كلمة رئيس الوزراء في الذكرى السنوية الأولى للمخرج الراحل مصط فى أبو علي

*السلطة الوطنية الفلسطينية*

*مكتب رئيس مجلس الوزراء*

* *

* *

*كلمــة ***

*سـلام فيـاض***

* **رئيـس** مجلس **الـوزراء***

*بمناسبة الذكرى السنوية الأولى على رحيل المخرج السينمائي *

* مصطفى أبوعلي *

*رام الله – سينما القصبة***

*03 آب 2010***

* *

* *

*نلتقي اليوم لإحياء الذكرى السنوية الأولى للمخرج السينمائي الراحل
مصطفى أبوعلي،
أحد أعلام الثقافة الوطنية، ومؤسس السينما الفلسطينية، وأحد رواد السينما
النضالية في العالم، والذي حازت أفلامه وانجازاته على العديد من الجوائز
العربية والدولية…. هذا المخرج المبدع الذي ولد في قرية المالحة قضاء القدس
في عام 1940، وهُجِّر مع أسرته وهو في الثامنة من عمره، بعد مذبحة دير ياسين في
العام 1948، حالهُ كحال كافة أبناء ومناضلي شعبنا، الذين تشبثوا بالتعليم
معيناً لهم لحماية الهوية والثقافة الوطنية. ففي العام 1961 حصل مصطفى على منحة
لدراسة الهندسة المعمارية في جامعة بيركلي في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد
ثلاث سنوات ترك الهندسة ليلتحق بمعهد الفن السينمائي في لندن. وفي عام 1967 حصل
على دبلوم الاخراج السينمائي من المعهد المذكور، وعاد إلى عمان ليؤسس مع زملائه
هاني جوهرية وسلافة جاد الله، قسم التصوير الفوتوغرافي لحركة فتح، والذي تم
تطويره في العام 1968 إلى وحدة أفلام فلسطين، حيث تم انتاج أول فيلم وثائقي
بعنوان “لا للحل السلمي” في عام 1969، وتبع ذلك العديد من الأفلام الوثائقية
التي روت قصة فلسطين. *

* *

*وفي عام 1973، أسس المخرح الراحل “جماعة السينما الفلسطينية”، والتي ضمت
العديد من السينمائيين والكتاب والمثقفين من فلسطينيين وعرب آخرين، حيث تم
اخراج الفيلم الوثائقي “مشاهد من الاحتلال في غزة”، في ذات العام، والذي حاز
على الجائزة الذهبية للأفلام الوثائقية في مهرجان بغداد الدولي، بالاضافة إلى
العديد من الأفلام الوثائقية، أهمها “بالروح بالدم، والعرقوب، وليس لهم وجود،
وتل الزعتر، وفلسطين في العين”. كما استطاع المخرج الراحل ربط مؤسسة السينما
الفلسطينية في بيروت، بشبكة علاقات واسعة على الصعيدين العربي والدولي، من خلال
عدد من السينمائيين التقدميين العرب والأجانب، والذين كانوا يأتون إلى بيروت
ويلقون كل الدعم والمساعدة من المؤسسة لانجاز أفلامهم التي أيدت الشعب
الفلسطيني، وأضافت بعداً أممياً للنضال الوطني الفلسطيني.*

* *

*لقد ساهم فنانونا وأدباؤنا في إعادة تأسيس الهوية الوطنية قبل إنطلاق الثورة
الفلسطينية المعاصرة. وشكلت الإبداعات الأولى بعد النكبة الرافعة التاريخية
لبلورة المشروع الوطني، الذي أكد على الدور الأساسي لشعبنا في تحرير وطنه، وفي
مواجهة محاولات التذويب والإلحاق والعدمية، وهو الدور الذي تستكمله السلطة
الوطنية على أرضها وبين شعبها، رغم ظروف الاحتلال والحصار والاستيطان
الإسرائيلي. فكل لبنة في مسرح أو نص إبداعي أصيل، وكل انجاز مهما صغر أو كبر
على ارض الوطن، هو البوصلة والمؤشر إلى مكانة فلسطين في أفئدة وعقول فلسطيني
الشتات والمهاجر، وفي قلوب الخيرين والعقلاء في العالم أجمع. وقد شكلت السينما
الفلسطينية وسيلة فعالة من وسائل المقاومة ضد سياسة تزييف وطمس الهوية والثقافة
والرواية الفلسطينية، وأساساً قوياً للمشروع الثقافي الفلسطيني. حيث قام
الفنانون الفلسطينيون باستخدام أرقى الوسائل الحضارية والانسانية للتعبير عن
هموم شعبهم وتوثيقها، بصورة نضالية راقية وجميلة، وفي علاقة مباشرة بين المشهد
والممثل والكلمة، فكانت السينما من أقوى أدوات المقاومة. وكما كان يردد مخرجنا
الراحل ” الصورة أقوى من آلاف الكلمات”.*

* *

*إن السلطة الوطنية تؤكد التزامها الكامل بالمشروع الثقافي الفلسطيني وأصالته
التي أسس لها كل رواد الحركة الثقافية الفلسطينية، وبآفاقه الإنسانية الرحبة
والمنفتحة على العالم وثقافاته، وبما يشكل مكوناً أساسياً من مكونات تجسيد
الهوية الوطنية في دولة فلسطين. فالدولة التي نسعى لإقامتها هي دولة القيم
الانسانية النبيلة، التي تعتبر الابداع ركناً بارزاً في فسيفساء بنائها الجميل،
لتطلق الروح القادرة على الانجاز والثقة بالقدرة على الابداع في تحقيقه. ***

* *

*لقد شكل قطاع غزة دوماً رافعة أساسية وعنواناً بارزاً للهوية الوطنية،
ومهمتنا، ونحن نرسخ مشروعنا الوطني والثقافي، أن نحمي مكانة القطاع في قلب
المشروع الوطني، ليظل كما كان دوماً ركيزة أساسية لهذا المشروع وحصناً يحميه من
كل أشكال العزلة والانغلاق الذين يعاني منهما أبناء شعبنا فيه اليوم، بفعل
الحصار والانفصال، والذين يصبان في صالح خيارات إسرائيلية مرفوضة من قبلنا.
وبديلنا الوطني يتمثل في التمسك بالوحدة، والعمل على استعادتها فوراً. وإذا
كانت الثقافة، هي حارسة الهوية، فلن تجسد الهوية في دولة فلسطين المستقلة دون
قطاع غزة ركناً أساسياً لهذه الدولة. كما لن تجسد تلك الهوية دون ثقافة وطنية
تقدمية ومنفتحة على ثقافات وحضارات العالم بأسره. *

* *

*قبل أيام استكملت الحكومة النقاش حول وثيقة الإجراءات وأولويات العمل في العام
الثاني من برنامج عملها “فلسطين: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة”، والذي انطلق
من تجربة شعبنا الملموسة، وتمسكه بحقوقه الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة.
إن هذه الاجراءات والأولويات، بما فيها في المجال الثقافي، تهدف إلى التركيز
على الإجراءات الأساسية المطلوب إنجازها لاستكمال بناء مؤسسات دولة فلسطين
وبنيتها التحتية في كافة المجالات، لضمان تأكيد الجاهزية الوطنية لإقامة دولة
فلسطين، الأمر الذي يتطلب مساهمة الجميع في هذه العملية، والارتقاء إلى مستوى
المصلحة الوطنية العليا لشعبنا، وبصورة خاصة الإسراع في إنهاء الانقسام وإعادة
الوحدة للوطن ومؤسساته. *

* *

*إن هذا البرنامج، وما يتضمنه من أولويات واجراءات يشكل أداة فعل لهزيمة اليأس
والاحباط، وانتصار الثقة بالنفس والقدرة على الانجاز، والتي نراها يوميا مع كل
طفلة تشق طريقها للمدرسة، ومع كل طريق يعبد، وكل مصباح يضاء، ومع كل عيادة تؤمن
العلاج للمرضى، ومع كل مشروع يعزز صمود شعبنا ويقربه من لحظة الخلاص من
الاحتلال. ومع ذلك وقبله وبعده، مع كل فرصة إبداع تمنح لفنان أو شاعر أو كاتب
أو مسرحي أو سينمائي، وفي بيئة منفتحة وقادرة على حماية هذه الابداعات، وبنية
قادرة على تطويرها، وليس بيئة الانغلاق والفوضى التي أتت نيرانها على صروح
ثقافية، وكادت ان تطيح بمشروعنا الوطني ومنجزات شعبنا.*

* *

*إن برنامج انهاء الإحتلال واقامة الدولة، ليس مشروعاً خيالياً بعيد المنال، بل
هو فعل مقاوم عنيد، وورشة حقيقية للعمل الجاد والمنظم. وما نحتاجه دوماً هو
تضافر العقول والجهود والأيادي. فلا وقت لدينا لانتظار العالم حتى ينصفنا، ولا
وقت لدينا حتى تفيق غطرسة القوة من عنجهيتها.*

* *

* إن ثقل الاحتلال وممارساته لن يجعلنا نغفل عن واجبنا في رعاية ودعم المشروع
الثقافي والنهوض بكامل مكوناته. لا بل أقول إن ثقل هذه الأعباء يلزمنا ونحن
نسعى للتحرر من الاحتلال، بأن نتمسك أكثر بهذا المشروع الثقافي ومضمونه
الابداعي التحرري، والذي يشكل البوصلة التي تمكننا من الاّ نضل الطريق نحو
الحرية بمعناها الشامل والواسع. إن ذلك يتطلب منا توفير الدعم والرعاية
للمؤسسات الثقافية، وإعادة بث روح الثقافة والمعرفة من خلال افتتاح وتأهيل
المراكز الثقافية المتعددة الأغراض، والمكتبات العامة، وصالات عرض للفن
التشكيلي، والمتاحف بأنواعها، ودور السينما، والمسارح، وغيرها من مكونات العمل
الثقافي في إطار خطة استراتيجية ثقافية واحدة، وعلى أرضية تعددية تأخذ بعين
الاعتبار خصوصية الواقع الفلسطيني وتنوعه، وتشكل مدخلاً لتحسين أداء المؤسسة
الرسمية، واستعادة ثقة المثقفين والمؤسسات الثقافية الأهلية بدورها. *

* *

*بعد غد سيحتفل أهلنا في محافظة جنين، ومعهم كافة المثقفين بافتتاح سينما جنين
التي تم ترميمها وإعادة تأهيلها. وهنا فإنني أحيي المبادرة الشجاعة للقائمين
على هذا المشروع الهام، وما له من دلالة ورمزية، وكافة المتطوعين والمبادرين
والداعمين من أجل تحقيقه، والذي يساهم في نشر ثقافة السينما. وأؤكد في نفس
الوقت أن هذا الانجاز وآلية تحقيقه شكلت نموذجاً للاصرار والتعاون وتحمل
المسؤولية والمبادرة لتعزيز الملكية الجماعية وروح الانتماء. وكلي أمل في أن
يتم تعميم هذا النموذج ليعاد ترميم دور السينما المدمرة أو المهجورة.*

*وهنا فأنني أدعو القطاع الخاص للاستثمار بشكل أكبر في هذا المجال وكافة مجالات
الإنتاج الثقافي الأخرى. كما أجدد التزام السلطة الوطنية ببذل كل الجهد من أجل
توفير الإمكانيات اللازمة للنهوض بالعمل الثقافي وتطوره، لمواصلة اندفاعة الفكر
والثقافة والفنون والآداب والإبداع بكافة مكوناتها، وبما يساهم في ترسيخ هويتنا
الثقافية، وتعميق وحدة المثقفين في الداخل والخارج، ومواجهة كل أشكال الإلغاء
والتغريب والاستلاب، بالإضافة إلى تطوير علاقتنا الثقافية مع عمقنا العربي
ومحيطنا الإنساني. إن الالتزام بهذه القضايا يشكل جوهر رؤيتنا ودليل عملنا في
تشجيع كل المبدعين والمثقفين والإعلاميين والكتاب والفنانين والصحفيين والأدباء
والباحثين والعلماء واصحاب الرأي. وسنعمل على تطوير القوانين التي تحقق الرعاية
للمثقفين، وتمكن من حماية الكلمة والإبداع والنقد من أي مسّ أو تهديد أو وصاية
أو إلزام.*

* *

*إن حلم ياسر عرفات ورؤية درويش ، ورغم كل ما يواجهنا من صعوبات، باتا يقتربان
من الحقيقة التي لا بد منها، وهي ترسيخ الاستقلال الوطني على الأرض، وتجسيد حق
شعبنا في الحياة الكريمة في دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس
الشرقية،… دولة عصرية تقدمية تزرع الأمل والفرح في نفوس أبنائها، وتبعث على
شعورهم بالفخر بها،… دولة تحتضن الابداع، وتنهض بالثقافة والفنون والعلوم،…
دولة تحمي بيدر الفلاح وتطور مدرسة الأطفال، وتضمن الحق في العلاج والتعليم
والسكن لمواطنيها،…دولة خالية من الجدران والكراهية،… دولة تستند في
علاقتها مع مواطنيها على مبادئ الحرية والكرامة وحقوق الانسان وحق المعرفة
والابداع والحوار… نعم، وكما قلت في هذه القاعة وفي مناسبة أخرى، فإن حق
السؤال والنقد هو مفتاح المعرفة والتغيير. وإن كان الأمر غير ذلك، فيجب أن نخاف
ونرتجف من مجتمع ذي لون واحد وفكرة واحدة أو مطلقة. هذا هو طريقنا لبناء
مستقبلنا في دولتنا، وهو واجبنا لحماية هذا الطريق والوصول بشعبنا إلى بر
الأمان. فقوتنا تكمن في توفير المناخ الحرّ للإبداع، بكل مكوناته، باعتبار
الحرية شرطاً للحصانة الوطنية. هذا هو وفاؤنا لكافة مناضلينا، وهذا هو عهدنا
للراحل المبدع مصطفى أبو علي، وكل المثقفين والمبدعين، وهذا هو التزامنا
لشعبنا، ولن نحيد عنه.*

* *

Be Sociable, Share!

About the Author