يجب أن تعود عمتي آمنة”قصة قصيرة”

يجب ان تعود عمتي آمنة

حين أنظر لوجه تلك المراة وأتأمل عينيها الغائرتين بين تلافيف من التجاعيد,أشعر اني اغوص في بئر من الاسرار والمجهول، أستحثها لتحكي فتصمت وتتنهد فأرى الهموم تطفو على صفحة وجهها كغريق يتعلق بآخر أمل في النجاة قبل أن يسحبه الموج نحو الموت ولكن هموم عمتي آمنة حين تطفو فجأة أتألم معها وأراها تنتفض وتحرك يديها بحركات مبهمة  أتخيلها مثل قط صغير ينبش في الأرض كأنه يبحث عن أي شيء  يقذف به  في جوفه, أتأمل حركاتها التي سرعان ماتتغير فتبدو كأنها تمهد الأرض وتبسطها ، فأقول لنفسي : يبدو أن عمتي تستذكر حركات يديها حين كانت تخبز على الطابون فتفرد العجين  بيديها وتبسطه حتى يصبح أقراضا مستديرة، ولم أجد وصفا لحركات يديها سوى هذا التشبيه الذي لقى عندي قبولا غير مقنع, وأخيراً قررت أن أسألها مباشرة وأنا أنتهز لحظة أن تطفو الهموم وكأني انتشلها قبل ان تغوص في قاع روحها فتؤلمها اكثر وتمدد مساحات صمتها, جهزت كلمات قليلة على طرف لساني استعداداً لالتقاط الغريق قبل أن يغوص وقد جاءت اللحظة المناسبة…..بلهفة ولهاث سألت وعضلات وجهها المترهلة تتصلب وتتشنج ويرتجف فكها السفلي…..

عمتي 000000000000ماذا بك ؟

يجب أن أنتشل الغريق قبل أن يغوص, هكذا همست لنفسي وأنا أتهم نفسي بالذكاء……..

- والله ياعمتي ما كان بينا اشي

كان كل يوم يروح على ارضه ليفلح ويزرع ويمر من كدام البيت

كم أحب لغة عمتي المغموسة بحرف الكاف!! أشعر بحرف الكاف كمطارق وطبول تدق في رأسي وتقول لي أن هناك جذورا لي في مكان ليس ببعيد وأنا الذي استبدلت الكاف منذ زمن بالهمزة.

- والله يوم ماشافني أخوي بأعطيه نص رغيف طابون وكان هو ماسك بضفيرتي وبيتطلع في وجهي كانت هاد أول مرة يقرب مني ……..

تصمت عمتي ويوشك السر أن يغوص ولكني أسرع فأنتشله من صدرها وانا لا أريد إلا راحتها، لو تحدثت سترتاح ، ستزيح هذا الهم ، هل كنت أتخيل نفسي طبيبا نفسيا وعمتي المريض الممدد على الأريكة الواسعة”الشيزلونج” لم يبق سوا أن أمسك بدفتر وورقة..

 وحين تلتقط انفاسها لتتحدث استعرض بخيالي الكثير من المواقف التي تؤكد لي أن هذه  المرأة قد عاشت حياة تعسة وأنها عانت و تعاني ظلماً لايحتمل, عمتي لم تخرج في حياتها من مخيم اللاجئين ولم تركب سيارة في حياتها حتى أنها كانت تتحدث عن السيارات كما يتحدث أي انسان آخر عن الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء ، ولا تعرف من دنياها سوى بيتها في مخيم”        ” وقريتها الصغيرة التي هجرت منها مع زوجها وأطفالها.

زوجها هو شقيق زوجة أخيها وقد تزوجها كنوع من زواج البدل الذي كان متعارفا عليه في تلك الأيام بدعوى المحبة والرغبة في المصاهرة ولكن السبب الأساسي والمخفي  لهذا الزواج كان الفقر ولا شيء غيره.

حين رأى شقيقهاا تلك الوقفة غلت دماء الفلاح  في عروقه وشعر أن بيته يحوي عارا اكتشفه الآن، و يجب أن يستر عليه أو أن هناك فضيحة توشك أن تعلن عن نفسها ببطن مكورة مثلاً، فعبس وفكر وكرر……..

عرض على شقيق زوجته أن يتزوجها وهو قبل ذلك العرض لم يكن ممن يستحسنون هذا الشقيق ويعتبره من الشباب الذين لايستطيعون تحمل مسئولية بيت وزوجة، وقد كان العريس المرشح هذا فقيرا لدرجة العدم  وبلا عمل حتى لو أجيراً في أرض زراعية لآخرين، ولكن القرار هذا لم يكن قابلا للمناقشة أمام المشهد الذي رآه .

إن هي إلا أياما قليلة حتى أصبحت في بيت الزوج الذي قامت شقيقته بكل أمانة بتسريب السر والافصاح عن السبب الحقيقي لهذا الزواج الغير متوقع، ووضع العريس جريمة العروس أمام عينيه نقيصة ليس بعدها نقيصة حتى وهو يفتض بكارتها وتتناثر دماء عذريتها على ثوبها البسيط، في صباح اليوم التالي للزواج كانت دماء عذريتها ترفرف كشهادات زور في فضاء محكمة صورية، على باب الغرفة الخشبي المتآكل، و أغمض الجميع عيونهم عن مشهد هو في العادة  يحمل الكثير من البهجة وتنطلق في اثره حناجر النساء بالزغاريد وربما تطلق الأعيرة النارية من البنادق العتيقة ابتهاجا به.

مرت سنوات قليلة و عمتي قد لفت الثوب الذي يحمل  دليل براءتها بقطعة بلاستيكية سميكة كان شقيقها قد أحضرها من المدينة ليلف بها بعض البذور خوفا عليها من الندى، أحكمت لف الثوب وفي باحة البيت الصغير حفرت حفرة عميقة وأخفت الثوب داخلها ولم تنس أن تخفى دمعات كثيرة تساقطت وهي تحفر وتردم الحفرة وتهمس لنفسها: أنا بريئة…………

في  عام النكبة وعمتي تجر أطفالا كثيرين ويستقر بها وزوجها المقام في احدى مدن الضفة الغربية، هربت عمتي في عجالة والأخبار تتوافد إليهم عن الموت والقتل والدمار الذي لحق بالقرى المجاورة, فلم يترك زوجها أمامها الفرصة لتحفر الحفرة التي أودعتها كنزها ولكنه لم ينس أن يطلب منها ن تدس بين خرقها السوار الذهبي الذي أعطاه لها شقيقها حين تزوجت هذا الرجل الذي لم يترك لحظة إلا وأشعرها فيها أنه قد أسدى لها معروفا، كان السوار على شكل أفعى برأسين يحكمان فكيهما حول المعصم، وحين كانت تضعه حول معصمها تشعر حقا بهذين الفكين يحكمان أنيابهما حول حياتها ،وحين استقر بهم المقام في مخيم اللجوء أخذ زوجها السوار وباعه وبدأ به تجارة صغيرة تعثرت كثيرا ولكنها وفرت لقمة العيش والحياة المستورة لأطفالها الذين كبروا وأصبحوا رجالا ولكنهم لم يحملوا لها سوى علامات الاستفهام الكثيرة عن عدم خروجها من البيت وسطوة الأب المبالغ فيها، و هي لم تجد كلاما ترد به على استفساراتهم سوى البكاء والصمت لتمر السنوات الكثيرة وعمتي آمنة تبلغ الحد الذي تريد به أن تنفجر ولكنها تنكمش ثانية على جرح كبير ولا تتحدث إلا عندما ترد سيرة “لبلاد” على لسان الأبناء والجارات، فيتحدث الأبناء عنها بغموض ولهفة في زيارتها, والجارات يتحدثن بالكثير من الحسرة والذكريات الجميلة عن الخير الذي تركنه هناك أما هي فتتحدث باسهاب واستفاضة عن باحة البيت الصغير والشجرة التي أودعت تحتها دليل براءتها فتقول بكلمات متناثرة: كنت أحفر وأحفر بيدي وتحرك يداها بسرعة وآلية ثم تحرك يداها حركة عكسية وتقول: كنت أردم وأردم,,,,,,,,ولكن أحدا لم يفهم لماذا الحفر ولماذا الهدم؟؟؟؟؟؟

الآن وأنا أنتزع السر من صدر عمتي آمنة تقول وهي ترجوني بنفاذ صبر طويل: امتى ياعمتي بدنا نرجع البلاد…..

حين تسألني عمتي وأحصى السنوات التي مرت على النكبة، أشعر أننا يجب أن نعود جميعا فقط من أجل سبب واحد، وعمتي يجب أن تعود، أنا أثق أنها تعرف الطريق جيدا ولو سارت وحيدة ستصل إلى البيت وباحته وإلى الشجرة وموضع الحفرة وستحفر كما حفرت بقوة وبألم وبعناد وببراءة، ستحفر رغم أنها الآن طاعنة واهنة، ولكنها ستحفر حتى يبدو بياض ثوبها من جوف الأرض، وسنرى جميعا دليل براءتها، هذا هو السبب الأول الذي من أجله يجب أن نعود، زوجها وأبناءها وكل من ظلمها، وكل من قذف في وجهها سؤالا بلا اجابة…… فمن يعيد عمتي آمنة؟ أو هل ستعود عمتي آمنة؟؟ لا أدري كيف سأطلق السؤال ولكني أحتضن أخاديد وجهها بدموعي وأغمغم: يجب أن تعود عمتي آمنة…..

  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks

6 Responses to “يجب أن تعود عمتي آمنة”قصة قصيرة””

  1. منتدى عالم حواء…

    I……

  2. دليل الهاتف…

    ……

  3. منتديات بنات…

    - ……

  4. اراضي يقول:

    اراضي…

    - شكرا لك…

  5. اشهار الموقع…

    موضوع جميل…

  6. ناروتو يقول:

    اهلا ، قرأت واستمتعت شكرا لكم تقبلو تحيتي الخالصه.

Leave a Reply