فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



عندما سألني المرحوم عن نفسه

مارس 8, 2011

بحكم الجيرة, نشأت علاقة خاصة بيني وبين ابن جيراننا الأخرس. ونظرا لكوني أحب الأشخاص الذين يتماثلون معي بالذكاء, وكان الأخرس احدهم, كنت اقضي بصحبته ساعات طويلة كل يوم “نتحادث” فيها, على طريقته الخاصة, في شؤون الساعة. ومع مرور الوقت, تكونت لدي خبرة عميقة في فهم إشاراته, وتحليلها إلى لغتنا, أي ترجمتها. حتى أن والدته, عندما كان يستعصي عليها فهم شيء، أطل من النافذة, وأفسر لها ما يريد أن يقوله فلذة كبدها.

في احد أيام تموز جاءني صاحبي الأخرس فارعا دارعا, شاكيا باكيا, ومن خلال إشاراته فهمت أن المستوطنين أطلقوا النار على شقيقه الأصغر سنا منه, وأن رصاصة واحدة على أقل تقدير, استقرت في رأسه.

هدّأت من روعه, وكتبت بيان نعي صغته بلغة حماسية, وإن كانت لا تخلو من تعبيرات الحزن, وتوجهت لمكبر الصوت في المسجد, وقرأت البيان.

طلبت من بعض الشباب الذهاب إلى المقبرة لحفر القبر, ومن آخرين تجهيز الكفن والأعلام وكتابة اليافطات. وأمرت مجموعة أخرى بالتوجه إلى القرى المجاورة حتى نقيم جنازة للشهيد تليق به. بينما عكف “العبد لله” على كتابة زجلية وطنية لقراءتها أثناء الجنازة.

يبدو أن صاحبي الأخرس لم ترضه الاستعدادات, واستمر ببث إشاراته وقطع حبل أفكاري. ومع كل إشارة يبثها كنت أضاعف من الاستعدادات حتى ظننت, انا نفسي, أنها خرجت على المألوف, وعن طبيعتها.

زَوِرَت شوارع القرية بالسيارات القادمة من القرى المجاورة, وامتلأت المقبرة عن بكرة أبيها بالمشيعين, وأصبحت بشق الأنفس اعثر على وجه اعرفه إذا احتجت امرأ ما. وبينما كانت “دلال القهوة السادة” تدور على المشيعيين, فإذا بالشهيد يشق طريقه إلي يسألني عن سبب هذه الاستعدادات, وهل هناك شخص عالي المقام توفى في القرية. أجبته بأن “ابن فلان” توفى وعليه أن يذهب حالا إلى ابعد مدينة في البلاد ويحضر شقيقه. وعندما سألني كيف سيترك جنازة حماة شقيقته وإنْ كان شقيقه الأخرس قد أعلمنا بوفاتها أم لا, أمرته بالذهاب.

ولكي لا يفتضح أمرنا مع الضيوف من المشيعين, سارعت إلى المستشفى الذي ترقد فيه العجوز, وقمت بتجهيزها هناك, وأحضرتها إلى المقبرة مباشرة, وبلغت الشباب بضرورة إلغاء خطة الجنازة, والاكتفاء بقراءة قصيدة نعدد فيها مناقب الشهيد.

ووسط علو أصوات التكبير, فإذا بمكبر الصوت يعلن عن قراءة بيان هام جدا, نسي المعزون جنازة الشهيد, فإذا بالشهيد نفسه يبسمل ويبدأ بالقول “وإذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”.

هبطت عن الأكتاف التي كانت تحملني, وتسللت من بين الصفوف, واختبأت في أول مغارة صادفتني.

                                         أبو العريف

  • ·                 نُشِرَت في العدد (853) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 21 تموز (يونيو) 1994  
Be Sociable, Share!

  1. حسام ابو فارس Said,

    هل ما زلت تدعي معرفتك لغة الصم او لغة الاشارة

  2. samuhsen Said,

    صديقي العزيز المهندس حسام أبو فارس
    شكراً على تعليقك خفيف الظل.
    أما بالنسبة لسؤالك، عندما أخرج من المغارة، وأتفحص الأجواء خارجها، سأرى، هل سأستمر في الترجمة، أم سأنقل إلى المستشفى، يعتمد ذلك على ردة فعل المشيعين
    دمت سالماً

أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash