Archive

Archive for the ‘مقالات’ Category

من حق الشعوب ملكية وسائل الإعلام

أغسطس 9th, 2011

صدقي موسى*

لم تعد وسائل الإعلام مجرد أداة ترفيهية يستخدمها الإنسان، أو متطلب بذخ، بل هي حاجة أساسية وأمر لا تكتمل حياة الإنسان الحديث بدونه، حيث تعدُ وسائل الإعلام وعاء البيئة الفكرية والثقافية في كل المجتمعات، وهذا يعني أن من حق الفرد أن يعيش في بيئة مناسبة له مثلما أن من حقه العيش في بيئة صحية هواؤها نقي.

إن حق الحصول على المعلومة والمعرفة هو من ابسط حقوق الإنسان، ولكن البحث عنها من مصادرها ليس بمقدور كل الناس. وبما أن تأثير وسائل الإعلام وامتدادها يصل إلى الإنسان ويتجاوز حدود المكان، فمن حق الشعوب أن تمتلك وسائل الإعلام، وتكسر احتكار القلة لهذه الوسائل، وأن تتحرر من سلطويتها ودكتاتوريتها.

وعندما نتحدث عن تحرير ملكية وسائل الإعلام، ليس الهدف من ذلك إقامة شرطة صحفية، أو تقييد حرية الإعلام، بل وضع العربة في مسارها الصحيح، ونشر المعرفة والحقيقة للشعب الذي هو مرجعية وسائل الإعلام، وفي هذا الأمر ننطلق من الأسس التالية:

  • وسائل الإعلام ضرورية للإنسان كضرورة الماء والطعام، وبالتالي لا يمكن لأي جهة أن تحتكر هذه الوسائل أو تتحكم بها بشكل سلطوي وفق مزاجها وتوجهاتها الخاصة، ونشير هنا إلى ما قاله “مايكل مور”، بأنه في نهاية الألفية تمكن خمسة رجال من السيطرة على وسائل الإعلام العالمية وابتهج الناس نظرا لأن أجهزة التلفاز خاصتهم أخبرتهم بأن يبتهجوا.

فالدول الصناعية المتقدمة (دول المركز كما اسماها “توماس ماكفيل”) والشركات المتعددة الجنسيات تسيطر وتتحكم بمنتجات تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلومات، وبإنتاج المضامين الإعلامية وتوزيع الأخبار، مما ينتج عن ذلك هيمنة تلك الدول والشركات على مصادر المعلومات ومضامينها والتي تصل إلى شعوب العالم.

وأوضح “ماكفيل” تلك الهيمنة وطبيعتها في نظريتي الاستعمار الالكتروني ونظرية النظام العالمي الجديد، فباعتقاده أن دول الشمال (المركز) تصدر عبر وسائل الإعلام قيما ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية إلى دول (الهامش وشبه الهامش) المستوردة للأفكار والثقافات والسلع، وبذلك تكون الدول القوية استغنت عن استخدام القوة في احتلال الدول الأخرى.

  • إن وسائل الإعلام أداة منتجة، لا بل تتعدى بخطورتها أدوات الإنتاج التقليدية، فهي تنتج الأفكار والثقافات والقيم، إضافة إلى أن مضامينها سلعة تدر مليارات الدولارات على أصحابها، لتكون المحصلة في كثير من الأحيان استغلال للمشاهدين والتغرير بهم وتعزيز القيم المادية عندهم.
  • أصبح كل تكتل يستخدم وسائل الإعلام لتحقيق مصالحه الشخصية سواء الربح أو نشر فكر وثقافة معينة أو الترويج لسياسات محددة …الخ، مما انعكس ذلك على المضمون وسيطرة المعلنين والسياسات والأهداف الشخصية.
  • في ظل النظام الإعلامي القائم، المعلومة ومصادر المعرفة محتكرة، مما يعني سيطرة فئات محددة على مضمون وسائل الإعلام وتحديد طبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور، وما ينتج عن ذلك من تلاعب في عقول الشعوب وتزييف للحقائق في بعض الأحيان.
  • يجد المهمشون من شعوب العالم وجزء كبير من الموهوبين والمبدعين أنفسهم أمام وسائل إعلام لا تمثلهم، ولا تهتم بقضاياهم، بل يغلب عليها تعزيز القيم الاستهلاكية، وتعزيز غنى الأغنياء، وتشويه صورة الفقراء وشعوب العالم الثالث، وطمس النماذج الناجحة فيها.
  • غمرتنا بعض وسائل الإعلام بمضامين ضارة للصحة والقيم، كتشجيع العنف والجريمة، والتمييز العنصري، ونشر الثقافة الاستهلاكية، والدعاية لسلع مضرة بالصحة…الخ، لغلبة الهدف المادي والتجاري والمصالح الشخصية على المصلحة العامة.
  • ترتبط النظم الإعلامية وطبيعة ملكية وسائل الإعلام في أي دولة بطبيعة النظام السياسي الذي يحكم تلك الدولة، مما يعني عدم استقلالية هذه الوسائل.

والمطلوب هنا:

1.  كسر احتكار القلة لوسائل الإعلام ومصادر المعرفة والمعلومات، والعمل على إلغاء استغلال وسائل الإعلام والانتفاع بها من قبل فئات محددة (وهي التي تمتلك رأس المال أو القادرة على إنشاء هذه الوسائل)، وأشير هنا إلى استطلاع عالمي أجراه “تورين دوغلاس” المختص في الشؤون الإعلامية في “BBC” حول أهمية حرية الرأي والصحافة، حيث أظهرت النتائج قلقا في بعض الدول حول تركيز ملكية وسائل الإعلام الخاصة في أيدي قلة من الشركات الكبيرة.

ففي البرازيل والمكسيك والولايات المتحدة وبريطانيا وافق أكثر من 70% ممن استطلعت آراؤهم على أن ملكية وسائل الإعلام موضوع هام للغاية وذلك بسبب تأثير الآراء السياسية لمالك المحطة على أجندتها الإخبارية.

وبشكل عام حظيت وسائل الإعلام الربحية بآراء إيجابية أكثر بشكل بسيط من تلك الممولة من قبل الحكومة، بينما قيم الناس في مصر وألمانيا وروسيا وسنغافورة وسائل الإعلام الحكومية بشكل أكثر إيجابية من وسائل الإعلام المملوكة من قبل القطاع الخاص.

وان كان من الصعوبة بمكان التحرر من تدفق ملايين الرسائل المستوردة فلماذا لا تبدأ دول العالم الثالث بتنمية وسائل إعلامها لكي لا تكون فقط “كربونة” عن وسائل الإعلام الأجنبية، والعمل على تسخيرها لخدمة المجتمع؟!، فواقع إعلامنا العربي أنه لا يخرج عن المكون الإعلامي العالمي الخاص.

  1. تحويل ملكية وسائل الإعلام إلى ملكية اجتماعية عامة، لتكون في خدمة المجتمع وأفراده، وتمثل جميع فئاته.

3.  الاعتماد على الإنتاج الذاتي للمضامين الإعلامية التي تقدم في وسائل الإعلام، والارتقاء بجودة هذه البرامج والمضامين، وتنوعها. والعمل على تنمية وسائل الإعلام وتطويرها.

  1. حرية وسائل الإعلام فيما تنشره وفق مبدأ المسؤولية الاجتماعية.
  2. تقديم الخدمات التفاعلية في وسائل الإعلام، والقياس المستمر لرجع الصدى.

6.  إمكانية نشر وسائل الإعلام للإعلانات التجارية، فهي وظيفة من وظائف وسائل الإعلام تجاه المجتمع، وفق معايير محددة تحفظ حق المجتمع من الاستغلال والتضليل.

يمكن تحقيق هذه الأمور وفق التصور التالي:

- إنشاء مجلس أعلى للإعلام في كل دولة أو هيئة مستقلة للإشراف على وسائل الإعلام وتنظيم عملها، وحماية حرية التعبير وقطاعات الإعلام المختلفة بما فيها الإعلام الرسمي وغير الرسمي من كل تدخل يريد أن يحيد بها عن مكنونات الحقائق، بحيث يمثل هذا المجلس مختلف فئات المجتمع وشرائحه، وتكون له صلاحيات عملية، واستقلال مالي، واستقلالية عامة (الفصل بين السلطات بما أن الصحافة سلطة رابعة).

وسينتج عن ذلك، ومع مرور الوقت، تحول قطاعات الإعلام المختلفة إلى حالة من الحراك الايجابي الخادم لأجل مصلحة العموم، بحيث تصبح هذه القطاعات جزء فاعلا ومتفاعلا مع واقع المجتمع وموجوداته، وذات مهنية واستقلالية منضبطة بضوابط المجتمع الأساسية (مع مراعاة اختلاف تلك الضوابط من مجتمع إلى آخر)، وتبحث عن الحقيقة وهذا ما يدفع في بناء المجتمع السليم، ويكون كل ذلك بمساهمة القطاعات المتعارف عليها في المجتمعات الإنسانية الحديثة.

- مساهمة المواطنين في تمويل وسائل الإعلام، وقد ينظر البعض إلى هذا الأمر بنفور ويعتبرونه ضريبة إجبارية، إلا أن هذا ثمناً يسيراً إذا ما أرادوا مضامين مناسبة وراقية، وهو وسيلة أفضل من نظام الاشتراك الذي لا يقدر عليه إلا المقتدرون مما يمنع المعرفة عن الفقراء.

- من حق الأحزاب والمنظمات الأهلية والحكومية والأفراد إنشاء وسائل إعلام خاصة بها على أن تكون مرجعيتها المجلس الأعلى للإعلام الذي يمثل الشعب.

- لتحقيق ما سبق، يتطلب ذلك جهودا كبيرة من قبل الباحثين والمختصين وإجراء دراسات وأبحاث في هذا الإطار.

ما تقدمت به ليس إلا مقترحا يهدف إلى تفعيل دور وسائل الإعلام في خدمة المجتمع وبشكل أكثر ايجابية، ومساهمة في بناء الدول ليكون العالم قرية صغيرة لكن ليس من منظور هيمنة ثقافة الدول القوية، أو الشركات متعددة الجنسيات.

* صحفي وباحث إعلامي

مقالات

وسائل الاعلام…صوت للفقراء

يناير 24th, 2011

صدقي موسى/خاص/PNN- أكثر ما يرجوه الفقراء في هذا الزمن بالاضافة للحياة الكريمة، وسيلة اعلام توصل صوتهم وتحكي همومهم وامالهم ومطالبهم، فهم احوج ما يكون لمتنفس يفرغون من خلاله ما اعترى صدورهم من وجع والم، ويعبرون من خلالها عن طموحاتهم واحلامهم، ويقولون للعالم نحن هنا فالتفت الينا.

وفي ملاحظة شاملة لوسائل الاعلام العربية والاجنبية بشكل عام، نجد مشكلة لديها في هذا الاطار تتمثل بانشغالها بشكل مقصود او غير مقصود عن متابعة قضايا الفقراء والفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة، ويتضح ذلك بنقاط عدة من ابرزها:

  • الذي يمتلك ويحتكر وسائل الاعلام هم اصحاب الأموال والمقتدرين، وبالتالي هي تمثل هذه الفئة وتدافع عن مصالحها، والفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم لا يجدون وسيلة تعبر عن رأيهم ومشاكلهم.
  • وسائل الاعلام تولي الاهتمام الاكبر في متابعتها الاعلامية للاخبار الرسمية، والاحداث السياسية، والاخبار الاقتصادية التي تهم اصحاب رؤوس الاموال، اضافة لاخبار المشاهير، وهي في معظمها ابعد ما يكون عن اهتمام انسان يبحث عن لقمة عيش له ولاطفاله.
  • طغيان الطابع التجاري الربحي على هذه الوسائل وسعيها لارضاء المعلنين على حساب فئات المجتمع الاخرى، وبالتالي انعكاس ذلك على المضمون الذي يقدم عبر تلك الوسائل والذي يؤدي في النهاية الى تهميش الفقراء والطبقات المنهكة.
  • الاعلانات التجارية للسلع والتي تتسم بالرفاهية والموجهة الى المقتدرين ماديا لا تراعي مشاعر الفقراء الذين يتولد لديهم الاحساس بالحقد على المجتمع، والشعور بالحرمان والاحباط بذات الوقت لعدم قدرتهم على شراء هذه السلع الباهظة.
  • وسائل الاعلام تركز في متابعتها الاعلامية للبيئات الفقيرة على اخبار الجريمة والاثارة، عاكسة صورة قاتمة وسلبية عن الفقراء، متناسية الاسباب والمسببات التي أدت الى وقوع هذه الاحداث.
  • ولعل من ابرز الأمثلة ما تقوم به الوكالات العالمية بنشر لقصص الحروب والاغتصاب والتخلف في بعض دول العالم الثالث، دون التطرق الى الاستعمار الذي كان سببا لهذه النتائج، بنهبه لثروات هذه الدول، وعمله على زرع بذور الفتنة فيها قبل خروجه.
  • المجرمون والقتلة والمتسولون في البيئات الفقيرة هم نجوم وسائل الاعلام، ومن تأخذهم بعين الاعتبار، في الوقت الذي تتجاهل فيه هذه الوسائل الادباء والمفكرين والسياسيين والمبدعين الذين خرجوا من وسط الفقر وشظف العيش، فمن بين الفقر وظلمته يوجد قصص نجاح وتحد تستحق أن تتابع ويكتب عنها، لتكون محفزا لغيرهم للجد والعمل وزرع الأمل في نفوس الفقراء لمحاكاة هؤلاء الناجحين والاقتداء بهم.
  • في حال تكرمت وسائل الاعلام وتابعت قصصا انسانية للفقراء فانها تتاجر بمعاناتهم، وتنقل مشهدهم بشكل غير انساني فيه اذلال لهم ولكرامتهم، واستغلالهم كدعاية لبعض الشركات من خلال تبرعها لهم (كيس رز وسكر وعدس…الخ)، وبالتالي اصبح الفقير ومعاناته مادة للتكسب والربح.
  • تبعا للنقطة السابقة، قضايا الفئات المهمشة يتم تسليط الضوء عليها بشكل جزئي ولا تمثل كل هذه الفئات، اضافة الى أن وسائل الاعلام التي تابعت هذه الحالات قدمت حلولا وقتية، ونقلت التسول من الشارع الى شاشات التلفزة وورق الصحف، بشكل يعقد المشكلة بدل حلها.
  • هنالك خلل في القيم الاعلامية لدى وسائل الاعلام، فبنظرها أن الفقر والفقراء لا يحملون قيمة اعلامية تستحق النشر والمتابعة، وان اولت اهمية فهي في مجال الاثارة والصراع والسلبية، مع أن البيئات الفقيرة تحمل من القيم الاعلامية والاخبارية الكثير، وهي مادة دسمة لتقارير وتحقيقات صحفية ومقالات تجذب الجمهور وبذات الوقت تسلط الضوء على قضايا لم يلتفت اليها أحد.
  • كما أن وسائل الاعلام تعتبر مسؤولة بشكل أو باخر عن حالة الفقر، بنشرها ثقافة الاستهلاك وتعزيز غنى الاغنياء وزيادة ثرواتهم.

مما سبق، ندق ناقوس الخطر، فتهميش الفقراء والضعفاء والكادحين والمشردين اعلاميا، ومعالجة قضاياهم بسلبية وسطحية، سيولد اجيلا من الكراهية والتطرف والعنف وتكون معول هدم لا بناء، وبطبيعة الحال المسؤولية ليست فقط على الاعلام، وانما هو جزء من دائرة حلول متكاملة يشترك فيها المستوى الرسمي والشعبي ومؤسسات المجتمع الاخرى، لكن الاعلام يقوم بدور مهم في التخفيف عن الفقراء ويكون متنفسا لهم، فموجة احراق النفس من قبل الفقراء والعاطلين عن العمل وغيرهم، والتي بدأها محمد بوعزيزي في تونس، انما هي محاولة لايصال الصوت والتعبير عن حالة من الغضب والحرمان، فلو وجد مثل هؤلاء صوتا يسمعهم ووسيلة اعلامية تكون لسان حالهم لافرغوا مشاعرهم من خلالها وعبروا عن همومهم وقضاياهم.

واجمالا، هذا يتطلب من وسائل الاعلام اعادة النظر في سياستها الاعلامية ومتابعتها لقضية الفقر، انطلاقا من واجبها الانساني والاخلاقي والمهني، وأن تكون صوتا للفقراء، وتسلط الضوء على قضاياهم بهدف ايجاد حلول لهم وعيش كريم.

فواجب على وسائل الاعلام تقديم صورة صادقة ومعبرة لكافة فئات المجتمع وطبقاته، من منطلق المسؤولية الاجتماعية، بشكل يحفظ كرامة الفقير وتعزز الانسجام والتكافل بين فئات المجتمع ذاته، فالفقير والغني، والعامل وصاحب العمل هم جزء من النسيج الاجتماعي ومساهمون في بناء الوطن؛ فعلى وسائل الاعلام تعزيز التقارب والتواصل بين فئات المختلفة وفتح باب للحوار وكسر حاجز النفور لايجاد مجتمع متماسك ومترابط، والقضاء على بذور الحقد والكراهية.

 

مقالات

صحافة المواطن نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة

يناير 3rd, 2011

صدقي موسى*

كانت الأسابيع الماضية فرصة جيدة لأطلع بشكل أكثر عن قرب على الاشخاص ذوي الاعاقة، همومهم واعمالهم وانجازاتهم ونظرتهم للمجتمع ونظرة المجتمع اليهم، هذه الفئة التي تستحق عن جدارة لقب “أصحاب الارادة”، صنوعوا مالم يصنعه ذو الاجسام السليمة، ومع ذلك يعتبرون أن ما أنجزوه عملا متواضعا.

اصحاب الاعاقة بتنوع اعاقاتهم استطاعوا أن يتقنوا حرف الالمنيوم والخياطة والتطريز والنجارة واصلاح الأجهزة الخلوية، انهم يصنعون العابا خشبية، وكراسي متحركة، ومنهم اصحاب محلات تجارية، وفنانون ومبدعون في كل المجالات، حصلوا على المراكز الأولى في رياضة الكاراتيه على مستوى الوطني والدولي، وفي كل محفل تجد لهم بصمة، الا أنك تجدهم ابعد ما يكون عن وسائل الاعلام. هذا الصور المشرقة يقابلها أيضا معاناة وهموم على مستويات عدة، كالتأهيل والعمل والصحة والاندماج في المجتمع وغيرها.

وخلال حضوري لنشاطات اقيمت بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الاعاقة في مدينة نابلس، قارنت عدد الصحفيين الذين يتابعون هذه النشاطات والأعمال بعدد وسائل الاعلام التي تزخر بها بلادنا، فلم اجد اي وجه لمقارنة تذكر، مما يعكس حالة من اللامبالاة والتقصير من اعلامنا واعلامينا نحو هذه الفئة من مجتمعنا.

وعندما نتحدث بشكل عام عن الاعلام والاشخاص ذوي الاعاقة ننطلق من الأسس التالية:

اولا: نسبة ذوي الاعاقة في العالم العربي تتراوح ما بين 10% الى 15%، وتبلغ نسبتهم في فلسطين 5.3%، مع توقعات بارتفاع العدد على مستوى العالم، ما يعني أننا امام جمهور كبير لوسائل الاعلام يصل الى الملايين، بحاجة الى متابعة ورسالة اعلامية خاصة، ولا يتوقف الامر هنا على الاشخاص ذوي الاعاقة بل يمتد الى أهاليهم وذويهم بالدرجة الثانية، ثم المجتمع بشكل عام.

ثانيا: على الاعلام مسؤولية اجتماعية واخلاقية تجاه المجتمع وفئاته المختلفة ومن ضمنهم الأشخاص ذوي الاعاقة.

ثالثا: وسائل الاعلام تشكل منظمومة تعاونية متكاملة مع مؤسسات المجتمع المختلفة ومن ضمنها المؤسسات المعنية بذوي الاعاقة.

رابعا: سيطرة نظرية الاعلام الحر على وسائل الاعلام، وما يعنيه ذلك من سعي للربح على حساب الاهتمام بفئات المجتمع المهمشة وقضاياه الانسانية يستوجب بذل الجهد في تسليط الضوء على هذه الفئة العزيزة من مجتمعنا.

خامسا: تكفل مبادئ حقوق الانسان والقوانين الدولية للانسان حق المعرفة والتعبير عن الرأي، وذوي الاعاقة أحق الناس بهذه الحقوق وتطبيقها عمليا على ارض الواقع.

سادسا: تقديم نماذج النجاح والتفوق للاشخاص ذوي الاعاقة عبر وسائل الاعلام لازالة الصورة النمطية التي ربطت الضعف والعجز بهم وأنهم عالة على المجتمع مع أن الواقع غير ذلك.

وبالاضافة لتقديم نماذج النجاح يجب تسليط الضوء على هموم هذه الفئة ومعاناتها؛ والمتابعة الاعلامية هنا لا تكون بنشر الخبر فقط وانما بكافة انواع الفنون الصحفية، من قصص اخبارية وتحقيقات ومقالات وبرامج تلفزيونية واذاعية…الخ.

سابعا: مطلوب تعزيز مفهوم التربية الاعلامية لدى الاشخاص ذوي الاعاقة، وتعميق فهمهم لدور وسائل الاعلام وأهميتها.

ثامنا: ضرورة تعلمهم مهارات العمل الصحفي والتواصل مع وسائل الاعلام، واهم من ذلك تقنيات صحافة المواطن، ليكونوا هم أنفسهم صحفين يسمعون صوتهم للعالم، ويسدون جانبا من تقصير وسائل الاعلام المختلفة بحقهم.

فتكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة فتحت المجال أمام المواطن ليكون أكثر تفاعلا ونشاطا مع الأحداث اليومية اذا اراد هو ذلك، من خلال نشره الصور والنصوص  والتعليقات حول الأحداث والمواضيع المختلفة.

ويعتبر يوتيوب والفيسبوك وتويتر والمدونات نوافذ يستطيع من خلالها الأشخاص المصابون باعاقة الاطلالة على العالم واسماعه صوتهم وارسال رسائلهم، بالاضافة الى كونها متنفسا للتعبير عن مشاعرهم وامالهم وطموحاتهم، وسيحققون النجاح الكبير وتحريك قضاياهم وتفاعل المجتمع معها.

ومن خلال اطلاعي ودراستي لعينة من صفحات تهتم بالأشخاص ذوي الاعاقة على فيسبوك بلغت 125 صفحة، ظهر من خلالها أنها تنوعت جغرافيا على مستوى دول الوطن العربي، واكثرها صفحات لمؤسسات وومنظمات ووسائل اعلام تهتم بهذه الفئة، ومنها دعوات لمناسبات ذات علاقة، وهذا بحد ذاته خطوة ايجابية يجب تعزيزها بمزيد من الاهتمام والتطوير لهذه الصفحات حيث تبين أن عدد المعجبين بها أوالأصدقاء  قلة، الا صفحات معدودة تجاوز معجبوها الألف.

تاسعا: انتشرت في السنوات الأخيرة على مستوى العالم العربي فضائيات واذاعات ووسائل اعلام مختلفة موجهة للأشخاص ذوي الاعاقة وتهتم بهم، وهي نقطة متقدمة ورائدة في خطوات احداث التنمية والتطوير لهذه الفئة ودمجها في المجتمع والتقليل من غربتها الاجتماعية.

عاشرا: مثلما هو مطلوب نشر التربية الاعلامية بين ذوي الاعاقة، أيضا مطلوب من الصحفيين والاعلاميين معرفة حقوق ذوي الاعاقة والاطلاع على قضاياهم ومشاكلهم ونجاحاتهم.

انوه هنا الى أن “اصحاب الارادة” ليسوا هم فقط المهمشين من قبل وسائل الاعلام، فهم جزء من شريحة عريضة من مجتمعنا تتعرض للتهميش وعدم استيفاء وسائل الاعلام لنصيبها وحقها في المتابعة والاهتمام، وهذه الشرائح يمكنها الاستفادة من صحافة المواطن حتى تسمع صوتها وتجد لها صدى.

 *صحفي وباحث اعلامي

مقالات

الصورة… لغة الأمس واليوم والغد

نوفمبر 7th, 2010

صدقي موسى

ليس ببعيد عنا تسجيل الفيديو الذي بثته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي قبل اسابيع، لجندي اسرائيلي يرقص بشكل ملاصق للأسيرة احسان دبابسة وهي مكبلة اليدين، ووجهها إلى الحائط، بينما يسمع في الخلفية ضحكات زملائه الجنود الذين صوروا الحدث.

وصور اخرى التقطها الجنود والمجندات كصور تذكارية  مع جثث فلسطيينيين قتلهم الاحتلال أو اسرى واسيرات مكبلين معصوبة أعينهم.

وما تبع ذلك من ضجة اعلامية ومتابعة من قبل مختلف وسائل الاعلام خاصة المحلية منها والعربية.

ما حدث مع احسان بالذات وتداعيات الحدث اعلاميا يتطلب منا وقفات عدة، الا انني اتوقف هنا امام دلالة قوة الصورة وتأثيرها.

فلنتخيل ان ما حدث مع احسان لم يتم تصويره وبثه، وانما تحدثت به شفويا امام ملايين الناس، وأقسمت على ذلك، هل سنجد لذلك ردة الفعل تلك؟ بالطبع لا، بل من خلال المتابعة للمقابلات التي اجريت معها نجد ان جنود الاحتلال قاموا بابشع مما ظهر في الشريط، من ضرب مبرح واهانات.

ونستذكر هنا تصريح رئيس نادي الأسير قدوره فارس لوكالة الانباء الفلسطينية “وفا”، من أن عين الكاميرا فضحت ممارسات إدارة السجون الاسرائيلية بشكل محدود، وذلك ردا على ما قضت به محكمة عسكرية إسرائيلية بالسجن خمسة شهور على الجندي الذي ظهر في الشريط.

وأضاف أن ما تمكنت الكاميرا من فضحه لجرائم الاحتلال في السجون الإسرائيلية لا يشكل سوى 1 في المئة من حقيقة ما يجري داخل هذه السجون ومراكز التحقيق.

فما هو السر وراء قوة الصورة وصنعها للضجة والاهمية الاعلامية؟

لعلنا نتذكر المثل الصيني القائل أن الصورة الواحدة تغني عن ألف كلمة، بالفعل، هناك مئات الانتهاكات التي ترتكب بحق الفلسطينيين، في السجون وخارجها، فلم نجد الحكومة الاسرائيلية تحاسب جنودها على ذلك، وما ان ينفضح الامر بالصورة حتى تسارع للاستنكار والتهديد بمعاقبة المخالفين من جنودها.

تعتبر الصورة من أبرز وسائل التفاهم التي من خلالها تنقل الرسالة من المرسل إلى المستقبل، وإيصال الأفكار والمعلومات، كما انها نسخة عن الواقع وتعكس حيثياته، ومنها يمكن أن يعمم الانسان النتائج على الظروف المشابهة، اي انها تفتح مدارك الانسان لمجالات غائبة او غير متخيله بالشكل الواضح والكامل، فالانسان يسمع كثيرا عن معاناة الاسرى ويحاول بخياله ان يرسم تصورا معينا لتلك المعاناة، لكن تبقى تلك الصور الذهنية ناقصة، فتقوم الصورة بتوضيحها.

ونتذكر جيدا الصور التي نشرت عن تعذيب الاسرى العراقيين في سجن ابو غريب، ونتذكر صورة محمد الدرة، وكذلك الصورة المشهورة لطفل أفريقي يحتضر من الجوع وخلفه نسر ينتظر موته، تلك الصور دقت ناقوس الخطر، وأحدثت ردود فعل عالمية واسعة وتجاوبت معها دول وشعوب العالم، وكشفت ان هنالك تعذيبا في العراق، وقتلا للاطفال والابرياء في فلسطين، ومجاعة في افريقيا، فالصورة هنا اكملت الصورة الذهنية الناقصة لدى الجمهور، بل وفي احيان كثيرة اوجدت الصورة ونبهت لاحداث لم يلق لها بال من قبل.

فالصورة تعتبر بما تحمله من خصائص عامل تشويق واثارة، تدفع الجمهور الى تفحصها بدقة وتكرار النظر اليها، وطرح كثير من الاسئلة، كما انها تبسط القضايا التي يصعب فهما، بينما النص المقروء كثيرا ما يمر عنه الجمهور مرورا سريعا دون تمعن او تدقيق.

واشير هنا الى دراسات عدة اشارت الى ان 75 في المئة من قراء الصحف يلاحظون الصورة، واكثر من 50 في المئة يلاحظون العناوين الرئيسة، بينما لا تلفت المادة التحريرية انتباه 25 في المئة من القراء، مما يشير الى أن الانسان يعتمد على حاسة البصر اكثر من بقية الحواس، ويعتبره كثير من الباحثين الحاسة المسيطرة على الانسان، حيث يصدق الانسان ما يراه بعينه لا ما يسمع عنه.

ويمكن للصورة ان تثير مشاعر الناس المختلفة من ضحك أو حزن او غضب وغير ذلك من المشاعر الانسانية المتباينة، وتوجد لدى الانسان شعور المعايشة للحدث، اي ان الانسان يشعر من خلال الصورة انه في مكان الحدث.

وكما نقول أن للصورة تأثيرا ايجابيا في كشفها للحقائق، فانها أيضا تلعب دورا خطيرا في التضليل والكذب، وتنبع هذه الخطورة من قوة تأثير الصورة وسرعة تصديقها، وهذا ما أشارت اليه جوليان نيوتن في كتابها (عبء الحقيقة المرئية)، بأن المهمة الحرجة للصورة الصحفية هي ضمان تقديم الحقائق في اطار من القيم والثقافة، وهذا يتطلب من الجمهور عدم التسرع في تصديق الصورة، وتطوير قدراته الادراكية للتفرقة بين الحقيقة والكذب.

والصورة اليوم تزاد تاثيرا وقوة واهمية، فقد تطورت بتطور تكنولوجيا وسائل الاعلام والاتصال، وزاد الاقبال عليها مع تزايد شغف الناس في البحث عن المعلومة، فاصبحت متطورة في الشكل واللون والمضمون والية الارسال والاستقبال..الخ.

وتتضاعف قوتها اذا اصحبت بالحركة والصوت واللون، فهم يبعثون الحياة في الصور ويجعلونها اكثر واقعية، كأنها تحدث امامنا، هذه الامور الثلاث تعتبر علما قائما بحد ذاته.

وبالاطلاع على الابحاث والدراسات التي اجريت عربيا حول الصورة نجد أنها محدودة، في اشارة الى ضعف الاهتمام بهذا العلم او عدم ادراك اهميته، وهذا بحد ذاته عيب كبير يجيب تلافيه، باجراء الابحاث المتعلقة بالصورة وبالجمهور، وباعطاء هذا العلم قيمته، فنلاحظ أنه يدرس في كليات وأقسام الاعلام والصحافة بشكل سطحي يقتصر على تعليم كيفية امساك الكمرا والية التصوير، دون الحديث عن دلالات الصورة ومعانيها وجمالياتها، وزوايا التقاطها، ونقاط القوة والضعف، ومدى تأثيرها ونجاحها في ايصال الرسالة للجمهور وغير ذلك.

فكما نقول أننا نعيش في عصر الانترنت ومستحدثاته فاننا في المقابل نعيش اليوم وغدا في عصر الصورة كما عاشه اسلافنا في عصور ما قبل التاريخ عندما كانوا يعبرون عن حياتهم بالرسم على جدران الكهوف، فالصورة باقية ما بقي الانسان، وسر قوة اية وسيلة اعلامية هو مدى قوة علاقتها بالصورة (أكانت ثابتة أو متحركة)، ولا ابالغ ان قلت أن مستقبل الانترنت ومدى الاقبال عليه يتوقف على مدى اهتمامه بالصورة، وليس ادل على ذلك من أجهزة الاتصال الخلوية التي ربطت تطورها وانتشارها بين الناس بقوة علاقتها مع الصورة، فأصبحت مصحوبة بالكمرا، وبالقدرة على عرض الصور الثابت منها والمتحرك، ومعالجتها وارسالها.

مقالات