فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



سماء ثامنة / هند الياسر

فبراير 24, 2012

تقرأ العنوان..سماء ثامنة..ماذا؟!.. فتعود محملقاً فيه وتسأل بحيرة: إلى أين سيأخذني سميح محسن بنصوصه النثرية المغلفة بلوحة الصعود إلى السماء؟!
يبدأ الكاتب بإهداء غريب (قبل ثلاثين عاماً، كنا عشرة أصدقاء. قبل أيام كتبت رثاء التاسع منا، وكان رثاءً مربكاً بكل ما يحمله القول من معنى..) فينجح من البداية بإثارة شيء من الشجن في عمقك، وينقلك خلسة إلى ذاكرة المكان يتركك فيه متعجبا.. أتراني (نسيت الذاكرة)؟!..(من أزاح البيت عن الطريق؟!).

هو يتحدث عنك وعني وعنه، كل شيء تغير فاليوم (تفترش المدينة البرتقالية الإسفلت، وفيها اختلطت الوجوه، وزحف الإسفلت والإسمنت على الأرض، فانسحبت من أمامها حقول السفرجل..)، فلا تستغرب إذا اختفت (دكان بائع الفلافل الشهير)، فلقد سطت الحضارة على مدينتنا الريفية.
ويتابع الكاتب مبحراً في سمائه الثامنة، وأنا معه مأخوذة بتلك الومضات الضوئية الصغيرة، فأحسست أن الحياة صنعت لنفسها بيت فيه مئات الغرف، كلما دخلت غرفة انتابني شعور ما، والغرفة التي تليها كفيلة بأن تمحي ما خلفته السابقة أو تزيده تأكيداً كما في (الزقاق)، حيث (القرية لم تعد هناك، ولم يدلني احد عليها عندما تاهت)، هي بقايا أطلال ترسم مكانا كان لنا في الأمس أضحى اليوم مجرد (تجاعيد التراب)، تزيد إحساس الغربة الموجوع لديك (ألقيت عليها السلام، لم ترد).
يمضي محسن منتقداً بأسلوب ساخر بعض العادات والأفكار الراسخة في أذهان مجتمعنا، دون أن نفكر لماذا؟! فعرض نص (طهارة) كيف أن العجوز استعادت في ذاكرتها قول والدتها المرحومة بأن النار تطهر النجاسة، فقفزت في الحفرة المشتعلة طلبا للطهارة! لكن هذه المبالغة ليس باستطاعتها أن تلغي ذاك الشعور الممتع الذي تشعر به عند مجالسة كبار السن، فأنا أرى فيهم كنز لا يخلو أبداً من الجواهر ومتعة وجودهم لا يعلو عليها مذاق. لقد أثرت حنيني إلي جدتي الراحلة أيها الكاتب.
و تأتي (شرفات لنشر الغسيل)- والعنوان هنا مُعبر جداً ويحمل صورة الواقع- لتنصب أمام أعيننا تلك الجلسات اليومية التي نقضيها بنشر أقاويل لا نعرف مدى صحتها، بل ونضع عليها بعض التوابل لجذب انتباه الآخرين، فنخلق بذلك كوارث اجتماعية أكثر من يتعرض لها المرأة فالشك العاطل يلازمها ممن حولها، ودائما تفسر أفعالها بالظن السيئ وخاصة إذا كانت أرملة أو مطلقة، فإن تكرر خروجها أول ما يخطر في الذهن هو أنها تبحث عن رجل لا عن لقمة عيشها.
للطفولة مكان يسكن فينا، نمضي للحياة وتمضي معنا بمراحل العمر كلها، تفرض وجودها أحيانا وتتنحى أحيانا أخرى، ترى لماذا عندما نخاف من شيء معين بالطفولة يبقى ملازماً لنا في الكبر؟! خوف المرتفعات والعتمة والوحدة من الصعب أن يزول، في الكتاب السماء تمطر حيات (الطفل الذي كان يلهو تحت شجرة الرمان أصيب بالهلع، وفر هاربا إلى حضن أمه…نظر إلى الأعلى فشاهد قرون الفصولياء التي صعدت إلى الشجرة تتدلى بين أغصانها)، وأكد الطفل انه شاهد الحيات تتدلى من السماء. أما الطفل الأخر في نص مختلف فقرر الصعود إلى السماء لأنها بدون عقارب!.
الحب والأمومة والغريزة والامتنان كان لها سموها في بعض النصوص، ولكن يبدو أن للمدرسة حنين خاص لدى الكاتب فيعبر عن علاقة الأستاذ والطالب بطريقة هزلية جميلة، لها صدى واسع الأفق، علاقة بعيدة عن رقي الحوار؛ فحين سأل الطالب أستاذه:(لماذا لم يدقوا جدران الخزان يا أستاذ؟!! أجابه بعصبية: انتهت أعمارهم يا بهيم). حقاً هي نكات مريرة لا تثير الضحك بقدر الألم.
قضايا شتى تنثرها نصوص محسن,، فساد المسؤولين والزعماء والقادة، قلة حيلة المواطن العادي في مواجهة صعوبات الحياة، خيانات زوجية، احتلال كريه دام دوام الزمن، أنواسي أنفسنا فيه كما فعل الكاتب فنقول (كنا أخر شعب تحت الاحتلال. لم نعد كذلك اليوم، ليس لأننا تحررنا، بل لأن شعوبا أخرى وقعت تحته)؟!
كِتاب سميح محسن رسم في مخيلتي بطل رواية ظهر لي بصورة إنسان مهزوز، جالس في زاوية مقهى مطل على طريق عام وكأنه يروي حكايا جحا، وحوله عدد من الأصدقاء يتسامرون الحزن والنسيان والفكاهة المرة، يشرد قليلاً ويعود ليلقي أنباء حدث، شخوصه الجميع من أب وأم وأبن ومسؤول ومجتمع وقدر وصدفة، كلهم مساهمون بما يجري و جرى، قد لا يوحي الحدث بشيء وقد يطرح رغم الاختصار في السرد قضية كبيرة راقدة منذ زمن دون حل؛ بل وتنمو بمرور الأيام.
ويختم الكاتب بسيرته الذاتية التي همش فيها جميع المعلومات مكتفياً بكلمات البداية لها، فتدرك من يكون (ولد.. نشأ..حصل..تزوج..تبوأ..كوٌن..كان..مات ولم ينتبه).
والخلاصة: لا بد من كلمة شكر على هذا الابداع الملامس للروح في هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا للكاتب والشاعر سميح محسن، فقد مازج بأسلوب جميل وقريب من الروح، النثر والقص بالشِعر، فكانت تجربة فريدة وجميلة لا نمتلك الا احترامها.

http://www.alhayat-j.com/newsite/details.php?opt=9&id=163509&cid=2507&fb_source=message

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash