سروال أبو سليم ” من يوميات امرأة محاصرة في غزة”
أقف كعادتي كل صباح في انتظار بائع الخبز” الفينو” وتهرع إلي جارتي الأرملة لنتبادل أحاديث سريعة وهي تضع على رأسها الخرقة التي ترص فوقها العجين هذه المرة،وتسألني للمرة الألف: لماذا يضع لك البائع الخبز في كيس فيما يضع لي خبزي في يدي؟ أضحك من سؤالها لأن البائع اكتشف بالتعود أنها تلتهم الخبز خلال المسافة التي تقطعها من عربته لباب بيتها ولا يتبقى في يدها سوى رغيف واحد تحشوه بالجبن لابنتها قبل أن تذهب للمدرسة، فيما أنا فأضعه على طاولة الطعام على أمل ان يشفق عليه أولادي ويتناول كل واحد منه نصف رغيف قبل خروجه لمدرسته او جامعته والف كل البيت وراء الصغيرة حتى تقضم قضمة من الرغيف.
وذكرتها أمس بحادثة وقعت قبل سنوات يوم ان دبت ” طوشة” بين الجيران وخرجت وهي تضع سروال زوجها فوق رأسها، وقلت لها: لماذ وضعت سروال الرجل وفضحتيه؟ أجابت: كنت أريد اللحاق ب” الطوشة” منذ البداية حتى لا تفوتني شاردة ولا واردة.
ربت على كتفها بود وضحكت قائلة: ولكن خروجك بهذا الشكل جعل الجيران يتركون متابعة ” الطوشة” وينظرون لسروال زوجك ويهتفون باسمه وظلوا لأسبوع كامل كلما ذكرت أحداث ” الطوشة” يحلفون بسرواله ويستشهدون بك قائلين: وقد شهدت أم سليم الطوشة بدليل أنها كانت تغطي راسها بسروال زوحها…..
نضحك سويا ثم تتركني جارتي وانا أشعر بالاسف على حالها، فمنذ سكنت الحي وانا اراها على نفس وتيرة الفقر والبؤس، فيما يزداد جيراني على الجانب الأيمن من بيتي ثراء، يزداد جيراني على الجانب الأيسر بؤسا.
يقع الحي الذي أعيش فيه على شكل مربع ينقص ضلعا، ويقع بيتي في الجهة المقابلة للضلع الناقص ، فيما يقع على يمين بيتي صفا من البيوت الفارهة لأثرياء ازدادوا ثراء في سنوات قليلة، ويقع على يسار البيت صفا من البيوت البسيطة المتواضعة التي انهك اهلها الفقر، وأصبحت بيوتهم على مر السنين لا تحمي من برد ولا قيظ.
طالما شعرت بالشفقة على جيراني الفقراء واطلقت ” كما أخبرتكم سابقا” على الحي لقب الحارة اكراما لهم، ولكني لم أخل من نقمة عليهم وانأ أتخيل حين أقف في شرفتي أن خريطة العالم مرسومة أمامي ممثلة بهذا الحي، فهناك الدول العظمى التي تثرى على حساب أحلام البسطاء، هذا هو التعبير الموجز لما يعانيه العالم من ويلات وكوارث، ويتمثل ذلك واضحا من تصرفات أهل الحي الأثرياء نحو الفقراء.
ولكني انتصر دوما للفقراء واصادقهم وأزورهم واودهم، ولا أصنف نفسي مع الاثرياء الذين تضخمت ثرواتهم بعد انشاء الانفاق ما بين مصر وغزة واتساع التهريب عبرها ،وقيام هؤلاء بانشاء المشاريع الضخمة لاولادهم مثل المنتجعات السياحية التي غزت شاطيء بخر غزة كنوع من عمليات غسيل الأموال غالبا، ويشبه ما حدث في غزة في هذه الفترة ماحدث في مصر أيام السادات وما أطلق عليه طبقة ” القطط السمان” والتي أثريت فجأة نتيجة لسياسة الانفتاح القتصادي التي انتهجها السادات.
شعوري بالأسف على جارتي وامثالها لا يخلو من النقمة عليها كما قلت ودائما ما كنت أعنفها بقولي: كيف تسمحين لبناتك الأربع أن يتزوجن أولاد أعمامهن وينجبن أطفالا مشوهين ، وكيف تسمحين لابنك بالمثل ان يتزوج ابنة عمته وينجب اطفالا يعانون من عيوب خلقية بالقلب وضمور بالمخ، وكانت ترد: يا أختى نحن أقارب ولذلك يكون” زيتنا في دقيقنا” يعني هذه زيجات لا تكلف شيئا……
اصرخ بها واقول : ولكنك تحكمين على جيل قادم أن يعيش ما تعيشينه أنت وأولادك من فقر ومرض وتخلف ، فيما هؤلاء ،وأشير بيدي في غل نحو البنايات الفارهة يثرون ويتطاولون في البنيان ويدوسون علينا ……….
لا ترد جارتي ، وقلة حيلتي تقتلني ولكن حين ترسل جارتي زوجة المقاول المليونير في طلب بعض أوراق الريحان” الحبق” لتضيفها ل” تقلية البامية” فأنا اعطيها ورقتين فقط، فيما أنزع أوراق شجرة كاملة وأعطيها لجارتي وأتمنى لها طبخة بامية شهية………………

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash