فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



عين .. وضربتني

فبراير 15, 2011

ضاقت بي الدنيا بما رحبت . فبعدما جربت العمل في جميع المهن التي عرفتها البشرية, و”لم يحالفني الحظ” في أي منها, ليس بسبب جهلي وإنما لأن “الدنيا ماشية بالمقلوب معي”, قررت شراء “شاكوش” والعمل في “الطوبار”. عقدت العزم, عقلت وتوكلت, وفي الصباح صعدت إلى أول باص عمال متوجه إلى داخل الخط الأخضر.

لم أجد صعوبة في الحصول على عمل, بعدما أكدت لرب العمل أنني عملت “طوبرجي” في كبريات شركات البناء.. ولما كان العمل في قطاع البناء من الأعمال الشاقة التي يهرب من وجهها “أبناء عمومتنا”!! فعملت مع أبناء جلدتي الذين كانوا ينبهونني, بين حين وأخر, إلى وجود أخطاء في عملي و”عليّ أن أدير بالي على شغلي” لأن رب العمل سيعمل على طردي.

ذات يوم, طلب مني المقاول بناء جدار من “الطوب” في بيته الخاص, وبدأت العمل في بنائه, وبعدما ارتفعت به مترا ونصف المتر عن سطح الأرض, جاء هو لمشاهدته. أخذ يتفحص الجدار بعينه, وعلى ما يبدو شك بوجود خطأ ما في العمل, وإلا لما تناول “الميزان” وحدث ما لم أكن أتوقعه… لم ينتبه المقاول إلى “قشور الموز” التي كانت تحت قدميه, فتزحلقت قدماه, وعندما رمى بجسده على الجدار لتفادي وقوعه على الأرض, انهال الطوب عليه, فأطلقت ساقي للريح.

بعد حدوث ما حدث قررت العمل مقاولا في قريتي. اشتريت خشبا وبدأت بالعمل. وفي البداية كان لا بد من التنازل قليلا عن كبريائي, فعملت في بناء “طابون” لهذا, وغرفة غنم لذاك, وجدار لثالث, على أمل أن تقفز إلى “حجري” الفرصة المواتية, وكان أن جاءت بأسرع مما كنت أتوقع, فاقتنصتها.

طلب مني “أبو السعيد” بناء منزل من طابقين, لم “أعصلج” كثيرا أمام شروط الاتفاق التي كانت مجحفة في حقي, لأن هذه الفرصة ستشهرني كبناء رسمي ليس في قريتي وحسب, وإنما في القرى المجاورة, فالمنطقة, أيضا, وأثناء العمل كنت أتعمد رفع نبرات صوتي وانأ أوجه الأوامر القاسية لعمالي, وأحيانا كنت أوجه الشتائم إليهم: “مسمار عشرة, مورينة ثلاثة متر, طبشة يا حمار, ناولني الحرجاية يا جحش ..عمرك ما بتتعلم ..الخ”.

كما كنت أضرب, بكل ما أوتيت من عزم وقوة, على المسامير والخشب لأنبه المارة إلى أنني أصبحت بَنَّاء رسميا, حتى إنه عندما هويت على إصبعي بضربة قاسية جدا كتمت الصرخة في داخلي, علما بأن الشرر كان يتطاير من عيني من شدة الألم, فتحاملت على نفسي كي لا “يتشفى” بي بَنَّاء القرية الذي كان يعمل في ورشة بالجوار.

 أنهيت أساسات البيت, صعدت بالأعمدة, وفرشت الخشب لطوبار السطح, وكان هذا البناء “يتفلسف” كلما مر من جانب الورشة… “ادعم السقف مليح يا عبد الله ..دير بالك المنطقة الشمالية دعمها غير كافي”.. وكنت أوقن أن هذا البَنّاء، الذي دخلت منافسا له, يريد أن يشوه سمعتي المهنية من البداية. وفي يوم “الصبة” حدث ما توقعه البنّاء وما لم أكن أتوقعه انأ .. لقد انهار السقف في لمح البصر. وكل ما أذكره من تلك الحادثة نقل “أبو السعيد” إلى المستشفى مغشيا عليه.

 

  • ·             نُشِرَت في العدد (848) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 16 حزيران (يونيو) 1994  

 

 أبو العريف

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash