فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



احترنا يا قرعة

مارس 7, 2011

بعدما أنهيت مداخلتي المطولة, العميقة المعمقة, عن الوضع الراهن في العالم, مستخدما لغة حماسية تدغدغ العواطف, وتسيل الدموع من المآقي المتحجرة على خدود الرجال..الرجال, ذابت المعارضة حول ترؤسي لوفد بلادي إلى اجتماع دولي هام, بعدما اقتنع الجميع بأنني خير من يمثلها, ويتحدث عن قضيتها, إضافة إلى عدم وجود إجماع وطني على شخص أخر غيري.

كان الشرط الوحيد الذي وضعه زملائي في اللجنة أن يكون الخطاب الذي سأتفوه به جامعا مانعا, وتتمثل فيه جميع أراء الزملاء, فطمأنتهم على ذلك الأمر, وحزمنا حقائبنا. أثناء سفرنا في الطائرة تجرأ أحد الزملاء وسألني عن الخطاب الموعود, وإن كان بالإمكان إطلاعه عليه, فطمأنته بأنني حرصت, كل الحرص, على صياغته بقلمي الخاص. وعندما كرر طلبه أجبته بأن الخطاب طار قبلنا إلى المؤتمر حيث أن سكرتيري الخاص نسي إخراجه من جيب بنطلوني, فحمله في حقيبة ملابسي. في الحقيقة لم تكن تلك القصة إلا من بنت الخيال, ولكنني كنت معتمدا على قدراتي الذاتية في إلقاء الخطابات الشفوية, أم أن زملائي غاب عن بالهم إنني خطيب مفوه, ولا يصمد أمامي أشهر خطباء العربية, سحبان وائل, حيث بإمكاني أن ادفعه لرفع رايته البيضاء بعد “البسملة” مباشرة. لقد فاجأت الجميع عندما بدأت الخطابة دونما أي إعداد, إلا أنني كنت بين حين وأخر, استعين بقصاصات أوراق موجودة في جيوبي. بدأت اسمع همهمات في القاعة, وأحيانا ابتسامات ذات مغزى, ونظرات استغراب من زملائي.. وعندما واصلت الخطابة كانت تصلني تباعا قصاصات أوراق من الزملاء, وللأمانة لم أتجاهل أيا منها, بل أخذت بما جاء فيها جميعها. وعندما انتهت الجلسة وعدنا إلى الجناح الذي كنا ننزل فيه في الفندق انفتحت الأفواه في وجهي, وكنت أظن قبل انفتاح الأفواه بأنني نقلت صورة طيبة عن الوضع عندنا, وبعد جدل طويل قلت لزملائي إنكم تحاكموني دون العودة إلى مادة الخطاب الذي ألقيته, فطلبت إحضار شريط فيديو عن الجلسة للاستماع إلى الخطاب. وعند مشاهدة الشريط لم اسمع ما يثير الدهشة, أو يبرر الهجوم الذي شنه زملائي باللجنة علي, إلا أن احد الزملاء كان يسجل ملاحظاته, وقال لي “يا أخ أبو العريف, ما هي علاقة وثيقة زواجك بوثيقة الاستقلال؟ وكيف تقرأ توصية بصرف مخصصات لإحدى النقابات المحلية وتطالب المؤتمر بتبنيها؟ وكيف تدافع في بداية خطابك عن اتفاق القاهرة, وبعد قليل تتعهد بالعمل على إسقاطه, وكيف تعلن قبولك بمبدأ دولتين لشعبين ثم تطالب بتحرير البلاد من مائها إلى مائها ؟..وكيف.. وكيف؟ لم املك على أسئلته سوى القول “الحق علي وليس عليكم لأنني قرأت جميع القصاصات التي أرسلها حضراتكم إلي، أليس هذا ما تريدون؟! والله احترنا يا قرعة من وين نبوسك!”. أبو العريف • نُشِرَت في العدد (852) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 14 تموز (يونيو) 1994

Be Sociable, Share!

  1. محمد أبو علان Said,

    تحياتي صديقي العزيز
    لا يمر يوم إلا وأمر على مدونتك…. ممتعة قرائتها ومن يدخلها مرة لا يملك غير العودة الدائمة لها
    تحياتي لك

  2. samuhsen Said,

    مرحبا بصديقي العزيز محمد
    شكرا على متابعتك الطيبة لما أكتب. في الأيام الماضية انشغلت كثيرا في متابعة الأعمال الأخيرة في مجموعتي الشعرية جمرة الماء والمنتظر صدورها قريبا جدا، وكان هذا الانشغال على حساب المدونة التي أحرص على تجديدها يوميا، ولا أنسى مساعدتك الفنية لي في البدايات. سلامات صديقي العزيز، ورأيك بما أكتب شهادة أعتز بها، ودمت لي سالما صديقي

  3. عصام العاروري Said,

    كانت هذه الشطحة ايام كان الخيار دولة او دولتان للشعبين، ماذا كنت ستكتب لو أن الخيار ثلاث دول لشعبين منا اثنتان لنا.
    المشكلة رحل الخطيب عن دنيانا قبل ان يشهد هذا الخيار الذي ربما ساهم في زراعة بذوره التي نبتت على ارشية الفساد

  4. samuhsen Said,

    شكرا صديقي عصام على تعليقك، وهذه الشطحات سبق لك وأن قرأتها كما ذكرت أيام زمان، ولكن سؤالك صعب، وبالطبع الإجابة أصعب، وأعتقد أنني إذا أردت أن أعيد كتابتها علي السفر إلى ليبيا أولا، وإذا عدت سالما قد أكتبها، وقد لا، حسب نوع الحبوب!!!

أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash