فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



الحرب هي الحرب

فبراير 13, 2011

 

وقع رئيس التحرير في الجريدة التي “كنا” نعمل فيها على قرار سفرنا إلى إحدى الدول لتغطية أخبار الحرب الأهلية الدائرة هناك. وحرص على تزويدنا بمجموعة من العناوين لتسهيل مهمتنا.

طردت القلق المسيطر على زميلي قائلاً: “لي في تلك الدولة من المعارف والمسؤولين اللذين أدفش أبواب مكاتبهم برجلي وادخل, أكثر مما لي في بلدي…ضع يديك في ماء باردة, وسنرى كيف ستقلب التقارير التي سنكتبها كل مفاهيم الصحافة, هذا إذا لم تُغَيِّر مجرى الحرب”.

كان يتعذر علينا السفر إلى تلك الدولة بالطائرة, فسافرنا برا. وعلى الحدود ثارت ثائرتي على زميلي الذي أصر الارتباط بمكتب صحفي, إلا أنني رفضت ذلك رفضا قاطعا. شعرت بأنه لا يثق بي، فقلت له: “إن مسرة العمل الصحفي أن تعتمد على نفسك, فمن جهة تشعر بنشوة الانتصار عند التقاط ضربة صحفية, ومن جهة ثانية تبتعد عن أي تأثير قد يمارس عليك”.

 انصاع لرغبتي , فعقلنا وتوكلنا ودخلنا الأدغال, وعلى مسافة يوم وقعنا بين نارين. انبطحنا أرضا حتى نعرف إلى أي الجهتين المتحاربتين سنلجأ. زحفنا باتجاه الوادي ظنا مني أن القوات المتمردة ستكون مستحكمة في الجبال, والقوات الحكومية في الوادي. ومع أول صرخة أطلقت علينا, رفعنا أيادينا عالياً, كشفنا عن هويتنا ورحب بنا. مكثنا في المكان أسبوعا نتابع سير المعارك, وكلما سألنا عن تزويدنا بمعلومات من القائد العسكري كان يجيبنا: “من الأفضل أن تشاهدا ما يجري!”

على الصحفي الذي في مهمة خطيرة أن يعود إلى مكتبه في الجريدة قبل عودته إلى سرير نومه. كان الوقت ليلا عندما عدنا. طلبت من مدير المطبعة تأجيل الطباعة قليلا بعد إبلاغ رئيس التحرير, وكان المانشيت الرئيسي: “القوات الحكومية تطهر الجبال الغريبة والمتمردون يستسلمون”.

في الصباح , كان كل شيء ممكن أن يسير على خير ما يرام لولا انتباه رئيس التحرير لكلمة “الغربية” حيث أن حركة التمرد كانت في المناطق الشرقية.

ولتأكيد خبطتنا الصحفية سمع رئيس التحرير نشرة الأخبار من الإذاعات , لأنه ظن أن جبهة جديدة من المعارك قد فتحت, وفوجئ أن جميع التقارير الإذاعية تتحدث عن انهيار القوات الحكومية.

وبعد تسليمنا قرار الفصل من العمل, قال رئيس التحرير: “يا أستاذ..أنا بعثتك لتغطية أخبار الحرب الأهلية, وليس لتغطية معركة بين عصابات تهريب المخدرات”.

  • ·             نُشِرَت في العدد (847) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 9 حزيران (يونيو) 1994  

أبو العريف

     

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash