Archive for أغسطس, 2009

الحب الحقيقي “من يوميات امرأة محاصرة”

الإثنين, أغسطس 31st, 2009

الحب الحقيقي في حياتي هو حبي لأطفالي، لن يكبروا يوما ي نظري، رغم أن أكبرهم في السادسة عشر من عمرها، ولكنهم صغاري وسيبقون ، كقطيطات القطة التي تنتقل بهم من جدار لجدار، وتلتهم أحدهم وهي تعتقد أنها تخفيه من العدو….

أجمل لحظات عمري أقضيها معهم، بالأمس كانت الكهرباء مقطوعة كالعادة في غزة، أنجزت في الفترة الصباحية كل أعمال  البيت التقليدية وانتهزت فرصة وجود الصغار في المدرسة، وبدأت أقرأ……..

ان متعة القراءة من كتاب وأنت مستبق على ظهرك، ورائحة الحبر والورق تعبقان حواسك ، لهي أروع بكثير من الجلوس أمام شاشاة الحاسوب المضيئة، استغرقني الوقت مع ديوان محمود درويش” لاتعتذر عما فعلت، حتى عادت ابنتي الكبرى من المدرسة ووجدتني قد استلقيت  على” البلاط” من شدة الحر……..

استلقت ابنتي إلى جواري ، منهكة وبدأت كالعادة تروي لي كل ماحدث معها في يومها الدراسي، كانت تحكي وتصف، ونضحك ، ونقهقه، حتى سالت الدموع من عيوننا، وحتى اضطررنا لزيارةالحمام عدة مرات……….هههههههه

ابنتي تصف لي كل شيء بدقة متناهية،حدثتني عن قيام المعلمة بترتيب جلوس الطالبات وكأنهن لازلن في الصف الأول الابتدائي ولسن في الصف الحادي عشر، اخذت تصف وتضحك كيف قامت صديقتها الحبيبة بخلع حذائها غفلة عن المعلمة حتى تبدو أقصر طولا وتجلسها المعلمة إلى جوارها، ولكن الحيلة لم تفلح رغم أن صديقتها تخلت عن “برستيجها” وسارت حافيةالقدمين في الفصل………

ضحكنا وضحكنا……..ووصلت الصغيرة نونو، وقالت: ماما أنا جوعانة وعطشانة…….

قلت لها: هسة بأطلع فوق السطح وبأودن عشان تفطري………وضحكنا

وضحكنا أكثر على قطتنا الصغيرة ونحن نختار لها اسما، قررنا أن نختار لها اسما لشخص نكرهه، وثقررنا أن نختار لها اسما لشخص نحبه………

حتى نستخدم الاسمين عندما نحبها وندللها، وعندما نغضب منها، وعادت ابنتي البكر تحدثني عن زميلاتها، وعن ناظرة المدرسة بصوتها الجهوري الذي يملأ كل المخيم حولنا.

وضحكنا وغرقنا، في الحب البريء

الحب الطاهر

ان حب الأم هوالحب الساهر

لأنه يعيش لحظة بلحظة مع الأبناء……….وهذا حبي لصغاري

وحبهم هو الحب الطاهر،

أدام الله عليكم حب من تحبون

سماااااااااااااااا

لومات أفضل”قصة قصيرة”

السبت, أغسطس 29th, 2009

لأن شر البلية ما يضحك، فإن هذه القصة أضحكتني ثم أشعرتني برغبة عارمة بالبكاء, شعرت أني أريد ان أبكي رثاء لنفسي ورثاء لنساء يعطين حتى الانتحار ,عمرا وشبابا وطاقة، والنهاية المكافأة زوجة ثانية بعمر أحد الأبناء.هى تجاوزت الأربعين بعدة سنوات, لقد وصلت الى تلك المرحلة التي تزينها الحكمة وتصقلها التجربة والخبرة ,ويزداد العطاء دفاقا مصحوبا بفيضان من الحنان والحب.

كانت تتناول كوب الشاي اليومي مع جارتهاالأثيرة في صباح ذلك اليوم التي عاجلتها بسؤال مباغت مع أول رشفة من فنجان الشاي الساخن: هل أنت موافقة على زواج زوجك كما قال لي زوجي أمس؟بوغتت وظنت أنها لم تسمع ولكن جارتها أعادت على مسامعها السؤال مرة ثانية ولكن بلهجة متوجسة هذه المرة ,صمتت ,ثم صرخت بلهجة الاستنكار والذهول!!هزتها الصدمة وزلزلتها المفاجأة ,ولم تصدق ,لم تصدق أن سنوات العمر والحب والعشرة والأبناء والاخلاص والمساندة كلها لاتساوي شيئا عند الرجل الذي أحبته

وظنت أنه يحبها طول العمر, اعتبرت أن ما ينوي فعله خيانة تستحق الانتقام ,هل وصل به الأمر أن يأتي لها بضرة تسلبها كل شيء وتشاركها كل شيء,,تسلب منها ذكرياتها معه وذكرياته معها وتسلب أبناءها بعض حقهم في أبيهم وربما ينجب منها أولادا يشاركون أولادها فيما تعبت وهي بجوار زوجها في السنوات الأولى من زواجهما في تحقيقه من ثروة,انه المستحيل بعينه.

عادت بها الذاكرة الى ما يقرب من ربع قرن من الزمان,كان زوجها مهندسا مبتدئا حين تقدم للزواج منها ,كان ابن عمتها يكبرها بعشر سنوات ,تركت المدرسة والدراسة لكي تسلمه قلبها وحياتها وتبدأ معه مشوار الحياة الزوجية التي حرصت ألا يكدر صفوها أي شيء, لم تترك الفرصه لكي تدخل بيتها لو مشكلة صغيرة من تلك المشاكل التي تدخل بيوت الزوجية,لا تريد أي شيء يعيق تقدم زوجها ونجاحه, انها تستبق الأيام لكي تصل به الى أحلامه ,وخلال السنوات هذه أنجبت له البنين والبنات ,فكان الأولاد هم جبهتها الثانية التي تحارب فيها ,فقد احتلت صفحة وجهها نظارة سميكة تعينها على القراءة والنظر الى الأشياء بعد أن ذهبت دروس وكتب أولادها ببعض بصرها,حتى أصبح أكبر أولادها طبيبا والأخر مهندسا والثالثة لاتزال طالبة جامعية,,المهم أنها لم تشعر خلال هذه المدة بأي تغيير على زوجها ,حقا هو دائما مشغول في مشاريعه التجارية ولكن علاقتهما تتراوح في معدلاتها الطبيعية بلا زيادة أو نقصان ,كانت تنام قريرة العين مرتاحة البال ,فقد حققت أغلى أمانيها في الحياة ,من الزوج الصالح الى الأبناء الناجحين الى الحياة المنعمة الهادئة,أما كيف سبحت المياه من تحتها ؟كيف تسرب زوجها من بين أصابعها ؟ فهذا مالم يخطر لها على بال.انها باختصار لم تستشعر الخطر من جانب زوجها يوما, كانت تخاف من جحود الابناء ونكرانهم أو الانشغال عنها على الأقل بحياتهم الجديدة ,أما زوجها فلم يكن بحسبانها أن تهب رياح الخطر من ناحيته.

هذا الخبر بالنسبة لها كارثة بكل المقاييس ,شعرت أن بداخلها نمرة جريحة تريد أن تفترس هذا الزوج الغادر وتفترس كل شيء من شأنه أن يزلزل سعادة بيتها وأولادها، وفكرت لو أنها كانت قد تلقت خبر موته لما صدمت هذه الصدمة وكانت سترضى بقضاء الله وحكمته وتقضي بقية حياتها على ذكرى وفائه واخلاصه لها, أما الخيانة فهي الشيء الذي لن تغفره, وانتقامها سيكون بحجم خيانته التي وصلت الى حجمها بالقليل من البحث والتحري حيث علمت عزمه الزواج بفتاة صغيرة حسبما تقتضي القصة التقليدية التي ذبحتها الأفلام العربية تناولا وسخرية,وعلمت أيضا موعد الزواج ولذا أعدت خطتها جيدا,,ففي صباح اليوم المحدد قدمت لزوجها كوبا من الحليب المحلى بالعسل ولكنهاهذه المرة أضافت له قرصا منوما وزادت من جرعة العسل ,وحين سألها عن المرارة التي تتخلل مذاقه غمزت له بعينها وهي تقول أنها قد أضافت له بعضا من غذاء ملكات النحل المعروف بمفعوله السحري ,فشرب الزوج الكوب كله راضيا ومنتشيا وان هي الا ساعة حتى استغرق في نوم عميق, فاستغلت الزوجة نومه وأقدمت على عمل جريء لا يصدر الا من نفس جريئة دامية نازفة فقد أحضرت أدوات الحلاقة الحادة الخاصة بزوجها وأعملتها في لحيته وشاربه وحواجبه وحتى رموش عينيه, وحين أفاق الزوج من نومه ووقف أمام المرآة ليسوي هندامه ويستعد للخروج الى موعده مع عروسه فوجيء بمسخ بشري أمامه,لم يكن بحاجة الى سؤال من الذي فعل به هذا ولماذا لأن الاجابه واضحة ومعناها أن الزوجة علمت بكل شيء..

كتم الزوج الامر في نفسه وظل في البيت وفي داخله احساس متباين بين الشعور بالذنب والاحساس بالهزيمة نحوها ,وكان مشروع زواجه هذا هو أول مشروع يخسره في حياته ربما لأنه أخفاه عنها ولم تشاركه التخطيط والتفكير كما كانت تفعل في كل مشاريعه السابقة.ومرت الأيام والزوج حبيس البيت حتى استعاد مظهره ونبت شعر حاجبيه ورموشه واستعد للخروج الى العمل ولكن شيئا في نفسه كان مكسورا وفي نفس زوجته كذلك، وحاول أن يسوق لها المبررات لكي تسامحه ولكنها لم تعره أذنا صاغية وأصبحت تنتظر اليوم الذي يصلها خبر وفاته لا خبر زواجه وتحولت من زوجه آمنة مستريحة مسترخية الى زوجة لا تكف عن العبث بجيوبه والبحث في هاتفه النقال وأوراقه بحثا عن امرأة أخرى تظهر في حياته وتدعو الله أن تموت أو يموت هو قبل أن يعاود الكرة ثانية ,,ان لقب أرملة على مسامعها أرق كثيرا من لقب :الزوجة الاولى…!

هذا ماجناه أبي”قصة واقعية”

الجمعة, أغسطس 28th, 2009

 

ليس ضربا من الخيال أو إمعانا في الإثارة  ما أنا مقبلة علي كتابته بل هي قصص من واقع الحياة … عرفت أبطالها وحفرت صورهم في ذاكرتي منذ كنت طفلة صغيرة .

بدأ الخوف يتسرب إلي قلبي  الصغير منذ أن رأيت المعلمة لأول مرة ، فوجهها يحمل آثار حروق قديمة بشعة، ويداها كذلك، وحين كانت تنزاح خصلات شعرها الناعم كانت تظهر آثارا أكثر بشاعة علي رقبتها وأعلي صدرها

 

أصبح قلبي يدق بين ضلوعي كلما رأيتها، و

كنت أتخيلها في أحلامي وهي تنقض عليّ بيديها المحروقتين اللاتي يشبهن أيدي المسوخ الذين حدثتنا عنهم جدتي في حواديتها لكي نخلد إلي النوم مبكرين ومذعورين.

أما حين أصبحت معلمتي بعد أن كنت أراها في فناء المدرسة وفي طابور الصباح فان الخوف أصبح يعلن عن وجوده فلا أفهم ما تقوله، ولا استطيع أن أقرأ ما تكتبه بيدها الكريهة المنظر، لاكتشف بعد أيام أن صوتها ناعم رقيق، وأن خطها علي السبورة منمق جميل.

كانت ذكية لكي تلاحظ هذا الخوف الذي يعتريني والذي يطل من عيوني أنا وبقية التلميذات الصغيرات، ولكننا يوما بعد يوم بدأنا نعتاد شكلها وبدأنا نتجاوب معها

خاصة عندما رأيناها تصلي في آخر الفصل وترفع يدها المشوهة بالدعاء، فقد ملأت التلميذات الأكبر منا سنا رءوسنا الصغيرة بأقاويل كثيرة عنها، وبأنها مجرمة وتقتل التلميذات ولا تصلي إمعانا في الجريمة …

بدأت أشعر نحوها بعاطفة مختلفة، أحيانا أتمني أن أتحسس حروقها بأصابعي وأحيانا أخري أتمني لو كان لدي دواء سحريا أمسح به علي حروقها فتبرأ وتعود سيرتها الأولي، ولكن أحيانا كثيرة أتخيل أنها ولدت هكذا، فكل أواني الطهي ومواقد الغاز لا يمكن أن تسبب هذه البشاعة التي أراها هكذا أيضا كنت أفكر … ومر العام وتركت المدرسة كلها ولكنها لم تترك ذاكرتي اسمها … واسم عائلتها التصقا في أعماق ذاكرتي … وكأنني واثقة أن الأقدار سوف تدبر لنا لقاء آخر، وأن لغزها سوف تحله الأيام القادمة لي.

وقد كان … في المرحلة الثانوية تعرفت إلي طالبة مستجدة منقولة من مدرسة أخري، شيئا ما جذبني إليها، شعرت أن هذا الوجه قد رايته من قبل، لو أضفنا له عدة سنوات وبعض الحروق، أكون قد رأيت هذا الوجه فعلا.

فعلا … كانت ابنتها، لأن اللقاءات الأولي أتاحت لي أن أتعرف علي اسم عائلة الطالبة لأتأكد أنها من نفس عائلة المعلمة، بقي أن أسألها هل تعرفها ؟!

قالت ببساطة :- هي أمي …

كان صوتها يحمل مزيجا من الفخر والحزن والحب … يا لها من خلطة عجيبة من المشاعر في عبارة واحدة … استعملت كل أساليبي لتصبح صديقتي، لم أكن أتركها في طابور ولا فسحة ولا مشوار رواح حتى إنني  كنت أقطع معها طريقا أطول حتى تصل إلي بيتها ثم أعود إلي الوراء لأسلك الطريق إلي بيتي ولم أهتم  الشيء الوحيد الذي لم تسمح لي به هو أن أتصل بها علي هاتف البيت رفضت بإصرار عجيب، جعلني أفكر في لغز المعلمة وابنتها أكثر.

مرت الأيام وذاب الجليد بيننا حتى أصبحنا نتحدث سويا عن كل شيء حدثتها عن كل كبيرة وصغيرة في حياتي، وعن جذور عائلتي حتى أفسح لها المجال أن تحكي لي.

صبري كان علي وشك النفاذ، وهي تحكي لي عن أخوتها الذكور الذين يدرسون في دول غريبة في كليات عملية.

وأردفت : أعيش أنا وأمي في البيت لوحدنا، قلت وأبيك أليس علي قيد الحياة ؟  قالت نعم، ثم سكتت، لم يبق من صبري سوي جرعة واحدة أتجرعها والقي بزجاجة الصبر بعيدا  حين تكلمت، كانت بحاجة لأن تحكي لأحد ما، فكلانا مراهقتان لا تشعران بالراحة والأمان في البوح إلا مع الغرباء !!

أمي مأساة داخل مأساة، مأساة مركبة ، أول مشهد تذكره أمي في حياتها

مشهد أباها وهو يحطم رأس أمها بالفأس، ماتت أمها وهي لم  تشبع بعد من كلمة ماما ، لم تعرف الأسباب التي دفعت بابيها إلي هذه الفعلة، قيل أنه مجنون  وقيل انه يعاني من أزمة نفسية وقيل أنه يعاني من مرض وراثي يسبب له تخيلا وهلوسات، ولكن النتيجة الأخيرة أن أحدا لم يقدمه إلي المحاكمة ، عاشت أمي يتيمة مع أب لا يعرف سوي العنف والقسوة، ولم تكن تعرف لماذا يعاملها وأخوتها هكذا، كانت أحيانا يردد : أنتم لستم أولادي، وأحيانا يبكي وينادي علي زوجته القتيلة ولا يلبث أن ينهال عليهم ضربا …

مرت السنوات بأمي حثي أنهت التوجيهي والتحقت بدار المعلمات في رام الله لتعود في احدي الإجازات وتجد أن أختها التي تكبرها بعام قد ماتت ميتة مجهولة السبب أشارت أصابع الأخوة الباقين إلي الأب، ولكن أحدا لم يجرؤ إلي رفع أصبع الاتهام نحوه.

حين أنهت أمي تعليمها وحصلت علي وظيفة معلمة في احدي مدارس وكالة الغوث أصر أباها علي تزويجها ابن عمها، ولكنها رفضت بإصرار، فابن عمها إنسان جاهل عديم الخلق عاطل عن العمل، لا يملك من متاع الدنيا إلا جهله وسوء خلقه وأمام رفضها كان والدها يكيل لها من ألوان العذاب ما تنوء به الجبال، حتى كان يوم حدد فيه موعدا لعقد القران، وأمي علي إصرارها وأمام جبروت أباها لم تفكر في عاقبة ما ستقدم عليه، فقد قررت الانتحار، فأمسكت بوابور الكاز وألقت به علي نفسها.

كانت تظن أن بفعلتها تلك سوف تموت وترتاح مما تعانيه، ولكنها أنقذت من قبل أخوتها قبل أن تأتي عليها النيران، وبقيت في المشفي لفترة طويلة وحين خرجت كانت إنسانة مشوهة كما رأيتها وكما يراها كل الناس، الغريب أن أبن عمها ظل علي موقفه بالزواج منها فهي كانت بالنسبة له مشروعا يجب أن يتم

وبالفعل تزوجها وهي صاغرة.

أنجبت أمي أخوتي الذكور ثم أنجبتني، وبعد ذلك غادرنا أبي بلا عودة فقد أخذ من أمي في سنوات قليلة من المال ما يكفيه ليبدأ حياة جديدة مع أسرة أخري، وأصبح أبي بالنسبة لنا شبحا نراه قليلا حين يحتاج بعض المال من أمي فتمنحه إياه بدون تعليق، وتمر السنوات وأمي هي كل شيء في حياتنا.

أخوتي في أكبر الجامعات قروض كثيرة حصلت عليها أمي حتى تنفق علي تعليمهم حتى لم يبق لها من راتبها ما يكفي أجرة مواصلاتها

أنا نهاية الرحلة بالنسبة لأمي، أمي المشوهة المحترمة التي يخافها الصغار ويشمئز منها الكبار ولكنها في داخلي مرآة مصقولة صنعت وجبلت من الحنان والعطاء والتضحية.

توقفت صديقتي عن الكلام، صديقتي ابنة معلمتي، التي أخافتني صغيرة، وأحزنتني، ومزقت نياط قلبي كبيرة.

معلمتي التي دفعت فاتورة طويلة ولم تطلب مقابلا من احد .

 

حسابات خاطئة”قصة حقيقية”

الخميس, أغسطس 27th, 2009

البداية في العام 1967عام النكسة ,والتهجير القسري الذي مارسه الاحتلال على شباب غزة ,الترحيل الجماعي إلى الأراضي المصرية,تاركين خلفهم الأمهات المولولات ,والزوجات الباكيات صمتا.

ولكنها لم تبك صمتا ولا جهارا,اعتقدت أنها قوية,وظنت أنها ليست قابلة للكسر والانحناء,حقا هو يغادرها ويترك حولها من الأطفال حفنة وأخرهم جنينا في بطنها,حقا هو ابن عمها قبل أن يكون زوجها,,حقا أمها العجوز لا تفتأ تردد :ظل راجل ولاظل حيطة,ولكنها توهمت أو اعتقدت أو أمنت وصدقت أنها سوف تسير حياتها بدونه,وسوف تدير أمر أطفالها الذين هم بالكاد يعرفونه .

الأب حين غادر غزة إلى مصر حيث استقر به المقام في مدينة ساحلية وحصل على وظيفة مدرس يتلقى راتبه من إدارة الحاكم العسكري الذي تولى تدبير أمور المهجرين وبالتالي فان راتبه كان كبيرا قياسا لمرتبات المدرسين المصريين,وفي الوقت الذي كانت الأسر الفلسطينية تحاول لم شملها إما بعودة الأزواج المهجرين إلى غزة بنظام جمع الشمل الذي كانت تصدره السلطات الإسرائيلية كنوع من حسن النوايا بعد سيطرتها على غزة ,أو بسفر هذه العائلات الصغيرة إلى البلاد العربية لتلحق بالأب المهجر الذي وجد له موضع قدم إما في مصر حيث الحياة الاقتصادية الصعبة أو في إحدى دول الخليج والتي كانت تفتح ذراعيها للكفاءات الفلسطينية المهاجرة.

ولكن تلك العائلة الصغيرة لم تتبع حلا من هذين الحلين,فالأب رفض بشدة العودة إلى غزة متعللا بخوفه من حرب قادمة وتهجير آخر,والأم رفضت بإصرار أن تلحق بزوجها إلى الديار المصرية فهي لاتريد أن تضحي بوظيفتها كمعلمة في إحدى مدارس وكالة الغوث الدولية وأردفت لمن نصحها بالالتحاق بزوجها:أنها لا تسكب جرتها أملا في غيمة في السماء.

ومرت السنوات وكبر الأولاد على هذا النحو ,الأم تعمل وتربي  وتنفق وتقوم بزيارات صيفية خلال الإجازة إلى مصر حيث يلتقون بالأب الذي يحيا وحيدا يلهث خلف الدروس الخاصة إلى جوار عمله ولا يلقي بترحيب كبير بزيارة الزوجة والأبناء الذين سرعان ما شعروا بجفاف مشاعره اتجاههم وأصبحت زيارتهم له على سبيل الاستجمام وليس لقاء الأب وسرعان أيضا ما بدأت تلك الزيارات بالتباعد بسبب التحاق الأولاد بالجامعات المختلفة

سنوات أكثر مرت وتخرج الأولاد وتزوجوا وتفرقت بهم سبل الحياة,وترقت الزوجة في سلك التعليم ثم أحيلت إلى التقاعد حين وصلها الخبر بإصابة الزوج بجلطة دماغية فهرعت إليه وهناك وجدته بين الحياة والموت وبعد تأرجحه بينهما كتب الله له الحياة ولكن  وهو مصاب بشلل نصفي ,وشاءت الأقدار أن تنسحب القوات الإسرائيلية من غزة وتفتح مصر حدودها لأيام مع غزة ابتهاجا بهذه المناسبة فسارع أبناء الأب المقعد بنقله على وجه السرعة إلى بيتهم أي بيت الأم في غزة…

فرق كبير أن يغادر غزة شابا في ربيع العمر ويعود إليها على كرسي متحرك,تاركا كل أملاكه في مصر,أما الزوجة فقد ناء بها السن وأصبحت بحاجة لمن يعينها,فكيف وهي في بيتها وحيدة مع زوج بهذا الوضع,والأبناء كل في بيته وقد انشغلوا بحياتهم الأسرية ولا يستطيع أكثرهم برا بوالديه سوى أن يزورهم زيارة أسبوعية خاطفة…

قالت والدموع بعينيها :نعم حسبتها خطأ…أما هو فقد هز رأسه لأن لسانه مشلول…هزه يؤمن على كلامها…إنها حقا حسابات خاطئة……………..

ابني ..ابنه”من يوميات امرأة محاصرة”

الأربعاء, أغسطس 26th, 2009
ابنك…سكب العصير على السجادة
ابنك….لوث الجدران البيضاء بألوانه
ابنك…ضرب ابن الجيران وجاءني أبوه محملا باللوم والشكوى
ابنك ..علاماته متدنية في المدرسة
هذه هي القائمة من عبارات اللوم التي أسمعها منذ سنوات من زوجي…بمعدل يومي متفاوت,,,,لا يمل من تكرارها وأنا لا أمل من البحث عن ردود لها,,فلا أجد الا الابتسامة الساخرة والضحكة المرة التي تعتصر برودة القلب,,واللامبالاة التي أحاول أن أطلي بها وجهي متظاهرة أمامه أني سعيدة بأن أحد ممتلكاتي تسبب كل هذا الإزعاج والفوضى …له وللمجتمع أيضا..ما دامت أحد ممتلكاتي مزعجة أذن أنا موجودة…
ما دام ابني يفعل كل هذا وهو الذي تدحرج من رحمي بعد شهور من الدفء الذي لايوصف  ..إلى عالم لا يعرف فيه شيئا,,أتخيله ككرة البينج بونج الصغيرة البائسة بين أصابع لاعب محترف..والآن أصبحت الكرة الصغيرة التي تدحرجت يوما من رحمي تتسبب بكل هذا الإزعاج…يا لغبطتي!!
أسترخي على سريري بعد عناء يوم كامل بين الطبخ والتنظيف والترتيب ومذاكرة الدروس والتوبيخ المحبب والعقاب الذي أوقعه بأطفالي من خلف ستار القلب..أسترخي على سريري, أنشد بعض الراحة وأستجمع أفكاري ماذا سأعد للغد, ما برنامجي ؟؟وكيف سأنظم وقتي؟؟لأنجز كل ماهو مطلوبا مني انجازه..؟؟ولكن الذاكرة تنزلق بي إلى أيام بعيده …مؤلمة وقاسيةابني…يجب أن يتربى في كنفي
ابني ..يجب أن يبقى في حضانتي بعد طلاقي من أمه
ابني …لأنه مسجلا بشهادة الميلاد باسمي
ابني..الذي يكنني الجميع باسمه
ابني…هو الذي سيحمل اسمي ويخلد ذكري
تنزلق الذاكرة بي إلى دهاليز مظلمة أكثر في ذاكرتي
أستذكر حماتي ..تلك المرأة المسنة البدينة والتي لم تستطع أن تقتنع بسنة الحياة وتهبني ابنها الذي هو زوجي ولكنها تصر أنه ابنها وأنا غريمتها التي تدعي بنوته أمام القاضي ولا تمانع أن يشطره سياف القاضي نصفين على أن أحصل عليه أنا…ابنك ….مريض هي لا تجيد العناية به
ابنك…نحيف..هي تهتم برشاقتها ولا ترضع الطفل كما يجب
ابنك…يحمل ملامح عائلتك…الحمد لله أنه لم يرث قصر القامة من عائلة أمه..ملاحظة:الطفل هو النسخة الذكورية مني بشهادة كل من رآه
ابنك…يخرج لسانه لي..أمه لاتجيد تربيته وربما تحرضه علي
ابنك…يبكي كثيرا وهذا يسئ الى أعضائه التناسلية كثيرا ويؤثر على خصوبته في المستقبل,,,وأمه من المؤكد تتزين أمام المرآة
عدت إلى الواقع…إلى برنامج الغد…كيف سأبدأ يومي غدا,هل سأبدأ بتشميس السجادات على سطح البيت ان كان الجو يوحي بصلاحية هذا العمل أم أدير الغسالة تلاشيا لمأزق انقطاع التيار الكهربي المفاجئ…ولكني أثناء انشغالي ببرنامج اليوم القادم الحامل لي برنامجا معتادا..ظللت أردد لنفسي:ابني..أم ابنه..ثم وجدتني أكتبها كمسألة حسابية في فراغ الغرفة:ضع علامة صح أو خطأ:1-ابني                                                                               2-ابنه
أفقت على صوت زوجي يدلف إلى الغرفة مزمجرا:ابنك أضاع مفاتيح سيارتي….لحظتها..ابتسمت    

المدارس ورمضان”من يوميات امرأة محاصرة”

الثلاثاء, أغسطس 25th, 2009

لايمكن لأحد أن يعترف أنه يكره المدرسة، كنت أكره المدرسة حتى المرحلة الثانوية، وصغاري يعلنون بكل جرأة أنهم يكرهونها، ولكنهم رغم تفوقهم ، وجدوا الجرأة ليعبروا عما لا يستطيع البعض التعبير عنه، أفاجأ أنهم يحملون كل الصدق ، وبأنهم لاي نافقون، يذهبون لها في اليوم الأول بلا حماس……

بعد غيبة وبعد أن حاولوا أن يجعلونا نحبها ولكنا لا نفعل، سوف ينتظمون في الطابور ويتم توزيعهم على الفصول الجديدة، وسيتم التفتيش على الزي المدرسي وستتأكد المعلمات خصوصا من لون الحذاء ولون أربطة الشعر، رغم أنهن لسن من كوكب آخر ، وهن يعلمن أن الوضع  في غزة غاية بالبؤس وأن الناس هنا بالكاد تدبر قوت يومها، فكيف بمصاريف المدرسة؟ ولكنهن يعشن الطقوس التي تحتم أن يكن معلمات متمرسات وشديدات البأس…..

ذهب صغاري في اليوم الثاني من رمضان للمدرسة، ودعتني ابنتي الصغيرة بالدموع، وودعني ابني الصغير وداع البطل الذاهب للمعركة الحربية، أما ابني الأكبر والذي يدخل المرحلة الثانوية هذا العام فلم يعلق بكلمة وان حملت تعابير وجهه الكثير……..

التعليم في بلادنا بحاجة لاصلاح

نحن بحاجة لتغيير نظام حشو الأدمغة

ويبدو أني قد أرفقت كلمتي الاصلاح والتغيير دون قصد وهنا يتهكم ابني البكر قائلا: مش قالت لكم حماس اصلاح وتغيير

يعني بدها تضل طول فترة حكمها اتصلح خطوط الكهربا

ولهيك راح تتغير حياتنا لميت سنة مضت……..

ونعود للمدارس، ولقرفها كما أقول، ولا زلت على رأيي أننا نعد جيلا فاشلا بهذه الرطيقة التي تعتمد على الحفظ ولا شيء غير الحفظ

أعد طول العام كم مرة دخل ابني معمل المدرسة؟

وكم مرة دلفت ابنتي إلى معمل المدرسة أو قاعة الحاسوب؟

تقول ابنتي: نجلس إلى الحاسوب ونمنع من لمسه وتشرح المعلمة الدرس نظريا نخرج من القاعة التي افتتحتها الأونروا لنتركها للمعلمات والناظرة ليستمعتن بجهاز التكييف فيها

والأمر ذاته مع ابني الذي طال بحثه عن مدير المدرسة، ليوقع على ورقة هامة، حتى عثر عليه نائما في قاعة الحاسوب، وبالطبع لايسمح للطلبة بلمس الأجهزة لأنها عهدة رسمية……….

التغيير والاصلاح من أين يبدأ؟

كيف نقيم أمر هذه ا لغراس الصغيرة قبل أن تصبح أشجارا تتطاول بجذوعها القاسية؟

أجزم أن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…….

أتذكر

الإثنين, أغسطس 24th, 2009

أتذكر

 

حين تعود صغيرتي من درسها

 

 

 

 

وتلف عنقي بذراعها الصغير

 

 

 

كفراشة وردية في عالم بريء أطير

 

 

 

تتقافز على ركبتي

 

 

 

 

وأركض خلفها كمهر يتعلم المسير

 

 

 

 

ولكني حين أرى ضحكات عينيها

 

 

 

 

 

 

 

أتذكر

 

 

 

طفلا اسمه لؤي……فقد نور عينيه الجميل

 

 

 

أبكي وأنا أتخيله

 

 

 

يدوس العتمة بلا لؤلؤتين كانتا تزينان وجهه من

 

 

زمن قصير

 

 

 

لله درك ياولدي

 

 

 

هل أملك لك إلا الدعاء بحسن الصبر والثواب

 

 

 الكبير

 

 

وحين

 

 

يتنقل طفلي الأكبر بين الأرائك كما

 

 

العصافير

 

 

 

وتذيب بسمته جراح قلبي الكسير

 

 

 

أتذكر جميلة

 

 

 

جميلة الجميلات التي أضحت بلا قدمين

 

 

 

ويحي كيف تسير؟

 

 

 

 

 

وحين لسريري أخلد

 

 

 

 

 

وأنا أنتظر الدفء الوفير

 

 

 

أرى خياماً حلت في الفضاء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

والتاريخ الأسود يعيد نفسه على الجميع بمشهد

 

 

خطير

 

 

 

وأتخيل باكية الدياجي

 

 

 

كيف أمسى صغيرها أشلاء تتناثر

 

 

 

فيغيب النوم عن جفني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من ينقذني من ركام أحزاني

 

 

 

من ينسيني أهلي وشعبي

 

 

 

كل ما أتذكره لا يترك في حياتي مكانا لفرح لو

 

 

 قصير

 

 

 

لك الله ياشعبي في غزة

 

 

 

ولا تسأل العون من غني ولاتتوسل

 

 

 

لحقير

ذكريات رمضانية”من يوميات امرأة محاصرة”

الأحد, أغسطس 23rd, 2009

يأتي رمضان ليحمل لي الذكريات الجميلة، أتذكر في كل مساء ، وعلى مائدة الافطار جدتي لأمي وجدتي لأبي، وكذلك جدي لأبي وجدتي لأمي.

ربما ما لا يعرفه البعض أن ذكريات الطفولة تظل محفورة في الأعماق وتستمر في حالة عرض سينمائي كشاشة فضية في غرفة مظلمة طوال العمر ، فمثلا فقد توفيت جدتاي رحمهما الله  وأنا ابنة الثامنة من عمري ولكني لا زلت أذكر كل شيء مر في هذه السنوات القليلة التي عاشرتهما فيها.

كانت جدتي لأمي تعيش في بيت صغير في منطقة بعيدة عن بيتنا، ولكني كنت أصر على زيارتها رغم وعولة الطريق، فمنذ  مايقترب من الثلاثين عاما ، كانت السيارات قليلة والطرق وعرة في مدينتي، ولذا فكانت هذه الزيارات رغم شقوتها ، هي رحلات روحانية ممتعة بالنسبة لي…..

بيت جدتي كان فقيرا ولكنه كان مستورا بمهارة جدتي وحنكتها، يشبه تلك البيوت التي تطل علينا في المسلسلات السورية القديمة ، بل اني كلما شاهدت ديكورات مسلسل باب الحارة أتذكر بيت جدتي، بدالية العنب التي تتساقط أوراقها، وشجرة التين الضخمة التي تقف العصافير على أغصانها تلتقط من حبات التين بمنقارها مايفسد منظر الحبة الجميل، ولكني كنت أجد متعة رائعة وأنا ألتقط الحبة من على الغصن وأضعها في فمي بعد أن كانت  بين منقاري عصفورين صغيرين…….

كانت الحياة بسيطة وهادئة، وجدتي تقضي نهارها الرمضاني وهي تعد عصير ومنقوع العرقسوس، تأتي ببعض العرقسوس وتضيف له بعض الماء وكربونات الصودا، وتتركه فترة، ثم تطلب مني أن أحضر” الشاف البلاستيكي المزركس البني اللون” وأنا لا أعرف هل هذا هو لونه الطبيعي أم أنه تحول لهذا اللون بفعل لون العرقسوس، تناديني جدتي أن آتي لها من على الرف الخشبي بال” شاف” وهو الابريق لمن لايعرف المصطلحات الفلسطينية ، ثم تطلب مني أن أحضر قطعة صغيرة من قماش” الشاش” بينةاللون أيضا، وقد كان لونها في السابق أبيضا، تطلب مني أن أتناولها من  على حبل الغسيل وأتأكد من جفافها، ثم تأخذها وتضع بها بتأني والكثير من البسملة منقوع العرقسوس وتعقدها جيدا ثم تضعها في الشاف الذي تملأه بالماء، وتربط طرفها بيد الشاف الخارجية حتى لا تسقط بداخل الشاف، وتغطيها بطبق صغير، ثم تظل طول النهار على روحة وجيئة، تكشف الشاف وتحرك المنقوع برجه قليلا، وتعصر قطعة الشاش بيدها ثم تغطيه ثانية….

كنت أعتقد أن حياة جدتي وصيامها قد ارتبطا بهذا الشاف وهذا المنقوع وأسمعها تقول لجارتها المسنة: والله مافي شي بيرد لي روحي على الافطار زي” السوس”

تقولها اختصارا، وبالفعل ماإن ينطلق الآذان حتى تمسك جدتي ب” شاف السوس” وتجرع منه جرعات متلاحقة، وأرى وجهها الصبوح يشع توردا وجمالاً

واعتقدت صغيرة أن سر حياة جدتي في هذا ” الشاف”

لكي تمر الأيام وأعود ذات ظهر من المدرسة لأجد جدتي جثة ممددة بلاحراك، وإلى جوارها” الشاف” فارغاً…….

بعد أن كبرت وتعلمت وقرأت عرفت أن تناول العرقسوس يؤدي إلى ارتفاع مباغت وسريع في ضغط الدم، ويؤدي إلى زيادة ضربات القلب لو زاد المعدل الطبيعي عن شربه وهو الكوب الواحد…….

جدتي لم تكن تعلم أن سر موتها لا حياتها كان في ” شاف السوس”

انها الأعمار بيد الله

هؤلاء البسطاء الذين عاشوا وماتوا ولم يعانوا كما نعاني، وربما عانوا ولم يعلموا، وهذا في رأي أفضل منأن يعانوا كما نعاني الآن…….

عن الضغط والكوليسترول والجلطات وغيرها……..

رحم الله أمواتنا

وساق الله على أيام زمان………..

سما

أول ليلة رمضانية”من يوميات امرأة محاصرة”

السبت, أغسطس 22nd, 2009

في المساء بدأنا نستعد ليوم رمضاني ، البداية كانت من نصيب الصغيرة حيث أمسكت بفانوسها الجميل وبدأت تغني” حالو ياحالو رمضان كريم ياحالو”، وحين اشتد بها الطرب بدأت تتقافز فوق الأرائك والطاولات والكراسي والأسرة، وأخيرا اشتد الطرب بالكبار وتحركت النوازع الطفولية بداخلهم وكنت أنا أولهم حيث بدأت وبقية أولادي بالهرولة خلفها ونحن نتصايح ونغني معها، وتزامن هذا الغناء والتقافز  مع انقطاع التيار الكهربي فأصبحنا خلف الفانوس الصغير المضيء كقاطرة صغيرة من مخلفات  القاطرات البخارية، بدأنا نهرول بسرعة ثم تباطأنا بسبب انتشار الظلام حولنا وخوفنا من أن نصطدم بقطع الأثاث التي بدت ككائنات شبحية في الظلام المنتشر حولنا.

طلبت من أطفالي ان يخلدوا للنوم باكراً لأنهم سوف يستيقظون بعد ساعات قليلة لتناول السحور، وأسبغت على صوتي بعض الهيبة وأناأحثهم على المواظبة على الصلاة وقراءة القرآن واستغلال كل أوقات الشهر الفضيل في التقرب إلى الله، هذا فيما كان الولدان يتهامسان حول موعد عرض مسلسل باب الحارة ولكني زجرتهما بشدة، وان كنت بعد الزجر سألت ابنتي الكبرى خلسة: هو باب الحارة امتى راح ينعرض؟

نمت قبل الجميع وضبطت ساعة المنبه على موعد يسبق أذان الفجر بساعة، منيت نفسي بنوم هاديء متواصل، ولكني نمت نوماً متقطعاً لأني خفت أن يفوتني موعد السحور رغم طنين ساعة المنبه في أذني…..

استيقظت قبل الموعد الذي حددته بساعة كاملة ومعنى ذلك ان أمامي ساعة أخرى لانتظار موعد السحور، توضأت وصليت عدة ركعات لوجه الله تعالى ودعوت الله بالستر والعافية والتوفيق….

أشع قلبي بالنور والطمأنينة، وبدأت أرقب جيراني وهم يتسللون إلى المساجد حذرين خاصة بعد التفجيرات الأخيرة التي حدثت في غزة بفعل جند أنصار الله……..

استنشقت الكثير من هواء  اختلط مابين الليل والفجر، كان هواء منعشا بحق، ممادفعني لولوج المطبخ ،وقمت بأعمال ترتيب سريعة على الرفوف، وبدأت أعد طعام السحور………

حين أيقظت الصغار وعدت لأحمل صينية الطعام وأضعها على المائدة في صالة البيت، وجدت أربعة “جثث” مكورة على السجادة
 فقد ترك صغاري أسرتهم ليتابعوا نومهم على السجادة، مررت من فوق ” الجثث” وصحت” الآذان سينطلق بعد دقائق..

طبعا لايزال الوقت مبكرا لكن ندائي أيقظهم وهرعوا يتناولون الطعام بآلية مضحكة، وبعد دقائق عاد الولدان لأسرتهم رغم الحاحي عليهم أن ينتظروا موعد الآذان لنؤدي صلاة الفجر جماعة………

عدت للدرس الذي بدأته عن حسنات رمضان وفضائله، ولكن الغطيط انطلق من غرفة الولدين بما يعني أن لافائدة من دروسي، أما ابنتاي العزيزتان فقد أمسكت كل واحدة بالمصحف المخصص بها، وبدأتا في قراءة القرآن الكريم وكذلك فعلت أنا ، وأدينا صلاة الفجر ونامت الصغيرتان فيما جلست أنا أمام الحاسوب لأؤدي بعض الأعمال قبل أن ينقطع التيار الكهربي ثانية……….

رائعة تلك الأجواء الروحانية التي لم يعكرها سوى انصراف أولادي الذكور عن استغلالها، وسؤال ابني الصغير: ماما شو الافطار اليوم؟

وقبل أن أرد ،رفع اصبع سبابته منبها: اوعى تقولي طبيخ عادي ورز

أنا بدي”هبر”……….

رمضان كريم” من يوميات امرأة محاصرة”

الخميس, أغسطس 20th, 2009

 فانوس رمضان متحرك

جاء ابني الصغير مهرولا

تعلق برقبتي كما يفعل

طوقني بذراعيه الأسمرين النحيفين وقال لي: ماما كل عام ونتي بخير

كنت أجفف يدي من ماء  غسيل الأواني ، حين أردف قائلا:

بس مش تضحكي علينا برمضان بأي أكل والسلام………..

ديري بالك، هالأيام النهار طويل ، والجو حار

يعني………….

قلت له: شو المطلوب؟

قال: يعني كل مشوي ومقلي ومحمر ومشمر

وانسي الأكل اللي بتضحكي علينا فيه طول السنة…….

للعلم طول السنة أنا أضحك على عقل أطفالي ، فلا أقدم لهم سوى الدجاج والكباب والفتة والمفتول والمقلوبة، والشاورما والشيش طاووق، والاسكالوب بانيه

وميزانيتي الصغيرة أصيبت بالثقوب والاهتراء من كثرة المصاريف

والآن أكتشف أني “بأضحك على عقل أولادي”

لأني أزين هذه الأطباق بطبخة ملوخية أو بامية أو بطاطا ………..

وأيام الحرب زينتها كلها بالمجدرة والعدس والبصارة…….

ابني يفكر بمعدته في رمضان

وأنا أفكر ببرنامج نومي الذي سيضطرب

وابنتي تفكر كيف ستذهب للمدرسة في عز الحر والصيام

وابني البكر يفكر بنوع المشروبات الغازية التي سيشربها بعد الوجبات الدسمة

والصغيرة نونو تفكر بفانوس رمضان:ياترى مين أحلى فانوسها ولافانوس جارتها اللدودة؟

ترى بم تفكرون أنتم؟

اكتبوا لي

وقبل كل شيء

كل عام ونتم بخير

سما