التيه ما بين صياغة الأهداف والعمل الجاد على تحقيقها

تأملات (1)

التيه ما بين صياغة الأهداف والعمل الجاد على تحقيقها

1-1-2016

ذوقان قيشاوي – مختص في بناء القدرات وكفايات التنمية البشرية

thuqan@palnet.com

إن لم يكن لديك أهداف، فسوف تعمل لصالح الذين لديهم أهداف، إن المتعمق في هذه العبارة سيدرك  أن هناك حاجة للوقوف والتأمل والمراجعة وفي بعض الأحيان تعديل المسار، وقد يكون هناك ضرورة لأخذ الكثير من القرارات الجدية والتي قد تؤدي إلى رسم الأهداف بطريقة ممنهجة. قال توماس أديسون “العبقرية عبارة عن 1% من الإلهام و 99% من الجهد”، يعاني الكثير من التيه عند الإجابة على السؤال التالي (ماذا تريد من هذه الحياة؟)، نرى أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد إجابات واضحة وبدقة، ويرجع ذلك لعدة أسباب، أهمها أننا لم نعط المساحة الكافية في المدرسة أو  العائلة أو البيئة المحيطة كي نبلور إجابات واضحة المعالم، فقد تعلمنا أن ندرس ونحفظ من أجل الامتحان، وتعلمنا أنواع محددة من الأسئلة، لم يتح لنا المجال أن نتعمق في ذاتنا، وندخل في مراحل للتأمل كي تساعدنا في استكشاف طاقاتنا واحتياجاتنا والتعلم عنها.

عندما نتكلم عن الكفاءة والفاعلية في تحديد أهدافنا، وصياغتها، ورسم المسارات الأفضل لتحقيقها، ينصح أن يتم تقسيم الأهداف إلى أربعة مستويات رئيسة، بحيث يتم العمل على المسارات الأربعة وبطريقة متوازية، هذه المنهجية مهمة لأنها تصنف الأهداف على مستويات مختلفة، وتساعد البعض على لملمة التبعثر ومعالجة حالات التشتت والتيه في هذه الحياة.

  • صياغة أهداف على مستوى العلاقة مع الخالق: برأيي الشخصي، هذا يشكل المستوى الأعلى من الأهداف، فكم نحن بحاجة إلى وضع أهداف لهذه العلاقة خارج الطقوس والشكليات، كم نحن بحاجة إلى أن تكون تلك الأهداف محفزة؟ كي تساعدنا على تحمل أعباء الحياة، ونستمد الطاقة من هذه العلاقة، هذه العلاقة النوعية ستشكل مصدر الطاقة والإلهام لأننا رسمناها كما نريد وبطريقتنا الخاصة وكما نحب نحن.
  • أهداف شخصية وعلى مستوى الأسرة: نحن بحاجة إلى الكثير من الوقت لنفكر بذاتنا وأسرتنا، فنحن بحاجة لأن نرسم مجموعة من الأهداف الشخصية وفي مناحي مختلفة من الحياة مثل التعليم، التحصيل الأكاديمي الصحة، السعادةـ، الرفاه، وغيرها من المجالات المختلفة، وهناك جزء هام من مسؤوليتنا تجاه أسرنا سواءاً الأبناء والبنات أو الأهل بشكل عام، فقد تحتم علينا الظروف تولي دفة القيادة على مستوى الأسرة، وعندها سيكون هناك حاجة لرسم وصياغة أهداف في هذا الاتجاه.

 

  • أهداف ذات علاقة بالعمل وبيئته: لا شك أن العمل يقتطع جزءاً هاماً من وقتنا، فيعمل البعض حوالي ثماني ساعات في اليوم وبهذا نجد أن العمل يأخذ ثلث يومنا، وفي منظور تنظيم الوقت نرى أنه لمن المهم أن يكون هناك خطة نوعية لإدارة الوقت وإدارة الذات فيما يخص العمل، فقد يقع البعض في مصيدة التفكير السطحي فيما يخص العمل، إذ يرى البعض أن العمل يعني له الراتب في آخر الشهر، وبهذا المستوى من التفكير فإننا سنفقد الدافعية والتحفيز للتطور في داخل بيئة العمل، ويبقى أقصى طموح لنا هو استلام الراتب مع نهاية الشهر، لكن هناك الكثير من النماذج الملهمة لموظفين دخلوا مجالات العمل بوظائف بسيطة، ورواتب قليلة، ولكن نتيجة الإصرار على التعلم والتميز واثبات الذات وتحديد أهداف واضحة، والعمل عليها، نراهم اليوم في قمة الهرم في مجال العمل، يجب أن نستثمر فرصة وجودنا في بيئة العمل، ونضع أهدافاً ذات قيمة.

 

  • أهداف ذات علاقة بتطوير الذات: هذه  مساحة هامة تساعدنا على تطوير الذات، واكتساب خبرات، ومهارات ومعارف واتجاهات بشكل مستمر، يجب أن لا نركن لما نمتلكه من كفايات، فالعالم يتطور بوتيرة سريعة جداً، فنحن بحاجة إلى مواكبة هذا التطور، ومراقبته والاطلاع عليه، وتطوير ذاتنا بما يتناسب مع احتياجاتنا الشخصية والأسرية والعملية، فعلى سبيل المثل، قد يكون شخص ما محترف في مجال التسويق، ولكنه لم يواكب التطور الذي حدث في استخدام منصات التواصل الاجتماعي في مجال التسويق، فإنه بالمطلق سوف يخسر الكثير من الفرص نتيجة عدم مواكبته لهذا التطور النوعي في مجال عمله. نحن بحاجة إلى وضع برنامج بناء قدرات ديناميكي نرصد له الوقت والموازنات، ونكون قادرين على صياغة أهداف محددة لتطوير الذات.

المجالات الأربع أعلاه تم تقسيمها لغايات تسهيل وتبسيط عملية صياغة الأهداف على المستويات المختلفة لكي تساعدنا في التخطيط الأمثل لحياتنا،  وكي تساعدنا على ضبط الأشياء، والوصول إلى نتائج مرجوة تم التخطيط لها منذ البداية بشكل هادف ومدروس، إن المتمعن في المستويات الأربع للأهداف قد يستطيع إيجاد رابط عقلاني بينها، فإن العلاقة النوعية مع الخالق سوف تشكل دافعاً قوياً للعمل الجاد على المستويات الأخرى من الأهداف، لأن تلك العلاقة تخاطب الجانب الروحاني لدينا، فقد نتوه في خضم الحياة اليومية المادية، لذا فإن رسم مجموعة من الأهداف على هذا المستوى، سوف تشكل الوقود اليومي الذي نحن بحاجة له كي نستمر في هذه الحياة، وإن تطوير الذات المستمر وبشكل مدروس سوف يعزز فرصنا في مجال بيئة العمل ويظهر تميزنا وهذا سوف ينعكس على الأهداف الشخصية والأسرية من النواحي المادية والمعنوية.

صياغة الأهداف شيء هام في هذه الحياة، ولكن الصياغة لوحدها لا تكفي، فقد يقع البعض ضحية عدم إكمال المشوار، فالصياغة الصحيحة للأهداف هي البداية، ولكن المحطة المهمة بعدها هي العمل على تحقيق تلك الأهداف والعمل على تحقيقها لتصبح نتائج حقيقية، وهذه ليست بالمهمة السهلة، فهي تحتاج إلى أن يتم ترجمة تلك الأهداف إلى نتائج ومخرجات محددة، ووضع الخطة للوصل إليها وما تتطلبه الخطة من جهد، وقت، موارد، وعمليات المراجعة والمتابعة المختلفة.

هذه المنهجية في صياغة الأهداف والعمل عليها، سوف تصبح جزءاً من هويتنا، وسوف ترتقي معها تطلعاتنا للأهداف المختلفة مع مرور الزمن، ونستطيع من خلالها رسم النجاح كما نراه ونشكله كما نريد نحن لا كما يريد الآخرون. لنجرب ذلك مع الأيام الأولى من هذا العام، ولنراجع أنفسنا حول ذلك باستمرار، وكما تقول العبارة الشهير ” لا يوجد فشل، بل هناك تغذية راجعة وتجربة وتعلم”.

موقع آخر في مدونـــــات أميـــــن