فضاءات الجليل/ مدونة الكاتب سميح محسن

إن التخيل عبارة عن استخدام خاص للغة وتصوير أحد أركان الشعر/ ابن رشد

قراءة في قصائد للشاعر سميح محسن

أكتوبر 21, 2012

ايمان مصاروة \\ الناصرة

قراءة في قصائدَ للشاعر سميح محسن
حين تتعانق الذات بالوطن والشعر
 

سميح محسن من الأسماء الشعرية الفلسطينية الكبيرة المعاصرة . من مواليد
قرية الناقورة / نابلس سنة 1956. نبت عودُه في الجيل الذي بنى الزمن الشعري
الفلسطيني الحديث .جيل عز الدين المناصرة ومريد البرغوثي وعلي الخليلي
وخليل توما ومحمد القيسي وأحمد دحبور وغيرهم. في هذا الجو الشاعري انطلق
الشاعر سميح محسن في مسرح الحياة، فابدأ دراسته الأولى في عمّان ، ثم أكمل
دراسته الثانوية في فلسطين . وبعدها نال الشهادة الجامعية في اللغة العربية
من جامعة بيروت، ثم اشتغل في الصحافة والإعلام مع مساهمات وفيرة في
النشاطات الثقافية والحقوقية، وأصدر عدة دواوين شعرية زاوج فيها بين
القصيدة الموزونة وقصيدة النثر ، وسيكون هذا المقال محاولة متواضعة للنفاذ
إلى عالمه الشعري، واستقراء ما في قصائده من مواضيع وهموم وجماليا.
 
لا نحتاج لوقت طويل لمعرفة طقوس شاعرنا سميح محسن في الكتابة الشعرية ،
وهي التي ترشدنا إلى رؤيته للكتابة وطريقته في إنتاج العمل الفني ، حيث إن
كل شاعر له طقوسه وشعائره التي توصل إلينا عصارة روحه وخلاصة مشاعره،
فللشاعر قصيدة بعنوان ” طقس الكتابة ” يكشف فيها للقارئ أسراره ويفضي إليه
بالخطوات التي يسلكها حتى يقبض على اللحظة الجمالية

يبدأ الشاعر في رسم طريقته في الكتابة فيقول

أُعَتِّقُ في جرارِ الليلِ موالاً
عناقيدَ الكلامِ
لأكتبَ الآنَ القصيدةَ دون قيد

وهي لحظة أولية في مسار كتابته القصيدة ، فهو يُنزل القصيدة منزلة الخمرة
فيعتقها في جرار الليل ، صديق الشعراء، الذي يسامره ويرعى نجومَه وهناك
يأتيه هاجس الكتابة وتنثال عليه المعاني ، وهذه عادة شعرية قديمة ، فكلنا
يتذكر الشاعر الجاهلي امرأ القيس الذي ألهمه ليله الطويل إحدى قصائده بما
أرخى عليه من هموم وأحزان
وليل كموج البحر أرخى سدوله = علي بانواع الهموم ليبتلي
أو قول شاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي وهو يفخر بصحبة الليل كما يفخر بركوب الخيل وامتلاك سيف الشجاعة وقلم البراعة
الخيل والليل والبيداء تعرفني = والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ولكن شاعرنا الذي افتتن بالليل كمنطلق للكتابة يضيف إلى جمالية اللحظات
الليلية بتشبيهه القصيدة بالموال الذي يتغنى به والخمرة التي يترنح بها ،
ويرتبط الليل عنده بالحرية المطلقة ، والشعور بالذاتية غير المحدودة ،
فلذلك يصرح بنشوته وهو يكتب قصيدته دون أي قيد يعيق انطلاق عصافير أحلامه .
إن الأفكار والبدايات والعلامات تتزاحم في ذهنه وهو ماض نحو القصيدة ،
وتلح عليه ، فلا يهدأ له بال إلا حين يخرجها إلى الضوء ، ويحقق بها متعة
القبض على المعاني الشاردة ، وله غايته في الكتابة ومخططه ورسالته التي
يريد بها خلق زمن شعري جديد

أريدُ الآنَ توليدَ المعاني من حكاياتٍ،
بداياتٍ،
نهاياتٍ،
دلالاتٍ
تؤثِّثُ للتفاصيلِ الصغيرةِ من متونِ النصّ
أريدُ الآن تحريرَ الحكاياتِ القديمةِ من تماثيلِ القداسةِ،
في الكتابةِ لي رؤى طفلٍ،
ورغبتُهُ الشديدةُ في امتلاكِ الوقتِ والألعاب،
ولي طقسٌ يماثلني تماماً،
كلّما حلّت فراغاتُ الهواءِ مكانَ أقلامي وأوراقي،
سأبني النصّ من عظمِ التفاصيلِ الصغيرةِ
هلْ تحرّرني قيودُ القصِّ

إنها عملية الخلق / توليد المعاني .أصعب عملية بدئية تواجه الشاعر لأنها
تجعله يستحضر أزمنة عديدة من الماضي والحاضر والمستقبل وما فيها من دلالات
ونتائج واعتبارات، كما يبنطلق من التفاصيل الصغيرة ليدخل النص ويؤثثه بدءا
من أبسط الملاحظات أو النظرات العابرة او المفاجئة التي سرعان ما تصبح كما
خطا الشاعر خطواته في درب القصيدة ذات أغصان وفروع ، وهكذا أهم المنجزات
الإنسانية كالاختراعات واللوحات الفنية والقصائد، تبدأ في التشكل انطلاقا
من فكرة صغيرة .تقتحم المبدع في أية لحظة وتكبر شيئا فشيئا .وللشاعر فلسفة
أخرى في الكتابة ، فهو يريد بناء كتابة جديدة لا تعترف بالقوالب المتعارف
عليها في التعبير والتي حوفظ عليها قرون إلى درجة التقديس ، فالشاعر يؤمن
بالحرية الإبداعية وبالخلق والابتكار لا بالتقليد ونسخ أنماط التعبير
المتوارثة. كما يتعامل مع الكتابة بروح ورؤية طفل مشغوف بألعابه، وليس هذا
بجديد على تفسير الكتابة الإبداعية ، فقد اشتغل عدد من النقاد على تعريف
الكتابة بأنها لعب ، بالمعنى الفني ، أي استراتيجية ترتكز على البناء
الجمالي ، وترتبط عند شاعرنا بالبراءة والعفوية والتدفق الطبيعي غير
المتكلف

ولأن الكتابة عنده ممارسة حرة نابعة من الذات ، أي من
عالمه الداخلي، فإن شعره يتسم بذاتية صريحة ، يحضر فيها ضمير المتكلم بشكل
جلي نحويا ودلاليا ولغوية ، فالمتكلم في أغلب قصائد الشاعر التي بين أيدينا
هو الشاعر ،نفسه، يتحدث عن ماضيه وحاضره ومستقبله ويروي معاناته وهمومه
ويتحدث عن طقوسه الحياتية والإبداعية وتمنياته وأحلامه،فيما يشبه المونولوج
أو الحديث الداخلي الذي يتردد بين الإنسان ونفسه، ولذلك جاء شعره من قرارة
ذاته واتجه إليها ، فاتخذ الشعر متنفساً وسط غبار هذا العالم ، يلوذ إليه
بين فرحة وحسرة وإخفاق وانتصار ويستمتع بمناغاة الكلمات المنثورة
وبالموسيقى الشعرية التفعيلية التي يتقن تلحينها ويتفوق فيها، وكل هذا تشي
به عناوين قصائده ودواوينه وبينها واحد عنوانه: ” رؤياي لي ”

ولكن مما يجدر بالذكر أن هذا التركيز التام على الذات عند الشاعر سميح محسن
لم يأت من فراغ ، بل له ما يعضده ويثير انفعلاتِه ، ولعل أبرزها نشوؤه في
خمسينيات القرن الماضي في وطن اقتُطع جزء منه ثم معايشته القريبة المباشرة
لنكسة 67 ، ومغادرته الوطن ، مع أهله، ليكابد الاغتراب .مما وسم شعره بحزن
فلسطيني عميق يمتزج فيه الألم والشكوى بحلم العودة. ففما نقرأ له في هذا
الاتجاه الذاتي

ضَيِّقْ مساحةَ شُرفتي
يا أيُّها البنّاءُ
أجلِسْني على حجرٍ
تَرَطّبَ من مياهِ النَبْعِ قبلَ جفافِهِ
اتركني أُنَبِّشُ تحتَ أوراقِ السفرجلِ
في خريفِ العمرِ عن مَثَلٍ قديمٍ
عن بقايا اسمٍ تساقَطَ
أو أضعتُ حروفَهَ في الصيّفِ
{في الصيّفِ ضيّعتُ اللبنْ}

في هذا المقطع يستعين الشاعر بمثل قديم هو ” الصيف ضيعت اللبن” يُضرب لمن
ضيع الفرصة وفوّت الغنيمة ،وفي أفعال الأمر هنا : ضيق/ أجلسني/ اتركني،
دلالة عن إحساس الشاعر بالعدم واستغاثته بكائن ينقذه من مرارة الواقع وقسوة
هذا العالم الذي رسخ فيه غرس فيه براثنه . كما نرى في لجوئه إلى استحضار
هذا المثل القديم حرصا من الشاعر على ارتباط الشاعر بذاكرته العربية
وتوظيفه بعض أنماطها القديمة في شعر حديث شكلا ومضمونا .، وفي هذا السياق
الذي بدا فيه استثمار المثل القديم ملائماً للحالة الفلسطينية المعاصرة
المتسمة بالتشرد والضياع والأسر

يا أيُّها البنّاءُ حرّرني
وأطلقني كعصفورٍ شريد
علَّقتُ ذاكرتي على أطرافِ داليةٍ
تَهجّت في الصباحِ طريقَها
في قلبِ سلسالٍ من الأفكارِ كالأفعى
وتاهَتْ في ثنايا الوقتِ،
والمعنى

انها ذاكرة جريحة مكتضة بالهواجس معلقة على دالية / شجرة كروم ، لشاعر يئن
من وطأة القيود ويتوق للحرية ، وليس هذا الشاعر إلا رمزاً موضوعياً للوطن
بشكل عام ، فكل ما يصدق عليه ينطبق على الوطن والعكس صحيح .كما أنه مسكون
بالأحلام والأماني المشروعة التي يستنير بها في الطريق إلى مدينته
عبّأت أحلامي الصغيرةَ
والكبيرةَ
من شعابِ الروحِ أمنيةً
ومَغْنى
في سلالِ القشِّ أحملُها على كتفي
مشاعلَ قد تضيء لي الطريقَ إلى المدينةِ في الزّحامِ

ولكن الطريق الى مدينته مفروش بالشوك ومخفوف بالمخاطر يقتضي صبرا وجلدا وقدرة على التحمل ومناعة ضد الأماني الخادعة وتزييف الحقائق

إنّ الطريقَ مليئةٌ بالشوكِ
والنخلِ المُلقّحِ بالأماني
والأكاذيبِ الكبيرةِ
قالَ لي:
{{إنْ جعتَ فاصبرْ، لا تهزّ جذوعَها
نَمْ فوقَ جوعِكَ،
واستكنْ}}

وهنا يعود الشاعر بذاكرته العربية الأصيلة فيستحضر الآية القرآنية الكريمة
: ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا، فكلي واشربي وقري عينا )
، فيستثمرها لتمرير فكرته إلى القارئ، وقد وظف عدة شعراء حداثيين مضمون
هذه الآية كل حسب شخصيته ورؤيته الخاصة ، وعند شاعرنا نجد النخل يملأ
الطريق نحو مدينته ، ولكن هذا النخل غير ملقح بكيفية طبيعية أي بشماريخ
حبوب اللقاح كما تجري العادة ، ولكن بالأماني والأكاذيب الكثيرة، وبالتالي
فلا فائدة من تحريك جذوعه ليتساقط ثمره رطبا جنيا . إنه الواقع المر الذي
يصطدم فيه الإنسان الفلسطيني بالشعارات الرنانة والخطابات العنترية التي لا
تسمن ولا تغنى من جوع وتجعل الوطن أبعد فأبعد . وهكذا يظهر الانطواء على
الذات جليا ، ففيها يتلمس الشاعر الخلاص، ويظل حلم العودة يسكنه دائما إلى
مرتع طفولته ومنبع ألحانه ومغتسل روحه

عدْ بي إلى بيتي القديمِ
أعيدُ رتقَ طفولتي
في صورةٍ مُثلى
ألوِّنها بماءِ النبعِ
والحنّاءِ
والورقِ المطرّزِ من حقولِ القمحِ
والدفلى
وأسمعني أنينَ الناي
صوتَ صبيّةٍ في ليلِ أغنيتي
أعدني للوطن

إلا أن تركيز الشاعر على ذاته ليس مطلقاً ، فهو ينكب أيضا على قراءة الهم
الوطني انكبابا ملموسا في بعض قصائده ، ولكن على أساس أنه جزء من همومه
الذاتية التي تفرض سطوتها عليه .نجد ذلك في قصيدته :” سلامي الأخير” وهي
إحدى المطولات التي يشتهر بها . حيث يتحدث فيها الشاعر كراو ينقل كلام
أفراد متخيلين بعد استشهادهم ، وهم يمثلون كل فئات الشعب الفلسطيني، ففيهم
الفدائية والفدائي والصبي الذي باغثته الرصاصات في ساحة المدرسة ، والفتاة
التي لم تعد عند الظهيرة ، والفتى الذي قتلوه عند الحاجز العسكري ، والعجوز
التي بعثرتها شظايا الصواريخ وهي تعد العشاء الأخير لأحفادها. وبصيغة
ملحمية يغلب عليها تكرار الفعل المضارع / تقول/ الذي يشي بقوة حضور الشخوص
يصور لنا الشاعر عرس الدم الفلسطيني المتفرع الشوارع الذي لا ينتهي على حد
تعبير محمود درويش ، والموت الفلسطيني هو حياة للوطن وباكورة الانعتاق ، لا
يقتصر على مسلمي الوطن بل يمتد إلى مسيحييها حسب ما تقرأ للشاعر وهو ينقل
حديث شهيدة

تقول الفتاةُ التي لم تعدْ في الظهيرةِ
لا تغسلوا عن جدارِ الكنيسةِ
بالماءِ، والزهرِ، لونَ دمي
دعوني أعلّقُهُ لوحةً فوقَ أسوارِ عكّا
لِتبعَثَه في الغياب

إن ذات الشاعر سميح محسن حسب ما استنتجناه من شعره مخلوطة من تراب الوطن
وأشجاره وثماره وفضاءاته ، فمهما ابتعد عن الوطن فهو يعيش فيه بروحه، ولا
يفارق عينيه لحظة واحدة ، وتتراءى له كل الطرقات والأرصفة التي مرّ عليها
حتى لكأن قلبه حمله إليها فظل هناك يعد خطاه قرب باب العمود ويمشى بجانب
أسوار المدينة

كأنّكَ يا صاحبي الظلُّ تتبعُني،
أعدُّ الخطى من حوافِّ الرصيفِ المقابلِ للبابِ،
بابِ العمودِ،
وأدخلُ في الطرقاتِ القديمةِ دونَ دليلٍ
هو القلبُ يحملني حيثُ قلبي
وأبحثُ عنّي هناكَ على حجرٍ
يتشبَّثُ بالسورِ
كالروحِ يغرسُني في أناي

وتظل ذكريات الشاعر في مسقط قلبه تعيش معه أينما حل ، فهو يتحسس الحجر
الذي في طرقاته عسى أن يتذكر معالم الأمكنة التي رأى النور فيها ، ويعيد
بحروفه تكوين أمكنته القديمة التي انكسرت وتناثرتْ في الذاكرة

على حجرٍ في الطريقِ أوسِّدُ ذاكرتي
أستعيدُ نصوصَ المكانِ،
الحروفَ التي بعثرتها الرياحُ على سطحِها
أعيدُ المكانَ
كما كانَ قبلَ انكسارِ الطريقِ
وقبلَ انكسارِ خواطِرِنا
وانكسارِ المسافةِ بيني وبينك،
أعيد إليّ رؤاي

إن الشاعر سميح محسن لا يفتأ يعزف على وتر الذكريات مصوراً أمام عينيه
مرابع طفولته وكل شخوصها مثل جده الذي يحمل له حبا خاصا يجسد فيه الأرض
وعطاءها وتاريخها

سيحملني الوقتُ فوقَ جناحين
بيتٍ من الشعر والذكرياتِ
إلى بيدرِ القمحِ في سهلِ حوران،
سيخرج جدّي من القبرِ منتشياً
ليُملي عليّ النصوصَ
كطفلٍ صغيرٍ مطيعٍ
ويأمرني أن أعدَّ له كأسَ شاي بلونِ الترابِ

هنا يبرز دور الشعر في حياة شاعرنا وفي تجربته الإبداعية ، حيث تؤكد
النصوص التي بين أيدينا أن الشعر يتجزأ في ذات الشاعر ويحقق لها الذاتية بل
يحمل طاقة سحرية تمكنه من الانتقال مكانيا وزمانيا إلى مرابع طفولته
ومراتع صباه حيث يعايش من جديد كل تفاصيل الزمن الماضي وأمكنته وشخصياته ،
وهذا ما عناه في قوله : سيحملني الوقت فوق جناحين بيت من الشعر والذكريات.
مما يبرز المنزلة الكبيرة التي يحتلها الشعر عند الشاعر ، وهي ايضا نفس
المنزلة التي يحتلها عند الشعراء المكابدين جمرة الحرف ، والسر في ذلك على
تعبير الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي هو أن ” الشعر هذه لغة ساحرة نتغني بها
ونهتز علي ايقاعها ونتصل فيها بالطبيعة ونملك الزمان والمكان ” ، ولذلك
يتحدث شاعرنا في عدة قصائد له عن مفهومه للشعر ورؤيته للدور الذي يلعبه
باعتباره وسيلة لتمرير معاناة الذات وتشريح القضايا الإنسانية . يقول في
إحدى قصائده الحماسية

دعوني أفكّك رمزَ القصيدةِ دونَ اعتراضٍ
{{ ومن ثمّ فلترفضوها}}
أمامي مباشرةً صورةٌ ينزفُ الدمُ من قلبها
كأنّ الرصاصةَ أخطأت الجالسينَ بشكلٍ دقيقٍ لنرثي القتيلَ
ونقرأَ أشعارَنا،
أو ندّسَ القصيدةَ في جيبِه احتراماً لوقتٍ نضيّعُه في الجنازةْ
ونمضي إلى شأننا غير مكترثين بحجم الفجيعةْ

هنا تظهر القصيدة في تعانق عنيف مع ذات الشاعر وهمومه الوطنية لذلك نستنتج من قراءتنا لشعره أن لكتابته ثلاثة انشغالات
1- الذات .2 الشعر . 3 الوطن

فالذات هي المحور والمرتكز في دائرة الشاعر ويقف الشعر على مسافة قريبة
منها لأنه الوسيلة التي تحقق الكينونة للذات أو تحقق ذايتها وتجلى أمامها
ضباب العالم والأشياء، بينما يحضر الوطن في هذه الدائرة كمكون ضروري لا
استغناء عنه إذ ان الذات تتوجه إليه والشعر ينغمس فيه ، فهو قلب الاهتمام
والقبلة التي تتوجه إليها الذات الشاعرة لتقلّب هناك مواجعها وتترنم
بأحزانها وتطير بأحلامها وأشواقها

على المستوى الفني نلاحظ في
قصائد الشاعر التي بين أيدينا مجموعة من السمات ، منها أن قصائده تتسم
بالوضوح والمباشرة وأحيانا التقريرية ولعل مرد ذلك رغبة الشاعر في تقريب
فنه إلى المتلقي ليصل إلى أذهان الجميع كيفما كان مستواهم الثقافي ، إذ أن
الشاعر لم يخاطب الجمهور من برج عاجي بل حرص على أن تكون قصائدة أداة
تنويرية وإحدى وسائل زيادة الوعي فلذلك استخدم ما يناسبها من لغة قريبة
شفافة . كما استخدم الشاعر بعض الرموز في قصائده ، مستوحيا إياها من البيئة
الفلسطينية كالنخلة والدالية والدفلى ، واستخدم أسماء المدن الفلسطينية
بكثرة كالجليل و عكا والناصرة والقدس وغيرها مما يجسد تعلقه بالوطن وانه
جزء لا يتجزأ من ذاكرته وكيانه، ومن السمات التي لا حظناها في القصائد التي
بين أيدينا استعمال الشاعر للأسلوب القصصي في نصوصه حيث يتحول إلى سارد
يستنطق شخصيات متحدثا بلسانها كما ظهر في أمثلة ذكرناها هنا من قبل أو
كقوله يقص بدقة عدة مشاهد متعاقبة تمر أمامه
تمرُّ الوجوهُ أمامي
دمٌ نازفٌ في الشوارعِ
سيّدةٌ في الزقاقِ
وطفلٌ يسابقُ صوتَها للميادينِ في زحمةِ الوقتِ
و(الوقتُ صوتٌ وصمتٌ وموتٌ وذكرى)
فتى لمْ يُتَمِّمْ هتافَ الشّعارِ (على شفتيّهِ صداهُ)
وصدرُ فتاةٍ تعرّى من السحلِ فوقَ النشيدِ
يُداسُ بأقدامِ جُندٍ أتوا من ثغورِ البلادِ
ليحموا حدودَ البلادِ (بفحصِ غشاءِ البكارةِ)
والاصطفافِ على شفراتِ الكلامِ

وفي القصائد التي بين أيدينا والمنتمية لشعر التفعيلة ،اعتناء واضح
بالجانب الجمالي والصور الشعرية ونغمية الكلمات لخلق إيقاع داخلي يوازي
الإيقاع الخارجي كقوله

أنا أوّلُ الأرضِ، قالت،
أنا أوّلُ الغيّمِ، والغيّثِ والشجرِ الجبليّ
أنثى الصخورِ، البلادِ، البحارِ، الجبالِ، الأغاني، الظّلالِ، العلَمْ
وأنثى بَعَلْ
****
يقولُ الفتى
كي يليق الكلامُ بطيّفِكِ
أَروى، وأثملُ
أصعدُ نَحوكِ
أصعدُ،
أصعدُ حتى يُلامسَ حرفي فضاءَكِ بارتياحٍ
وأغفو على صَدرِ لَيّلِكِ
مِنْ تعبي أستريحُ،
أنامْ …
***
وراءَ التلالِ الحكاياتُ تنمو كزهرِ الحدائقِ
أمضي إلى زهرةٍ تستَظّلُ بفيءِ الكلامِ الحميمِ
وأسعى
فلا الوردُ وردٌ
ولا الماءُ ماءٌ
ولا الظّلُ ظلٌّ
ولا اللّيلُ ليّلٌ
ولا أنتَ أنتَ
ولا أنتِ أنتِ

والأمثلة كثيرة لتقنيات التكرار والترديد والتصريع التي استعان بها الشاعر
لتقوية الصور الشعرية والموسيقى الداخلية . كما يقتبس الشاعر بكثرة من
القرآن الكريم والأمال العربية كما بنا في سطور سابقة من هذه الدراسة

هذه بعض الملاحظات على قصائد الشاعر المخضرم سميح محسن الذي يعد أحد رمز
الشعر الفلسطيني المعاصر ، حيث تتمثل في شعره روح فلسطينية خالصة بلورها ما
أصاب الوطن من ضياع وأسر وما يجده أبناؤه وهو أحدهم في الداخل والخارج من
هموم واغتراب ، فجاء شعره واضح التمثيل للحالة الفلسطينية المعاصرة شكلا
ومحتوى

سَماؤكِ أَعلى، وأَبْعَدُ

سبتمبر 24, 2012

سَماؤكِ أَعلى، وأَبْعَدُ،
منْ قِصّةٍ نَبَتتْ بينَ نافذتينِ
تُطلّانِ ليلاً على شرفتيّ عابِثيْنِ
على شفرةِ الانتظارِ…
القصيدةُ تَفتَحُ آذانَها للأحاديثِ،
تَسْتَرِقُ السّمعَ،
تختلِسُ الأغنياتِ
وتجري وراءَ التفاصيلِ حتى تكونَ
فتَرْصُدُ نجوى الفتى للفتاةِ التي أسْدَلَتْ ليّلَها خِلْسَةً
لَملَمَت طيّفَها من خيالِ تَخَفّى
وراءَ ستارةِ قولٍ مُشفّى
استعادتْهُ في ورقِ السولفان…

تئنُّ القصيدةُ من خَلَلٍ واضحٍ بالتفاصيلِ،
سَقْفُ القصيدةِ داليّةٌ تستريحُ
على صَدْرِ تُفاحةٍ في فناءِ الحديقةِ،
منها الكلامُ تَدلّى
قطوفاً على شَفَةِ الغيّمِ
يُمْطِرُها لُغَةً في اشتقاقاتِ جَذّرٍ،
ومعنى
تَنَدّى نبيذاً مُصَفّى
تُعَتّقُهُ الأمنياتُ على عَتَبَاتِ البحيّرةِ في جَرّةِ الأبجديّةْ،
يقولُ الفتى:
كي يليق الكلامُ بطيّفِكِ
أَروى، وأثملُ
أصعدُ نَحوكِ
أصعدُ،
أصعدُ حتى يُلامسَ حرفي فضاءَكِ بارتياحٍ
وأغفو على صَدرِ لَيّلِكِ
مِنْ تعبي أستريحُ،
أنامْ …

أنامُ،
تنامُ البُحيّرةُ لَيّلَتَها في هدوءٍ على عَتباتِ الجليلِ
وسِربُ النوارسِ يحرسُ نافذةً في الأعالي
سأفتحُ نافذتي باتجاهِينِ
{{شرقاً وغرباً}}
وأبني السلالمَ من وجعِ الأرضِ سُنْبُلةً للحمام…

هناكَ وحيداً سيصعدُ قلبي
أتأخذني الراعياتُ إلى عيّنِ ماءٍ تُغَذّي البحيرةَ
تغسلُ روحي
تُملّحها بالرمالِ
وتغسِلُها من شوائِبها
ثم تَنشُرها فوقَ غصنٍ يُطِلُّ على الغربِ
تمشي إلى مدنِ في الشمالِ
فلسطينُ لي
ولي نصفُ روحي هناكَ
تشاركني في اقتسامِ السنابلِ فوقَ فضاءِ القصيدةِ
تكتُبها في غيابي نشيداً
على صخرةٍ في الغمامْ…

أنا أوّلُ الأرضِ، قالت،
أنا أوّلُ الغيّمِ، والغيّثِ والشجرِ الجبليّ
أنثى الصخورِ، البلادِ، البحارِ، الجبالِ، الأغاني، الظّلالِ، العلَمْ
وأنثى بَعَلْ…
على صوتِ عرّافةٍ، استراحَ الرعاةُ قليلاً
وأصغوا لأقوالِها باهتمامٍ شديدٍ
وساروا وراءَ خيوطِ الدّماءِ التي رَسَمَتْ للبلادِ تضاريسَها،
صوتُ نايّ يُشكّلُ موجَ البحيّرةِ في غابةِ الموجِ
يَحفِرُ اسمَ البلادِ على صخرةٍ في الجليلِ
تقولُ:
هنا في شمالِ البلادِ
هنا مرّ أولُ مَنْ قُتِلوا في الحروبِ
التي رسَمَت للبلادِ حدودَ المنّاعةِ من بدعةِ الخوفِ
كي تحفظ الأرضَ اسما
ومعنى
هنا سوفَ يعبرُ آخرُّهمْ من جنونِ ضلوعي،
يَقصُّ جدائلَ شعري
{{ بمحضِ الإرادةِ، شَرطٌ لِمُهرٍّ سَيُولدُ مني، ويحملني للأعالي، إليّها}}
ويرفعُها فوقَ ساريّةٍ في رحابِ جداولِ روحي
يُعَلّقُها رايةً
كي أكونَ فلسطينَهُ
مِنْ هنا سوفَ يأتي
ويعبرُ طيفي
ويرسمني جدولاً في رحابِ البحيرةِ
يكتُبَني قصةً
فوقَ أعمدةٍ من رخام…

أنا،
أمْ فلسطينُهُ،
أمْ أنا يا رفاقُ فلسطينُهُ ؟!
تقولُ الفتاةُ التي أسْدَلَتْ ليّلَها خِلْسَةً
لَملَمَت طيّفَها من خيالِ الفتى
يقولُ: سأذهبُ فيكِ إلى أبعدِ ما سوف تحملُها نقطةٍ في النّص
تقولُ: أريدكُ يا عاشقي وطني
أقيمُ على ضفتيّكَ قلاعي
وأبني خيامي على نَجمِ ليّلكَ
كي أستظِّلَ بدفءِ القصيدةِ
ثمّ أطلُّ على أوّلِ الفجرِ من كُوّةِ الليلِ
أسْتَدرِجُ الشّمسَ فوقَ ظهورِ الخيولِ
على وقعِ سنبلةِ القمحِ
أسكنُ قلبَ القصيدةِ
تسكنُ قلبي بلادي فلسطينُ
ليسكنَ روحي السلامْ

اعتذار وعودة

سبتمبر 24, 2012

منذ فترة، ابتعدت عن مدونتي هذه، ولعل انشغالي في استخدام وسائل نشر أخرى، كان أحد الأسباب… أعتذر لجميع الأصدقاء على هذا الغياب، وأعدكم بأن أعيد لهذه المدونة مكانتها التي كانت… وللاسم الذي تحمله مكانته أيضاً، مع خالص محبتي
سميح محسن

مآلاتُ رجلٍ عالي القامة

مايو 15, 2012

{{في نقد تجربة أفتخر بأنني كنت، ولا أزالُ جزءً منها… هذه النصوص تُحفرُ جرحاً في داخلي، قبل أن تحفرَه في داخل غيري، لذا أرجو أن لا تغضبَ أحداً قد يظن أنها تعنيه شخصياً}}

(1)
ينامُ الرفيقُ على حزمةِ الايدولوجيا؛
ولمّا يفيقُ من القهرِ
يكتمُ صرخَتَهُ في زوايا كتابٍ قديمٍ
تآكلَ بينَ أيادي الرفاقِ الذينَ استماتوا لحفظِ معانيهِ عن ظهرِ قلبٍ؛
تباروا بتفسيرِ ألغازه في اجتماعٍ تَخطّى خيوطَ الصباحِ مِراراً
أتى في مساءاتِ أيلولَ حينٌ من الدّهرِ؛
ساروا وراءَ مصائرهمْ يبحثون عن الذّاتِ؛
في رحلةٍ للخلاص؛
فكانَ الذي صارَ؛
وصارَ الذي كان…

كُنْ أنتَ، لكن

أبريل 10, 2012

كُنْ أنتَ،
لكن،
فلتدعني أن أكونَ
كما تُشكّلني الرياحُ
على ضفافِ النهرِ طيراً
حالماً بالماءِ والأعشابِ
حينَ تمرُّ فوقَ فضائِهِ
سحبٌ موشاةٌ بأضواءِ السّماءِ
ونَجْمَةٌ حُبلى بألوانِ الغمام

كُنْ أنتَ دربَكَ
واتركْ الأنهارَ ترسمُ دربَها لي
مَسْلَكاً في الليلِ
أمشي في ظلالِ يمامتينِ
تعلّمانِ العاشقينَ جزالةَ الألفاظِ
في لغةِ الهوى
وسقايةَ الأزهارِ بينَ حديقتينِ
يَحُدُّ بينهما سياجٌ شائكٌ
أو غارقٌ في صمتِهِ
ورفادةِ الأشجارِ بالحنّاءِ
أسرارِ البلاغةِ والمعاني
في عناقيدِ الكلام

شيِّد قصوركَ في الأعالي
ظَلِّل نوافذَها بأغصانِ السفرجَلِ والعنب،
جَلّل ستائرَ ليّلِها بالضوءِ
لكن،
أعطِني ما أستحقُ من الهواء
لأبتني لي منزلاً في الحلمِ من سعَفِ النخيل
وأحتمي في حضنِ داليةٍ
وألتحِفُ الظلام

لكَ ما تريدُ من القصائِدِ
من أناشيدِ المديحِ
وأغنياتِ الليلِ يَخفِتُ صوتُها
يعلو
النشيدُ صدىً للروحِ
والجسدِ المغَطّى بالتَعَب،
وموسيقى الرعاةِ على شفاهِ الناي أغنيتي
ودَعْ طفلي يردّدُ في طوابيرِ الصباحِ
نشيدناَ الوطني
يُنْشِدُه على نايّ الرعاةِ
صدى لأنغامِ الحمام

لكَ ما تشاءُ من الرسائل والرُّسُل،
ولكَ المواعظُ
والتراتيلُ
القراءاتُ الحديثةُ في فضاءِ النّصِ
والغزواتُ
والرحلاتُ
والطرقاتُ
واتركْ لي نبيّاً واحداً لا غيرَ
يهديني إلى سربِ اليَمام

لكَ ما تريدُ من الحكاياتِ الحميمة،
لكَ أن تضيفَ إلى الأساطيرِ القديمةِ
ما تشاءُ إلى ذيولِ النّص،
ولي أنْ أقرأَ التاريخَ محمولاً على دَمِنا
أحرّرهُ من الألواح،
أعلّقُهُ على صدرِ القصيدةِ
فوقَ لوحٍ من رخام

قمرٌ سيهربُ من يدي
ويحطُّ في خطّ التّماس،
فإذا التقينا في المساء على حدودِ الخوفِ
سِرّ باتجاهي خطوةً
وأنا سأخطو باتجاهك خطوتينِ
فَهَلْ تبادلني المقام؟

وإذا التقينا صدفةً فوقَ الرصيفِ
أنَعْتَنِي في أمرِ سيّدةٍ
أضاعت ابنَها في الحربِ
نمسحُ دمعةً عن خدَّها
فالدمعُ أوجعُ من جراحاتِ السهام

لكَ ما تريدُ، ولي
ولكنْ،
في الصباحِ إذا التقينا في الوظيفةِ
فلتبادلني السلام

عذاباتُ حكاياتٍ ايرلندية

مارس 27, 2012

1) صباحُ بلادي

تُطّلُ فلسطينُ ممزوجةً في خيوطِ الصباح من النافذة؛

تحطُّ الحَمَاماتُ فوقَ سياجِ الحديقةِ آمنةً مطمئنة؛

كأنّي رأيتُ شبيهاً لها في سماواتِ حيفا

تُحَلّقُ،

ترسمُ خارطةً لِفَلسطينَ في أفقٍ صاعدٍ للسماءْ؛

كأنّ الحماماتِ يتبعنني من بلادي البعيدةِ

يَحْمِلْنَ لونَ حمامِ البلادِ

ويهدلنَ نفسَ النشيدِ

يحدّقنَ في لونِ وجهي

ولا ينصرفن

لهذا الصباحِ صباحُ بلادي…

Read the rest of this entry »

يا ليلُ

مارس 14, 2012

لغزةَ مقلةٌ تمتدُ من عينيّ امرأةٍ {{أسمّيها البلادَ}}

إلى ينابيعِ المياهِ تفجّرت من تحتِ إبطِ سحابةٍ

رسمت تضاريسَ الجليلِ،

وتعتلي نيسانَ،

تفرشُ أرضَهُ بالتوتِ والحنّاءْ

تفيضُ دماً

ودمعاً

كلّما مرت غماماتٌ محملةٌ بأطنانِ القذائفِ والمنايا

لغزةَ مقلةٌ تمتدُ من عينيّ امرأةٍ

تُمَشّطُ شعرَها في الليلِ

تصبُغهُ بماءِ الوردِ والدحنونِ

تغسلُ وجهَها بالرملْ

تُكَحّلُ عينّها بالنار والبارود

تفركُ جرحَها بالملحِ

كن برداً،

سلاماً

أيّها الملحُ المغطّى بالملاءةِ في مياهِ النهر

إذا لامسّتَ جبهتَها المصابةَ بالشظايا

أيا ليلاً يطوفُ فضاءَنا طولاً وعرضا

استَكِنْ في جحر ذئبٍ جائعٍ

واكتب نهايتكَ الطويلةَ كيفما شاءت لكَ الأقدارُ

والرغباتُ

انهضْ نافضاً عنكَ العواءَ على ضفافِ عقاربِ الساعاتِ

وارسمْ في الفضاءِ حمامتينِ

وشرفةً للبحرِ

فوقَ حُطامِ طائرةٍ تغيرُ على سريرِ النومِ

اخلعْ ليلَنا من جلدِ ليلكِ

وابتعدْ عنا قليلا

هل ستجعلُ مقلةَ امرأةٍ

تُشّعُ الشمسُ منها خيطَها الذهبيَّ

للأحزانِ في يومٍ مرايا؟!!

هنا في فلسطين …. إلى المرأة الفلسطينية في عيدها

مارس 10, 2012

على صدرِ آذارَ تنبتُ حنّونةٌ في مكانٍ قريبٍ من القلبِ

تحملُ ألوانَها في الطريقِ إلى شجرِ اللوزِ

يُزهرُ مُنتَشياً بالبياضِ

وملتحفاً بابتهاجِ الورودِ على صفحةِ العشبْ

يُشكّلُ للأرضِ صورتَها

كي تكونَ فلسطينُ فلسطينْ

سيُّنْبِتُ هذا النهارُ الورودَ على جبهةِ الأرضِ

يَصبُغُها بالرياحينْ

هنا في فلسطينَ

نهدي الورودَ إلى امرأةٍ في السجونُ

لأمِّ شهيدٍ

وأرملةٍ في صِباها

فتاةٍ تحاولُ أن تستعيدَ ملامحَ والدِها في الغيابْ

هنا في فلسطينَ

نكبرُ فوقَ الجراحِ

ونهدي حبيباتِنا وردةً في الصباحِ

أمامَ عيونِ الجنودِ الطُغاةْ…

سماء ثامنة / هند الياسر

فبراير 24, 2012

تقرأ العنوان..سماء ثامنة..ماذا؟!.. فتعود محملقاً فيه وتسأل بحيرة: إلى أين سيأخذني سميح محسن بنصوصه النثرية المغلفة بلوحة الصعود إلى السماء؟!
يبدأ الكاتب بإهداء غريب (قبل ثلاثين عاماً، كنا عشرة أصدقاء. قبل أيام كتبت رثاء التاسع منا، وكان رثاءً مربكاً بكل ما يحمله القول من معنى..) فينجح من البداية بإثارة شيء من الشجن في عمقك، وينقلك خلسة إلى ذاكرة المكان يتركك فيه متعجبا.. أتراني (نسيت الذاكرة)؟!..(من أزاح البيت عن الطريق؟!).

Read the rest of this entry »

أنا ذاهبٌ للحياةِ

فبراير 17, 2012

إلى الشيخ خضر عدنان في صموده الأسطوري أمام بطش دولة

أنا ذاهبٌ للحياةِ
أقولُ لهم،
ولكنْ،
{{إذا الموتُ مني دنا}}
سوفَ أحمي غيابي ببيتٍ من الشِّعرِ
بدايتُه منْ فلسطينْ
نهايتُه في فلسطينْ
وبينهما ما يردده القلبُ من صخبٍ
وصدى

أنا ذاهبٌ للحياةِ
دمي نبعُ ماءٍ تدفّقَ بينَ الزنازينِ
يصعدُ نحوَ البدايةِ
يسقي الشرايينَ عشقاً لأرضِ بلادي
ويروي سنابلَ قمحٍ
تضيء مساءات مرجِ بن عامرْ
وينثرُ فوقَ السنابلِ روحي
يُدثّرُ رفُّ حمامٍ سماءَ جنينْ
ويهدلُ في صوتِ أمي

تصيرُ أغاني الرعاةِ لصوتي
مدى

أنا ذاهبٌ للحياةِ
أضمّدُ جوعي بجرحي
وروحي مدادٌ لشمسٍ
تُلوِّنُ حَنّونَةً في جبالِ الجليلِ
تضيء زقاقاً قديماً تَعَتّم في قلبِ عكا
وتحمل حيفا على كفّها
تعيدُ إلى القدسِ معنى اسمها
تدغدغُ فوقَ سفوحِ الجبالِ
حقولَ الندى

دمي حبرُ حرّيتي وانعتاقي
سأكظُم بالروحِ
جوعي،
وأكتبُ فوقَ الملاءاتِ في صَفَدٍ
أنا ذاهبٌ للحياةِ
أصونُ بجوعي كرامةَ شعبي
أطهرها من شوائبها
من الذّلِ،
والقهرِ
أكتب أن الحياةَ بدونِ الكرامةِ
سوفَ تضيعُ سدى

16 شباط (فبراير) 2012