال وسط مضرب لا يتعدى عدد مساكنه اصابع اليد الواحدة.

وشدد فياض خلال اجتماعه مع مسؤول ياباني على ضرورة الإسراع في البدء بإقامة محطة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية في الأغوار.

لكن الحياة ما زالت صعبة وجافة كما يقول عارف دراغمة رئيس مجلس مشاريع منطقة المالح والمضارب البدوية التي تشمل 15 مضربا رعويا هجر جيش الاحتلال السكان عن نحو نصفها بحجة أنها مناطق عسكرية مغلقة في منطقة مصنفه (ج)، وهو التصنيف الذي يرفضه الفلسطينيون الذين يرون في كل المناطق مجالا حيويا للتطوير، كما قال رئيس الحكومة أكثر من مرة.

وقال طوباسي” الغور له اهمية استراتيجية خاصة، لانه يحمل مقومات الدولة الفلسطينية العتيدة، وهو العمق الاستراتيجي لاقامة مدن جديدة في المنطقة.

يخلو كل الغور الا من مدينة اريحا وبعض القرى الزراعية.

وقال طوباسي” الغور يخلو من مقومات الحياة والاحتلال يتحمل القسط الاكبر من ذلك بمنعه من مد خطوط الكهرباء والمياه. لكن يجب كلنا ان نقوم بدورنا حسب توجيهات الرئيس ورؤية الحكومة”.

“لا يمكن ان نتحدث عن الغور بشكل رومانسي. نحن لا نكتب قصة حب”، قال طوباسي.

* صحافي من مدينة طوباس ويعمل مراسلاً لوكلة الأنباء الفلسطينية “وفا”. – jameeldaraghmeh@yahoo.com


Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash