نظر إليَّ محمود بعين المتَحَسِّر, حين حَمَلَتْ يَدَهُ خَدَّه على كرسيه في أرض صديقٍ لنا و قال: سامحك الله يا والدي كان ثمن متر الأرض “بعشرة دنانير” قلت له: كان … يا ما كان !!

قال “أبو يزن” يا محمود لا أذهب مع أبي مشواراً إلا ويقول لي أن هذه الأرض عُرِضَتْ عليه المتر بخمسة دنانير, وتلك بعشرة دنانير, وهناك بعشرين دينار, ولا زلنا نسكن ببيت من “الأسبستوس” المتعفن داخل المعسكر, تحيطه المجاري, وتغزوه طائرات البعوض, حار صيفاً جليد متجمد شتاءً, ولا زال أبي يحدثني لليوم عن عروضات الماضي.

إن حقيقة الإرتفاع الكبير بأسعار الأراضي عائد لعدة عوامل مهمة :

أولها: توفر رأس المال بشكل كبير في غزة, حيث أن نسب الإدخار العائلي كبيرة بالنسبة للاستثمار, ليتوجه الاستثمار للأراضي ويحدث ما يعرف “بالتضخم العيني” مع قلة المشاريع الاستثمارية الخاصة .

ثانيهما : عدم ثقة الناس بالعملة الأجنبية والمحلية نتيجة عدم استقرار سعر الصرف, وبالتالي دفع الناس للاستثمار بالأصول الثابتة , حتى لا تهبط أسعار العملة لديهم.

ثالثهما: هروباً من دفع الزكاة, فالأرض لا تدفع عليها زكاة ما لم تكن للتجارة.

وللخروج من المشكلة علينا تشجيع عمل القطاع الخاص بكل أشكاله.

حينما حاولت أن أشرح لأبي يزن هذه المشكلة ضحك مقهقها ًوقال: والدي كان يقول لي دائماً: أمنيتي أن يكون لدي عشرين رجلاً كي يساعدوني في زراعة الأرض التي سأشتريها…… لم نَشْتَرِ الأرض, وحصلنا على “زَنْقَة كَبِيرَة” وعشرين فرداً موزعين على ثلاث غرف وحمَّامٍ مشترك, نَصْطَفْ عليه صبيحة كل يوم .

سكت أبو “يزن” برهة من الزمن, وقال : وطن ! يا وطن!! ونظر إلى محمود مكشراً عن أنيابه قائلاً: ترى بكم عرضت هذه الأرض التي نجلس فيها الآن على أبي ؟!

Be Sociable, Share!