الأغوار جبهة صراع في وجه اقتلاع الوجود الفلسطيني/ الحلقة الرابعة

100

 

وفا- جميل ضبابات

ضمن سلسلة حلقات ‘الأغوار جبهة صراع في وجه اقتلاع الوجود الفلسطيني’ التي أعدها مراسلنا جميل ضبابات حول الأغوار، ننشر اليوم الحلقة الرابعة، التي يركز فيها ضبابات على انتشار معسكرات الجيش الإسرائيلي في هذه البقعة، والأخطار المحدقة بالرعاة هناك جراء ذلك.

رحى حرب لا تتوقف

ثمة قنبلة موقوتة في الغور قد تنفجر في أي وقت.

مشهد أشبه بساحة حرب، آليات عسكرية مختلفة تأخذ مواقعها في جرف أرضي في محيط معسكر للجيش، وعشرات الجنود الراجلة يوارون أجسامهم في خنادق محفورة في الأرض التي تهتز تحت وقع سلسلة تفجيرات تدوي في الأرجاء.

ويسمع أزير الرصاص في منطقة سهل سمرة في الغور الشمالي، التي أقيم فيها معسكر تتجمع داخلة الدبابات المصفحة وتحيط به نقاط مراقبة أشبه بسجن الباستيل..

لكن السكان الذين يسكنون في مناطق متفرقة بعيدة عن بعضها البعض يبدون غير مبالين بما أحدثه جيش الاحتلال الإسرائيلي من تفجيرات على مدار الأسبوع.

إنه أسبوع مثل بقية أسابيع السنة، تجري فيه المناورات على مساحات واسعة تمتد من شمال الغور حتى جنوبه، وتستغلها القوات الإسرائيلية لتدريب جيشها، وتسكن العائلات الفلسطينية غالبا وسط مناطق الرماية.

لقد اعتادت سماع أصوات الانفجارات، واعتادت رؤية الرصاص اللامع ليلاً يمر فوق مساكنهم.

لذلك قال الرعاة الذين يفضلون غالبا عدم ذكر أسمائهم إنهم اعتادوا هذه التدريبات، رغم أن البعض فقد حياته في هذه الجبال المحيطة بسبب مخلفات التدريبات..

كان كل شيء طبيعيا خلال ساعات النهار، وما أن حل المساء حتى بدأ الرصاص يلمع في محيط المنطقة، التي تدعى مكحول، وهي ضمن نطاق خربة سمرة التي هي في الأساس خربة أثرية تعود للأزمان الغابرة، وكانت ذات يوم مراحا رحبا للرعاة الذين تناقص عددهم سنة بعد سنة..

كانت العائلات تتهيأ لحلب الشياة عندما تحول إطلاق كثيف للنيران من وادي مجاور صوب أسفل الوادي الذي كانت أغنامهم ترعى فيه.

وظلت المناورات تشعل المنطقة طيلة الليل.

 قالت امرأة كانت تنظف ساحة منزلها، إنها تخشى على نفسها حتى وهي نائمة من الإصابة بالرصاص. كانت سيدة أصيبت قبل سنوات في خربة يرزا التي تبعد من هنا عدة كيلومترات بينما كانت تصنع الجبن في ساحة المنزل.

ابن تلك السيدة قتل بانفجار لغم من مخلفات المناورات.

وفي الصباح، بالإمكان شم رائحة البارود، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على بدء المناورات التي تفقد ضوضاؤها قدرة العائلات على النوم في الليل.

وتستغل إسرائيل الغور لإجراء المناورات العسكرية لجيشها، وحوّلت مساحات واسعة من المنطقة لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية.

ولا شيء أوحى هذا الصباح أن ثمة هدوءا يسود المنطقة، و’المعارك الحربية’ التي بدأت مطلع الأسبوع ما زالت رحالها تدور، وفي كل مكان يمكن رؤية آليات الجيش تتحرك، ويمكن رؤية جنود يتراكضون.

ويقول السكان في هذه المنطقة إن إطلاق النار يتحول أحيانا بشكل مفاجئ صوب المراعي، وإن بعض الرصاص اخترق فيما مضى المنازل الخيشية.

في أرجاء المضارب يمكن رؤية خراطيش الرصاص الفارغة تنتشر بكثرة. كانت فيما مضى تجمع من قبل السكان وتباع لتجار الخردة، لكن خطورة هذه العملية مضاعفة هذه الأيام، وقد يتعرض من يجمع بقايا الخراطيش للسجن، وقد يدفع غرامة باهظة.

في كل الغور يمكن رؤية معسكرات الجيش، منها معسكر ‘ناحل’ الذي تستغل كل المناطق في محيطه للمناورات.

وتشير بيانات إحصائية فلسطينية رسمية إلى أن عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2008 في الضفة الغربية قد بلغ 440 موقعا.

وغالبا ما تكون كثير من المعسكرات والنقاط العسكرية موضوعة من اجل توفير الحماية للمستعمرات.

 ويتركز وجود المستوطنات في محافظة القدس، أما عدد المستوطنين في الضفة الغربية فقد بلغ 500,670 مستوطنا، ويتضح من البيانات أن 32.3 % من المستوطنين يسكنون في محافظة القدس حيث بلغ عددهم حوالي 261,885، منهم 198,458 مستوطنا في القدس الشرقية، وتشكل نسبة المستوطنين حوالي 17.2 % من مجموع من يعيشون في الضفة الغربية، في حين بلغت نسبة المستوطنين في محافظة القدس حوالي 41 %من مجموع السكان في هذه المحافظة.

وتتوزع مناطق التدريب التي تشمل الجبال والسهول والأدوية في المناطق التي تفصل بين سلسلة الجبال الغربية التي تحيط بمنطقة الغور وبين منطقة شارع (90) الذي يحاذي الحدود الشرقية للضفة الغربية.

وغالبا ما تجري المناورات قريبا من معسكرات جيش الاجتلال ونقاط تجمعه الرئيسية.

وفي محيط معسكر آخر، يطلق عليه المواطنون معسكر تياسير، نسبة لقرية تياسير القريبة منه ويقع على طريق طوباس- الغور، هناك أكثر من مراح واسع للمناورات.

من على بعد، تبدو المنطقة وكأنها ساحة معركة حقيقة مستمرة: آليات عسكرية ثقيلة تروح وأخرى تجيء وإطلاق النار لا يتوقف، وقرب معسكر تياسير، نصب الجيش الخيام، ورفع أعلاما فوقها. وحولها شوهد أفراد الجيش ينبطحون ويطلقون الرصاص.

وتعتبر المنطقة وقت إجراء المناورات منطقة عسكرية مغلقة يحظر على الرعاة دخولها.

وتغلق سلطات الاحتلال مناطق واسعة من الضفة الغربية تسميها ‘مناطق عسكرية مغلقة’ تستخدمها للتدريب طوال فترة السنة، والمنطقة المحيطة بهذا المعسكر محرمة على الفلسطينيين.

تحفل المنطقة بمناظر تأخذ الألباب، وتنبت فيها أشجار الخروب والذرو وفيها هضاب مستوية ومناسبة للتدريبات العسكرية، ولاختبار قدرة الجيش على العمل في المناطق الجبلية والظروف الجوية الحارة.

وهنا يستفيد الجيش الإسرائيلي من التضاريس الجبلية الصعبة في تدريب جنوده على فنون الرماية.

ويمكن رؤية المجسمات الكرتونية التي يجري التصويب عليها قريبا من مساكن الرعاة في أكثر من منطقة.

مشاهدة دبابات مدمرة وصدئة مشهد عادي في المنطقة، ومشاهدة سكان يرعون المواشي يسيرون في دروب أعدها الجيش للتدريبات أمر عادي أيضا.

ولكنهم لا يتحركون هنا إلا أيام السبت ومساءات الجمعة عندما تتوقف المناورات، لذلك عادي أن يقع هؤلاء في شرك الألغام والمتفجرات. كان على مدار السنوات الماضية أصيب وقتل عدد من الرعاة، وبعض الصبية لقي حتفه عندما كان يجمع عبوات الرصاص الفارغة لبيعها.

ذات يوم قبل عامين كان مهند قدري زامل يرعى قطيع أبقار في منطقة أجريت فيها قبل أيام من ذلك مناورات عسكرية، فخرج الفتى ولم يعد.

لقد قطع لغم أرضي جسمه إلى أشلاء. وظل ذووه يجمعون الأشلاء على مدار يومين من ساحة الحرب، وروى والده لوكالة ‘وفا’ بحسرة ما حصل ذلك اليوم.

والعام الماضي قتلت قنبلة طالب مدرسة يدعى جمال فقهاء ذهب في نزهة مع رفاق له، وأصيب قريب له في ذات الحادث، قبل ذلك أصيب احمد حمد عليان، في المرعى برصاصة ما زالت في جسمه حتى الآن.

لكن هؤلاء السكان يقولون إن الجيش يستبيح كل المنطقة في تدريباته العسكرية حتى ساحات المنازل وداخلها.

قريبا من مسكان بعض الرعاة في منطقة تدعى غزال القريبة من معسكر ‘الناحل’ تتناثر خراطيش الرصاص الفارعة وقنابل صفراء اللون لم تنفجر منذ سنين.

والرعاة يمرون من المنطقة وكأن شيئا لا يوجد. لكن مواش كثيرة نفقت على مدار السنوات الماضية، كما يقول الرعاة بسبب الألغام وانفجار القنابل.

أبعد من ذلك، ذات يوم قبل أربع سنوات، كانت سيارة جيش تحمل بعض العتاد العسكري لتنقله إلى أحد المعسكرات، وفي إحدى الطرق الصاعدة وقعت منها بعض الأسلحة، فالتقطها الرعاة، وسرعان ما انكشف أمرهم ودفعوا من عمرهم شهورا في السجون الإسرائيلية نتيجة لإهمال ارتكبه الجيش الذي أضاع عتاده.

قال أحد الرعاة إنه لا مجال أمامهم إلا السير في هذه الطرق الخطرة لرعي مواشيهم في هذا الوقت من السنة. ومن بعيد صاح الراعي ‘ابتعدوا من هنا. المنطقة خطيرة’

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash