Archive for يوليو, 2009

فأر وإمرأة”قصة قصيرة من مجموعتي القصصية التي صدرت في كتاب”

الثلاثاء, يوليو 28th, 2009

 

 

الشمس كانت لا تزال في الدقائق الأخيرة من حوارها مع نفسها، وهي تستعدّ لمغادرة خدرها, حيرتها التي تواجهها كل يوم في نفس الوقت.. يجب أن تشرق كما هي إرادة رب العباد، ولكنها تشفق على نفسها ونورها وخيرها أن يعمّ على هذا الكون الزاخر الطافح بالشرور والآثام..نفس الصراع تعيشه الشمس الأزلية.. نفس الحيرة.. ولكن في ذلك الفجر كانت هناك نفس بشرية تعاني صراعاً أكبر, عذاباً وألماً, حيرة بين النار والنار…

تعتدل في سريرها الخشبي المتآكل, ثلاثون عاماً مرت على هذا السرير في نفس الركن من البيت الفقير الحقير، متصدع الجدران والذي لم تمتدّ له يدٌ لإصلاحه، فأصبح في حالةٍ من السوء لا يحتاج فيها إلى قرار إزالة ليزول عن وجه الأرض. أطلّ عليها رأس فأر مذعور من إحدى زوايا الغرفة, لم تكترث به، فقد اعتادت على طلّته، ولم تفكّر في إخبار زوجها الذي يغطّ بنومه خلفها، على الجانب الآخر من السرير.. لم تفكّر بإخباره عن الفأر، رغم أنه قد نبّه عليها عدّة مرات، أن تُعلمه إن لمحت فأراً في البيت, فهو يصنع هذه الأيام أفخاخاً صغيرة بدائيّة لصيد الفئران، والعصافير أيضاً، ويريد تجربه كفاءتها قبل أن يحاول عرضها على رفاقه الذين هم من عيّنته, فاقدي أعمالهم داخل إسرائيل، والمنتظرين لمجهولٍ قد لا يجيء, سخرت لأولّ مرّة هذا الصباح، بداخلها، وهي تفسّر اهتمام زوجها بالفئران وكأنه يقول لها: أنا موجود في البيت..لازال لي دورٌ فيه .. زوجها يكبرها بأكثر من أربعة عشر عاماً فهي قد تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها عندما لم يكن أمامها شيء تفعله أمام فقر عائلتها الكبيرة، ورغبة والدها بإزاحة فمها المفتوح من أمام ناظريه، ليلتفت لبقية الأفواه المشرعة, كانت جميلة جداً بصورة جعلت الجميع يتسابقون على الظفر بها ومحاولة خطبتها في هذه السن الصغيرة، وتزوجت وهي تعرف أنها لا تملك إلا جمالها الذي ساقها إلى بيت هذا الرجل الذي كان يحصل على راتب مرتفع جراء عمله في إسرائيل، قبل أن يتحوّل القطاع إلى سجن مغلق، ليجد نفسه فيما بعد صفر اليدين، لا فوقه ولا تحته، نتيجة انغماسه في الملذات وإهدار ما تبقّى لديه من مال هنا وهناك. وفي السنوات التالية لم يكن أمامها إلا أن تكون وعاءً لإنجاب أكبر عدد من الأطفال لهذا الرجل أيضاً الذي يعتبر الذريّة عزوة، ولو لم يملك لهم قوت يومهم, أو لم يجدوا مكاناً يستقبل أجسادهم في البرد ليناموا ويتدثروا…

 

جميلة.. جميلة.. كثيراً ما سمعت هذه الكلمة ورأت آثارها على وجوه كل من صادفت، حتى بعد مرور السنوات الطويلة على زواجها وتجاوزها عامها الأربعين, في كل مكان وفي كل وجه كانت تقرأ وتسعد وتشقى بهذه المعلومة التي لم تقدم لها شيئاً, قابلت في أحد الأيام إحدى جاراتها القديمات، كانت دميمةً كما تجب الدمامة، ولكنها أصبحت طبيبةً لها عيادة تعجّ بالمرضى، وتربض أمام بابها سيارة فاخرة تقودها هي، وبالتأكيد تقود حياتها كما تفعل بسيارتها.. تنهّدت بصوت مسموع، ومطّت شفتيها، وسخرت بداخلها سخريةً آلمت قلبها، وهي تنظر للمرة الثانية إلى زوجها.. ربما هو الوحيد الذي لم يقُل لها يوماً إنها جميلة! وربّما لا يجد فائدةً تُرجى من قوله، فهو لن يستطيع أن يهديها مثلاً عقداً ثميناً يتيه على صدرها ناصع البياض، ولن يشتري لها أيضاً قميص حرير للنوم.. لملمت ثيابها وهي تتذكّر ملابسها الداخلية البالية, القطعة الداخلية التي ترتديها تحت الجلابية أصبحت منسولة الجوانب، وممزّقة الذيل، وفي داخلها تخجل أن تضطجع بها أمام زوجها، وهو موشك على عناقها، قبل أن يعتلي جسدها، ويغيب بين لُجج بياضه، كسفينة تغرق في أعماق المحيط.. حتى لو رأى القميص المهترء..أطل شبح ابتسامة على وجهها, ماذا سيحدث ؟هذه الأمور لا تهمّه بقدر اهتمامه بأن يعبّ من جمالها وأنوثتها وشبابها.

 

أيّ شباب بقي لها؟! وهي قد تجاوزت عامها الأربعين بعامين ولكن.. قدّها لا زال ممشوقاً، وصدرها مشدوداً، وبياضها وحمرة وجنتيها تشعلان وجهها ذا الملامح الطفولية، وتحذفان من عمرها عشر سنوات على الأقل.. تفكيرها البسيط يدفعها إلى السخرية الداخلية المريرة، والتي تترجمها على وجهها بالكثير من اللامبالاة، أو الإعراض عن زوجها وهو يجعل جسدها همّه الثاني بعد صنع الأفخاخ التي لم يُجرّب نجاعتها بعد. تزوّجت ثلاثٌ من بناتها ليتكرر نفس السيناريو الذي حدث معها, لم تحظ أيٌّ منهن بزوج ثريّ، يعوّضها عن الفقر الذي عاشته في بيت والدها..كتمت حسرتها في قلبها وهي تتمنى لو استطاعت استثمار جمال بناتها وتفشل..

 

ندت من زوجها وصلة شخير عالية، سرعان ما خمدت، وحرّك شفتيه كأنّه يلوك طعاماً.. شعرت نحوه بالحقد الشديد، فهو لا يحمل همّاً لأعباء البيت، ويكتفي بما تحصل عليه من زياراتها للمؤسسات والجمعيات الخيرية, ولا يُلقي أذناً صاغية لشكواها من تحرّشات الموظفين، وحتى العتّالين الذين يحملون لها المعونات الغذائية على عرباتهم, وأصبحت لا تشكو له، بل وتجد المتعة في سماع عبارات الغزل الصريحة والطامعة والسريعة.

 

وحده جارهم الرجل الستّيني الذي يملك محلاً لبيع المواد الغذائية المجمّدة, هو الذي يترك كلامه أثراً في أذنيها، ويظلّ يدوّي فيهما كما تفعل نحلة مشاكسة، تبحث عن زهرة بين ضلوع الصبّار لتمتصّ رحيقها.

 

جارها لم يفقد الأمل أنها سوف تستجيب لغزله المنمّق، وتلميحاته الكثيرة بأنه سيفتح لها حساباً جارياً في دكانه، فتستطيع أن تأخذ منه كلّ ما تحتاج من مواد مثلّجة، والحساب كما يقول ليوم الحساب.. كثيراً ما اشترت منه كيلو من اللحم المجمّد الذي يعيد تجميده عدّة مرّات، ويفصل عنه الكهرباء كثيراً فيذوب عنه الثلج، ليوفّر في فاتورة الكهرباء فيتغيّر طعمه وحتى شكله, ولكن ما باليد حيلة, شيء أفضل من لا شيء.

 

سرح خيالها في المرات الكثيرة التي أعطاها كمية من اللحم والبازيلاء المجمّدة دون مقابل، وهي تعرف أنها تكون على وشك أن تفسد ولكنها تأخذها منه متلهّفة وممتنّة, تذكّرت عرضه وهو يردف ويحاول أن يلمس وجنتها المتوردتين: بس لو تعطف يا جميل.. كانت تتمنى لو أفصح عن مقدار العطف الذي يريده مقابل كميات كبيرة من بضاعته, حتى طفح بها الكيل أو طفح به الانتظار، وصارحها وصارحته: قُلْ من الآخر ماذا تريد مني؟ فردّ وهو يغمز لها بعينه ويحاول أن يتبسّط معها أكثر بوضع يده المتّسخة بالدهون والدماء على صدرها, لم يبدُ أنه قد أخطأ بلمس صدرها كما كان يدّعي في المرات السابقة.. وعندما غادرت محلّه في هذه المرة، كانا قد اتفقا على اللقاء في المخزن الخلفي لمحله, كلّ ما عليها أن تأتي بالصباح الباكر قبل أن ينتبه أحد الجيران وتدلف من الباب الخشبي الصغير الذي سيتركه لها موارباً..

 

حدّثت نفسها وهي تنهض من فراشها وتعدّل ملابسها وتضع غطاء رأسها.. ما الفارق بين أن يضاجعها زوجها وأن يفعل هذا الرجل, هزّت رأسها بعنف وهي تعدّل من “ايشاربها” ممزق الأطراف.. على الأقل هو سيمنحها كيساً كبيراً من المواد الغذائية التي ستكفي أولادها لأسبوع على الأقل.. أما زوجها الذي يلتهم كل الصدقات والحسنات التي تصلها وفوقها عمرها وجسدها، فهو لم يفكّر يوماً ما أن يمنحها أي مقابل وكثيراً ما وبّخها وشتمها بعد أن يرفع جسده الثقيل الغارق في العرق عن جسدها، ويكون قد تذكّر عدة شواكل قد أنفقتها دون إذنه.. هناك فرق أو سيصبح هناك فرق.. سخرت لمرة جديدة لم تعرف ترتيبها منذ استيقظت وتسللت من البيت تاركةً زوجها يلوك أحلامه أو يلوكها في أحلامه…

 

تمنّت ألا يراها شقيق زوجها في المنزل المجاور، حيث يملك سيارة نقل ضخمة ينقل عليها الخضار والفواكه بالجملة ويبخل على أطفالها ببعض الفاكهة العطنة, لم تدع الله هذه المرة وهي تخرج من البيت كما تفعل دائماً أملاً في معونة سريعة تصرف لها دون انتظار قاتل في طابور طويل.. خجلها أمام الله كان كبيراً ولكن اختناق عبراتها المحتاجة لكيس من المعونات دفعت بالكثير من المبررات إلى خطواتها التي بدأت سباقاً محموماً مع دقّات قلبها.

 

كانت تتقدم من المخزن الخلفي كثيراً ويدها تقبض على الكيس البلاستيكي الأسود الذي اقترضته من زوجة شقيق زوجها وهي تبدي الكثير من الامتعاض.. تساءلت ماذا لو رأى قميص نومها الممزّق المنسول تحت جلابيتها؟ كيف سيكون وقع جسده على جسدها؟ رائحة جسمه.. هل ستشم ذات الرائحة التي تنبعث من يديه الملوثتين بالدهون المتجمدة والدماء والتي تغطي البقع البنية الداكنة على ظهر كفّيه بفعل تقدّمه في السن أو نتيجة لاعتلالات صحية ما.

 

حين وصلت كان هناك تزاحمٌ غير معتاد أمام المحل والباب الخارجي للبيت الذي يحتل المحل والمخزن الطابق الأرضي فيه.. أصيبت بخوف رهيب, معقول أن كل هؤلاء شهود استعدوا للجرم الذي سيحدث بعد قليل. انتزعتها عبارات على غرار: رحمه الله, كان رجلاً طيباً, الموت يأتي فجأة.. انتزعتها من نوبة قلبية كانت على وشك الإصابة بها…..لقد مات الرجل صاحب المحل فجأة, مات قبل الفجر بقليل,,,

 

واصلت السير بعد أن استدارت وأفلتت يدها الكيس الأسود البلاستيكي الذي طار في هواء الفجر البارد النشط، ليستقر على الرصيف، وتأتي سيارة النقل الضخمة التي يمتلكها شقيق زوجها فتدوسه تحت عجلاتها.

نظرت قليلاً إلى الكيس الذي التصق بالرصيف المندّي.. واستمرت في سيرها وفي رأسها فكرة واحدة.. ستخبر زوجها عن الفأر الذي يطلّ عليها كل صباح من جحر في غرفتها…

 

أحلام مشروعة”قصة قصيرة من مجموعتي القصصية التي صدرت في كتاب”

الثلاثاء, يوليو 28th, 2009

 

ألقت بجسدها وحقيبتها الجلدية متآكلة الأطراف على المقعد الخلفي للسيارة وهمست للسائق بصوتها المرتجف برداً ونصباً: حيّ الأمل لو سمحت.

كان الجو خارج السيارة ماطراً بارداً، وهي تريد الوصول إلى البيت بأقصى سرعة لتلحق ببعض الدفء الذي ينثره موقد الحطب الموضوع في وسط صالة البيت الصغيرة…كان أبوها يصرّ على استخدام الحطب على أنه أفضل وسيلة تدفئة، رغم الأزمات الربوية المتلاحقة التي تداهم صدره، وتجعله يسعل كالعواء، ولكن الأزمات الربوية أرحم بكثير في نظره من فاتورة الكهرباء، التي تصلهم نهاية كل شهر، والتي تزيد الأزمة الربوية احتقاناً، وترفع ضغط دم أمها. سخرت بداخلها, فهُم أصلاً لا يملكون مدفأة كهربائية، وطالما تمنّت لو ابتاعت واحدةً ووضعتها في مواجهة أبيها القابع بلا عمل طوال الوقت..

 

ركوبها سيارة أجرة يعتبر مغامرةً، وربما أنّبتها أمّها لأنها فعلت ذلك، فهي لا تملك إلا شيكلاً واحداً تدحرجه في أقصى بطانة حقيبتها، حتى لا تخطئ يوماً وتخرجه أثناء بحثها عن شيء آخر من متعلقاتها البسيطة.. كانت تطلق على هذا الشيكل شعرة معاوية.. فهو لا يجعلها فقيرةً معدمةً، ولا غنية مُترفة…لأنها تملك شيكلاً فحسب!

 

وها هي الآن تمدّ يدها به إلى السائق.. كيف لم تنظر إلى السائق في عجلة ركوبها.. كان شاباً وسيماً، وربما يصغرها بأعوام.. له لحية صغيرة نامية كإبر قصيرة.. وشعر رأسه ناعم غزير.. طريقة إمساكه بالمقود تدلّ على أنه يتمتّع بصحة جيّدة.. لو كان مُترفاً لما عمل سائقاً، ولكنه بالتأكيد، يهتمّ بصحّته، حتى يظلّ مربوطاً إلى المقود أطول فترة ممكنة.. نظرت إلى المرآة الأمامية في وسط السيارة.. تمنّت لو نظر إليها.. تعرف أنها ليست جميلة.. حتى اسمها الذي ينحدر من أصولٍ تركية، لم يمنحها، حين التصق بها، أيّ مسحة من الجمال.. كانت فتاةً عادية، لم تلبث أن مرت بها السنون وأصبحت في بداية عقدها الرابع دون زواج…وضعت يدها لا إرادياً على المنطقة المحيطة بفمها.. هناك تقشرٌ واضحٌ فيها، ربما من سوء تغذيتها, تخفيه بطبقة سميكة من البودرة الرخيصة. قبل عدة أشهر اشترت علبة بودرة بعشرة شواكل من بائع جائل على عربة، ولم تنس حتى الآن نظرته إليها وهي تدسّ العلبة بلهفة في حقيبتها، متخيّلةً أن مسحةً منها سوف تحوّلها إلى فينوس الساحرة. كان لسان حال البائع يقول: وهل يُصلح العطار ما أفسده الدهر, تذكّرت ابنة صاحب مصنع الخياطة الذي تعمل فيه، كانت جميلةً جمالاً صارخاً، وتُبرز جمالها وجسدها بطريقة مفتعلة.. وتطرب لعبارات الغزل التي يُمطرها بها الرجال الذين يفدون إلى مصنع أبيها..

 

صاحب المصنع، ورغم أنه في سنّ والدها، لا يتردّد عن التّحرّش بها، ولمس يدها أو الاحتكاك بمؤخرتها، عند مروره بالقرب من ماكنة الخياطة التي تجلس إليها لمدة عشر ساعات يومياً.. كانت تتقاضى مبلغاً لا يتجاوز الثلاثمائة شيكل، إلا في الأعياد، فكان يمنحها صاحب المصنع عيديّةً صغيرةً تفرح بها هي وأُمّها, أمها التي تدس راتبها في صدرها، ثم يلهج لسانها بالدعاء لها كثيراً، وهي تعدّل من وضع حمّالة صدرها المتدليّة من فوق ملابسها.. حتى تتأكّد أن المبلغ قد التصق بلحم صدرها الغارق بالعرق والدفء.. هذا الراتب الصغير، هو النّواة التي تسند الزير، لأنّ والدها بلا عمل، وهي أكبر إخوتها السبعة، والبيت كلّه مفتوح من حسنات وصدقات الجيران والأقارب، أما راتبها فهو الذي يكفي العائلة ذلّ انتظار زكاة متأخّرة، أو صدقة ذهبت إلى شخص آخر عمداً أو سهواً.. وجنتاها تكسوهما طبقةٌ من البقع البنيّة الداكنة، وحين سألت جارتها الطبيبة، وهي في عجلةٍ من أمرها، وتهمّ لركوب سيارتها، أجابتها: لأنك تسيرين كثيراً تحت أشعة الشمس. والتقطت من على “تابلو” السيارة ورقةً صغيرةً وقلماً ذهبياً لتدوّن لها اسم كريمٍ للوقاية من الشمس. لا زالت تحتفظ في قاع حقيبتها بالورقة التي تشرّبت بزيت الفلافل, لم تفكّر أن تسأل في الصيدلية مجرد سؤال عن ثمن هذا الواقي. يوم أن اشترت علبة البودرة والتي لا تُسرف كثيراً في استخدامها سمعت الكثير من التقريع من والديها وكأنّها ضُبطت في لقاء عابر مع ابن الجيران…لم يكن هناك حقاً ابن جيران فكّر يوماً بمغازلتها.. رضيت بنصيبها وهي تترك المدرسة في المرحلة الإعدادية وتلتحق بالمصنع وتقطع كل يوم المسافة بينه وبين بيتها في ساعة للرواح وأخرى للغدو.. أفاقت من شرودها قليلاً على صوت السائق وهو يسألها: أي شارع تريدين؟

 

ردّت بصوت حاولت أن تكسبه بعض الرقّة والنعومة: الشارع الثاني. لو سمحت.. ليست من هؤلاء الفتيات اللواتي يُجدن تسويق أجسادهن بافتعال واضح وصريح، وفي النهاية لا يظفرن بزوج، ولكن بسوء السمعة لا أكثر.. تخيّلت لو أوقف هذا السائق الوسيم السيارة والتف بجسده من مقعده الأمامي وقبّلها.. لو فعل والتفت حقاً للمرآة الأمامية للسيارة بصورة تجعله قادراً على استراق النظر إلى أكبر قدر من تفاصيلها.. الجورب الذي يلتفّ حول ساقيها مجعّد بالٍ.. وحذاؤها بكعب ذائب.. ولو اقترب أكثر سيرى الثقب الذي فشلت أمّها في رتقه في ياقة القميص الكحلي الذي ترتديه.. سحبت التنورة بكلتيّ يديها إلى أسفل لتخفي الجورب البادي كلقمة لاكتها أضراس عريضة.. التنورة كانت سوداء. لا تذكر من أي كومة بالة اشترتها ولكن كان ذلك من زمن بعيد.. ولا تغيّرها إطلاقاً، فقط تغيّر البلوزات والقمصان بما يتلاءم مع اللون الأسود للتنورة.. ماذا لو استدار وقبّلها؟! حين يقترب منها لن يشمّ رائحة عطر من تحت إبطها, أمّها طالما نصحتها أن تستخدم قشرة الليمون بعد عصرها في مسح منطقة إبطها حتى لا تنبعث رائحة عفنة منه, وأمها تحتفظ على حافة حوض المطبخ بعدة أنصاف لليمونات سبق عصرها لهذا الغرض, تمنّت لو أنها تستخدم عطراً من تلك العطور التي تصطف في واجهات المحلات, تسمع كثيراً من زميلاتها في المصنع واللواتي يتندّرن في أثناء العمل بتأثير العطر على الرجال, زميلاتها هنّ على شاكلتها ممّن فاتهنّ سن الزواج، أو مُطلّقات لم يحظين بالزواج إلا لفترة قصيرة.. أمّها لا تتوقّف عن الدعاء لها بالستر، وتطلب من قريبتها العجوز البحث عن عريس مناسب لها, وتردف أمها قائلةً للقريبة العجوز التي تقلّب نظرها في وجهها غير مقتنعة بجدوى البحث: أيّ زوج يسترها لا يهمّ السن, والمهم أن يكون ميسور الحال. أمها لا تقتنع أنها تحيا كراهبة. لم يلمسها شاب ممن يعملون في المصانع المجاورة لمصنعها.. لم تحظَ بقبلةٍ أو عناقٍ سريع.. أبداً ذلك لم يحدث.. ترى كيف ستكون رائحة جسده لو دنا منها؟! هل ستنبعث من أنفاسه رائحة سجائر خانقة.. هل أسنانه صفراء يهمل تنظيفها, إن أسنانها بيضاء ناصعة فقط تتمضمض بالماء وتفركها جيداً بالملح حيث تستخدم سبّابتها كفرشاة أسنان والنتيجة كما ترى في مرآتها المشروخة أكثر من رائعة.. نظرات والديها لها لا تخلو من شفقة.. زواجها لو حصل سيقطع بهم.. ولكن أبداً لا تتوقف أمها عن اللهج بالدعاء..

 

تخيّلته يتجرّأ أكثر والشوارع تغتسل بالأمطار والناس ينكمشون في بيوتهم, يستدير من مقعده ويعانقها عناقاً قصيراً.. أو حتى طويلاً، ويدسّ يده بين فراغ زرّي قميصها، فتصل إلى حلمة صدرها النافرة…أوشكت أن تطلق أنيناً ممزوجاً بنشوة.. حين صمّ أذنيها صرير عجلات السيارة على الأرض المرطبة بالمطر.. قال: لقد وصلنا.

 

كانت الراكبة الوحيدة معه.. نزلت من السيارة وسحبت حقيبتها من على الكرسي، وألقت نظرةً أخيرة إلى وجهه الوسيم.. نظرة أخيرة إلى السماء التي تحشد عواصف قادمة، ثم غيّبتها طرقات حارتها الضيّقة المظلمة, غيّبتها وهي تبتلع في حلقها, دموعاً عميقة ساخنة، فرّت من مقلتيها..

 

قضية اللجوء في مطبخي” من يوميات امرأة محاصرة”

السبت, يوليو 25th, 2009

يصر ابني الصغير على أنه سيصبح يوما ما لا عبا كبيرا ومشهورا في لعبة كرة القدم التي يصر أيضا على ممارستها بين جدران البيت الصغير ، وتدور بيني وبينه المعارك اليومية خوفا من أن يكسر آنية أو وعاء أو يصيب أخته الصغيرة بتلك الكرة البيرة الحجم الثقيلة الحجم التي لا أعرف كيف يستطيع أن يركلها بقدمه النحيفة والتي دائما ما أشبهها ب” رجل الكرسي”

أمام اصراره فهو يطلب مني أن أعد له في  الصباح والمسء لترا من الحليب ليشربه دفعة واحدة كما شاهد الممثل المصري نور الشريف يفعل في فيلم غريب في بيتي حين كان يقوم بدور لاعب كرة قدم ريفيجاء بقدمه الذهبية من الأرياف.

أعجب ابني بقصة كفاح اللاعب الريفي الذي أصبح مشهورا فيما بعد وبات يتنبأ لنفسه بالمثل وبأنه يوما سيصبج مثل : رونالدو………

طبعا لا أعرف من هو رونالدو ولكن اسمه يتكرر كثيرا على لسان ابني الذي يرفض رفضا تاما حلاقة شعره رغم الجو الحار ويصر على اطالته كما يفعل ………الرونالدو هذا……..

المهم أنا ميزانيتي المتواضعة لا تسمح بأن يشرب ابني لترين من الحليب كل يوم خاصة أني لا أستخدم الحليب البقري خوفا من الأمراض المنتشرة وخاصة أن الحليب المجفف غال الثمن لأنه يصل إلى غزة عبر الأنفاق..

فكرت وفي لحظة يأس اشتريت كيسا من الحليب المجفف الذي توزعه الأونروا على اللاجئين وتبيعه النسوة الفقيرات على الأرصفة وبدأت أمارس خطتي” الجهنمية”……

خلطت الماء بالكثير من الحليب المجفف  ” اللي بالي بالكم” ووضعت بعض الحليب الجيد الصنع مثل النيدو وبدأت في التحريك وفي النهاية أصبح أمامي لترا من الحليب ما إن تذوقه ابني حتى صاح: ماما مش هاد حليب كل يوم…….

قلت له ببراءة  حسدت نفسي عليها: لا ياماما بس انت مش حاسس بطعمه عشان لسة فايق من النوم….

هز رأسه بغير اقتناع وارتشف اللتر كله وهو يعلن عن امتعاصه من الطعم الذي تغير للنقيض برفع شفتيه ووضع يده على بطنه، وزم حاجبيه…………

في المساء أعددت له اللتر الثاني من الحليب  المعتاد أو الذي يجب أن يعتاد عليه ولم أضف أي اضافة من الحليب الأجنبي الذي أستخدمه فقط لاضافته للشاي على مائدة الافطار وللصغيرة قبل نومها حيث أعد لها كوبا صغيرا وليس ……….لترا….

ابني احتج وأقسم أن طعم الحليب أصبح مختلفا لدرجة لا تطاق ، ووضع يده على رأسه يفكر ثم جاء بقطه السمين علي ووضع أمامه طبقا صغيرا به بعض الحليب………

العجيب أن القط قد رفض تماما أن يشرب من حليب الأونروا وقفز غلى طاولة الطعام يلعق ما تساقط  من قطرات من الحليب  بعد ن شربت ابنتي كوبها المعتاد……….

حتى القط يرفض فكرة اللجوء وعطف الأونروا علينا بحليب لا نعرف مصدره وصعب أن يذوب في الماء ويحتاج لوضعه في الخلاط مع الماء  لاذابته ، وطعمه  لا يمت بصلة للحليب التجاري مثل الماركات اعالمية………

قلت لابني : سامحني……….

وقررت أن أخصص جزء من ميزانيتي لشراء حليب………….نيدو

ربما ابني يكبر يوما ويصبح مثل الرونالدو الذي يهيم به وساعتها سيغرفني بالدولارات من قدمه الذهبية التي تشبه “رجل الكرسي” الآن……

سما

دعوني أعيش” من يوميات امرأة محاصرة”

الخميس, يوليو 23rd, 2009

لن أعيد وأكرر كيف تحولت فجأة وفي يوم وليلة من ربة بيت إلى صحفية وكاتبة، ولكني قبل ذلك لم أكن راضية عن واقعي الذي أختاره لي الجميع إلا أنا، زوجي كان يرفض بشدة أن اعمل بحجة البيت  ورعاية الأطفال والحجة الأكبر هو مستواه الاجتماعي ووضعه العائلي الذ ي  لايقبل أن تكون زوجته امرأة عاملة وهو الذي يمتلك شاربا يقف عليه” الصقر”….

والأهم والأكثر هو يريد أن يشعر برجولته في كل لحظة، في كل ثانية من عمري وكل شهقة وزفرة، حاولت معه ورغم أني كنت أعيش معه حياة على الكفاف فلم يكن يوفر لي ولصغاري سوى قوت يومنا  رغم ثراءه المعروف ولكنه رفض مجرد خروجي من البيت…….

كانت الفكرة وكانت البداية….

وبدأت اراسل الصحف والمجلات باسم مستعار وكانت ابنتي تحمل الأوراق وهي في طريقها للمدرسة وترسلها عبر الفاكس للجهة التي أحددها لها، الأيام مرت ثقيلة والحلم البعدي تحقق بعدطول اانتظار  ونشرت لي أول مادة….

وتوالت المواد

وبدأت اخرج من البيت بذرائع مختلفة

وأجري تحقيقا هنا ولقاء هناك

وظهرت سما حسن

ومر على ظهورها سبع سنوات

وشعرت بذاتي وتحايلت حتى أصبح لي حاسوبي الخاص ووصلته بشبكة الانترنت وبدأت اتعلم وأعلم نفسي طريقة استخدامه….

وزرت ذلك العالم المبهر العنكبوتي وبهرت به

ومرت الأيام واستغنيت عن زوجي

لم أعد أريده لازوجا  يقتر علي المال

ولا رجلاً

وعشت مع أحلامي

مع رجل أعيش معه في خيالي

وكتبت له خواطري

تصالحنا وغضبنا ولهونا وعدت……….لفراشي وحيدة

ولكن الحرب ضدي بدأت وبدأوا يتساءلون جميعا: من هي سما؟

لم يتركوني أعيش حلمي

ولم يتركوني أربي الصغار وأنفق عليهم دون أتسول

ودون أن استجيب لمن يساوموني……….

لم يتركوني والحرب ضدي تستعر

اشاعات كثيرة تطلق نحوي كسهام سامة

منها أني ……….رجل

ومنها أن هناك ثريا معروفا ينفق علي ويدفع نفقات هاتفي النقال علما أني دائما لاأملك عليه رصيد أوبأقول: اللي بده اياني يرجعلي…………

ويقولون أن كاتبا معروفا هام بي حبا وكتب لي كل قصصي وخواطري

ويقولون ويقولون

وأنا أقول لهم: فقط

دعوني أعيش

دعوني أحيا بعيدا عن عباءة زوجي ، الرجل الشرقي

دعوني أتنفس

لا اريد منكم شهرة ولا جاه ولا أي مسمى تعرفونه

أريد أن أعيش

وهذا حقي

لو سمحتم

أغمضوا عيونكم عن حلمي الصغير

أرجوكم

سما

وهاتفتك ذاك المساء”خاطرة”

الخميس, يوليو 23rd, 2009

وهاتفتك ذاك المساء

لأخبرك أني بعدك قد صرت امرأة قوية

امرأة حازمة

ولدمعها عصية

………………………………..

وهاتفتك ذاك المساء

لأقول لك :أني قد جمعت كل هداياك

كل قصاصاتك التي ملأتها أكاذيبا لتدير عقلي

وكل بطاقات المعايدة التي أرسلتها وأنت تطوف العالم وتشرب أجساد النساء وتتلذذ بعطشي

وسأرسلها لك  وأنا لا أترك للندم داخلي قيد أنملة

…………………………

وهاتفتك ذاك المساء

لأشكرك

لأنك اكتشفت قبلي كم كانت حكايتنا مستحيلة

وكم كانت قضيتنا قبل أن تنظر منتهية

وكم كان ملف القصة باليا ممزقا

 فانسحبت بكل هدوء ودبلوماسية

………………………

وهاتفتك ذاك المساء

لأخبرك

أني لم أمت بعد رحيلك

ولم أدر في الشوارع مجنونة كمجاذيب الأماكن الدينية

ولكني أصبحت إمرأة حكيمة ,رشيدة

 …………………………….

وهاتفتك ذاك المساء

لكي لا تسألني كيف تركتني بعد رحيلك

ولكي لا تعتقد أني أبكي وأتوسل وأتضرع إلى الله أن يعيدك إلي,فقد كنت ذنبا أتمنى عليه أن يغفره لى

وكنت دم ذئب أبناء يعقوب الذي لوث طهارة ثوبي

فما كان للذئب أصلا وما كان ربك ليعاقبه لالتهامه صديقا سريا

قل اسعد الله أوقاتها بكل خير”خاطرة”

الثلاثاء, يوليو 21st, 2009

قل :أسعد الله جميع أوقاتها بخير

حين تسحبك الذكريات نحو لهفتي عليك

حين يجرفك الشوق الى اخلاصي لك

قل :أسعد الله جميع أوقاتها بخير

حين تلتقي بمن عرفنا سويا صدفة

وتدوس قدماك طريقا قطعناه بأمانينا ذات يوم صدفة

وحين يمزقك  ما اقترفت في حقي من جحود ونكران

قل :أسعد الله جميع أوقاتها بكل خير

فقد كانت الوفاء والاخلاص

وحين تمل من ازالة الأقنعة عن الوجوه

وتمل من الابتسامات الصفراء اللزجة التي تخنقك

وتتذكر وجهى المطلي ببراءة طفل

وابتسامتى التي هي ابتسامة فجر صبوح

قل :أسعد الله جميع أوقاتها بكل خير

حين تلتقي بأخرى

تنهب عواطفك

تستنزف مشاعرك لار ضائها

تتعاقد مع محلات الورود لتقدم لها كل يوم باقة

وتبكي بلوعة حين تكتشف أني لم أقبل منك الا الشوك وصبرت

فقل:أسعد الله جميع أوقاتها بكل خير

اذاما تعثرت باحدى رسائلي التي تقطر دمعا وألما وعذابا

ورأيت نفسك تنام بين سطورها

واستهجنت خذلانك لي,وهجرك ونكرانك لكل ما قدمت لك

قل:أسعد الله جميع أوقاتها بكل خير

اذا ما استيقظت ذات حلم ورأيتني بملائكية أهفو اليك

أحرسك

وأقرأ فوق رأسك المعوذات ثلاثا

وأنثر الملح بسذاجة من وراء ظهرك ثلاثا

وتألمت من حرصي عليك

وسخريتك من دفق أمومتي اليك

فقل:أسعد الله أوقاتها بكل خير

أن شعرت في  ومضة

أني قد سكنت في لحظة اغفال منك ذلك الشقي الذي بين جنبيك

فقل:أسعد الله جميع أوقاتها بكل خير

فقد كانت يوما لي كل الخير

من مقالب أطفالي” من يوميات امرأة محاصرة”

الثلاثاء, يوليو 21st, 2009

ابني الصغير الذي يبلغ من العمر اثنا عشر عاماً، يضعني في حيرة شديدة أمام سلوكه الشاذ فهو يكره الاستحمام ويكره تغيير ملابسه، أعاني من هذا الأمر كثيراً، ولا أجد طريقة للتعامل معه……

عندما كان صغيرا كنت أضعه تحت” الدش” بملابسه وأنهال عليه ضربا تحت الماء ويغمرني بالمياة معه حتى نتم عملية استحمام سريعة وغير موفقة، ولكن بعد ذلك أصبحت ارغبه ولا أرهبه، وأشترط عليه أن يستحم حتى أنفذ له ما يريد، ولكنه بقي على حاله مؤثرا الحرمان من زيادة المصروف أو من لعبة أو حلوى على الاستحمام وتغيير الملابس، كثيرة هي المقالب التي عشتها معه ومنها وقد سبق أن ذكرت حين أخفى ملابسه القذرة في زهرية ضخمة حتى لا أغسلها، ولكنه أخفى جواربه التي استمر في ارتدائها لأسبوع كامل في مكان لايخطر على بالي اطلاقا, كنت في صغري مغرمة بالروايات البوليسية وخاصة كتابات محمود سالم الذي كان يقول أفضل مكان لاخفاء أي شيء هو وضعه أمام ناظر الجميع……..

من هذا المبدأ بدأت أبحث عن الجوارب التي تختفي بمجرد عودته، وأنا اصر أن يضع الجميع الجوارب بعد ارتدائها لمرة واحدة  في سلة الغسيل بالحمام، وبدأت أبحث بلا فائدة……….

ولكني لاحظت أنني كلما دخلت باب البيت أشتم رائحة عفنة، عندما أصعد للسطح لنشر الغسيل ثم أنزل وأدلف باب الشقة أشتم الرائحة، بل بالتحديد على باب الشقة, حيث أضع خزانة صغيرة للأحذية……….

بدأت أنظر وأتلفت وأتشمم بأنفي ولكن بلا فائدة، ومر الأسبوع باكمله وابني يذهب بالجوارب نفسها وأحاول أن أصطاده وأراه من أين يخرجها ويلبسها ولكن  في كل مرة أنشغل بأمر ما ولا ألمحه لحظة خروجه للمدرسة……..

أمس تسمرت أمام باب الشقة وقررت أن أبحث, رفعت رأسي لأعلى في حيرة وهنا لفت انتباهي صندوق عداد الكهرباء الأسود الصغير والمعلق بالقرب من الباب……..رفعت قامتي قليلا وفتحته……….واذا بي اجد الجوارب بداخله

فرحت بانتصاري على ابني وأسرعت بها لأغسلها………….ولكنه حين اكتشفها بين يدي مغسولة، بكى بكاء مرا وكأنه فقد عزيزا

ابني يحيرني…………ولكنه يضحكني وأنا بحاجة لأضحك

سما

أتدري ما الحزن ياسيدي؟”خاطرة”

الأحد, يوليو 19th, 2009

للحزن يا سيد القلب

ألف صورة وصورة

وألف ألف مدينة

ولكن حزني ياسيدي………….يختلف

أتدري لماذا؟

لأني

أدمنت وقوفك على عتبة حياتي المهشمة

أدمنت صوتك

وأدمنت البكاء والتعلق بطرف ثوبك

وحين فتحت عيني على الحقيقة

وجدت أني أدمنت …………الخديعة

أتدري ما الحزن يا سيدي؟

أني التقيت والعمر يضج بالدموع

ووضعتك على صدري ……أكبر أمل

ووضعتني انت في يدك………..سلسلة مفاتيح

أضعتها………..واستبدلتها بأخرى………سريعا

أتدري ما الحزن يا سيدي؟

أن يسقط المطر ويفرح الناس

ويسقط حولي ولا يغسل جراحي

ويأتي العيد ويهلل الناس

ويمر من جواري ولا يعرفني ولا أعرفه

أتدري ما الحزن يا سيدي؟

أن تمضي في الحياة

ولا تدري

هل أنت الذي تمضي

أم العمر الذي يمضي؟

ولكن مدينة حزني…………مغلقة وبلا أبواب

ولا أفعل شيئا ……….سوى العيش على جمع بقاياك من أعماقي…………

ذكريات الطفولة” من يوميات امرأة محاصرة”

الأربعاء, يوليو 15th, 2009

حقدت ذلك الحقد الذي يجلس على باب القلب من الخارج على طفلتي الصغيرة ابنة الثامنة، كان ذلك منذ أربع سنوات مضت حين قررت الحاقها بدار الحضانة القريبة من منزلنا ورفضت رفضا قاطعا أن تغادر وتفارق حضني، حتى تحايلت مع المعلمة في الحضانة فأخذتها بيدي ووضعتها على المقعد الصغير وقلت لها: سأذهب لأشتري لك الحلوى وأعود خلال دقائق، ولم أعد بالطبع إلا بعد نهاية الدوام لأجدها قد تحولت لكائن شبحي من شدة البكاء……..

قبل أن أغادر أوصيت بها المعلمة” العانس ” خيرا” ووضعت بضع شواكل في يد عاملة النظافة حتى تخبرني بتحركات بابنتي، وقامت المعلمة باحتضانها أمامي وأعطتها قطعة من الشوكولاتة، وبقي منظر المعمعلمة عالقا في عيني ومخيلتي طوا ل التهار وأنا أتخيلها تعامل ابنتي الصغيرة كما أعاملها انا بل أكثر, ولمت نفسي على حدتي وعصبيتي نحوها أحيانا…….

ولكني فشلت بالذهاب بطفلتي إلى دار الحضانة في اليوم التالي أمام سيل دموعها وصراخها وتشبثها بي، ولم تذهب في الايام التالية الصغيرة لدار الحضانة والتحقت بالصف الأول دون أن تقضي أكثر من يوم واحد من العام الذي كان من المقرر أن تقضيه في الحضانة حيث كنت أتوقع لها الاندماج بالصغار والابتعاد قليلا عني والاقلال من تعلقها الغير طبيعي بي……

خسرت طبعا رسوم شهر كامل دفعتها للمعلمة والتي ابتسمت معتذرة بابتسامة لم تعجبني  اطلاقا حين أعادت لي ملف أوراق ابنتي الثبوتية دون الرسوم رغم أنها أمضت يوم واحدا من حساب شهر كامل…..

مرت السنوات وأصبحت طفلتي حاليا في الصف الثالث االابتدائي ولكني لا أنسى كيف خذلتني وتركتني لا أمارس متعتي في توصيلها للحضانة والعودة بها والفرحة بالعابها وأناشيدها لأكتشف مع الأيام أن ابنتي لم تكن تصلح لتكون طفلة في حضانة فعقلها أكبر من ذلك بكثير…….

قبل ايام ذهبت ابنتي في رحلة مدرسية مع زميلاتها لتعود في المساء بوجه شاحب وتقول لي: هل تعرفين يا أمي من هي المشرفة على الرحلة؟

دون أن اجيب قالت  بسرعة وبذاكرة تحسد عليها: انها المعلمة التي كانت في دار الحضانة عندما تركتيني هناك وحيدة

عندما كذبتي علي وقلت أنك ستعودين بسرعة ولم تعودي

وعندما وقفت على المقعد أنظر نحو مدخل الحضانة أنتظر  أن  أرى ظلك

وعندما ضربتني المعلمة

وعندما جذبت بقسوة قطعة الشوكولاتة التي أعطتني اياها أمامك

وعندما أسقطتني أرضا عن المقعد وخدشت ركبتي

……………………

لا تعليق……….

سما

هل عندم تفشل المرأة في الحب تلجأ للصداقة؟؟” من يوميات امرأة محاصرة”

السبت, يوليو 11th, 2009

أكاد أجزم الآن أني قد فشلت في علاقتي  مع الجنس الآخر، خلصت إلى نتيجة أن الرجل حين يفكر بالمرأة لايمكن  أن يفكر بها كانسانة محتاجة لبر أمان، أو كانسانة قوية بحاجة لعقل يتحاور معها ويكتشف أفكارها حتى يصل لهمومها.

الرجل الشرقي للأسف حين تلجأ له المرأة في حالة ضعف وبعد ان تكون قد”اتمرمطت” من الدنيا خاصة مع زوج عاملها كخرقة بالية، طول حياتي وحين حاولت أن أهرب من صدمتي مع زوجي الذي اعتبرني في البداية وعاء لانجاب أطفال يحملون اسمه ويؤكدون له وللناس أنه سليمما معافا بدليل أنه قد بذر هؤلاء الصغار على الأرض ونسيهم وفي نهاية علاقتنا أرادني كخليلة فراش بعد أن يكون قد أنهك عينيه وحواسه أمام “الدش والنت” فحاولت أن أهرب من هذا الرجل الذي يضعني في قالبين لا يتغيران….

هربت بعلاقة فاشلة لدرجة السذاجة لم ير مني إلا ما رآه زوجي معتبرا أن فشلي مع زوجي يحتاج مني أن أكون خاضعة له لدرجة أن يتهمني بالبرود لعدم تجاوبي حسيا معه.

يفشل الرجل الشرقي عموما وهو يجري باعتقاده أن المرأة لا تحتاج إلا الاشباع الحسي, ولذا لكي تؤكد المرأة عدم حاجتها لهذا الاشباع فهي تهرع إلى الصداقة مع بنات جنسها…………وهذا ماحدث معي

صديقاتي في حياتي هن الآن من يمتصصن كل مشاعري وأحاسيسي وحتى احباطاتي، أشتاقهن، أفكر فيهن، أحتاجهن، ألوذ إليهن، أتعارك معهن قليلا ونتصالح…….

أعتقد أن هذا هو مسمى الحب لو وجد بين امرأة ورجل وهذا ما أجده مع صديقاتي، كل هذه المشاعر الجميلة، نتبادل الماسجات والكلمات الرقيقة ونتبادل الايميلات ونتحادث على الماسنجر في غرفة دردشة سريعة ونتحدث في كل شيء ونقترب ونبتعد ….

وهكذا أصبحت حيات يمعهن ولهن، لم أعد افكر بحاجتي إلى رجل واكتشفت أن حاجة المرأة للرجل هي حاجتها لعواطف كالتي ذكرتها وها أنا أجدها مع صديقاتي من نفس جنسي

أريد أن تتعمم الفكرة وهي الصداقة بين النساء خاصة حين تتقارب السن والأفكار بعيدا عن الثرثرة والنميمة، والحديث الفارغ عن الموضة والأزياء….

لو تعممت فكرتي ونجاحي هذا انتقل لبقية النساء، أعتقد أنه في القريب العاجل ستنتهي الكثير من المشاكل خاصة ما يتحدث عنه البعض عن الخيانات الزوجية وانتشار الطلاق……..

بصراحة مع صديقاتي وضعت كل ماحدث لي مع زوجي على الرف, وضعته في مخزن عميق من الذاكرة وأعيش حاليا أجمل أيامي وأرق واصدق مشاعري مع صديقاتي…….فهل تتعمم تجربتي؟؟

سما