فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



ليس إلا

فبراير 10, 2011

 

 لم أكن أحد اثنين – شاب تَغَرّب أو اختيار ماتت أجياله – كما يحلو لسعيد الحتلة أن يصفني كلما سمع مني قولا “أعرفه حق المعرفة”. وكان بيتي قبالة أهالي بلدتي يحجون إليه, ولكن كل ليلة, لسماع حكايات خاصة جدا عن الشخصيات العامة, ليس في بلادنا وحسب, وإنما في الخارج أيضا, وعلى اختلاف المذاهب والمشارب.

لم أكن اسمع, بأي حال من الأحوال, لأي مذيع أن يكمل قراءة خبر عن أحد تلك الشخصيات منطلقا من حقيقة أن معرفتي غير قابلة للاختراق بمعلومة لا اعرفها. فأنا “أعرفه حق المعرفة”. فرئيس وزراء لبنان قد لعبت وإياه “دق شطرنج”؛ وقتلت ملكه في النقلة الثانية. والناقد المغربي الكبير نسي بنطلونه المقدود من دبر. والطبيب الذي تتناقلت انجازاته وكالات الأنباء العالمية ألان نسي عندما كنت أعالجه بالوصفات الشعبية. وكل هؤلاء كوم “والشاعر الكبير كوم آخر” الذي يصول ويجول, ويتردد اسمه كثيراً هذه الأيام, في وسائل الإعلام. كم مرة عرض قصائده علي قبل نشرها, وكنت أجري تعديلات عليها.

جميع أهالي البلدة كانوا ينحشرون في مجلسي, ولما كان الله قد أنعم علي بجزيل عطائه فكانت جلساتنا تتوج بوجبة عشاء. الوحيد من بين الأهالي الذي كان يطاردني بالأسئلة هو “سعيد الحلتة”؛ وكان هو الوحيد من بينهم يعتذر عن تناول العشاء بحجة أنه نباتي. وحتى عندما كنت أقدم له طبقا من الخضروات, كان يعتذر بقوله: “أنا أنام دون عشاء”. وكأنه باعتذاراته, التي كانت تتم بقصدية تامة, وعن سبق إصرار, يرمي إلى مقاومة المثل القائل “اطعم الفم تستحي العين”!

من جهتي كنت أتفهم دوافع تصرفات “سعيد الحلتة” وأقول للحضور أن طبيعة النفس البشرية, وما تحمله من صفات الغيرة, تدفعه دائما للتشكيك في معلوماتي عن الآخرين ومعرفتي بهم.

وأضاف مدير مدرسة البلدة كلاما أراد به أن يؤكد قولي. وقال إن سعيد يقول عنك أنك “رجعي ويميني” وعن نفسه إنه “تقدمي ويساري”. ومن جانبي أضفت على قول المدير قولا لا لبس فيه بعد أن أمسكت دقني وقلت: “هذا كلام صحيح ويعني إنني يوم الحساب والعقاب سأحمل كتابي في يميني, أما ابن الحلتة فسيحمله في يساره”.

وفي إحدى مساءات شهر أيار دخل “سعيد الحلتة” إلى مجلسي وبرفقته رجل غريب, لم أشاهده مرة في حياتي, وخمنت أنه سيكون على شاكلته, خصوصا وأن مظهره الخارجي لا يوحي بأنه رجل غير عادي. رحبت به ترحيبا حياديا وبدأت حديثي. لكن “سعيد” تعمد, ومنذ بداية الحديث, وأكثر من أية ليلة سابقة, أن يُحَوِّل مجرى الحديث من السياسة إلى الأدب, وعند نقطة حددها هو سألني إنْ كنت قرأت الكتاب الأخير الذي أصدره صاحبك الشاعر الذي يصول ويجول. فأجبته إن غطرسة ذلك الشاعر, وأكدت عليه حذف كلمة “صاحبك” من سؤاله, حولته من شاعر الجماهير إلى شاعر ومداح الملوك. وديوانه الأخير يؤكد قولي “حتى أنني التقيت به في عمان منذ أسبوع ولم يحدثني عنه لأنه يعرف صراحتي النقدية”.

وعندما هم سعيد الحلته للرحيل, قال “لم تسألني عن الضيف ؟!”.

قلت: وَمَنْ الأخ ؟!!

أجاب: هل فقدت الذاكرة, ألم تلتق به في عمان الأسبوع الماضي؟!

خرجا, وخرجت عيون الجالسين من محاجرها, وخرجوا جميعا دون عشاء.

                                             أبو العريف

  • ·             نُشِرَت في العدد (846) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 2 حزيران (يونيو) 1994  

 

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash