فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



عندما انقطع التيار الكهربائي

فبراير 9, 2011

عندما انقطع التيار الكهربائي عن قريتنا كان النهار قد بدأ يولج في الليل. وأهالي القرية, في هذا العصر التكنولوجي, لا يخلفون عني, فقد طلقنا جميعا السراج والفتيلة, وبالثلاث, ومن يحتاط منهم على وسيلة تقليدية للإضاءة قد تجد لديه شمعة تطفئ نارَها ونورَها نسمةُ هواءٍ عابرة.

احتشدت جموع الأهالي أمام منزلي, علما بأنني لست مختاراً أو عضواً في المجلس القروي, ووضعوني بالصورة وطلبوا مني أن “أنط” إلى القرية المجاورة، واصطحب صديقي الكهربائي منها لإصلاح الأعطال وإعادة التيار الكهربائي إلى “مجاريه”.

حاولت إقناعهم بأن “الصباح رباح”؛ وإنّ عملية الإصلاح قد تحتاج وقتا طويلا ونحن نقترب من عتمة الليل. إلا أن “محمد العبد” قال إنه يعرف سبب انقطاع التيار, فقد شاهد – على ذمته – شررا ينبعث من السلك الموازي تماما لباب دكان “كرومي”. وأن عملية الإصلاح لا تحتاج إلى كبير جهد أو معرفة. 

قلت “طالما أن الأمر هكذا, لماذا لا نقوم بإصلاحه؟”. فأجاب “محمد العبد” متسائلاً: “ومَنْ غيرك يستطيع إصلاحه في البلد كلها ؟!”.

وبما أن “محمد العبد”من الشخصيات المستقيمة في البلد، ولا يشق المزاح إلى باطنه طريقاً، فإنه يقول الحق. ولماذا لا أقوم بعملية الإصلاح، وأضيف نقطة إلى رصيدي عند الأهالي, وأحملهم “الجمايل”.

بسرعة البرق احضر “أبو شلفوطة” العدة. تحزمت بالكلبشات وصعدت على العمود بمشقة, وجاهدت في مقاومة ارتجاف أوصالي, وعندما وصلت إلى رأس العمود اكتشفت إنني لم أحمل معي أيا من العدة, فنزلت وصعدت وبدأت بتفحص الأسلاك على ضوء مصباح يدوي, إلا إنني لم أجد أية أعطال. ولكن “محمد العبد” لا يكذب. وأخذت اعمل على تقطيع الأسلاك وتوصيلها بعناية فائقة. وبينما كنت أقوم بعملية الهبوط لاحظت أن جميع القرى المجاورة دخلت ليلتها على العتمة.

بعد فترة من الزمن اشتعلت كل القرى المجاورة بالنور إلا قريتنا التي أضاءت لحظة وانطفأت. وفي الصباح كان الأهالي يحصون خسائرهم. بعضهم قال أن ثلاجته لم تعد تعمل, وأخر قال أن التلفزيون انتقل إلى رحمة الله, وثالثة قالت الغسالة. والغريب في الأمر أن “محمد العبد” ادعى أن ماتور سيارته قد احترق, وأشاع بين الناس أنني السبب.

                                                

أبو العريف

 

  • ·             نُشِرَت في العدد (845) من جريدة (الطليعة) بتاريخ 26 أيار (مايو) 1994  
Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash