فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



لغز حيرني

فبراير 21, 2011

أكسبتني سنوات الحياة في البرية صفات عديدة, لعل أفضلها الصبر وطول البال إلى درجة كانت تصفني زوجتي عندها بأن “مرارتي مطفيّة”!. وهذه الصفة ساعدتني على تَعَلُّمِ مهنة يسافر الشبان إلى باريس لتعلمها, علما بأنني تعلمتها وفق قانون “الحاجة أم الاختراع”؛ وأفلحت فيها أيما فلاح. وبما أنني كنت في البرية أرعى الأنعام, من نعاج وأغنام, فقد كان الأمر يحتاج إلى تعلم جزّ الشعر والصوف, وتطورت في تعلمها تصاعديا إلى أن وصلت لجز شعر بني البشر.

عندما بعت مواشيَّ بهدف اللحاق بركب التطور عدت إلى القرية كمرحلة انتقالية للسكن في المدينة, لكن الدنيا ضاقت بي, فاشتريت مشطا ومقص شعر وماكينة حلاقة يدوية, وبدأت بقص شعر الأولاد , فشعر أولاد الأقارب والجيران, واستهوتني هذه المهنة, وقررت فتح صالون حلاقة في غرفة الأغنام السابقة بعد تبيضها, وبدأ الزبائن يهلون لأنني كنت أوفر عليهم تكاليف السفر إلى المدينة, وأتقاضى أجرا يقل كثيرا عن “أسعار السوق”.

لا افشي سرا إذا قلت أن سوء الأوضاع الاقتصادية في البلاد, وتلاحق الأطواق الأمنية, وطول فترات منع التجول, ساعدني في انتزاع لقب حلاق القرية دون منازع, علما بأنني كنت الحلاق الوحيد.

أثناء عملي واجهني لغز لم استطع حل رموزه وهو أن زبائني كانوا يأتون ولا يعودون إلى صالوني مرة أخرى. في البداية قلت إن حال الناس تحول بينهم وبين حلاقة شعر رؤوسهم. ولما طال منع التجول أصبحت لا أستطيع التمييز بين الرجل والمرأة السافر, فكلاهما أصبح شعره يتدلى على كتفيه.

وذات نهار جاءتني فتاة صغيرة وقالت لي إن الدكتور يقول لك “تعال واحضر عدة الحلاقة معك”. وهنا تأكدت انه لا يوجد غموض في اللغز. أجلست الدكتور على كرسي في حديقة منزله, وأنهيت مهمتي وعدت إلى الصالون وقد رفضت أخذ مليم واحد من الدكتور لأنه إذا “لم يلزم اليوم يلزم غدا”.

في اليوم التالي, رفع منع التجول, فاع الناس إلى المدينة كالأفاعي في يوم حار, وعندما عادوا رأيتهم حليقي الرؤوس. شعرت بالغثيان فتوجهت إلى عيادة الطبيب فإذا به يضع ملاحظة على بابها تقول إن الطبيب سافر إلى خارج البلاد. ذهبت إلى منزله للسؤال عن سر سفره المفاجئ فإذا برأس أملس يطل من وراء الستارة, ظننت إنه ضيف في البداية, لأن الدكتور ليس أصلع الرأس, وطلب مني الانتظار برهة حتى يفتح الباب, وعندما فتح الباب كان أخر شيء شاهدته أنه كان يحمل قضيب حديد في يده, أظن انه هوى به على رأسي.

  • ·          نُشِرَت في العدد (849) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 23 حزيران (يونيو) 1994                       

 أبو العريف

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash