فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



أرشيف ‘استدارات عبّاد الشمس’

قاب قوسين

نوفمبر 10, 2011

لَم ينمْ ليلتَه كما يشتهي. جسدُهُ المتعَبُ غالبَ النعاسَ، فغلبَه. نهضَ، أطل من عتمةِ الغرفةِ على عتمةِ الروحِ وهي تتنقلُ ضَجِرَةً من مكانٍ إلى آخر. لَم يأبه بصوتِ زوجِي الحساسينِ اللذين أفزعتهما الإضاءةُ المفاجئةُ للشرفةِ، فقد كان يشغله أمرٌ جلل.

كانَ يتأهب للقائها. يديرُ حواراً داخلياً كأنّه يتمرّن على دورِهِ في مسرحية. يكتبُ سيناريو اللقاء الأول دونما أقلامٍ، وأوراقٍ، وطباشير.

قبلَ خروجِه من المنزلِ قلَّبَ ظلّه في المرآةِ أربعاً وأربعينَ مرةً بعددِ سنواتِ عمرِه، وانتزع شعرةً بيضاءَ من شاربَيه لم تخفِ لونَها الصبغةُ، ومضى.

همّ بقطعِ الشارعِ الفاصلِ بينهما. بلعَ شتيمةً وجهها له سائقُ سيارةٍ كان قادماً من الجهةِ الأخرى على عدم انتباهه أثناءَ قَطْعِ الشارع. توقفت السيارةُ، فتحت البابَ، وجلست إلى جانبه. أما هو فقد عادَ إلى البيت، وقف أمام المرآةِ، ولم ينتبه إلى يدِه المضرجةِ بالدمِ إلا حينما شاهد قطراتِ الدمِ وهي تهطلُ في ركوةِ القهوةِ التي كان ماؤها يغلي كعروقه.

حالةُ تَلبّس

أكتوبر 7, 2011

لَمْ يُعر التحديثاتِ التي أجرتها الإدارةُ على نظامِ الاتصالِ اهتماماً. الرُجلُ المُطمئنُ لنفسِه، والواثقُ فيها تماماً، راحَ ضحيةَ وشايةٍ ما.

كانَ غارقاً في مغازلتِها بِشَهْدِ الكلام. زوجتُهُ التي كانت تتحدثُ مع صديقتِها أغلقت النافذةَ بينهما (النوافذُ وسيلةُ نميمةٍ وكشفٍ للمستورِ). فجأةً فتحت نافذَتَها المطلّةَ على غرفةِ الدردشةِ الخاصةِ به، ومسكتُه في حالةِ تَلَبُّسٍ.

تجوعُ الحرّةُ

سبتمبر 21, 2011

كان ثدياها ينتفضان رعباً، فالأزرارُ الثلاثةُ العليا المفتوحةُ من قميصِها حرّرتهما من مكانهما بشكل فوضوي.

الثلاثون شخصاً الذين احتشدوا حولَها عندما شاهدوها نصفَ عاريةٍ مع عابرِ سبيلٍ كانَ الشرفُ ينزُّ كالعرقِ من مساماتِ أجسادِهم، ورؤوسِهم الحامية.

الشتائمُ التي انهالت عليها من أفواهِهم لم تنتهِ إلا عندما وضعَ رجالُ الشرطةِ يديْها في قيدٍ بلاستيكي.

المحَقِّقُ الذي لم يكفُ عن ضربِها بكرباجٍ كانَ ذهنُه مشغولاً بصناديقِ الأغذيةِ والمعلباتِ التي سيُحَمِّلُها من مخازنِ المخفرِ إلى منزلِهِ بعدَ انصرافِ أمينِ المستودع.

القاضي الذي رفضَ النظرَ في قضية فسادٍ ضدّ وزيرِ الشؤونِ الاجتماعيةِ، وجّه حديثَه إليها قائلاً: (تجوعُ الحرّةُ ولا تأكلُ بثديّيها).

المرأةُ التي استجمعت قواها فجأةً دوّى صوتُها في قاعةِ المحكمةِ: (أموتُ على جوعي ولا…، ولكنّ الذينَ يموتونَ أطفالي الذينَ قُتِلَ والدُهم في حربِ التحرير).

المحَقِّقُ الذي أعاد التحقيقَ معها في المستشفى حولَ الأسبابِ التي دفعتها للانتحارِ أصرَّ في تقريره على أنّها امرأةٌ مستهترة.

شفرةُ الانتظار

سبتمبر 13, 2011

كانت تقفُ في منتصفِ المسافةِ بينَ نافذتَيْهِما، وإنْ حاولت استراقَ السمعَ على ما كانَ يدورُ بينهما، ستعودُ بخيبَتِها، فخلدت للنوم.

أمّا هما، فواصلا الحديثَ حتى تبيّن لهما الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ، وأمسَكا عن الكلام. هي اختفت فجأةً، وهو واصلَ الوقوفَ على شفرةِ الانتظار.

استيّقظتْ من النومِ. توسّطت المسافةَ بين النافذتينِ، نظرت إلى نافذتها، فإذا هي مغلقةٌ تماماً، أما نافذتُه فكانت مفتوحةً. عندما شاهدها تراقِبه، حيّاها بأدب، أغلقَ نافذتَه، وأوقفَ حسابَه في (الفيسبوك).

___ Read the rest of this entry »

جريمة شرف !!!

أغسطس 16, 2011

بقعةُ دمٍ، ضماداتٌ، شاشٌ، وقصاصةُ ورقٍ تُحْكِمُ قبضتَها السبّابةُ والوسطى على خاصرتِها. أصيبتْ بالفزعِ عندما شاهدت بقعةَ الدمِ على زاويةِ الصورةِ. أغلقت النافذةَ فوراً، وشرعت تبحثُ في شرفاتٍ أخرى.

خلَت قائمةُ الأصدقاءِ على حائطِها من كلِّ الأسماء، باستثناء اسمين فقط ظلا عالقينِ، أحدهما لرجلٍ في العقدِ السادسِ يحمل سكيناً بيدِه اليمنى، والآخرُ لفتاةٍ كانت تحملُ طلبَ صداقةٍ لفتى يماثلها في العمرِ، وتنتظرُ أن يفتحَ نافذتَهُ، ويطّلُ على شرفتِها، طلباً لصداقتِه.  

 

الشَامِي والمغْرَبِي

أغسطس 12, 2011

أَوقَفَ أبو الطَيبِ المتَنَبِي فَرَسَهُ أَمَامَ مَقَرِّ صَحِيفَةِ (المربَد). تَرَجَّلَ عَنْهَا، واتّجَهَ نَحْوَ البَابِ، وَكَانَتْ عَلامَاتُ الغَضَبِ تَرْتَسِمُ عَلى مُحَيَّاه. اعْتَرَضَ رَجُلُ الأمنِ طريِقَهُ، وَعِنْدَمَا طَلَبَ مِنْهُ بِطَاقَةَ هَوِيَّتِهِ، صَرخَ فِي وَجْهِهِ قَائِلاً: {{أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي … وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ }}. ألا تعرفُنِي، وأنا:{{الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني… والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ}}، ثُم انْدَفَعَ إلى الدَاخِلِ، وَتَوَجَهَ غَاضِبَاً إلى مَكْتَبِ أبي الفَرَجِ الأصْفَهَانِي، وكَانَ آنَذَاكَ يَعْمَلُ مُحَرِّراَ ثَقَافِيَّاً فِي الصَحِيفَةْ.

احْتَجَّ أبُو الطَيبِ عَلَى أبِي الفَرَجِ لأنَّه لَمْ يَنْشُرْ قَصِيدَتَهُ فِي هِجَاءِ كَافُور الإخْشِيدي. عَبَثَاً حَاوَلَ إقْنَاعَهُ بِأنَّ نَشْرَهَا سَيُسِيء لَهُ بَعْدَ نَشْرِ قَصِيدَتِهِ فِي مَدْحِهْ.

لَمْ يَتَمَالَك أبو الطيبِ أعْصَابَهُ، وتَساءَل: مَاذا جَمَعَ الشَامِي على المغْرَبي، في إشارةٍ ضِمْنِيّةٍ إلى أصْفَهَان حيث وُلِدَ أبو الفرج، والحَبَشَةِ حيث وُلِدَ كافور.

لماذا طعنَ نفسَهُ ؟!!

أغسطس 3, 2011

في أسفلِ الورقةِ التي حافظت على بياضِها الناصعِ كتبَ جملةً واحدةً: لهذه الأسبابِ قرّرت الانتحار. الشرطةُ التي اعتمدت إقرارَه لإغلاقِ ملفِ التحقيقِ احتارت.

لِماذا طعنَ نفسَهُ بالخنجر، طالما أنَّ مسدسَه في يده ؟!!

من (سماء ثامنة)

لم ينتبه أحد

يوليو 23, 2011

خرجا من البحر مُبَللَينِ. جلسا على الرمل، وأدار كل منهما ظهره للآخر، وإتكأ عليه.

في منطقة نطاق رؤياها شاهدت الروّاد يغادرون الواحد تلو الآخر، وهو كذلك حتى خلا الشاطئ تماماً.

ظنته نائماً، فلم تشأ النهوض لئلا توقظه، وهو كذلك.

في الصباح، بدأ الروّاد يتوافدون إلى الشاطئ الواحد تلو الآخر، أما هما فظلا على حالهما لئلا يوقظ الواحد منهما الآخر.

الغيمة السوداء التي أمطرت بغزارة أجبرتهما على الاختفاء، ولم ينتبه أحدٌ من الرواد أن الجالسين كانا تمثالاً من الرمل. 

من كتاب (سماء ثامنة)

قاب قوسين

يوليو 21, 2011

لَم ينمْ ليلتَه كما يشتهي. جسدُهُ المتعَبُ غالبَ النعاسَ، فغلبَه. نهضَ، أطل من عتمةِ الغرفةِ على عتمةِ الروحِ وهي تتنقلُ ضَجِرَةً من مكانٍ إلى آخر. لَم يأبه بصوتِ زوجِي الحساسينِ اللذين أفزعتهما الإضاءةُ المفاجئةُ للشرفةِ، فقد كان يشغله أمرٌ جلل.

كانَ يتأهب للقائها. يديرُ حواراً داخلياً كأنّه يتمرّن على دورِهِ في مسرحية. يكتبُ سيناريو اللقاء الأول دونما أقلامٍ، وأوراقٍ، وطباشير.

قبلَ خروجِه من المنزلِ قلَّبَ ظلّه في المرآةِ أربعاً وأربعينَ مرةً بعددِ سنواتِ عمرِه، وانتزع شعرةً بيضاءَ من شاربَيه لم تخفِ لونَها الصبغةُ، ومضى.

همّ بقطعِ الشارعِ الفاصلِ بينهما. بلعَ شتيمةً وجهها له سائقُ سيارةٍ كان قادماً من الجهةِ الأخرى على عدم انتباهه أثناءَ قَطْعِ الشارع. توقفت السيارةُ، فتحت البابَ، وجلست إلى جانبه. أما هو فقد عادَ إلى البيت، وقف أمام المرآةِ، ولم ينتبه إلى يدِه المضرجةِ بالدمِ إلا حينما شاهد قطراتِ الدمِ وهي تهطلُ في ركوةِ القهوةِ التي كان ماؤها يغلي كعروقه.

أضواء المدينة

يوليو 20, 2011

عندما أطلت أضواؤُها الخافِتَةُ المنتشرةُ على ضفافِها الشرقية، أشرت بيدي: هي تلك.

كنَّا من الخليجِ إلى المحيطِ على الضفةِ الشرقيةِ للبحرِ الميِّت. أشرت بيدي نحو المدينة، وسرتُ باتجاهِ البحر. ظنوا أنني ذاهبٌ للسباحةِ في منتصفِ الليل، إلا أنني حاولتُ الاقترابَ منها عدةَ أمتارٍ أخرى.

على الشاطئ بقيت وحيداً، وذهب عشاقُها الآخرونَ إلى ساحة الرقص، أو لاحتساء نخبها، أما أضواؤُها ما تزالُ خافتة.

من (سماء ثامنة)