حلم واحد
جلس قبالة جدته العجوز، يتأمل يديها المعروقتين، يمعن النظر في عروقهما الزرقاء البارزة وكأنه يرى في هذه العروق طرقا ومسالكا ودروبا حدثته جدته عنها في الأوقات التي كانت تخرج فيها أمه إلى مركز توزيع المعونات التابع للأونروا لتسأل عن موعد استلام مخصصاتهم التموينية، تحدثه الجدة وهي تمط في حروفها لتشوقه أكثر عن القرية التي هجروا منها، عن الأرض والدونمات والخير والحب الذي كان, وكان هو يسرح بخياله الصغير معتقدا أن جدته تحتفظ بخارطة هذ المكان على معالم يديهت, مجتازا السقف القرميدي محلقا في فضاء بعيد، كل هذا يحدث في الوقت الذي كانت أمه تذهب وهي تحمل أحلامها بأنها ستبيع العدس والأرز وستشتري بثمنهما البيض والسمن، و ستحاول أن تبقي مبلغا لمصروفه اليومي، هو لم يذهب بعد إلى المدرسة، ولكنه سيذهب في العام القادم، من الصعب عليه أن يفرق بين الأوراق العادية وبين الأوراق النقدية، لذا فقد فرح فرحا عظيما حين اشترى بنصف شيكل منحته اياه جارتهم الثرية وهي تعرج على جدته لتطلب منها أن تلقط “الخوفة” لطفلها الرضيع، طار بالنصف شيكل إلى دكان البقال القريب واشترى حلوى مغلفة بألوان زاهية، حين فتحها بأصابع متعجلة وهو يحث الخطى للبيت وجد بداخلها قطعة حلوى صغيرة والقطعة قد لفت بورقة مكتوبا عليها رموزا وأرقاما، طار هذه المرة بالورقة لجدته التي ما ان رأتها حتى صاحت: هذه يا بني عملة أجنبية، نعم عملة أجنبية، نظرت جيدا بأن قربتها من عينيها وهي تضيق احدى العينين وتوسع الأخرى، فقد كان نظرها ضعيفا وقالت لتؤكد فرحة: نعم انها عملة أجنبية بالتأكيد، لم تسأله من اين حصل عليها ولكنها اعتقدت أنه قد عثر عليها في الطريق ، فحدثت نفسها: ستكون مفاجأة لزوجة ابني، سوف أعطيها لها وستكون حتما كافية لشراء أنبوبة غاز من تلك الأنابيب التي تسمع أنه يتم تهريبها عبر الأنفاق إلى غزة التي أصبحت تمتليء بيوتها برائحة الكاز والكيروسين.
الجدة العجوز لم تنقل فرحتها سريعا للأم العائدة وقد نال منها التعب والانهاك بل أخذت تستطلع منها الأمر حيث قالت الأم: الزحام يا عمتي كان شديدا، وقفت لساعات في الطابور حتى وصلت إلى الشباك حيث قام الموظف بوضع الختم الأزرق على بطاقة الاعاشة، وقال لي: موعد استلامك لمخصصاتكم بعد ثلاثة ايام أي في اليوم الأول من العام الجديد، سيكون علينا الانتظار ثلاثة أيام ، كنت أعتقد أني سأشتري كرتونة بيض وأسلق كل يوم منها ثلاث بيضات لافطارنا، تنهدت وهي تعيد ربط ايشاربها فوق رأسها: الله يرحمك يا أبا بلال، تركتني وحيدة في الدنيا، ونظرت إلى الجدة التي كانت تبدو سارحة في عالم آخر، كانت تعلم جيداً العالم الذي تسرح فيه الجدة, وأحياناً تشعر بالنقمة عليها لأنها علمتها أن تسافر بخيالها في هذا العالم، حين تتحدث عن البيض فتقول الجدة: كان عندي البيض بالهيل ولما أزور حد كنت أهديه بيض بلدي كبير وكله صحة، وكل يوم كنت أقلي بيض للحاج بزيت الزيتون، بتكون البيضات هيك عايمات في البيض زي البط ما بيعوم في المي……. أما اليوم فهي لاقت الكثير من العذاب فسرحت في الماضي القريب قليلا فأخذتها الذكريات إلى يوم استشهاد زوجها وقد كان ابنها بلالا جنينا في رحمها ولم يمض على زواجها سوى أربعة أشهر,ثم سرحت بأفكار جديدة : ماذا لو بقي زوجها على قيد الحياة، هل كانت سوف تعيش هذا الذل ؟ هل كانت ستضطر للركض من باب مؤسسة إلى باب جمعية إلى باب مركز الأونروا؟
أما الجدة القابضة بيدها على الورقة، فكانت تتذكر تلك الأيام قبل أن يستقر بهم المقام في غزة، تتذكر الأرض التي كان يملكها زوجها والتي كان يعتز بها كل الاعتزاز لدرجة أنه حين كان يقسم بالله ليؤكد أمرا ما فإنه يتبع القسم بقسم آخر ، كان يقسم بالأرض التي يملكها ويحبها، لم يكن يقول وحيات ولادي، بل كان يقول: وحيات أرضي اللي أغلى من عرضي……..
وظل يقسم بهذا القسم حتى جاء اليوم الذي رحل به عن الأرض واستقر في خيمة لجوء، أصبح صامتا كتمثال واجما لا ينظر شمالا ولا جنوبا بل ينظر إلى الأرض ، مطرقا ساهما حتى كان ذلك اليوم، حين طالت اطراقته على الأرض فاقتربت منه لتهزه وتخبره أنها قد أعدت الطعام لتجده بلا حراك ووقع جسده على الأرض وإلى جواره استقرت عصاه الخشبية التي كان يغرزها في أرضه ويعلق عليها قمبازه.
و وصلت بها الأفكار إلى ابنها فتذكرت أنه قد عمل فترة في داخل اسرائيل وكان يدخر بعض المال ، وريقات خضراء كان لها اسما صعبا على لسانها ولكنها حين رأت هذه الورقة في يد حفيدها تذكرت هذه الوريقات التي ادخرها ابنها والتي لم تكفهم لعام واحد بعد استشهاده, فرحتها بهذه الورقة كانت عظيمة وهي تتخيل أن أحد المحسنين قد وضعها في يد الطفل الصغير, وأجلت الحديث عنها حتى ترتاح الأم العائدة من رحلة شاقة، نظرت إلى أرملة ابنها، كانت لا تزال جميلة شابة وان كان قد نال منها التعب والفقر, هالات سوداء تحت عينيها، وشعرها يبدو بين خصلاته السوداء شعرات بيضاء نافرة، تبرز من تحت ايشاربها المنسول الأطراف.
في ركن الغرفة القرميدية كان يجلس الطفل الصغير ينظر إلى يد جدته العجوز المطبقة على الورقة النقدية، يتطلع إلى شفتيها وكأنه يستحثها على الحديث، كم ستسعد أمه حين ترى هذه الورقة الثمينة، حتما ستشتري أنبوبة غاز وسوف ترتاح من اشعال موقد الكاز الذي تعبق رائحته في غرفتهم الوحيدة، وستشفى يديها من غسل الأواني الملوثة بالسناج والهباب الأسود.
أنبوبة غاز هممممممم حرك شفتيه استمتاعاً، تخيل فرحة امه, ونظر إلى عروق يدي جدته، نعم هذه العروق هي خارطة الطريق إلى قرية جدته التي حدثته عنها, لو يذهب مع جدته إلى تلك القرية، سوف يكون صاحب أرض بدلا من هذا البيت الحقير، وسوف يلعب ويلهو كما يحب، وسيحبه أطفال الحي ويحترمونه كما يحبون أبناء جارتهم الثرية التي جاءت منذ قليل عند جدته، جدته دائما تقول له: لو بقينا في أرضنا لكنت أنت أكثر ثراء من زوج هذه المرأة الثرية والبخيلة والتي لا تمنحك وأنت اليتيم الأب سوى نصف شيكل، مع أني قد قمت ب”لقطة الخوفة ” لابنها مستخدمة زيت الزيتون, وأعدت ذلك مراراً….
يسرح الطفل وينتظر والأم تقوم من مكانها لتشرب بعض رشفات من الماء ثم تقول: آه يا عمتي، هذا المشوار الذي أقوم به كل شهر يفتح أبواب الأحزان المغلقة في قلبي, أتذكر المرحوم، لو بقي بيننا ما كنت في هذه” المرمطة”
تقترب من البابور وتهم باشعاله، تشعل عودا من الثقاب سرعان ما ينطفيء فترميه بعيدا وكأنها ترمي همومها، بعد صمت طويل تصب الشاي الذي أعدته وتدور الأكواب الصغيرة بين ثلاثتهم ، حين تستل الجدة الورقة من بين أصابعها بأصابع يدها الأخرى وترفعها عاليا وتقول لزوجة ابنها: شوفي بلال شو جاب..أنا متأكدة انها عملة أجنبية وراح نشتري فيها أنبوبة غاز، رفعت الأم عينيها من كوب الشاي الذي كانت تحملق بلونه القاتم كحياتها والتقطت الورقة بلهفة من بين اصابع الجدة، حملقت بها قليلا ثم سرعان ماضحكت ضحكة مريرة: هاي ياعمتي ورقة مزيفة من اللي بيحطوهم في حلوى الأطفال, يعني كذب في كذب, وتنهدت ثم اردفت : ياحسرة ياعمتي هو في حد هالأيام بيعطي حد ورقة زي هاي……
استنكر الطفل حديث أمه وهو القابع منذ زمن بلا حراك وجذب الورقة من يد أمه وصاح: لا …هاي مصاري وبكرة راح اوريها لعم حمودة تبع الدكان وراح اخليكي تشتري فيها انبوبة غاز……..
امام صياحه صمتت الجدة والأم ، والتحف الصغير بفراشه ويده تطبق على الورقة وبدأ يحاول النوم وهو يتخيل أنبوبة الغاز التي سيشتريها ويضعها عند باب الغرفة ويمد خرطومها للموقد الصغير، هممم وحرك فمه متلذذاً : أنبوبة غاز!!
بدأ يحاول النوم تاركا خياله ليستريح وتعالى شخير الجدة لجواره فيما كانت الأم تطفيء الشمعة وتستعد وهي ترفع ايشاربها عن شعرها لتندس بجواره حين تعالى صوت انفجارات ضخمة في الجوار، صرخ بلال وصرخت الأم بدورها، تعالت أصوات انفجارات متتالية في المكان هزت البيت الصغير ولكن في لحظات لم يبق للبيت أي أثر…….
في الصباح وحين كان رجال الاسعاف يبحثون بين الأنقاض، عثروا على الكثير من الأشلاء الآدمية المتناثرة ومن بين الأشلاء عثروا على كف صغيرة تبدو لطفل صغير ولكنها كانت مطبقة بقوة على ورقة تبدو من بعيد كأنها……..مائة دولار…
كتابة الرسائل العلمية وتصحيحها…
5. Al- Imam Ibn al- Qayyim (751H) menyatakan Doa selepas salam sama ada mengadap kiblat atau mengadap makmum, yang demikian itu bukanlah dari petunjuk nabi sallallahu alaihi wasallam dan tidak diriwayatkan daripada nabi dengan sanad yang sahih juga tid…