فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



وهربت بجلد أرنب وإطراف غزال

فبراير 28, 2011

 

كنت دائما أؤكد على التشابه الكبير بين مهنتي المدرس والمهندس, فالمهنتان جذرهما واحد وهو علم الحساب, وصاحباهما يعملان بالبناء, فأنا أبني البشر, والمهندس يبني مساكن لتأويهم, لذا لم أفاجأ عندما سمعت عطا الصوص, الذي كان يعمل (قصارا) في إحدى القرى, يقول بلهجة حاسمة لصاحب البيت الذي يعمل لديه “جاء المهندس, وسنطلب منه تكييل مساحة القصارة!؟”.

كانت مهنة الهندسة تستهويني منذ الصغر, لكن ضعفي في مادة الحساب، وفقر أهلي حرماني من تعلم الهندسة, في حين طار ابن صفِّي , محمود الحسن, إلى أميركا وعاد بشهادة الهندسة. وكنت قبل مقدمه غير الميمون, أعمل مدرسا للحساب في مدرسة قريتنا الابتدائية, وفي عطلة الصيف أسلي وقتي في بناء سلسلة حجرية لهذه الأرض أو تلك, أو أُشرف على بناء طابون, أو قن للدجاج. كما أنني لم أكن أُفَوَّت فرصة بناء بيت في القرية إلا ووقفت, متطوعا, على رأس البَنّاء. وكانت الأمور تسير على أكثر من “على خير ما يرام” إلى أن عاد “الباش مهندس” -كما كان يحلو لوالده أن يناديه، وتبعه بذلك أهالي القرية – وأخذ يتفلسف على كل كبيرة وصغيرة.

ولكن, مالكم وطول القصة. فقد وجدت في الطلب مني أن أُحَكِّم في النزاع بين “القصار” وبين صاحب البيت فرصة لرد بعض الاعتبار الذي فقدته منذ عودة “الباش مهندس” إلى القرية. وحملت المتر وعلوت صهوة البيت كفارس متشوق للنزال يعتلي صهوة جواده, وأخذت بالصراخ (12×8, 7×3, 27, 20سم ×13, 7سم..الخ).  وكنت بين الحين والأخر اسمع همهمات وتمتمات صاحب المنزل إلى أن قال لي “يا باش مهندس القصارة هنا غير مستوية, ألا ترى الحفر في جدار الحمام؟! والله الصقر يدخل في هذه الحفرة”. وما كان مني إلا أن ردعته قائلا “إذا كنت تتحدث عن الهندسة فإن بيتك كله غير قائم على أسس هندسية, ولو كان المجلس المحلي في بلدتكم شريفا, لقاد رئيس المجلس بنفسه الجرافة وساوى البيت بالأرض”. فقال “لكن اكبر مهندس في المنطقة يشرف عليه”.

وفي نهاية الأمر قلت له إن مساحة القصارة 4153 مترا مربعا. جن جنون الرجل وقال “حساب البنا أرحم من حساب المهندس, البنا قال 1500 متر واختلفت معه “فقلت للقصار سامحه بالأمتار الفراطة, وحاسبه على 4 ألاف, واعتبر الفراطة نقوط للبيت”.

في هذه الأثناء حدث ما لم أكن أتوقعه, أقبلت سيارة رمادية اللون وقال صاحب البيت “هذه سيارة زميلك المهندس الذي اشرف على الورشة. وقبل وصوله قلت “يا جماعة انأ ذاهب لتلك الصبارة لقضاء حاجة, وبدأت أراقب الوضع, وسمعت “القصار” يقول “يا عمي هناك فرق كبير بين ألألف متر وشوية والأربعة آلاف متر وشوية”.

وبعد اخذ ورد شاهدت صاحب البيت يدخل مسرعا إلى بيته. ظننت في البداية إنه ذاهب لتحضير فنجان قهوة للجماعة, وإذا به يتأبط قضيب حديد ويركض باتجاه الصبارة. وما كان أمامي سوى العدو في جلد أرنب وأطراف غزال.

 

أبو العريف

  • ·          نُشِرَت في العدد (851) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 7 تموز (يونيو) 1994  
Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash