الأغوار جبهة صراع في وجه اقتلاع الوجود الفلسطيني

176

الأغوار /وكالة الأنباء الفلسطينية/ وفا

جميل ضبابات

تنشر وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ‘وفا’، اليوم، الحلقة الثالثة من سلسلة حلقات ‘الأغوار جبهة صراع في وجه اقتلاع الوجود الفلسطيني’ التي أعدها مراسلنا جميل ضبابات.

مزاج الغور حار.. والأرض اليابسة حساسة جداً

مزاج الشمس في الغور هذا اليوم حار أكثر من المعتاد، وكلما مضى النهار نحو منتصفه تزداد الأرض التهابا، فحمأة الصباح تنبئ بما سيصير إليه الطقس باقي اليوم، كما هو في عرف الفلاحين الفلسطينيين الذين يتنبأون بالطقس من خلال بداية النهار.

 في الغور، يفضلون الندى الذي يساعد على تحول أزهار الخضراوات إلى ثمار. ويقيس المزارعون مستوى إنتاج الخضراوات بعدد أيام الندى.

 وهم غالبا يعطون ظهور شمس الصباح أهمية كبيرة للحكم على باقي النهار، وكثير منهم لا يعيرون نشرات دوائر التنبؤات الجوية التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة إلا اهتمام بسيط، ويصفونها بالمضللة، ومع ذلك يعقدون على بصيص الأمل الوارد خلالها آمالهم الكبيرة إذا تعلق الأمر بهطول الأمطار.

وإذا جاءت بما يفيد بقدوم المطر في الشتاء، أو انخفاض درجات الحرارة في الصيف صدقوها.

 وإذا جاءت بغير ما يريدون رفضوها واتهموا كل دوائر الأرصاد الجوية في العالم بالتضليل.

الشمس حارقة وقيظ الصيف بدأ يستعر، وأحال لهيبه منذ بداية الصيف لون الجبال إلى اصفر بعدما تيبس القش، فلقد انتهت فترة ‘الكيكوب’، وهي الفترة التي يظهر فيها طائر ‘الكاكو’ الذي يبشر بقدوم الحر وساد الصيف مبكراً هذا العام.

وترتفع درجات الحرارة في ذروة الصيف لتتجاوز الأربعين درجة مئوية، وهو ما يترك أثرا على جريان الماء في الأودية والينابيع.

 صفحة الماء الجارية في وادي المالح الذي أخذت مياهه بالانحسار سنة بعد سنة، أخذت تفتر شيئا فشيئاً، وثمة من يقول من سكان الغور إن الحر هذا العام سيكون عظيما، وإن الينابيع التي لم تجف بعد ستنضب، وإسرائيل وشركتها ‘ميكوروت’ المختصة بتزويد المياه لبعض مناطق الضفة الغربية ومنها الغور لن تعير الفلسطينيين أي اهتمام في هذا المجال.

 وقليل منهم يعزو الأمر لظواهر علمية مثل ظاهرة التغير المناخي كسبب لارتفاع درجات الحرارة وتناقص كميات الأمطار الهاطلة في فصول الشتاء.

أشعة الشمس التي ما زالت تأخذ زاوية حادة قبل استقامتها تلفح الوجه، وهجها له وخز مثل الإبر تنخر ظاهر الجسد الساخن، ومن شدة وطأته التي لا تحتمل، يقول الرعاة إنهم يكادون يشتمون رائحة شواء القش المتيبس، في إشارة منهم إلى ارتفاع درجات الحرارة.

إنه أحد الأيام المناسبة للعن الحر، بالنسبة لهم.

‘ربما لم أكن محقا أن آتي هنا اليوم’، قال أحد الرعاة وهو يحث الخطى طلبا للظل في منطقة مفتوحة تسمى وادي الشك، التي تجري فيها التدريبات العسكرية.

وأي حر هذا الذي يجعل من الغور جحيماً؟.

إنه الحر الذي يجعل الكثير من الكائنات تتنازل عن دورة حياتها الطبيعية، وتختفي عن سطح الأرض والجة إلى باطنها، فتلجأ ساعات طويلة إلى شقوق الصخور التي تخزن الرطوبة التي يتسابق إلى طلبها البشر والحيوان، هنا.

يمكن رؤية ابن عم الفيل، حيوان الوبر الصخري يلتجئ إلى تجويف الصخور هربا من الحر.

للصخور هنا فائدة أخرى غير منظرها الذي يأخذ الألباب. إنها فائدة تكوين الظلال، فتكوينها البارز عن سطح الأرض المنحدرة يجعلها مظلة جميلة مثل صخرة ‘أبو سمير’ التي تظل مقطعا من الطريق المؤدي إلى شمال الأغوار.

 وأبو سمير اسم يجري يوميا على ألسنة الناس هنا، وقيل إن الثوار في زمن الانتداب البريطاني قتلوه، ظنا منهم إنه كان يتعاون مع الجيش الإنكليزي الذي طارد الهاربين من السلطات الانكليزية الذين لجأوا إلى جبال وكهوف الغور.

في الغور، الكل يعرف أين قتل أبو سمير، لكن معظمهم لا يعرف من أين جاء الرجل والى أي منبع ورد، وكثيرون منهم يجهلون أي أهمية لهذه الصخور غير أنها تأوي في شقوقها أعشاش طائر البوم الذي يتشاءمون منه.

الصخور كثيرة في فلسطين التاريخية، فجبال الضفة الغربية معروفة بصخورها الصلدة، وهي في الغور ملونة ولينة، بعضها اكتسى باللون النحاسي، وبعضها تشربت ألوانه لون الأرض البيضاء الضاربة إلى الرمادي، وبعضها أسود ناتج عن تكون الحمم البركانية في الأزمان الغابرة.

وفي قرى في منطقة الأغوار الوسطى والزبيدات وهي الأقرب للسياج الأمني الفاصل عن نهر الأردن هناك صخور سوداء خلفتها الأزمنة البركانية قبل ملايين السنين.

سلسلة الجبال الشرقية بسفوحها الصخرية المنحدرة بقسوة توفر ظل طويل منذ ساعات الظهيرة عندما تتوسط الشمس السماء وحتى المساء عندما تغيب.

للغور جغرافيا مميزة جدا، ومثلما الحياة قاسية هنا، مثلما المنطقة حساسة جدا، كما قال مدير مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل في جامعة النجاح الوطنية د. جلال الدبيك.

وتقع منطقة غور الأردن في منطقة حفرة الانهدام العظيم، وتعتبر جزءا منه، تمتد من البحر الأحمر مرورا بالعقبة ووادي عربة، البحر الميت، غور الأردن، طبريا، وإصبع الجليل، وساحل الغاب في لبنان، وحتى تركيا.

وقال الدبيك ‘منطقة الأغوار والمنطقة المحيطة بها تأثرت تاريخيا بالعديد من الزلازل المدمرة، منها، زلازل أعوام:1927، 1837،1759، وغيرها’.

وأضاف: ‘تعتبر هذه المنطقة شديدة الحساسية، بالتأثيرات الزلزالية، وبالتالي يتطلب الأمر إقامة منشآت حيوية في هذه المنطقة، وإجراء دراسات دقيقة، وعمل التصاميم، اللازمة التي تتناسب مع طبيعة هذه المنطقة.

وقال ‘من المعروف أن مناطق التربة الطينية، الرخوة العميقة، تساهم في تضخيم القوى الزلزالية، وهو ما يسمى علميا بعامل تأثر الموقع.

وفي منطقة الأغوار، إضافة إلى ارتفاع زلزاليتها، يساهم هذا العامل في زيادة مستوى شدة المخاطر الزلزالية المتوقعة، ناهيك عن وجود جبال تتكون من الكلس على جانبي الغور، كما قال. بعضها له قابلية متوسطة إلى عالية للانزلاقات الأرضية، أو حتى للتضخيم الزلزالي، وهذا ما يؤكد أهمية اعتماد سياسة وطنية شاملة لاستخدامات الأراضي في الأغوار، وذلك وفق المتطلبات العلمية والمعايير والمواصفات المتعلقة بها.

وحفرة الانهدام هي صدع أرضي، يفصل البلاطة العربية، عن البلاطة الإفريقية، وهي حركة ازلاقية متحولة مستمرة، حيث تتحرك بشكل نسبي بين فلسطين والأردن.

 وتبتعد فلسطين عن الأردن بمعدل 5-7 ملمترات سنويا بالاتجاه الجنوبي والشمالي.

وهذه الحركة تحويلة، ففلسطين تذهب للجنوب، والأردن نحو الشمال وهذا في التاريخ الجيولوجي الإنساني، وقال الدبيك ‘مثلا مدينة الخليل بعد 15 مليون سنة ستتحرك وتصبح مكان العقبة’.

وأضاف ‘منطقة الأغوار تتعرض لظاهرة التصحر والكوارث الأخرى التي تسمى الكوارث الطبيعية الزاحفة. وهذا يستدعي سياسات خاصة في مواضيع المياه واستغلال المنشآت المائية’.

لكن إلى أين سيتحرك الغور بعد سنة…؟

 

Be Sociable, Share!

لا تعليقات

لا تعليقات لحد الآن

RSS اشترك في تعليقات هذا الموضوع TrackBack URI

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash