Archive for سبتمبر, 2009

كعك العيد”من يوميات امرأة محاصرة”

السبت, سبتمبر 19th, 2009

يقترب العيد، ويزيد إلحاح الصغار: مامابدنا تعملي كعك…….

معنى كعك العيد الذي أصنعه في البيت والذي يحمل لي الذكريات، كما يحمل لي بعض التعب والإرهاق، وطبعا هناك إرهاق ميزانيتي بتكلفته العالية من سمن ودقيق فاخر وتمر وغيره.

أجلس كربة بيت محترفة ، وأفترش صالة البيت الواسعة، بعد أن أزيح الأريكات المصفوفة، وأضع على الأرض المعدات اللازمة لاعداد الكعك من صواني الفرن ،والقوالب وغيرها، ويلتف حولي صغاري، وأضرب كل واحد ضربة خفيفة على يده لو حاول أن يمسك بالعجين المبسوس في وعاء كبير، واطلب منهم فقط مساعدتي في تشكيل التمر المطحون بعد ازالة النوى، أطلب منهم تشكيله على شكل حبال……طويلة……

ويطول شريط الذكريات معي وأنا أتابع حركة يد طفلتي الصغيرة، وهي تلف التمر المطحون لحبال طويلة كما طلبت…

جدتي لأمي ، وحين كنت في الثامنة تحديدا، تجلس في ركن من مطبخ أمي، وتعد لها الكعك فيما ينطلق صوت الرصاص هنا وهناك، وتعد لنا المعمول، وتطلب منها أمي أن تضرب قالب المعمول بأناة حتى لايرتفع صوته مع صوت الرصاص، ويشكلان قالبا من الرعب……

ربما تختزن ذاكرتي الكثير من الذكريات أكثر مما يتوقع من ذاكرة الطفل، فالسنوات العشر من عمري تحمل الكثير والكثير، أكثر مما تلاها ، وهي تلك السنوات التي عاشرت فيها جدتي لأمي وجدتي لأبي، وأتذكر أدق التفاصيل، حتى تفاصيل جسد جدتي، والتي كانت تدخلني معها الحمام لكي أسكب لها الماء من ال”القازان” وهو وعاء معدني كبير كانت جدتي  تضعه على البابور لتسخين الماء، وأسكب منه القليل على ظهرها مستخدمة كوبا صغيرا اسمه” الكيلة”.

كعك العيد بالنسبة لي جدتي وهي تعد الكعك في العام 1979، ثم في العام الذي تلاه  تجلس أمي وخالتي في نفس المكان الذي جلست فيه جدتي لتعدان الكعك ، ويتبادلان البكاء والنهنهة على روح جدتي، نعم فقد توفيت جدتي فجأة في يوم شتوي، لأجد أمي حريصة على إعداد الكعك وتوزيعه على روح جدتي في أول عيد يمر بعد وفاتها، والغريب أني لم أتذوق كعكة واحدة من الكعك الذي أعدته أمي على روح جدتي، واعتقدت أني سأموت وألحق بجدتي في حفرتها المعتمة لو تذوقت من ” كعكها، وأيضاً لم أتذوق الطعام الذي أعدته أمي والمكون من الأرز واللحم ووزعته علىالفقراء والجيران حسب ماجرت عليه العادة في ذلك الوقت…….

ملأني منذ الصغر الاحساس المبهم من الخوف من الموت، وحين كبرت سخرت من سذاجتي، وعرفت ان من يأكل من الولائم التي تقام للميت، ويلتهم من كعكه لا يموت وإلا لمات كل جيران أمي الذين وزعت عليهم أكثر من ألف كعكة على روح جدتي…….

كعك العيد بالنسبة لي ذكريات حزينة لأن جدتي ذات الشعر الفضي، والجمال الملائكي ماتت مبكراً ، وأسرع مما توقعت، ولكنه يحمل ي السعادة وأنا أرى صغاري يلتفون حولي ويشاكسون ويلهون بقطع صغيرة من العجين، فابنتي نونو تشكلها على شكل وردات صغيرة وعرائس، ابني الصغير يشكلها على شكل فارس يحمل سيفا، وأخرى على شكل حصان….

غدا”خاطرة”

الجمعة, سبتمبر 18th, 2009

 

غدا سيفرغ القلب من الأحبة

غدا سيغدو كبيت خرب

غدا ………سيرتاح…….إلى الأبد

غدا

سيعود إلى عقله

سيثوب إلى رشده

ويراجع حساباته

ويعترف بخط دام وتوقيع راجف: أنه عاش كل العمر……….. في  خداع

غدا

ستختفي به كل الألوان

ستبهت الأحلام

الوردية والبنفسجية

وسيقى به……..طعم المر ورائحة……… الخداع

غدا

سيغدو  قويا

سيصبح فتيا

سيقى ذكيا

لأنه لن يبقى في داخله………مكاناً لإنسان

غدا

سيضع الجميع على الجدران

سيعلق صورهم كما الأشباح

وسيجعلهم ينتظرون………إذن السلطان

وسيصلبون ويموتون

وهم لن يجدوا بداخله مكان……….

غدا……..سيأتي……..

وإن غدا لناظره ……..قريب

هل أخسر صديقتي؟” من يوميات امرأة محاصرة”

الأربعاء, سبتمبر 16th, 2009

صديقاتي الأثيرات قلة، وهذه الصديقة هي طبيبة مشهورة، ورغم أنها تكبرني سناً بأعوام كثيرة، إلا أن صداقة تربطنا بدأت بعلاقة طبيبة بمريضتها لتنتقل إلى طور العلاقة النسائية حول الأكل والطبخ والأزياء، ثم استعراض المشاكل الزوجية، وأخيراً اصبحت علاقة عائلية خاصة حين انضمت لها ابنتي وابنتها  وهما في سن واحدة، وتبادلناالزيارات والهدايا والمكالمات التي كانت شبه يومية رغم اشنغال الطبيبة….

مرت سنوات هادئة على علاقة كنت بداخلي أعتبرها غير سوية أو متعادلة،ربما لأن علاقة الطبيب بالمريض تأخذ منحى التعاطف من ناحية المريض، ولكني كنت أحاول أن أخرج من هذا الاطار او حتى أن نقنع نفسي بأن ذلك خطأ، خاصة أمام تواضع طبيبتي وطيبتها وبساطتها……

أصبحت علاقتنا العائلية قوية، وتبادلنا الأسرار وفتحت لي صديقتي قلبها وبيتها، ورأيت الجانب الآخر من حياتها، لأكتشف أسوأ ما اكتشفت وهو ضعف شخصيتها أمام……..ابنتها

ربما عزوت ذلك في البداية لانشغال طبيبتي بعيادتيها، وبعدها عن بيتها، مماأتاح الفرصة لابنتها وهي بالمناسبة أصغر بناتها لكي تفرض سيطرتها على البيت كله وليس على صديقتي كأمها فقط.

انتهى العام الدراسي الماضي وابنتي وابنتها في مدرسة واحدة، وكانت ابنتي لاتبخل على ابنتها بأي طلب لأن ابنتي متفوقة بدرجة عن ابنتها المتفوقة أيضاً، ولكن ما إن حل العام الثاني وأصبحت ابنتي في الصف الحادي عشر القسم العلمي، حتى ألحت بانه صديقتي لتصبح هي وابنتي في فلصل واحد.

شكلت زيارة سريعة لناظرة المدرسة ورجوتها أن تستديب لأمنية زميلة ابنتي القادمة ، وأصبحت ابنتي وابنة صديقتي في فصل واحد……..

في الأيام الأولى من العام الدراسي فاجأتني ابنتي بتصرفات صديقتها الجديدة، فهي كما قالت ابنتي حساسة لدرجة كبيرة، وغير اجتماعية، وتحب ان تستأثر بابنتي كصديقة وحيدة لها وتبعدها عن باقي صديقاتها.

هذا مارفضته  ابنتي التي تتبع نصيحتي بألا تخصص صديقة واحدة، وتعتاد على الجو الاجتماعي عملا بنصيحتي” عاملي الجميع كصديقات وليس حميمات”

ونصيحتي الأخرى: أحبي بس من زقاق القلب وليس من صالته الرئيسة؟؟؟؟؟؟؟

المهم أن ابنتي أصبحت المدرس الخصوصي لابنه صديقتي وأصبحت تساعدها في كل ما استعصى عليها، وطلبت منها أن تستجيب لها في كل طلب حتى نحافظ على علاقتنا مع أمها العزيزة…….

لتعود ابنتي ذات يوم ووجهها يحمل  كل آيات الاستغراب، وتقول لي: ماما غريبة هذه الصديقة؟

قالت لي: لو أخطأ أحد بحقي أو أساء لي ولو بدون قصد فأنا أحقد عليه طول عمري ، وأقاطعه……

ووضعت يدي على قلبي كما يقولون، وتوقعت أن صداقة ابنتي وابنة صديقتي على  شفا هاوية، وبالفعل إن هي إلا أيام حتى اشتركتا سويا عند مدرس خاص لتلقي دروس الفيزياء، واذا بهما تختلفان حول  جدول حصص المدرس، ولذلك قصة اختصارها أن  ابنتي قد وافقت على اجماع بقية الزميلات على الموعد الذي حدده المدرس، والذي يتماشى مع ظروفه، ولم يلق اعتراضا إلا من ابنة صديقتي…….

وغضبت ابنة صديقتي من ابنتي لأنها لم تشاركها الاعتراض، علما بأن كل المواعيد مناسبة لابنتي، فهي متفرغة تماما لدراستها والحمدلله، ولن تعود “لشغل البيت” مثلا……..

وثارت وهاجت ابنة صديقتي……..

وروت لي ابنتي ماحدث….

وثارت صديقتي لثورة ابنتها ثورة غير معلنة، وهي تطالبني بماسج قصير أن أرد لها آخر مبلغ اقترضته منها، وهي تعلم جيدا ظروفي المادية الصعبة، وبأني لم أتسلم مستحقاتي من جهة عملي بعد…….

ماسجا قصيرة، شعرت أنها دمرت كل مابنيته من سنين؟؟؟؟؟؟؟؟

أم أنني قد بنيت الوهم

تخيلت اني لو تحدثت مع صديقتي ، أنها سوف تسمعني بأذني ابنتها

وأنا لست مستعدة لأخسر ابنتي ، وكرامتها، وهي تعلن أنها لم تخطيء، بل تنازلت كثيرا لارضاء……….ابنة صديقتي

لا أدري ماذا أفعل؟

وبانتظار ردودكم

هل تعلمون” خاطرة”

الإثنين, سبتمبر 14th, 2009

هل تعلمون أني………

أني كنت كلما كسرتني الأيام

أحاول الوقوف من جديد

لكني الآن لن أحاول

لم يعد الوقوف يجدي..

لأني أصبحت بلاقدمين…….

ولم تعد أمامي خطوة جديدة أبدأ بها…….

هل تعلمون؟؟؟؟؟؟؟؟

أني في كل ليلة

أتسلق جبال النسيان

وألقي بذاكرتي من أعلى قمة

في الجبل

أريد أن أنسى عجزي وضعفي…..

اريد أن أنسى أني امرأة في زمن شرقي

لا يعرف الاتجاهات……سوى الشرق

ولكني أكتشف أني بكامل قواي العقلية…….

وأنني لازلت في الشرق حيث تصفع النساء على وجوههن

لأنهن…………نساء

هل تعلمون؟؟؟؟؟

وهل تعلم؟

أني في كل يوم أنتظر قدوم

الليل بفارغ الصبر

كي أضع رأسي فوق الوسادة 

وأحاول أن أخبر نفسي بأني قوية……. 

وأدفن وجهي في صدر الظلام

وأتخيل أني أصبحت “سوبرمانة” ببدلتها الزرقاء

وحرملتها لاطائرة خلف ظهرها

وبأني قد أنقذت كل المعذبات في الأرض

وأسكنتهن واحة بعيدة…….

وإذا بي أفيق

على قيدي

وعجزي وضعفي

فأبكي بحرقة..لا يدرك

عمقها سواي..

صغيرتي وأنا”من يوميات امرأة محاصرة”

الأحد, سبتمبر 13th, 2009

ابنتي الصغيرة ابنة الثامنة من عمرها، ولكن عمرها اكبر بكثير من ذلك، ذكية لدرجة ملحوظة، ولكن الأدهى من الذكاء هو أنها حساسة، حساسة وسريعة الخدش كمرآة فضية مصقولة.

منذ يومين كنت أتكور على الأريكة كالعادة حين تحاصرني مشكلة، وكانت مشكلة الأعباء المادية قد حاصرتني ولازالت، تأخر وصول مكافأتي المادية من الجهة التي أعمل لديها على غير العادة، وتراكمت الديون علي……..

هناك ديون السوبر ماركت

وديون بائع الملابس

والجزار

وحتى الصيدلية……….

كنت أفكر وأفكر، بهذا الهم النهاري الملازم لي، وأدعو الله أن يفرج همي، حين جاءت الصغيرة وفتحت كفي ووضعت بها بضعة شواكل…….

أفقت من شرودي ودعائي على صوت القطع المعدنية الصغيرة وهي ترص في كفي،فقلت لها في استغراب لايخلو من المفاجأة:شوهاد يانونو؟

قالت ببراءة:ولااشي

ثم أردفت وهي تلقي بجسدها الصغير فوق ركبتي، وتطوق رقبتي بذراعيها الرقيقين: أنا صار لي من أول  رمضان ما بأصرف شي من مصروفي

وهيني حوشت  هدول، خديهم ياماما…….

ودبري حالك فيهم لتقبضي…………..

صغيرتي وصغاري جميعا يحاصرونني بحبهم وتمسكهم بي، وكأنهم يقولون لي: سنبقى معا في قارب واحد

ابني الصغير قال لي وهو يصرخ ويبكي: انتي احتملتي 17سنة مع بابا

ظلو وغلب وهم

مش قادرة تستحملي كمان نصهم لنكبر ونعوضك كل شي…….

أسقط في يدي ، كما يقولون

يجب أن أصبر وأحتمل

من أجل كل هذا الحب……..

العتال”قصة قصيرة من كتاباتي”

الخميس, سبتمبر 10th, 2009

 

التقط من تحت وسادته المتّسخة البالية، قصاصة الجريدة التي يحتفظ بها منذ زمنٍ بعيد.. ونظر إليها ملياً وتنفّس بعمقٍ مراتٍ ومراتٍ وهو ينظر إليها, ثم أعادها إلى مكانها بحرص، حتى لا يُحدث فيها تلفاً أكثر, كان يُحافظ على القُصاصة كما يُحافظ على شرفه وعرضه، ويودّعها كلّ فجرٍ قبل أن يغادر إلى عمله المُضني، كما يودّع الأمير عروسه قبل أن يغادر إلى الحرب. لا زال يذكر كيف وصلت هذه القصاصة إلى يده، فقد كان يوصل بعض البضائع إلى الجزّار، فلفت انتباهه كومة الجرائد التي يضعها على القطعة الخشبيّة الضّخمة المُلطّخة بالدماء الجافة, كان يستخدمها في لفّ اللحم الذي يبيعه لأهل الحارة، ولم يكن طبعاً ممّن يملكون ترف التفكير في أن يُصبح زبوناً عنده، يشتري بعض اللحم، ويحمله تحت إبطه، ويهرع إلى زوجته لتعدَّ له طبقاً من الفتّة أو الثريد… ولكنّه حصل على هذه القصاصة, كانت تحمل صورة امرأةٍ حسناء شبه عارية، يتدلّى ثدياها من ملابسها المُثيرة, أعجبته الصورة، وخاصّة حين أمعن النظر في شفتيها وثدييها, شعر أنّها توجّه له رسالةً سريّة غامضة, أو أنه بمجرد أن أصبحت هذه الصورة في يده، فقد أصبحت صاحبتها امرأته التي يضاجعها كلّ ليلة، بعد عناء العمل في مُجمّع توزيع المعونات الغذائية التابع للأونروا.. ثم يودّعها بنظرةٍ طويلةٍ يتبعها بنفسٍ عميقٍ يعبّه إلى صدره وكأنّه يُقبّلها قبلة الوداع..

كان واثقاً أنّه لن يظفر في حياته بامرأةٍ مثل هذه، أو حتى بامرأةٍ مثل جارته العانس المُتصابية، والتي تقف طوال النهار أمام بيتها على مدخل الحارة، حتى بات يعتقد أنّها لا تملك بيتاً في الداخل، ولكن تملك باباً يسنده جدار, كانت لا تكفّ عن الغمز واللمز، لكلّ رجل يمُرّ من أمامها، وبالطبع، لا أحد يفكّر في الالتفات لها… دميمة إلى درجة مقزّزة، ولكنّها تكفّ عن الغمز واللمز، بمُجرّد أن يمرّ من أمامها… كان يعرف أنّها تُفضّل العنوسة ووقفتها تلك، على رَجُلٍ مثله.. وتمطّ شفتيها المائلتين إلى السواد وتشيح بوجهها، وكثيراً ما تُردّد: يا فتّاح يا عليم.. كان بودّه لو صرخ في وجهها قائلاً: حتى أنا لا أفكّر فيك…عندي امرأةٌ لا تصلحين جاريةً لها.. امرأتُه التي تحت الوسادة، والتي يغادرها في الفجر وهو حزين مُطرق.. لينغمس بغبارِ السيارات الضّخمة، والدقيق المُتطاير من الأكياس المُتلّلةِ فوقها، في عملٍ متواصلٍ لا يحصل في نهايته إلاّ على قروشٍ قليلةٍ يشتري بها بعض الطعام..

أبلغه المدير في اليوم السابق أن هناك حمولةً ضخمةً من المعونات ستصل إلى مركز التموين، وعليه بالتّبكير في الحضور.. كان يُبلغه وكأنّه سيتسلّم هذه الحمولة لنفسه، ويضع ثمنها في جيبه… ضحك بسخريةٍ وهو يعلم أنّ حمولةً ضخمةً تعني تعباً مضاعفاً ومجادلاتٍ ونقاشاتٍ مُملّة، وبلا طائلٍ مع النساء اللواتي يَفِدنَ من الفجر إلى المركز لتسلّم مُخصّصاتهنّ، وأحياناً يجدُهنّ قد سبقنه في الوصول, ينظر إليهنّ وهنّ في زحامٍ قاتلٍ للوصول إلى شبّاك تسلّم البطاقات, هذه تسقط على الأرض فتنكشف ساقها, وتلك ينزاح غطاء رأسها فيبرز شعرها.. قليلاتٌ هنّ النساء اللواتي يملكن بعض الجمال، مثل امرأته التي يتركها في غرفته الحقيرة, سرح في خياله بساقِ امرأةٍ وقعت على الأرض في الشهر الماضي.. كانت بيضاء, مُلتفّة, شعر برغبةٍ جارفةٍ، ولم يُسيطر على نفسه وهو يهرع نحوها ليساعدها على النهوض, تُرى كيف يكون ملمس السّاق الملتفّة من الخلف.. خلف الرُّكبة بالتحديد, اعتصر في تلك اللحظة أصابعه وهو يتخيّل أنه يعتصر هذا اللحم الشهيّ, نهضت المرأة هي تسبّ الفقر والعازة، وتسبّ زوجها النائم في البيت، والذي يقذف بها إلى هذا الموقف كلّ شهر, المرأة الوحيدة التي لمسها في حياته هي أمّه رحمها الله، وربما لمسها لمرّة وحيدةٍ أيضاً, كان يعتبر جسد المرأة وكأنه مجسّم مُحرّم عليه لمسه, ولو كان يملك المال مثل أولاد الجيران الذين كانوا يلعبون معه وهو صغير، ثمّ انفضّوا من حوله عندما كبروا وأدركوا أنه ابن عتّال سابق، وسيصبح عتّالاً، ولم يلبثوا أن تزوّجوا قبل أن يتّضح اللون الأسود الغامق لشواربهم, ويرى أطفالهم وهم يلهون في الحارة, كان جسد أمّه لازال دافئاً بضّاً وكأنّه يتمسّك بالحياة, أمعن النظر بعينٍ دامعةٍ إلى وجهها، واكتشف جمالاً غابراً فيه, مدّ يده إلى ضفيرتها الفضيّة وهو يرتجف، ووضعها إلى جانب عنقها بعد أن لثمها.. كانت رائحتها لا تُوصف! وربما ذكّرته برائحة الرحم المليء بالسائل الهلامي الذي حماه جنيناً, انه يعرف هذه الرائحة جيداً ويتحدّى أيّ امرأةٍ أن تنتج غددها مثلها, ماتت أمّه وتركته وحيداً في غرفة حقيرة يقضي ليلته مع صورة، ويقضي نهاره في مجادلاتٍ ومساوماتٍ لا تنتهي مع هؤلاء النسوة, تبّاً لهنّ. صرخ من أعماقه: انه يحمل حمولاتهنّ من عربة النقل الضخمة إلى البوّابة الخارجيّة لمركز التوزيع ويضعها على عربة الكارّو التي تختارها صاحبة الحمولة بعد جدال ومساومة أيضاً مع صاحب العربة وبعد هذا المجهود يبخلن عليه بقطعةٍ فضيّةٍ صغيرة، وكثيراً ما يمنحنه حفناتٍ من الدقيق أو الأرز بدلاً من المال.

 

كان الزّحام شديداً في ذلك الصباح والنسوة يتكالبن في همّةٍ ونشاطٍ إلى الشباك الخشبي الصغير المدهون باللون الأزرق, تخيّل شباك توزيع البطاقات كأنه باب الجنّة، التي تتسابق إلى دخولها النساء, منّى نفسه بأن يرى ساقاً ملتفّةً عاريةً من الخلف، كما حدث الشهر الماضي، ولا إرادياً بدأ ينظر إلى أسفل، حيث السيقان والأقدام المتسابقة، حين لفت نظره شيء يلمع على الأرض المُغبرّة بالدقيق والمندّاة بقطرات ندى متفرّقة.. أسرع إلى هذا الشيء اللامع والتقطه بأصابعه، ثمّ قبض عليه بكفّه كما تخيّل قبضته على اللحم الأبيض الشهيّ لساق امرأة, تلفّت حوله ليتأكّد أنّ أحداً لم يره, كان الجميع مشغولاً بالمعونات القادمة، ولا أحد يلتفت للآخر, تحسّس الشيء اللامع فوجده مستديراً صغيراً كقطعة نقد, تذكّر أنه طالما لمح هذا الشيء يتدلّى من صدور النساء اللواتي يربطنه بخيط سميك أسود، ويلتفّ حول أعناقهنّ، ويبرز من فتحة الثوب الفلاّحي المُطرّز الذي يرتدينه، والمُحنّطات من زمن ما قبل النكبة بكثير, كان أشدّ ما يضايقه بخلهنّ وشتمهنّ له وهنّ يبخسنه ثمن تعبه ومجهوده, توقّع أنّ هذه القطعة قد وقعت من إحداهن، فشعر بالسعادة تغمر قلبه وتطفو على معدته التي يعضّها الجوع في نداءٍ متواصل, سيحتفظ بكنزه الثمين, ويدّخر بعض المال بالكثير من الجوع القادم ويرحل إلى مدينةٍ جديدة، لا يعرفه فيها أحد، ويفتتح دكّاناً صغيراً لبيع المواد التموينيّة التي يحصل عليها اللاجئون ويبخلون على أنفسهم بالانتفاع بها ويقومون ببيعها وإنفاق ثمنها على ابنٍ يدرس في الخارج أو في مشروع زواج قادم.. تذكّر الزواج, سيتزوّج بعد افتتاح الدكان مباشرةً, ستتمنّى أيّ امرأة الزواج به..

 

قرّر أن يكفّ منذ هذه اللحظة عن البحث عن ساقٍ عاريةٍ ملتفّةٍ ومكتنزة, سيتزوج قريباً جداً…لاحت من بعيد العربة الضخمة المُحمّلة بالمعونات وهي تتهادى أمام البوابة الخارجية للمركز, امتلأ جسده نشاطاً وقبضت أصابعه أكثر على القطعة الثمينة وأسرع نحو العربة, سوف يعتليها من الخلف وهي لا تزال تسير، وبالتالي يضمن أن أحداً من العتّالين الرابضين أمام البوابة من الداخل لن يسبقه ويعتليها معلناً فوزه بإنزال كلّ الحمولة من عليها وتقاضي مبلغ يعادل أجرة عمل يومٍ كامل من مدير المركز.

حثّ خطاه نحو العربة وكل الأحلام تتراقص أمام ناظريه, اقترب منها أكثر وأكثر وهو يشعر أنه يقترب من باب دكانه فيفتحه, ويقترب من وجه عروسه فيتشمّم أنفاسها، ويطبع عليه قبلةً سريعةً, امتدّت يده الفارغة إلى العربة من الخلف وحاول التسلّق إليها بيدٍ واحدة، ووثب بقدميه عدة مرات عن الأرض, العربة تتوقّف تدريجياً، ويبدو أنّ سائقها يختار لها مكاناً مناسباً للوقوف, محاولته الأخيرة كادت تفلح لولا أنّه تشبّث بكيسٍ من الدّقيق يبرز من حافّة العربة بدلاً من جسمها المعدني, فوقع على الأرض وفوقه كيس الدقيق, والعربة تتقهقر إلى الخلف مُتّخذةً وقفتها الأخيرة, أفلتت القطعة الثمينة من بين أصابعه, تدحرجت بين العجلات الضخمة, رآها لآخر مرّةٍ وهي تختلط بالدقيق والتراب وتختفي تحت إحدى العجلات, أغمض عينية، ودماءٌ حارّةٌ تسيل من فمه وأنفه، وتختلط بالدقيق المتناثر حوله, تجمّع نفرٌ قليلٌ حول المشهد, كان يريد أن يصرخ بهم, فليسرع أحدكم ويخبر امرأتي, امرأتي تحت الوسادة في غرفتي الصغيرة, لن تتردّد في الحضور والبكاء والعويل. إنه يعرف أن النساء يُجدن ذلك كثيراً كما يُجدن الوقوع على الأرض وتبرز سيقانهنّ المُثيرة, ضحك ضحكةً أخيرةً وهو يُسلم الروح.. ولكنّ كفّه في هذه اللحظة لم تكن تقبض سوى حفنة من الدقيق.

 

صديقك وقت الشدة” من يوميات امرأة محاصرة”

الأربعاء, سبتمبر 9th, 2009

أعتب على هؤلاء…………..

الذين يؤكدون لي كل يوم أنهم من زوار مدونتي الذين يزورونها كل يوم

وبأنهم يعرفون أخباري منها

وبأنهم قد وضعوا رابطها في المفضلة

وبأنهم قد وزعوا الرابط على كل من يعرفون……….

وقي النهاية، وبعد ماحدث لي، وبعد أن أصبحت بحاجة لمواساة بكلمة……..

أفتقدهم……..

لا أراهم رغم أني كنت أشعر بأنفاسهم وأرى بصماتهم كل يوم في المدونة……..

ماذا حدث لهم؟

أو ماالذي تغير فينا ؟ وتغير بيننا؟

حتى من طلبت منهم مساعدتي في أمر ما، يخص عملي، وقوت صغاري………..

ملأوا سمعي بالوعود التي تبخرت في الهواء………

والأن وأنا مهشمة، ومحطمة، وكقطة تموء، أبحث عنهم

وعن وعودهم

ووجودهم

فلا أجد………إلا الفراغ

ذلك كله يجعلني أقول الحكمة التي علمتني اياها جدتي: صديقك تصنعه الأيام

والصداقة التي تبدأ بسرعة

حتما تنتهي بسرعة

حقا كل ما أشعر به هو الحزن” على كل لحظة أهدرتها وأنا أعتصر مشاعري من أجلهم”

وأقول لهم: أشكركم

لأنكم قدمتم لي أكبر خدمة: قدمتم لي درسا جديدا في الحياة………

وأنا أحب دروس الحياة……….مهما كانت صعبة

ماض لايموت” قصة واقعية من مذكراتي”

الإثنين, سبتمبر 7th, 2009

 

 

سؤالاً واحداً دائماً أسأله لنفسي ويملأ نفسي بالمرارة والحسرة والألم ويملأها بالسخط .. وأعتصر كفاي اعتصار عديم الحيلة وقليل الرجاء .. لماذا ينسى الناس ماضي الرجل ويحفرونه على الماء أما ماضي النساء فهو محفور على الصخر وباقٍ أبد الدهر …

       أظنكم معي بأن هذا السؤال وحده كافياً بأن يجعلنا نحمل كل هذه المشاعر مرة واحدة ..

       يسرح بي الخيال فأتذكر ما أحيا به من ذل وقهر الرجال .. فأنا امرأة مقهورة زوجا وأباً وأخاً … ولو كان لديكم المزيد من الوقت لقلت لكم حمولةً من أكبر رجل في حمولتي حتى أصغر طفل يرضع …

       ولكن ما يبعث بعض العزاء في نفسي حين أتذكر غيري من النساء اللواتي مررن بشريط حياتي وعشن ظروفاً أقسى من ظروفي فلا يسعني ساعتها إلا أن أتنهد وأقول : الحمد لله .. وأتذكر مقولة جدتي الخالدة .. “الراحلة” حين قالت لي يوماً : دائماً احمدي الله فأنت أحسن حالاً من غيرك وغيرك أحسن حالاً منك ..

       رحلت جدتي منذ ربع قرن .. ورحل جدي منذ سنوات عشر .. ولكن ذكرياتي معهما لا زالت محفورة على الصخر لأن فيها الحلاوة والمرارة أيضاً ..

       حين رحلت جدتي وأنا ابنة عشر سنين .. أوصتني وصية وهي تأمل بهذه الطفلة عقلاً أكبر من عمرها بسنوات .. ولهذه قصة أخرى ..

       أما حين رحل جدي فقد ترك في قلبي مرارتان .. مرارة الفقد .. ومرارة الماضي الذي لا يموت … فأنا حين توفي جدي وهو يقترب بخمس سنوات من عامه المائة وكنت أنا ابنة الخامسة والعشرين وأنا أعرف معلومة واحدة أن لجدي شقيقة واحدة تصغره بسنوات قليلة .. ولكني لم أرها سوى مرتان .. المرة الواحدة لا تتجاوز الدقائق المعدودة .. كانت المرة الأولى حين توفيت جدتي .. كانت هذه المرأة العجوز الطويلة النحيلة والتي لا يخفى جمالها الغابر فعيونها زيتونية وبشرتها شقراء .. كانت تجلس في مجلس عزاء النساء تأتي امرأة غريبة أو جارة جاءت لتقديم واجب العزاء .. ولم أعرف أنها أخت جدي أو عمة أبي بالمعنى القريب إلا حين خاطبها أبي بذلك وهو يطلب منها أن تستعد للمغادرة بناءً على طلب أحد أبنائها …

       قلت لأبي هامة : هل هذه عمتك ؟ أجابني باقتضاب وهو يخفي سراً أو يستر عورة … نعم … ألحقها بتنهيدة وإشاحة وجهه والتشاغل بأمر من أمور العزاء لأنه يتوقع من هذه الطفلة أسئلة جديدة …

ولكنني صمت .. كل ما بدر من أبي كان يطالبني بالصمت لتمر السنوات لأنسى عمة أبي .. حتى كان احتضار جدي … فقد وقع جدي في فراش الموت لأيام ثلاثة .. زاره خلالها الكبير والصغير من الحمولة فهو بحكم سنه وشيخوخته الطاعنة أصبح زاده في الدنيا أشح من الشحيح .. حتى الأقارب الذين كنا نقاطعهم جاءوا لزيارته فأمام هيبة الموت يجب أن تلغى كل ضغينة …

وفتحت الباب ذات صباح ربيعي لهذه العجوز التي تدق الباب بعكاز خشبي .. وسرعان ما طفت صورتها على سطح ذاكرتي كقشة صغيرة في بركة ماء آسنة .. تذكرتها .. إنها شقيقة جدي .. أمسكت بيدها المرتجفة وقلبي يرتجف على شيخوختها الطاعنة وصرخت بأعلى صوتي وأنا أغالب دموعي .. وأنا أظن أيضاً أن صراخي بقدوم أخت جدي ربما تمد من أجله قليلاً .. يا جدي لقد حضرت أختك .. لم أكن أعرف اسمها أو بماذا تكنى .. ؟! ولكن نظرات الاستهجان التي أطلت من عيون من هم يتحلقون حول جدي المحتضر جعلتني أبتلع بقية حروفي .. وكان جدي الذي يصارع الموت بقوة باقية قد هتف هتافاً أخيراً : لا تدخلوا هذه المرأة “النجسة” علي وأنا أحتضر ؟!!!

قال جدي هذه العبارة التي لم تتجاوز سوى آذان الحضور وآذاني أنا والعمة هذه ثم راح في غيبوبة الموت ولم يفق منها أبداً …

انخرطت هذه العجوز بالبكاء في أحد الأركان وهي تنزوي بجدار وكأنها تحاول أن تكون حجراً أو نقشاً من هذا الجدار .. لم يسمح لها أي من الحضور أن تدخل لوداع جدي بعد صعود روحه إلى بارئها .. ولم يسمح أي من الحضور لها أن تسير مرافقة الجنازة التي ذهبت به إلى قبره سيراً على الأقدام بناء على وصية سابقة له …

أي جريمة ارتكبتها هذه العجوز لكي ينعتها جدي في لحظاته الأخيرة بهذا النعت القاسي ؟! وأمام الجمع ؟! أي جريمة سارت بها العمة لسنوات طويلة ولم تمحها الأيام والشهور والسنون … ولم تزلها الأخاديد التي شقت وجه جدي ووجهها … ؟! أسئلة كثيرة .. كان يجب أن أجد لها لدى العمة العجوز إجابة … سألتها وأنا أهمس في أذنها أن تكف عن البكاء .. لم تكن تبكي أخاها هذا الأمر أنا متيقنة منه تماماً … كانت تردد وهي ترتشف قطرات من الماء لم أفعل شيئاً .. يستحق كل هذا .. كنت جميلة ..بل رائعة الجمال بشقرتي وزيتونتي عيوني .. وذهب خصلات شعري .. كان شعري طويلاً أحتاج إلى نهار كامل وأنا أضفره إلى جديلتين .. وكان هو يمر بي كل صباح وهو ذاهب إلى حقل أبيه .. وأنا أخبز على فرن الطابون فألقي له برغيف خبز أو كسرة من رغيف كبير .. كنا نتبادل الابتسامات الخجلة فهو لم يكن يكبرني سوى بحولين وأنا ابنة أربعة عشر …

في أحد الأيام تجرأ وأمسك بإحدى ضفائري وكأنه يريد مداعبتي فقد نقض الضفيرة بعد أن جدلتها .. وضحكت وبادلني الضحك .. ولكن هذه الضحكات صكت أذنا أخي الأكبر وهو يخرج من البيت ورآنا سويا … ومن يومها أصبحت أنا كما نعتني … حبسني إخوتي وأبي في الدار .. وألحقوا بي كل سبل العذاب لكي أعترف بجريمة لم أرتكبها .. وأصروا في خيالهم أن يطموا عاري بأي طريقة .. فقدموا كل الإغراءات الممكنة في ذلك الوقت لشقيق جدتك لكي يتزوجني فتزوجني إكراماً “لخاطر شقيقته” ولكي يثقل أخي الذي هو زوج شقيقته بصنيعه …

تزوجني وأصبحت جارية في بيته .. ولم أخرج من بيتنا أيام “البلاد” إلا إلى بيت آخر في مخيم الشاطئ لأمضي به بقية عمري وأنا لا أعرف من الدنيا إلا الجدران الأربعة … صمتت العمة العجوز ولم تخبرني عن أبنائها الذكور الأربعة والذين هاجر ثلاثة منهم إلى السويد وبقي واحد يعتبرها “قط الدار” كما تحدثت بذلك النسوة حين يلقي لها بفتات زوجه وعياله بعد وفاة زوجها …

تلك هي جريمة العمة … والتي توفيت منذ سنوات خمس وحين تلقى أبي هاتفاً بخبر وفاتها لم يكلف نفسه عناء الذهاب إلى جنازتها أو سرادق عزائها بل أنه أطلق تنهيدة كمن أزاح ثقلاً كبيراً عن صدره …

كسرة خبز .. وضفيرة .. تلك هي جريمة العمة العجوز .. يسرح بي الخيال لأتصور أن هذه الأحداث ربما وقعت قبل النكبة بعشرين عاماً على الأقل .. ولكن هذا الماضي أبداً لم يمت ..

رحمك الله يا جدي .. لا يسعني إلا أن أقول هذه العبارة فجدي وجدتي والعمة وكل من حاكموها على كسرة خبز وضفيرة .. هم الآن في دار الحق … ونحن … نحن في دار الباطل حيث يموت كل الخلق ولكن ماضي النساء أبداً … أبداً .. لا يموت …

قصة موجزة” من يوميات امرأة محاصرة”

الإثنين, سبتمبر 7th, 2009

يوم أول أمس

كان يوماً عادياً بالنسبة لامرأة مثلي

انهال المدعو زوجي علي  ضرباً

لم أفق إلا والجيران حولي يحاولون افاقتي من اغماءة طويلة، وكان  هو يصرخ بهم :بأني  أعاني اضطرابات نفسية ولذا أصرخ وأصاب بالاغماء دونما سبب، بكيت وانتحبت

واتصل فاعل خير……..بأخي الأكبر

الأمر يبدو عاديا هكذا…….

أخي أصر على اصطحابي لبيت أهلي، فهو لم يكن ليحتمل مشهد جسدي المشوه والذي أصيب بكل  ما يشتهي عشاق السادية من تشوهات وكدمات……..

كقطة جريحة تنوء عدت لبيت أهلي، لم أعد إلا ومعي ابنتي البكر والصغرى، وتركت الولدين في البيت عند……..والدهم، لانهم كانوا في مدارسهم…….

بكيت في بيت أهلي كما لم أفعل

وانتحبت ليس ألما وأنا صائمة والصداع وأعراض ارتفاع ضغط الدم تداهمني بشدة, ولكني كنت افتقد الولدين…….

مر النهار بطيئا ثقيلا ، وانطلق آذان المغرب

عبثا حاولت أن أتناول شيئا

ولكن كل الطرق للقمة أو جرعة كانت مغلقة

تذكرت الصغيرين وانتحبت أكثر

بعد ساعة

دق باب البيت ……..دلف الصغيران منه

رأيتهما، وزال كل الألم، كان ابني الصغير قد عاد من المدرسة ولم يجدني، فهدد والده بالانتحار إن لم يعدني للبيت…….

امام بكاء الصغير واصراره بلهجة جادة واقارنه القول بالفعل ، بأن استل  سكيناً من المطبخ، ووضعها فوق بطنه الصغيرة…….أذعن الأب المجرم

بعد شد وجذب

وافق المدعو أبي لعودتي للمدعو زوجي

وعدت محطمة للمدعو بيتي

عدت لأستكمل مسلسلا طويلا………إلى درجة الاملال من العذاب والذل

من أجل صغاري

ومن أجل أمومتي

” ملاحظة” يوميات امرأة محاصرة هي قصتي الحقيقية”

للتواصل

اميلي هو

 sama_kha@hotmail.com

مخاوف” من منشوراتي”

الجمعة, سبتمبر 4th, 2009

لا زلت أذكر هلعها الشديد من مجرد ذكر سيرة طبيب الأسنان .. فهي الآن

 

في أواخر عقدها الرابع واحتاجت ولا زالت خلال سنوات عمرها هذه إلى

مراجعة طبيب الأسنان لمرات عدة .. ولكنها كانت تعتبر مجرد أن تدلف

 

عيادة أسنان هو الدخول في جهنم .. بل أنها تغير طريقها إذا ما كان في

 

 الشارع الذي تسير فيه عيادة طبيب أسنان لا تستطيع هي أن تخفي حاجة

 أسنانها إلى علاج ولكن العلاج بغير طبيب وآلة وكرسي متحرك وبنج ..

 تألمت من أجلها كثيراً وهي تريني فمها النصف فارغ فقد فقدت الكثير من

 

 

الأسنان التي كان من الممكن إصلاحها بالحشو أو تركيب الدعامات المختلفة

 

بدلاً من خلعها بطريقة بدائية وعدم تفكيرها بزراعة أسنان أو وضع تركيبات

 

صناعية ثابتة ومتحركة …

 

       قالت لي وهي تعد الأضراس والأسنان المفقودة في فمها الذي سيتحول

 

 إلى “مغارة” قريباً : لا أستطيع أن أنسى طبيب الأسنان الذي عالجني وأنا

 

صغيرة فكنت كلما صرخت من الألم يعالجني بصفعة قوية على خدي فكان

 

نصيبي من الصفع أكثر من نصيبي من العلاج وخرجت من عند الطبيب بخد

 

 

 

متورم أحمر وعينان محمرتان بلون الدم لا تريان الطريق من الدموع الحارة

 التي تنهمر منهما  منذ ذلك اليوم وأنا أكره أطباء الأسنان بل لا أعتبرهم

 

 أطباء

       لا أعتقد أن هذا الجرح من الممكن أن يتكفل به الزمن ليشفى لأنه لو كان قد شفي رغم مرور كل هذه السنوات لما فقدت محدثتي معظم أسنانها …

 

 

أعادت لي هذه الحادثة الذكريات الكثيرة والقريبة .. فالمعلمة والمعلم في

 

 المدرسة يخوفان التلاميذ من طبيب الأسنان الذي ترسله وكالة الغوث الدولية

 

بصفة دورية لفحص أسنان الأطفال باعتبار أن طبيب الأسنان الذي يفد إلى المدرسة سيقدم على خلع أسنان الأطفال الصغيرة البيضاء الجميلة بأداته

 

 الحادة وسوف تسيل الدماء أنهارا وسيبكي الأطفال كثيراً من الألم ولن يجدوا

 

 من يقدم لهم ورق تواليت وليس قطن معقم لحبس الدماء المنهمرة من مكان

 

 الضرس المخلوع والخوف الأكبر هم مندوبي التطعيم الذين يغرسون إبرهم

 

التي تنخز العظم قبل الجلد ويستمر ألم الوخز أياماً مع حمى شديدة كل هذا هو عقاب للطفل أو الطفلة .. التلميذ أو التلميذة المهملة التي لا تعني أداء الواجب

 

 

 أو ينسي إحضار تبرع لصندوق المدرسة …

ليس غريباً أن يكره الأطفال حتى يبلغوا من العمر عتيا .. عيادات الأسنان

 

 والمدارس والتعليم خاصة وأن مقولة أولياء الأمور لا زالت مستمرة للمعلمين

 

” لك اللحم ولنا العظم” أو “اكسر وأنا بأجبر” وكنت أعتقد أنها باتت من

 

 التاريخ المندثر ولكن للأسف لا زالت تتردد حتى الآن علماً بأن التخويف

 

والضرب للأطفال هما أفشل وسيلة تربوية ولا يعنيان سوى الفشل التربوي

 

الذريع ولا أخفي عليكم سراً أنني حين ألجأ لضرب أحد أطفالي أو تهديده بعودة والده من العمل ليؤنبه “ويعلقه في شجرة الزيتون” فإنني أكون أشعر

 

 

 

 

 بداخلي بالفشل .. بأنني قد استنفدت كل وسائلي التربوية بل أنني أتحول من

 

 أم متعلمة ومثقفة إلى جلاد .. جلاد بلا عقل .. لأنني واثقة أيضاً أن الضرب يترك أثارا نفسية في النفس من الصعب شفاؤها

 

يمكنني أن أقيس على تخويف الأطفال وضربهم الكثير من الممارسات التي

 

 

 يلجأ لها الكبار كحلول جذرية ولكنها للأسف لا تترك في نفوس الصغار سوى جذور عميقة  اسمها مخاوف ….