Archive for أبريل, 2015

التفاح الأخضر

الجمعة, أبريل 10th, 2015

من مقالاتي
التفاح الأخضر
سما حسن
دائماً ما أراه جالساً خلف المكتب بوجهه الوسيم المكتنز الناصع البياض بطريقة ملفتة، وكنت أنهى الإجراءات التي أحتاجها  دون أن أتطرق لأي حديث جانبي، ولكني كنت ألمح بعض الأسى من خلال أدبه الجم، حتى رأيته ذات يوم في أحد شوارع المدينة وهو يهم بقطع الشارع فاستغربت من قوامه غير المتناسق والذي لا يتناسب مع سنه ومع وجهه الوسيم، فقد كان ممتلئاً بدرجة ملفتة في محيط خصره بصورة لا تلائم الرجال الذين يمتلئون عادة من منطقة بطونهم، فبدا قوامه كقوام امرأة سمينة وليس قوام رجل، ولذلك وجدت تفسيراً لذلك الأسى والانطواء والتحفظ في تعامله مع الآخرين بصورة لا تعكس طبيعة عمره، فهو لازال شاباً في أوائل العشرينات من عمره.
لم يكن الاستنتاج صعباً علي أنه يعاني من سخرية من حوله وتندرهم فهذا دأب الناس عادة، وربما حاول أن ينقص وزنه بلا جدوى، وتخيلت معاناته النفسية من ملاحظات المراجعين ونظراتهم الصامتة أحياناً والتي تقتل أكثر مما لو تكلموا، فتعمدت أن أغيب عن المكتب لفترة طويلة، وحين عدت هللت بمجرد رؤيته وقلت له: أرى أن وزنك قد نقص، هلا خبرتني عن الريجيم الذي اتبعته لأني عبثاً أحاول أن أقنع ابني بانقاص وزنه، وهو يعرف ابني جيداً ولكن ابني بالنسبة له ممتلئا في تناسق، فرفع رأسه عن الأوراق وبدا مبتسماً وغير مصدق لما أقول، وشعرت أنني قد أدخلت بعض البهجة إلى نفسه، ودفعت أملاً إلى صدره، فأكملت حديثي: هل استخدمت التفاح الأخضر بمعدل ثلاث حبات يومياً أم ترى أنك قد داومت ك 8 على اللبن الزبادي فهو ينقص الوزن لأنه يحفز الهضم، وتابعت: ولا تخبرني انك تحتسي الشاي الأخضر والزنجبيل وتأكل حبات فردية من التمر، علاوة على تقليل تناول الخبز والمشي ساعة كل يوم……
ربما هي الطريقة التي نساعد بها الآخرين دون أن نجرحهم، ونقف بجوارهم في محنهم وعللهم النفسية، وربما بذلك لا نوجه النصيحة المباشرة الموجعة التي تضر أكثر مما تنفع، والتي توجه الآخرين إلى عيوبهم فلا ينظرون إلى ما في شخصياتهم من مزايا وما بداخلهم من ثروات لم يكتشفوها، هكذا تخيلت هذا الشاب الهادئ وقررت أن أساعده دون أن يشعر، خاصة حين علمت من صاحب المكتب أنه يرفض الزواج، ولم  أنتظر أن يفسر لي مديره سبب رفضه مجرد التفكير في الأمر خاصة أنه وحيد أمه المريضة وبأنها تريد أن تفرح بوحيدها قبل أن تموت، وهكذا أدليت له بالنصائح لإنقاص وزنه، فهو لا يستطيع لضيق ذات يده أن يلجأ لجراحة مكلفة وودعته وتركت بين يديه مفتاحاً ربما يستخدمه وتمنيت ألا يستسلم لكل من حوله الذين يشعرونه دوماً بأنه كائن لا يملك سوى محيط خصر بمقاس كبير يشبه محيط خصر النساء.