فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد



التقدم نحو الإصلاح الديمقراطي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية

يناير 30, 2011

سميح محسن

مقدمــــــــة: يبدو الحديث عن تجربة الإصلاح الديمقراطي في كيان سياسي قائم داخل منطقة لا تزال خاضعة للاحتلال الأجنبي أمراً في غاية التعقيد والأهمية في آن واحد. فمن جانب، فإن الظروف الذاتية والموضوعية تتداخل تأثيراتها في هذه التجربة بشكل كبير، ومن جانب آخر فإن الاحتكام للقوانين الناظمة للعمل الديمقراطي في مرحلة التحرر الوطني، والعلاقة الجدلية بينهما (التحرر والاستقلال) لا تزال قضية جدلية حتى الآن. لذا، فالحديث عن الإصلاح الديمقراطي في المناطق الخاضعة لولاية السلطة الوطنية الفلسطينية يحتاج إلى قدر كبير من الحذر عند تحليل ومحاكمة تجربة الإصلاح فيها، وبالتالي لا يجوز منهجياً مقاربتها بتجارب الدول والمجتمعات المستقرة.
يتزامن إعداد هذه الورقة عشية الذكرى الخامسة لرحيل الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. وبدون قصد، فإن تحديد الإطار الزمني بأن تتناول الورقة السنوات الخمس الأخيرة، يعني تحديد مرحلة تاريخية معينة فيما يتعلق بالحالة الفلسطينية، أي مرحلة ما بعد غياب عرفات حتى يومنا هذا. وهذه فرصة ثمينة أغتنمها كباحث في تحديد الإطار الزمني لتحليل تجربة الإصلاح الديمقراطي في المناطق الخاضعة لولاية السلطة الوطنية الفلسطينية. كما ويتزامن ذلك مع التحضيرات النهائية للتوقيع على اتفاقية المصالحة الداخلية الفلسطينية في القاهرة في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2009 ـ حسب ما هو معلن ـ ما لم تبرز عقبات في الساعات الأخيرة تحول دون ذلك. محاولات الإصلاح الأولى: فرضت الوفاة المفاجئة للرئيس الفلسطيني السابق، ياسر عرفات، في الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، استحقاقاً دستورياً في البلاد بعد مرور حوالي تسعة أعوام على انتخابه كأول رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية المُنشَأة وفق اتفاق (أوسلو) في الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) 1993. ووفق القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية (الدستور المؤقت) ففي حال شغر منصب رئيس السلطة لأحد الأسباب الواردة في القانون، ومنها الوفاة، فإن رئيس المجلس التشريعي يتولى رئاسة السلطة مؤقتاً لمدة لا تزيد عن ستين يوماً تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد. وبالفعل ذهب الفلسطينيون صباح يوم 9 كانون الثاني (يناير) 2005 إلى مراكز الاقتراع، وانتخب محمود عباس رئيساً جديداً للسلطة الوطنية الفلسطينية بنسبة (62,5%)، واعتبر ذلك مؤشراً على نزاهة الانتخابات عند مقارنتها بدول المحيط ورغم الإقرار بسلامة مجريات العملية الانتخابية في إطارها العام، إلا أن القرار الذي اتخذته لجنة الانتخابات المركزية بتمديد فترة الاقتراع لساعتين إضافيتين، واعتماد بطاقة الهوية الشخصية عوضاً عن السجل المدني في مراكز الاقتراع من أجل إتاحة الفرصة أمام المواطنين الذين لم يسجلوا في سجل الناخبين للانتخاب، قد مس بشكل مباشر مجريات العملية الانتخابية. وسجل المراقبون مخالفات كبيرة في الساعتين الأخيرتين، بما في ذلك قيام مواطنين ممن لا تتوفر فيهم شروط الانتخابات من الإدلاء بأصواتهم. ورغم التأكيد على وقوع مثل تلك المخالفات القانونية وغير الديمقراطية، إلا أنها لم تؤثر على النتائج النهائية للانتخابات. قبل تسلمه رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، وخلال مرحلة الدعاية الانتخابية، أعلن الرئيس محمود عباس أنه سيعمل مع أمور أخرى على: (بناء دولة القانون والمؤسسات والمساواة والتسامح، ومواصلة مسيرة الإصلاح في جميع المسارات، وإطلاق خطط تطويرية في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وحماية حقوق المرأة). وقبل فترة قصيرة من توليه مقاليد الحكم، أجريت المرحلة الأولى من انتخابات المجالس المحلية في الثالث والعشرين من شهر كانون الأول (ديسمبر) 2004، ورغم الفوز الذي حققته حركة (حماس) في تلك الانتخابات، وصعود أصوات من داخل حركة (فتح) تدعو لعدم استكمال المراحل الأخرى، إلا أن الرئيس عباس أصر على المضي قدماً فيها حتى نهايتها. أجريت المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية في 36 تجمعاً سكانياً في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الضفة الغربية عقدت المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية في 22 تجمعاً سكانياً بتاريخ 23/12/2004، في حين أجريت في 14 تجمعاً سكانياً في قطاع غزة بتاريخ 27/1/2005. وأجريت المرحلة الثانية في 82 تجمعاً سكانياً بتاريخ 5/5/2005 في الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي الضفة الغربية عقدت المرحلة الثانية في 76 تجمعاً سكانياً، بينما أجريت في 6 تجمعات سكانية في قطاع غزة. وأجريت المرحلة الثالثة في 104 تجمعات سكانية في الضفة الغربية فقط بتاريخ 29/9/2005، في حين وأجريت المرحلة الرابعة بتاريخ 15/12/2005 في 40 تجمعاً سكانياً في الضفة الغربية وقطاع غزة. عقدت انتخابات الهيئات المحلية في المرحلتين الأولى والثانية بموجب القانون رقم (5) لسنة 1996 بشأن انتخابات مجالس الهيئات المحلية وتعديلاته. وأشرفت على تنظيمها اللجنة العليا لانتخابات مجالس الهيئات المحلية، وهي لجنة يتم تعيين أعضائها، وفقاً للقانون المذكور، بموجب أمر رئاسي يصدر عن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ويرأسها وزير الحكم المحلي الفلسطيني، وهو أمر سبق وأن انتقده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في ضوء وجود لجنة أخرى موازية (لجنة الانتخابات المركزية) تختص بالإشراف على الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية. وطالب المركز في حينه بإيجاد لجنة وطنية واحدة تشرف على الانتخابات المحلية والعامة على السواء وتكون مشكلة بقوة الدستور. وبموجب القانون (5) لسنة 2004 بشأن تعديل بعض أحكام قانون انتخابات مجالس الهيئات المحلية رقم (5) لسنة 1996، الصادر في 1 كانون الأول (ديسمبر) 2004، فقد تم إلغاء اللجنة العليا للانتخابات لتحل مكانها لجنة الانتخابات المركزية، على أن تستمر اللجنة العليا في ممارسة مهامها لمدة عام. وكان من أبرز التعديلات التي أقرها القانون المعدل ضمان التمييز الإيجابي لصالح النساء، حيث نصت المادة 28 منه على أنه: “حيثما رشحت امرأة نفسها يجب أن لا يقل تمثيل النساء في أي من مجالس الهيئات المحلية عن مقعدين، لمن يحصلن على أعلى الأصوات من بين المرشحات”. إضافة إلى النص على انتخاب رئيس المجلس المحلي وفقاً للمادة (31) حيث تذكر الفقرة الثانية أن المجلس ينتخب له رئيساً “بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه.” وأما المرحلتان الثانية والثالثة فقد أجريتا وفق قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005 الذي تبنى نظام التمثيل النسبي (القوائم). وقد حافظ القانون الجديد أيضاً على مبدأ التمثيل النسبي للنساء. ففي المادة السابعة عشرة منه نص على وجوب تمثيل المرأة في المجالس التي لا يزيد عدد أعضائها عن ثلاثة عشر مقعداً بمقعدين للنساء، وبثلاث مقاعد في المجالس التي يزيد عددها على ذلك. وحددت المادة المذكورة آلية لضمان ذلك، تتلخص في تضمين الخمسة أسماء الأولى مقعداً للنساء، والخمسة الثانية اسما آخر، وكذلك الخمسة الثالثة. استمرار دوران العجلة أشرت بشكل سريع إلى أنه بعد تحقيق حركة (حماس) والمحسوبين عليها فوزاً ملموساً في العديد من الهيئات المحلية صدرت أصوات من داخل حركة (فتح) تدعو الرئيس محمود عباس إلى عدم تكميل المراحل اللاحقة من تلك الانتخابات، وبالفعل لم يتم إجراء المرحلة الخامسة منها حتى الآن، ولا يعني تأجيل تلك المرحلة أن الرئيس عباس استجاب لتلك الدعوات. وتركز جزء من تلك الدعوات على المطالبة بعدم إجراء انتخابات تشريعية رغم مرور عشر سنوات على انتخاب المجلس التشريعي الأول. إلا أن الرئيس عباس مضى في اتخاذ الخطوات الدستورية لعقدها في الخامس والعشرين من كانون الأول (يناير) 2006، وبذل مجهوداً كبيراً من أجل كسر المعارضة الإسرائيلية لمشاركة حركة (حماس) فيها، حتى تحقق له ذلك. وفي تلك المرحلة، عبرت أصوات في حركة (فتح) عن دهشتها لإصرار الرئيس على إجرائها، وذهب بعضهم للقول في أحاديث خاصة “كأنه ـ أي الرئيس ـ يريد تصفية حسابات مع حركته التي رشحته لمنصب الرئاسة”!! أجريت انتخابات المجلس التشريعي الأول عام 1996 وفق قانون الانتخابات رقم (13) لعام 1995، والذي كان يعتمد على نظام الدوائر الانتخابية، وقسمت الأراضي الفلسطينية إلى ست عشرة دائرة انتخابية (إحدى عشرة في الضفة الغربية وخمس دوائر في قطاع غزة). وأما انتخابات المجلس التشريعي الثاني فقد أجريت وفق قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2005، الذي اعتمد النظامين الانتخابيين (الدوائر والنسبي) مناصفة، وأبقى على تقسيم الوطن إلى ست عشرة دائرة انتخابية لنظام الدوائر، ودائرة واحدة للنظام النسبي. ولعب المجلس التشريعي الأول في أيامه الأخيرة دوراً في صياغة هذا القانون الذي صادق عليه الرئيس وأصدره بتاريخ 23/8/2005. رغم الدعوات التي أطلقتها الأحزاب السياسية المعارضة لصياغة قانون انتخابات قائم على النظام النسبي، إلا أن أعضاء المجلس التشريعي الأول عندما أقروه في أيام مجلسهم الأخيرة، وبخاصة الذين تبين لهم أنهم لن يكونوا ضمن قوائم ترشيح حركة فتح، ظنوا أن هذا النظام المختلط سيوفر لهم حظاً للفوز في الدوائر. إلا أن نتائج هذا القانون، ونتائج الانتخابات جاءت وبالاً عليهم، وعلى حركة (فتح) المحسوبين عليها. وفي قراءة إحصائية لنتائج الانتخابات وفق نظام القوائم (التمثيل النسبي) الخاصة بحركتي (فتح) و(حماس) فقد حصلت قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحركة (حماس) على (440409) أصوات بواقع (44.4%) من الأصوات الصحيحة، وحصلت على (29) مقعداً، بينما حصلت قائمة حركة فتح على (410554) صوتاً بواقع (41.4%) من الأصوات، وحصلت على (28) مقعداً من أصل (66) مقعداً مخصصة لنظام التمثيل النسبي. وأما نتائج القوائم فقد أظهرت تفوقاً واضحاً وملحوظاً لقائمة التغيير والإصلاح في الدوائر الأكبر من حيث عدد الناخبين، فقد حصلت الحركة في دوائر: غزة على (56.7%) من الأصوات، وفي الخليل (49.5%)، وشمال غزة (46.9%)، ونابلس (44.7%)، وطولكرم (43.5%)، ورام الله والبيرة (42.2%) والقدس (41.8%). بينما تمكنت قائمة حركة فتح من تحقيق التقدم بفارق مريح في دوائر: قلقيلية حيث حازت على (53.5%) من الأصوات، ورفح (53.2%)، وأريحا (50%)، وخان يونس (48.1%)، ودير البلح (47.4%)، وجنين (45.3%)، وبيت لحم (44.2%). وحين نجري ترجمة لهذه الأرقام وفق نظام الدوائر تكون قائمة التغيير والإصلاح قد حصلت على (45) مقعداً، بينما حصلت حركة (فتح) على (17) مقعداً فقط، وبالنتيجة فازت قائمة حماس بحصولها على (74) مقعداً مقابل حصول حركة فتح على (45) مقعداً من أصل (132) مقعداً. وشكل هذا الفوز الساحق والذي فاجأ الجميع، بما في ذلك حركة حماس نفسها، أغلبية مريحة في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد، وأدخلت هذه النتائج البلاد في مرحلة جديدة من مراحل التحول الديمقراطي. بدايات انتكاسة التجربة الديمقراطية قبل أقل من عامين من الآن، وأمام المؤتمر الثالث لمنتدى المستقبل الذي عقد في العاصمة اليمنية (صنعاء) في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2007، قدمت ورقة بعنوان “دور المجتمع المدني في التحول الديمقراطي: الحالة الفلسطينية نموذجاً”. وعرضت فيها رأياً مفاده أن التجربة الديمقراطية الفلسطينية الفريدة من واقع غرابتها تعرضت للإجهاض بفعل التداخل الكبير بين العوامل الذاتية والموضوعية، وبشكل بدا وكأن هناك تنسيقاً في الأدوار بين اللاعبين المحليين والخارجيين. حققت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فوزاً ساحقاً على منافسها الرئيس حركة (فتح) في الانتخابات (المحلية والتشريعية) بين نهاية عام 2004 وبداية عام 2006. وإن كانت حركة (فتح) قد سلمت بنتائج الانتخابات التشريعية شكلياً، وبدا ظاهرياً من خلال تسليمها السلس للسلطة للحزب الفائز، إلا أن التوجه الداخلي لحركة (فتح) كان يسير باتجاه إفشال تجربة (حماس) في الحكم، وبالتالي إسقاطها. وقد ظهر ذلك جلياً في الأشهر اللاحقة من خلال دخول الموظفين العموميين، ومعظمهم من عناصر ومؤيدي حركة فتح في إضراب مفتوح عن العمل احتجاجاً على انقطاع الرواتب، وجرى تسييس الإضراب المذكور بشكل واضح. وأما حركة (حماس) فقد دخلت في مأزق، إذ كان رأس الحكومة منها، وجسم الحكومة في أغلبيته الساحقة، وفي مقدمتها أجهزة الأمن بكافة مكوناتها، مكوناً من حركة (فتح)؛ وبالتالي كان من الصعب عليها تسيير دفة الحكم بشكل سليم، حيث لم يكن وزير الداخلية ـ على سبيل المثال ـ وفي ظل تدهور الأوضاع الداخلية وتنامي مظاهر الفلتان الأمني وأخذ القانون باليد، قادراً على فرض سيطرته على شرطي واحد، ما دفعه لتشكيل القوة التنفيذية في قطاع غزة كذراع لوزارة الداخلية. وساعد في مضاعفة مأزق (حماس) الحصار الظالم الذي فُرِضَ على حكومتها ظاهرياً، إلا أن الحصار كان موجهاً ضد الشعب الفلسطيني بأسره عملياً. وسارت الأمور ـ كما يعلم الجميع ـ بالاتجاه التي سارت عليه، ووصلت إلى حالتها الراهنة. دون الإغراق في المزيد من التفاصيل، فبعد مرور عام ونصف العام على الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وصل الصراع بين حركتي فتح وحماس في الاشتباك السياسي أوجه في النصف الأول من شهر حزيران (يونيو) عام 2007. وتخلل هذا الصراع في الفترة المشار إليها دخول الحركتين في فصول محدودة من الاشتباك العسكري. وفي الرابع عشر من الشهر المذكور وصل الاشتباك العسكري نهايته حيث حسمت حركة حماس، ومعها القوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية في حكومة السيد إسماعيل هنية الأولى، سعيد صيام الصراع لصالحها، ووجد الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة أنفسهم تحت سيطرة سلطتين متصارعتين. استمرار تدهور التجربة الديمقراطية في السرد الزمني للأحداث، ففي أعقاب سيطرة حركة حماس بالقوة المسلحة على قطاع غزة، دخلت التجربة السياسية والديمقراطية الفلسطينية مرحلة جديدة من مراحل التدهور. ففي تاريخ 14/6/2007 أصدر الرئيس محمود عباس ثلاثة مراسيم رئاسية، تقضي بإقالة رئيس الوزراء إسماعيل هنية؛ والإعلان عن حالة الطوارئ في جميع أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية؛ وتشكيل حكومة مكلفة بإنفاذ حالة الطوارئ. وفي تاريخ 17/6/2007 أصدر مرسومين آخرين، الأول يقضي بتعليق العمل بالمواد (65، 66، و67) من القانون الأساسي، أما المرسوم الثاني فيقضي باعتبار القوة التنفيذية، وميليشيات حركة حماس “خارجة عن القانون بسبب قيامها بالعصيان المسلح على الشرعية الفلسطينية ومؤسساتها”. وفي تاريخ 20/6/2007، أصدر الرئيس مرسوماً جديداً بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وذلك بناء على أحكام حالة الطوارئ، يمنح وزير الداخلية سلطة مراجعة جميع تراخيص الجمعيات والمؤسسات والهيئات الصادرة عن وزارة الداخلية أو أية جهة حكومية أخرى، ومنحه الحق في “اتخاذ الإجراءات التي يراها ملائمة إزاء الجمعيات والمؤسسات والهيئات من إغلاق وتصويب أوضاع أو غير ذلك من الإجراءات. وفي تاريخ 6/7/2007، أصدر مرسوماً رئاسياً جديداً بشأن توسيع اختصاص القضاء العسكري في حالة الطوارئ ليشمل: “الجرائم الواقعة على مسئولي وموظفي السلطة الوطنية الفلسطينية مؤسساتها وممتلكاتها؛ الجرائم الواقعة على السلامة العامة والأمن العام الداخلي؛ والجرائم الواقعة على أجهزة الأمن الفلسطينية ومنتسبيها”. ونصت المادة الثالثة من المرسوم على تعليق الفقرة الثانية من المادة (101) في القانون الأساسي. وفي قطاع غزة، خطت الحكومة المقالة برئاسة إسماعيل هنية، خطوات مماثلة تهدف بشكل أساس إلى إضعاف سلطة الرئيس عباس، وسلطة حركة فتح. وشهد القطاع العديد من الإجراءات التي مست بشكل مباشر الحريات العامة. ومن الأمثلة على ذلك صدور قرار بتاريخ 13/8/2007، عن القوة التنفيذية يقضي بحصول أي مسيرة على إذن رسمي من القوة التنفيذية، وشن حملات اعتقالات واسعة النطاق في صفوف قادة وعناصر ومؤيدي حركة فتح، وإغلاق جمعيات خيرية ومؤسسات أهلية وفرض قيود على السفر، واللجوء إلى سياسة الفصل التعسفي من الوظيفة العمومية. وردت الحكومة في رام الله بإجراءات مماثلة، ودخلت البلاد في دائرة الفعل ورد الفعل حتى إعداد هذه الورقة. ورغم دخول القوى السياسية الفلسطينية في حوار وطني منذ بدايات العام 2007، برعاية يمنية مرة، ورعاية سعودية في مرة ثانية، ورعاية مصرية في الوقت الراهن، إلا أن هذا الحوار لم يُؤتِ بأُكله حتى إعداد هذه الورقة. ورغم ما تناقلته وسائل الإعلام عن عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية في القاهرة بتاريخ 25/10/2009، إلا أن صورة ذلك لم تضح نهائياً حتى الآن، واستمرت أعمال التحريض وتبادل الاتهامات بين الطرفين حتى هذه اللحظات، وجاء آخرها بتاريخ 11/10/2009 على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطاب بثته الفضائية الفلسطينية، وفي خطاب مقابل لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل. انعكاسات الصراع على الحياة المدنية 1) تعطيل الحياة التشريعية يؤكد الفوز الساحق لحزب المعارضة (حماس) في الانتخابات التشريعية في 25/1/2006 نزاهة تلك الانتخابات، ولا حاجة هنا للتذكير بتقارير المراقبين الدوليين والمحليين في هذا الشأن. ومنذ انعقاد الجلسة الأولى للمجلس بتاريخ 18/2/2006 بدأت المؤشرات الأولى لإفشال عمل المجلس، وبالتالي إفشال التجربة الديمقراطية الفلسطينية، بعوامل خارجية وداخلية تظهر على السطح. وبعيداً عن أي قول أساسه الظن، وبعيداً عن أي تفسيرات محتملة لما سيرد من كلام في هذا السياق، أؤكد أن قصدية ما سيأتي لا يخرج عن إطار السرد التاريخي المجرد للأحدث. في تلك الجلسة، منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي نواب حركة التغيير والإصلاح (حماس) الموجودين في قطاع غزة من السفر إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية حيث المقر الرئيس للمجلس التشريعي، ما حدا بالمجلس إلى عقد جلسته في مقريه في مدينتي رام الله وغزة عبر نظام (الفيديو كونفرانس) واستمر هذا المنع حتى يومنا هذا. وأعقب ذلك اعتقال ما يزيد عن أربعين نائباً من قبل قوات الاحتلال، ومعظمهم من نواب حماس، وزجهم في سجونها. وعلى المستوى الداخلي أدت التجاذبات السياسية بين الكتلتين البرلمانيتين الكبريين (فتح وحماس) إلى عدم انتظام عقد جلسات المجلس لتعمد تغيّب إحداهما بقصد عدم توفر النصاب القانوني. وجاءت الضربة القاصمة لأعمال المجلس في أعقاب الحسم العسكري في قطاع غزة لصالح حركة حماس، حيث تعطلت أعمال المجلس كلياً. في أعقاب تعطل الحياة البرلمانية نهائياً بعد الحسم العسكري في قطاع غزة، سارعت سلطتا الصراع إلى إصدار التشريعات كل من طرفها. ففي شهر نوفمبر 2007، قامت كتلة التغيير والإصلاح بعقد جلسات في مقر المجلس بمدينة غزة بعدما أجازت لنفسها العمل بنظام التوكيل نيابة عن أعضاء المجلس التشريعي المعتقلين والادعاء بوجود نصاب قانوني لانعقاد المجلس، وسمحت لنفسها بمناقشة وإقرار وإصدار عدد من القوانين، حتى بدون مصادقة رئيس السلطة عليها، وذلك استناداً إلى المادة (41) من القانون الأساسي. وكان آخر القوانين التي أقرتها الكتلة المذكورة ما تم إقراره من تعديلات في نهاية مايو (أيار) 2009 على كل من: قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم (6) لسنة 1998، وقانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936. وبالتوازي مع عملية التشريع في غزة، أصدر الرئيس الفلسطيني عدداً من القرارات بقوة القانون خلال فترة الانقسام أيضاً. وفضلاً عن المراسيم المذكورة أعلاه بعيد أحداث حزيران (يونيو) 2007، صدرت قرارات أخرى لم يجرِ عرضها على المجلس التشريعي، بدعوى عدم انعقاده، وبالتالي استخدم الرئيس حقه في إصدار قرارات بقوة القانون، استناداً للمادة (43) من القانون الأساسي التي تجيز له إصدار مثل تلك القرارات في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي. ومن بين تلك القرارات كان القرار بقانون بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الذي أصدره في الثاني من أيلول (سبتمبر) 2007. جاء إصدار القانون بقرار بعد مرور عام وثمانية أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية الثانية، وبالتالي قبل عامين وأربعة أشهر على موعد الانتخابات المقبلة، وبالتالي فإن الضرورة التي منحها القانون الأساسي لرئيس السلطة الوطنية لإصدار قوانين بقرار لا تصمد كثيراً أمام ردود المعارضين لصدوره. لقد جاء القانون بقرار هنا ليحسم قضية خلافية ظهرت بين حركتي فتح وحماس حول النظام الانتخابي الفلسطيني، فبينما أصرت حركة حماس على أن تجري الانتخابات المقبلة على أساس النظام السابق (النسبي والدوائر مناصفة) طالبت حركة فتح، والأحزاب الأخرى أن يكون النظام هو نظام التمثيل النسبي. وهذا ما ورد في المادة الرابعة من قانون بقرار بشأن الانتخابات العامة حيث جاء فيها: {{يتم انتخابات أعضاء المجلس في انتخابات عامة حرة ومباشرة بطريق الاقتراع السري على أساس نظام التمثيل النسبي الكامل “القوائم” باعتبار الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة}}. 2) سيادة القانون واستقلال القضاء عكس الانقسام الفلسطيني نفسه على مبدأ استقلال السلطة القضائية وسيادة القانون. ففي تاريخ 6/7/2007، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً بشأن اختصاص القضاء العسكري في حالة الطوارئ. ونصت المادة الأولى من هذا المرسوم على توسيع اختصاص القضاء العسكري، ليشمل “الجرائم المخلة بالسلامة العامة، وبالتالي تم اغتصاب اختصاصات هي من صميم اختصاص القضاء المدني. ولتسويغ هذا الإجراء الخطير، نصت المادة الثالثة من المرسوم على تعليق الفقرة الثانية من المادة (101) في القانون الأساسي. وجاء في الفقرة الأولى من المادة الثانية في المرسوم على أن “تتولى النيابة العسكرية اختصاصات النيابة العامة،” وهو ما يشكل تدميراً لمؤسسة النيابة العامة ولصلاحيات النائب العام. ولتسويغ ذلك نصت المادة 3 من المرسوم على تعليق العمل بالفقرة الثانية من المادة (107) في القانون الأساسي التي تنص على أن “يتولى النائب العام الدعوى العمومية باسم الشعب العربي الفلسطيني ويحدد القانون اختصاصات النائب العام وواجباته”. وجاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية في المرسوم أن “تطبق المحاكم العسكرية في القضايا المنظورة أمامها قانون أصول المحاكمات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979″. علماً بأن هذا القانون، وكذلك قانون العقوبات الثوري لمنظمة التحرير الصادر في العام نفسه، هما غير دستوريين وليسا جزءاً من التشريعات السارية في السلطة الوطنية الفلسطينية. ويعيد هذان القانونان إلى الأذهان محاكم أمن الدولة سيئة الصيت التي سبق وأن أنشأها رئيس السلطة الوطنية في فبراير 1995 وتم إنهاء عملها بموجب قرار من وزير العدل في تموز (يوليو) 2003. أما الفقرة الثالثة من المادة الثانية في المرسوم نصت على أن “يتمتع منتسبو القوات الفلسطينية كافة بصفة الضبطية القضائية”. وبالتالي يتحول كل رجل أمن في أي جهاز أمن إلى “مأمور ضبط قضائي” في مظهر آخر من مظاهر العسكرة وتقويض الحياة المدنية واغتصاب صلاحيات “مأموري الضبط القضائي” والنائب العام، المحددة في قانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001. وتحدد المادة 21 من القانون المذكور بأن يكون من مأموري الضبط القضائي: 1. مدير الشرطة ونوابه ومساعدوه ومديرو شرطة المحافظات والإدارات العامة؛ 2. ضباط وضباط صف الشرطة كل في اختصاصه؛ 3. رؤساء المراكب البحرية والجوية؛ و4. الموظفون الذين خولوا صلاحيات الضبط القضائي بموجب القانون. ونصت المادة 19 من القانون نفسه على أن “يتولى أعضاء النيابة العامة مهام الضبط القضائي والإشراف على مأموري الضبط كل في دائرة اختصاصه”. ووفقاً للمادة 20 من القانون ذاته، “يشرف النائب العام على مأموري الضبط القضائي ويخضعون لمراقبته فيما يتعلق بأعمال وظيفتهم”. وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى قد أصدر بتاريخ 2/7/2007، قراراً وجهه إلى قضاة التنفيذ والعاملين في إدارات التنفيذ في قطاع غزة يقضي بتجميد كافة القرارات التي تحتاج إلى الاستعانة بجهاز الشرطة لتنفيذها، “نظراً للظروف الراهنة التي يمر بها قطاع غزة، ونظراً لعدم وجود قوة شرطية تؤمن الحماية والمساعدة في تنفيذ الأحكام القضائية”. وبالتالي فإنه أمر بعدم تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء المدني الفلسطيني. وجاء هذا القرار في أعقاب قرار أصدرته قياد الشرطة الفلسطينية يقضي بوقف عمل الشرطة في القطاع. وكان هذا القرار من أغرب القرارات التي صدرت عن الحكومة الفلسطينية في رام الله إذْ أن وقف عمل الشرطة المدنية يعني بشكل أو بآخر دعوة المواطنين لأخذ القانون بأيديهم، وتشجيع الجريمة. وفي قرارات تدخل في دائرة رد الفعل، أصدر د. يوسف المنسي، وزير العدل المكلف في الحكومة الفلسطينية المقالة برئاسة إسماعيل هنية قراراً بتاريخ 14/8/2007، يقضي بتوقيف النائب العام عن مباشرة مهام عمله على خلفية الادعاء بعدم استكمال إجراءات تعيينه كنائب عام حسب الأصول القانونية. وبتاريخ 16/8/2007، اقتحمت القوة التنفيذية مقر النيابة العامة في غزة والاعتداء على النائب العام واحتجازه ووكلاء ورؤساء النيابة. وبتاريخ 29/8/2007، أصدرت الحكومة المقالة قراراً بتعيين نائب عام مساعد وعدد من وكلاء ومعاوني النيابة لممارسة مهام النائب العام ومعاونيه في قطاع غزة. وبتاريخ 4/9/2007، أصدر مجلس الوزراء في الحكومة المقالة قراراً يقضي بتشكيل ما أسماه “مجلس العدل الأعلى،” وتكليف وزير العدل بتنسيب أعضائه لمجلس الوزراء. وبتاريخ 11/9/2007، صدر عن مجلس الوزراء قرار بالمصادقة على تنسيب وزير العدل لستة من أعضاء المجلس برئاسة المحامي عبد الرؤوف عمر الحلبي، على أن يقوم الأعضاء الستة بتنسيب ثلاثة أعضاء آخرين للمصادقة عليهم من قبل وزير العدل، وفقاً للمادة الأولى من القرار. وفي إطار الخطوات التي اتخذتها الحكومتان الفلسطينيتان في الضفة الغربية وقطاع غزة لإضعاف القضاء المدني واغتصاب صلاحياته، فعّلت الحكومتان دور القضاء العسكري. ففي الضفة الغربية، لجأت السلطة التنفيذية لتوقيف المعتقلين السياسيين المحسوبين على حركة حماس على ذمة النيابة العسكرية، وهي جهة غير مختصة في هذا الشأن. وقد أصدرت محكمة العدل العليا قرارات بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين الذين نظرت قضاياهم، إلا أن أجهزة الأمن إما أنها كانت تفرج عنهم وتعيد اعتقالهم، أو تدير الظهر لتلك القرارات وتبقي على اعتقالهم، كما وفعّلت الحكومة من دور المحاكم العسكرية في محاكمة مدنيين. وفي قطاع غزة، فعلت المحاكم العسكرية الشيء نفسه، ولجأت إلى تطبيق قانون أصول المحاكمات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقانون العقوبات الثوري لمنظمة التحرير المشار إليهما أعلاه، علماً بأن حركة حماس وحكومتها كانت قد انتقدت هذين القانونين في السابق واعتبرتهما غير دستوريين. 3) حرية الرأي والتعبير يلعب الإعلام دوراً رئيساً في تشكيل الرأي العام. وأثناء النزاعات الداخلية، أو العدوان الخارجي، يجري توجيه دفة الإعلام ليصبح أحد الأدوات الرئيسة المستخدمة في النزاع. وخلال التجربة الفلسطينية، سواء في العدوان الخارجي المتمثل بالاحتلال الحربي الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو النزاعات الداخلية التي وصلت أوجها بين حركتي فتح وحماس، وما نتج عنه من حسم عسكري في قطاع غزة، لعب الإعلام، سواء الحزبي منه أو الرسمي، دوراً في تأجيج هذا النزاع. ولم يفلت من هذا الفخ الإعلام المستقل. ففي أعقاب الحسم العسكري في قطاع غزة، حدث تدهور كبير في حالة حقوق الإنسان بشكل عام، وحالة الحريات العامة بشكل خاص، في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. وشرعت الحكومتان الفلسطينيتان باتخاذ المزيد من الإجراءات للتضييق على الحريات العامة، ووقع الإعلاميون الفلسطينيون ضحية الصراع القائم، كما أنهم لم يسلموا من ظاهرة التجاذبات السياسية بين طرفي الصراع اللذين حاول كل منهما حشد أكبر عدد من الأقلام إلى جانبه. وشملت تلك الإجراءات أعمال إطلاق نار، واعتقال وتضييق وتعذيب وإساءة معاملة ومنع دخول صحف وتهديد. لذا لم يكن الإعلاميون الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية بمنأى عن النزاع الداخلي، بل وجدوا أنفسهم في خضم الصراع. مارست الحكومتان الفلسطينيتان في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأجهزة الأمنية التابعة لهما، وحركتا فتح وحماس، وأذرعهما المسلحة، ضغوطات كبيرة على الإعلاميين لتجنيدهم، وزجهم في أتون الصراع، أو عقابهم على مواقفهم وانتماءاتهم السياسية المعارضة. فالإعلاميون المحسوبون على حركة فتح تعرضوا للتهديد والقمع على أيدي عناصر كتائب القسام والقوة التنفيذية في قطاع غزة، وأما الإعلاميون المحسوبون على حركة حماس فقد تعرضوا للتهديد والقمع على أيدي كتائب شهداء الأقصى والأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية. ولم يكن الصحفيون الفلسطينيون المستقلون بمنأى عن التهديد. هذا من جانب، ومن جانب آخر، أحدث النزاع الداخلي الفلسطيني حالة من الاصطفاف بين الإعلاميين المحسوبين على كلا الحركتين، مما أفقد العمل الإعلامي حياديته وموضوعيته. ومارست وسائل الإعلام التابعة للحكومتين الفلسطينيتين التحريض ضد الآخر، بما في ذلك التحريض على القتل، فضلاً عن رفض سماع الرأي الآخر، حتى لو كان من جهات تتسم بالحيادية والموضوعية. وشكا الإعلاميون الفلسطينيون من الرقابة التي يفرضها أرباب المؤسسات الإعلامية التي يعملون فيها، بمن فيهم الإعلاميون المحسوبون سياسياً على تلك المؤسسات. وذكر الإعلاميون العاملون في أكثر من مؤسسة إعلامية إنهم يضطرون لتقديم الخبر الواحد في صيغ مختلفة تتناسب كل صيغة منها مع سياسة هذه المؤسسة أو تلك، ما يعني ذلك تراجعهم عن القيم المهنية والأخلاقية في العمل. ومن الإشكاليات الأخرى التي يطرحها الإعلاميون الفلسطينيون الدمج بين العمل الإعلامي والأمني، وهم لا يقصدون بذلك الإعلاميين الذين يعملون في القطاع الأمني، وإنما رجال الأمن الذين يعملون في الإعلام، أو الإعلاميين الذين يشغلون وظائف أمنية. وأورد الإعلاميون مثالاً حول اعتقال أجهزة الأمن الفلسطينيين لأحد الإعلاميين في مدينة بيت لحم، وتبين عند السؤال عنه أنه يعمل في أحد أجهزة القطاع الأمني. وتذرعت الجهات الرسمية آنذاك بأنها اعتقلت أحد عناصرها، ولم تعتقل صحفياً على خلفية مهنية. وفي آخر تقرير له حول حرية الرأي والتعبير في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية الذي تناول فيه الفترة من 1/11/2006 إلى 31/8/2008، رصد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الانتهاكات التي تعرض لها الإعلاميون العاملون في الأراضي الفلسطينية، وأجهزة الإعلام التي يعملون فيها. قُسِّمَ التقرير إلى مرحلتين، تغطي المرحلة الأولى حالة حرية الرأي والتعبير من تاريخ 1/11/2006 وحتى 15/6/2007، أي مرحلة ما بعد الحسم العسكري في قطاع غزة، بينما تغطي المرحلة الثانية الفترة من 16/6/2007 وحتى 31/8/2008. ورصد التقرير (99) انتهاكاً، منها (46) في الضفة الغربية و(53) في قطاع غزة، ارتكبت الجهات الرسمية (63) انتهاكاً منها، والجهات غير الرسمية كالمجموعات المسلحة (33) انتهاكاً. وقع (27) منها خلال المرحلة الأولى، بينما وقع (72) منها خلال مرحلة ما بعد الحسم العسكري. وتعكس تلك الإحصاءات حالة تردي حرية الرأي والتعبير في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية في أعقاب الانقسام الداخلي الفلسطيني. 4) مكافحة الفساد فور تسلمه منصب النائب العام في عام 2005، أعلن النائب العام في السلطة الوطنية الفلسطينية، المستشار أحمد المغني، عن وجود عشرات من ملفات الفساد المالي والإداري في العديد من أجهزة السلطة تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات. وذكر أن “هناك ملفات فساد سرية وهناك ملفات فساد علنية ومعروفة”، وأضاف أن القضاء الفلسطيني سيلاحق كل من تورط في هذه الملفات، وأن “السلطة ستضرب بيد من حديد ضد كل شخص متورط في هذه الممارسات مهما كان منصبه أو رتبته”. وأشار إلى أن ملفات الفساد متعلقة باختلاسات وتبديد المال العام، مشيرا إلى أنها منتشرة بشكل أكبر في سلطة ترخيص السيارات وهيئة الإذاعة والتلفزيون والجهات المسؤولة عن بيع الأراضي العامة، وكذلك حصة السلطة الفلسطينية في إحدى الصحف، وشركة الأدوية، ومعهد الطب العدلي، ومسرح الطفل، والجهات المنوط بها بيع وشراء الإسمنت. ورفض المغني إعطاء أسماء الأشخاص المتورطين في هذه القضايا، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن عدد المعتقلين على ذمة قضايا الفساد يزيد على 25 شخصا وأن ثمة مساعي لتسلم عشرة أشخاص آخرين من الخارج بواسطة الشرطة الدولية (الانتربول). وبلغ عدد قضايا الفساد الخطيرة والتي أعلن عنها في المؤتمر الصحفي اثنتين وثلاثين قضية تم مباشرة التحقيق فيها وأحيلت سبعة منها للمحكمة المختصة، وحفظت ثلاث قضايا منها، وما زالت التحقيقات مستمرة في باقي القضايا. ولعل التأخير في التحقيقات يعود إلى عدم تسليم المتهمين الفارين أنفسهم للنيابة العامة لهروبهم خارج الأراضي الفلسطينية، وعدم تنفيذ مذكرات القبض والحضور ولاستدعاء بالنسبة للشهود. وبموجب القرار رقم (29) لسنة 2006، أنشأ النائب العام نيابة مختصة بمكافحة الفساد تخضع لإدارته وتعنى بالقضايا ذات الطابع السلطوي والتي تتعلق بالأموال العامة واستغلال النفوذ الوظيفي. وحدد النائب العام اختصاص نيابة مكافحة الفساد بمباشرة وتحريك الدعاوى الجزائية ذات الاختصاص النوعي، وحددها بالجرائم التالية: الكسب غير المشروع، الرشوة، اختلاس المال العام، التعذيب، التعدي على الحرية وحرمة المنازل، الإضرار بالمال العام، إساءة استعمال السلطة، غسل وتبييض الأموال، وإعاقة سير العدالة. ومنذ أن تشكلت تلك النيابة، تابعت القضايا التي كانت منظورة أمامها، وباشرت التحقيقات ورفع الدعاوى في الملفات المحالة إليها من مكتب الرئاسة، والمجلس التشريعي ومجلس الوزراء وديوان الرقابة المالية والإدارية، وأعادت فتح عدد من القضايا التي سبق وأن تم حفظها في السابق. وأصدر القضاء الفلسطيني عدة أحكام في قضايا فساد. ففي تاريخ 16/3/2009، أصدرت محكمة الصلح في مدينة رام الله حكماً بالحبس الفعلي لمدة سنتين وغرامة مالية مقدارها 100 ألف دينار أردني، على رئيس هيئة البترول الأسبق حربي صرصور، بتهم: استثمار الوظيفة والحصول على منفعة شخصية والاتجار غير المشروع، وإعاقة تنفيذ أحكام قوانين أو قرارات قضائية، أو جباية الرسوم والضرائب، فيما برأته من تهمتي الاختلاس وإساءة الائتمان لعدم كفاية الأدلة. وفي تاريخ 28/4/2009، أصدرت محكمة الصلح في مدينة رام الله اليوم حكمها في قضية فساد ضد وكيل مساعد وزير الداخلية سابقا “محمد عبد اللطيف أبو حجة” وزوجته وأحد أبنائه، حكما لمدة سبع سنوات مع الأشغال الشاقة، وتغريم المحكوم الأول بمبلغ 375 ألف دولار. وعرض رئيس نيابة مكافحة الفساد تفاصيل الجريمة التي ارتكبها أبو حجة، وذكر أنه كان “يشرف على الجمعيات غير الحكومية، وفي القانون الفلسطيني، فإن الجمعيات عندما يتم تصفيتها يتم التحفظ على أموالها حتى يتم تحويلها لجمعيات أخرى مشابهة، وبحكم عمله علم بأن جمعية القانون تم تصفيتها ولها أموال مترصدة فقام بإنشاء جمعية وهمية باسم جمعية حماية المواطن، ووضع زوجته كرئيسة للجمعية وابنه أمينا للصندوق، وقام بفتح حساب في البنك الإسلامي العربي، وقام بتزوير أوراق كاملة للجمعية، واستغل منصبه وقام بتحويل المبلغ الذي كان لجمعية القانون إلى حساب الجمعية الوهمية، وقامت المتهمة زوجته بسحب مبلغ 375 ألف دولار من حساب الجمعية الوهمية، واختلسوا هذه الأموال وخرجوا من البلاد”. وأشار التقرير السنوي الخامس لمنظمة الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” إن الواسطة والمحسوبية والتعيينات هي أكثر أشكال الفساد انتشارا في الأراضي الفلسطينية. وذكر التقرير أنه طرأ بعض التحسن في إدارة الماليات العامة في 2008، لكن الفساد في مجالات أخرى ما زال مرتفعاً. وأشار التقرير إلى حدوث تحسن الشفافية في التوظيف بالقطاع العام وطرح المناقصات العامة، لكن المحسوبية والمحاباة وسوء تخصيص الأموال العامة وإساءة استخدام المنصب العام ما زالت تؤثر على قطاعات كثيرة في المجتمع الفلسطيني. دور المجتمع المدني لعبت منظمات المجتمع المدني قبل إقامة السلطة الفلسطينية دوراً بارزاً في معركة التحرر الوطني، وعلى كافة الأصعدة، وكانت أحد الأذرع غير المعلنة لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأراضي المحتلة كون تأسيسها في البداية كان من لدن الأحزاب والفصائل المنضوية تحت لواء المنظمة. وما أن أقيمت السلطة الفلسطينية حتى كانت تلك المنظمات قد صقلتها التجربة، وتسلحت بقدرات مهنية عالية، وبعلاقات دولية واسعة اقتضتها، في بعض جوانبها، بيئة التمويل. وأصبح بعضها يقدم خدمات للجمهور تفوق المؤسسات الرسمية التابعة للسلطة والتي تتشابه معها في ميدان العمل، فضلاً عن فرض نفسها كمكون رئيس من مكونات (الدولة). وخلال السنوات الممتدة ما بين إقامة السلطة عام 1994 واندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، تمكنت منظمات المجتمع المدني من الإسهام بشكل فاعل في نشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في المجتمع الفلسطيني، من خلال دورات التدريب والمواد التثقيفية والتوعوية. ولعل الدور الرقابي الذي مارسته على أداء السلطة بفروعها الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، والتصدي للأخطاء التي اقترفتها السلطة في المجالين الإداري والمالي، وبخاصة قضايا الفساد، أمد تلك المنظمات بمصداقية عالية أمام الجمهور، وساعد بشكل أو بآخر في تحسين أداء بعض الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وبخاصة جهاز الشرطة المدنية. منذ بدأ الصراع بين الحركتين السياسيتين الكبريين في البلاد (فتح وحماس) وحكومتيهما سعت هاتان الحركتان لتجنيد (الجهات المحايدة) للاصطفاف إلى جانبها في معركتها ضد الخصم !! ولم تكن منظمات حقوق الإنسان بمنأى عن محاولات الاستقطاب والاستمالة من قبل طرفي الصراع. كما أنها كانت موضع الهجوم من قبلهما كلما سنحت فرصة لذلك. وهذا الأمر، أي الهجوم على منظمات المجتمع المدني ومحاولات الانقضاض عليها، ليس جديداً، بل إنه أمر اعتادت عليه منذ إقامة السلطة الفلسطينية. أعتقد أن منظمات المجتمع المدني استطاعت بهذا القدر أو ذلك، وقف بعض الإجراءات غير القانونية، إلا أنها فشلت في أمور أخرى، وهذا ليس من عيوبها، وإنما من عيوب السلطات الحاكمة، مثل: وقف حملات الاع

Be Sociable, Share!


التعليقات مغلقة حاليا