Home > مقالات > الصورة… لغة الأمس واليوم والغد

الصورة… لغة الأمس واليوم والغد

نوفمبر 7th, 2010
Goto comments Leave a comment    131 views

صدقي موسى

ليس ببعيد عنا تسجيل الفيديو الذي بثته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي قبل اسابيع، لجندي اسرائيلي يرقص بشكل ملاصق للأسيرة احسان دبابسة وهي مكبلة اليدين، ووجهها إلى الحائط، بينما يسمع في الخلفية ضحكات زملائه الجنود الذين صوروا الحدث.

وصور اخرى التقطها الجنود والمجندات كصور تذكارية  مع جثث فلسطيينيين قتلهم الاحتلال أو اسرى واسيرات مكبلين معصوبة أعينهم.

وما تبع ذلك من ضجة اعلامية ومتابعة من قبل مختلف وسائل الاعلام خاصة المحلية منها والعربية.

ما حدث مع احسان بالذات وتداعيات الحدث اعلاميا يتطلب منا وقفات عدة، الا انني اتوقف هنا امام دلالة قوة الصورة وتأثيرها.

فلنتخيل ان ما حدث مع احسان لم يتم تصويره وبثه، وانما تحدثت به شفويا امام ملايين الناس، وأقسمت على ذلك، هل سنجد لذلك ردة الفعل تلك؟ بالطبع لا، بل من خلال المتابعة للمقابلات التي اجريت معها نجد ان جنود الاحتلال قاموا بابشع مما ظهر في الشريط، من ضرب مبرح واهانات.

ونستذكر هنا تصريح رئيس نادي الأسير قدوره فارس لوكالة الانباء الفلسطينية “وفا”، من أن عين الكاميرا فضحت ممارسات إدارة السجون الاسرائيلية بشكل محدود، وذلك ردا على ما قضت به محكمة عسكرية إسرائيلية بالسجن خمسة شهور على الجندي الذي ظهر في الشريط.

وأضاف أن ما تمكنت الكاميرا من فضحه لجرائم الاحتلال في السجون الإسرائيلية لا يشكل سوى 1 في المئة من حقيقة ما يجري داخل هذه السجون ومراكز التحقيق.

فما هو السر وراء قوة الصورة وصنعها للضجة والاهمية الاعلامية؟

لعلنا نتذكر المثل الصيني القائل أن الصورة الواحدة تغني عن ألف كلمة، بالفعل، هناك مئات الانتهاكات التي ترتكب بحق الفلسطينيين، في السجون وخارجها، فلم نجد الحكومة الاسرائيلية تحاسب جنودها على ذلك، وما ان ينفضح الامر بالصورة حتى تسارع للاستنكار والتهديد بمعاقبة المخالفين من جنودها.

تعتبر الصورة من أبرز وسائل التفاهم التي من خلالها تنقل الرسالة من المرسل إلى المستقبل، وإيصال الأفكار والمعلومات، كما انها نسخة عن الواقع وتعكس حيثياته، ومنها يمكن أن يعمم الانسان النتائج على الظروف المشابهة، اي انها تفتح مدارك الانسان لمجالات غائبة او غير متخيله بالشكل الواضح والكامل، فالانسان يسمع كثيرا عن معاناة الاسرى ويحاول بخياله ان يرسم تصورا معينا لتلك المعاناة، لكن تبقى تلك الصور الذهنية ناقصة، فتقوم الصورة بتوضيحها.

ونتذكر جيدا الصور التي نشرت عن تعذيب الاسرى العراقيين في سجن ابو غريب، ونتذكر صورة محمد الدرة، وكذلك الصورة المشهورة لطفل أفريقي يحتضر من الجوع وخلفه نسر ينتظر موته، تلك الصور دقت ناقوس الخطر، وأحدثت ردود فعل عالمية واسعة وتجاوبت معها دول وشعوب العالم، وكشفت ان هنالك تعذيبا في العراق، وقتلا للاطفال والابرياء في فلسطين، ومجاعة في افريقيا، فالصورة هنا اكملت الصورة الذهنية الناقصة لدى الجمهور، بل وفي احيان كثيرة اوجدت الصورة ونبهت لاحداث لم يلق لها بال من قبل.

فالصورة تعتبر بما تحمله من خصائص عامل تشويق واثارة، تدفع الجمهور الى تفحصها بدقة وتكرار النظر اليها، وطرح كثير من الاسئلة، كما انها تبسط القضايا التي يصعب فهما، بينما النص المقروء كثيرا ما يمر عنه الجمهور مرورا سريعا دون تمعن او تدقيق.

واشير هنا الى دراسات عدة اشارت الى ان 75 في المئة من قراء الصحف يلاحظون الصورة، واكثر من 50 في المئة يلاحظون العناوين الرئيسة، بينما لا تلفت المادة التحريرية انتباه 25 في المئة من القراء، مما يشير الى أن الانسان يعتمد على حاسة البصر اكثر من بقية الحواس، ويعتبره كثير من الباحثين الحاسة المسيطرة على الانسان، حيث يصدق الانسان ما يراه بعينه لا ما يسمع عنه.

ويمكن للصورة ان تثير مشاعر الناس المختلفة من ضحك أو حزن او غضب وغير ذلك من المشاعر الانسانية المتباينة، وتوجد لدى الانسان شعور المعايشة للحدث، اي ان الانسان يشعر من خلال الصورة انه في مكان الحدث.

وكما نقول أن للصورة تأثيرا ايجابيا في كشفها للحقائق، فانها أيضا تلعب دورا خطيرا في التضليل والكذب، وتنبع هذه الخطورة من قوة تأثير الصورة وسرعة تصديقها، وهذا ما أشارت اليه جوليان نيوتن في كتابها (عبء الحقيقة المرئية)، بأن المهمة الحرجة للصورة الصحفية هي ضمان تقديم الحقائق في اطار من القيم والثقافة، وهذا يتطلب من الجمهور عدم التسرع في تصديق الصورة، وتطوير قدراته الادراكية للتفرقة بين الحقيقة والكذب.

والصورة اليوم تزاد تاثيرا وقوة واهمية، فقد تطورت بتطور تكنولوجيا وسائل الاعلام والاتصال، وزاد الاقبال عليها مع تزايد شغف الناس في البحث عن المعلومة، فاصبحت متطورة في الشكل واللون والمضمون والية الارسال والاستقبال..الخ.

وتتضاعف قوتها اذا اصحبت بالحركة والصوت واللون، فهم يبعثون الحياة في الصور ويجعلونها اكثر واقعية، كأنها تحدث امامنا، هذه الامور الثلاث تعتبر علما قائما بحد ذاته.

وبالاطلاع على الابحاث والدراسات التي اجريت عربيا حول الصورة نجد أنها محدودة، في اشارة الى ضعف الاهتمام بهذا العلم او عدم ادراك اهميته، وهذا بحد ذاته عيب كبير يجيب تلافيه، باجراء الابحاث المتعلقة بالصورة وبالجمهور، وباعطاء هذا العلم قيمته، فنلاحظ أنه يدرس في كليات وأقسام الاعلام والصحافة بشكل سطحي يقتصر على تعليم كيفية امساك الكمرا والية التصوير، دون الحديث عن دلالات الصورة ومعانيها وجمالياتها، وزوايا التقاطها، ونقاط القوة والضعف، ومدى تأثيرها ونجاحها في ايصال الرسالة للجمهور وغير ذلك.

فكما نقول أننا نعيش في عصر الانترنت ومستحدثاته فاننا في المقابل نعيش اليوم وغدا في عصر الصورة كما عاشه اسلافنا في عصور ما قبل التاريخ عندما كانوا يعبرون عن حياتهم بالرسم على جدران الكهوف، فالصورة باقية ما بقي الانسان، وسر قوة اية وسيلة اعلامية هو مدى قوة علاقتها بالصورة (أكانت ثابتة أو متحركة)، ولا ابالغ ان قلت أن مستقبل الانترنت ومدى الاقبال عليه يتوقف على مدى اهتمامه بالصورة، وليس ادل على ذلك من أجهزة الاتصال الخلوية التي ربطت تطورها وانتشارها بين الناس بقوة علاقتها مع الصورة، فأصبحت مصحوبة بالكمرا، وبالقدرة على عرض الصور الثابت منها والمتحرك، ومعالجتها وارسالها.

Be Sociable, Share!

مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash