Home > مقالات > من حق الشعوب ملكية وسائل الإعلام

من حق الشعوب ملكية وسائل الإعلام

أغسطس 9th, 2011
Goto comments Leave a comment    341 views

صدقي موسى*

لم تعد وسائل الإعلام مجرد أداة ترفيهية يستخدمها الإنسان، أو متطلب بذخ، بل هي حاجة أساسية وأمر لا تكتمل حياة الإنسان الحديث بدونه، حيث تعدُ وسائل الإعلام وعاء البيئة الفكرية والثقافية في كل المجتمعات، وهذا يعني أن من حق الفرد أن يعيش في بيئة مناسبة له مثلما أن من حقه العيش في بيئة صحية هواؤها نقي.

إن حق الحصول على المعلومة والمعرفة هو من ابسط حقوق الإنسان، ولكن البحث عنها من مصادرها ليس بمقدور كل الناس. وبما أن تأثير وسائل الإعلام وامتدادها يصل إلى الإنسان ويتجاوز حدود المكان، فمن حق الشعوب أن تمتلك وسائل الإعلام، وتكسر احتكار القلة لهذه الوسائل، وأن تتحرر من سلطويتها ودكتاتوريتها.

وعندما نتحدث عن تحرير ملكية وسائل الإعلام، ليس الهدف من ذلك إقامة شرطة صحفية، أو تقييد حرية الإعلام، بل وضع العربة في مسارها الصحيح، ونشر المعرفة والحقيقة للشعب الذي هو مرجعية وسائل الإعلام، وفي هذا الأمر ننطلق من الأسس التالية:

  • وسائل الإعلام ضرورية للإنسان كضرورة الماء والطعام، وبالتالي لا يمكن لأي جهة أن تحتكر هذه الوسائل أو تتحكم بها بشكل سلطوي وفق مزاجها وتوجهاتها الخاصة، ونشير هنا إلى ما قاله “مايكل مور”، بأنه في نهاية الألفية تمكن خمسة رجال من السيطرة على وسائل الإعلام العالمية وابتهج الناس نظرا لأن أجهزة التلفاز خاصتهم أخبرتهم بأن يبتهجوا.

فالدول الصناعية المتقدمة (دول المركز كما اسماها “توماس ماكفيل”) والشركات المتعددة الجنسيات تسيطر وتتحكم بمنتجات تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلومات، وبإنتاج المضامين الإعلامية وتوزيع الأخبار، مما ينتج عن ذلك هيمنة تلك الدول والشركات على مصادر المعلومات ومضامينها والتي تصل إلى شعوب العالم.

وأوضح “ماكفيل” تلك الهيمنة وطبيعتها في نظريتي الاستعمار الالكتروني ونظرية النظام العالمي الجديد، فباعتقاده أن دول الشمال (المركز) تصدر عبر وسائل الإعلام قيما ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية إلى دول (الهامش وشبه الهامش) المستوردة للأفكار والثقافات والسلع، وبذلك تكون الدول القوية استغنت عن استخدام القوة في احتلال الدول الأخرى.

  • إن وسائل الإعلام أداة منتجة، لا بل تتعدى بخطورتها أدوات الإنتاج التقليدية، فهي تنتج الأفكار والثقافات والقيم، إضافة إلى أن مضامينها سلعة تدر مليارات الدولارات على أصحابها، لتكون المحصلة في كثير من الأحيان استغلال للمشاهدين والتغرير بهم وتعزيز القيم المادية عندهم.
  • أصبح كل تكتل يستخدم وسائل الإعلام لتحقيق مصالحه الشخصية سواء الربح أو نشر فكر وثقافة معينة أو الترويج لسياسات محددة …الخ، مما انعكس ذلك على المضمون وسيطرة المعلنين والسياسات والأهداف الشخصية.
  • في ظل النظام الإعلامي القائم، المعلومة ومصادر المعرفة محتكرة، مما يعني سيطرة فئات محددة على مضمون وسائل الإعلام وتحديد طبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور، وما ينتج عن ذلك من تلاعب في عقول الشعوب وتزييف للحقائق في بعض الأحيان.
  • يجد المهمشون من شعوب العالم وجزء كبير من الموهوبين والمبدعين أنفسهم أمام وسائل إعلام لا تمثلهم، ولا تهتم بقضاياهم، بل يغلب عليها تعزيز القيم الاستهلاكية، وتعزيز غنى الأغنياء، وتشويه صورة الفقراء وشعوب العالم الثالث، وطمس النماذج الناجحة فيها.
  • غمرتنا بعض وسائل الإعلام بمضامين ضارة للصحة والقيم، كتشجيع العنف والجريمة، والتمييز العنصري، ونشر الثقافة الاستهلاكية، والدعاية لسلع مضرة بالصحة…الخ، لغلبة الهدف المادي والتجاري والمصالح الشخصية على المصلحة العامة.
  • ترتبط النظم الإعلامية وطبيعة ملكية وسائل الإعلام في أي دولة بطبيعة النظام السياسي الذي يحكم تلك الدولة، مما يعني عدم استقلالية هذه الوسائل.

والمطلوب هنا:

1.  كسر احتكار القلة لوسائل الإعلام ومصادر المعرفة والمعلومات، والعمل على إلغاء استغلال وسائل الإعلام والانتفاع بها من قبل فئات محددة (وهي التي تمتلك رأس المال أو القادرة على إنشاء هذه الوسائل)، وأشير هنا إلى استطلاع عالمي أجراه “تورين دوغلاس” المختص في الشؤون الإعلامية في “BBC” حول أهمية حرية الرأي والصحافة، حيث أظهرت النتائج قلقا في بعض الدول حول تركيز ملكية وسائل الإعلام الخاصة في أيدي قلة من الشركات الكبيرة.

ففي البرازيل والمكسيك والولايات المتحدة وبريطانيا وافق أكثر من 70% ممن استطلعت آراؤهم على أن ملكية وسائل الإعلام موضوع هام للغاية وذلك بسبب تأثير الآراء السياسية لمالك المحطة على أجندتها الإخبارية.

وبشكل عام حظيت وسائل الإعلام الربحية بآراء إيجابية أكثر بشكل بسيط من تلك الممولة من قبل الحكومة، بينما قيم الناس في مصر وألمانيا وروسيا وسنغافورة وسائل الإعلام الحكومية بشكل أكثر إيجابية من وسائل الإعلام المملوكة من قبل القطاع الخاص.

وان كان من الصعوبة بمكان التحرر من تدفق ملايين الرسائل المستوردة فلماذا لا تبدأ دول العالم الثالث بتنمية وسائل إعلامها لكي لا تكون فقط “كربونة” عن وسائل الإعلام الأجنبية، والعمل على تسخيرها لخدمة المجتمع؟!، فواقع إعلامنا العربي أنه لا يخرج عن المكون الإعلامي العالمي الخاص.

  1. تحويل ملكية وسائل الإعلام إلى ملكية اجتماعية عامة، لتكون في خدمة المجتمع وأفراده، وتمثل جميع فئاته.

3.  الاعتماد على الإنتاج الذاتي للمضامين الإعلامية التي تقدم في وسائل الإعلام، والارتقاء بجودة هذه البرامج والمضامين، وتنوعها. والعمل على تنمية وسائل الإعلام وتطويرها.

  1. حرية وسائل الإعلام فيما تنشره وفق مبدأ المسؤولية الاجتماعية.
  2. تقديم الخدمات التفاعلية في وسائل الإعلام، والقياس المستمر لرجع الصدى.

6.  إمكانية نشر وسائل الإعلام للإعلانات التجارية، فهي وظيفة من وظائف وسائل الإعلام تجاه المجتمع، وفق معايير محددة تحفظ حق المجتمع من الاستغلال والتضليل.

يمكن تحقيق هذه الأمور وفق التصور التالي:

- إنشاء مجلس أعلى للإعلام في كل دولة أو هيئة مستقلة للإشراف على وسائل الإعلام وتنظيم عملها، وحماية حرية التعبير وقطاعات الإعلام المختلفة بما فيها الإعلام الرسمي وغير الرسمي من كل تدخل يريد أن يحيد بها عن مكنونات الحقائق، بحيث يمثل هذا المجلس مختلف فئات المجتمع وشرائحه، وتكون له صلاحيات عملية، واستقلال مالي، واستقلالية عامة (الفصل بين السلطات بما أن الصحافة سلطة رابعة).

وسينتج عن ذلك، ومع مرور الوقت، تحول قطاعات الإعلام المختلفة إلى حالة من الحراك الايجابي الخادم لأجل مصلحة العموم، بحيث تصبح هذه القطاعات جزء فاعلا ومتفاعلا مع واقع المجتمع وموجوداته، وذات مهنية واستقلالية منضبطة بضوابط المجتمع الأساسية (مع مراعاة اختلاف تلك الضوابط من مجتمع إلى آخر)، وتبحث عن الحقيقة وهذا ما يدفع في بناء المجتمع السليم، ويكون كل ذلك بمساهمة القطاعات المتعارف عليها في المجتمعات الإنسانية الحديثة.

- مساهمة المواطنين في تمويل وسائل الإعلام، وقد ينظر البعض إلى هذا الأمر بنفور ويعتبرونه ضريبة إجبارية، إلا أن هذا ثمناً يسيراً إذا ما أرادوا مضامين مناسبة وراقية، وهو وسيلة أفضل من نظام الاشتراك الذي لا يقدر عليه إلا المقتدرون مما يمنع المعرفة عن الفقراء.

- من حق الأحزاب والمنظمات الأهلية والحكومية والأفراد إنشاء وسائل إعلام خاصة بها على أن تكون مرجعيتها المجلس الأعلى للإعلام الذي يمثل الشعب.

- لتحقيق ما سبق، يتطلب ذلك جهودا كبيرة من قبل الباحثين والمختصين وإجراء دراسات وأبحاث في هذا الإطار.

ما تقدمت به ليس إلا مقترحا يهدف إلى تفعيل دور وسائل الإعلام في خدمة المجتمع وبشكل أكثر ايجابية، ومساهمة في بناء الدول ليكون العالم قرية صغيرة لكن ليس من منظور هيمنة ثقافة الدول القوية، أو الشركات متعددة الجنسيات.

* صحفي وباحث إعلامي

Be Sociable, Share!

مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash