في قلب مخيم صبرا بالقرب من مدينة بيروت في لبنان، ولدت لعائلة فلسطينية من يافا كانت قد لجأت إلى المكان السابق، إثر نكبة عام 1948، عصفورة فلسطين، ليطلق عليها رشيدة سعيد محمد المغربي، في الواحد والثلاثين من تموز لعام 1958.
اكتشاف الهوية تباعا جاء بعد 10 سنوات من الميلاد، فالحنين المستمر للأب الذي كان يعمل متعهدا للإنشاءات في بيروت، وكلماته المشوقة لوطنه، وجهت النظر تجاه الموعودة.
البحث بدأ عن دولة الأب والجد، دولة التاريخ المقدسة، دولة فلسطين، تساؤلات تعددت مع الأيام، بدأت لماذا نعيش خارج الأرض؟ من الذي أجبرنا على ذلك؟
من هنا بدأ الشعور بالظلم، فلبنان هي بيتها الثاني والقدس وأكنافها مولد الأصل للعائلة، وفي مدرسة يعبد كانت مرحلة الاستكشاف الابتدائية لتستمر في مدرسة حيفا الثانوية بحثاً عن فلسطين في مدارس اللاجئين الفلسطينيين التي أشرفت على إنشائها منظمة الأونوروا في لبنان.
مناهج الدراسة رسمت القضية الفلسطينية لديها، فالأطلس في الجغرافيا والمعارك في التاريخ كانت تخط الحقيقة في عقل رشيدة، لتتعلم منحنيات الخارطة التاريخية والمستقبلية للدولة الفلسطينية من خلال الرسوم البيانية المتناسقة.
تقول المغربي: ” لقد كانت فلسطين موجودة في كل مكان في المناهج الدراسية، داخل الأطلس، على الجدران وعلى كل لسان، وفي كل عين، وما أبقاها على ذلك كان إنتماء المعلمين الفلسطينيين للوطن، فلو أتيحت الفرصة لمنظمة الأونوروا لإلغائها لألغوها، ولكن صمود المعلمين منعهم، فعدد طالبي العلم كان أكثر من طاقة المدارس والمعلمين على الإستيعاب، فكان المدرس يُدرس في الصف الأول لينتقل للدرس الثاني في الصف العاشر.”
امتلأ الخزان عند سن الحادية عشر بالتاريخ الوطني، ليبدأ بريّ الثورة الفلسطينية مبكرا، عندما التحقت المغربي بصفوف الثورة في معسكر الأشبال والزهرات في بيروت في عام 1970.
” لقد التحقت بالثورة الفلسطينية مع بداية السبعينيات، بعمر يبلغ الحادية عشر سنة، رفضت الظلم والشعور به منذ صغري، أرادتي بالعودة لوطني أشعرتني بالفخر، وإيماني بعمق النجاح للوصول إلى فلسطين وحنين أبي الدائم كان يحفزني ويزيد إصراري على تحقيق إرادتي، قمت بالبحث عن الثورة، ولم أنتظرها لتأتني إليَّ حيث كنت”.
وتضيف المغربي بلهفة الروح العالية التي ملأتها أثناء تذكرها للأيام الخالية: ” بعد أن كان أبي يُتم عمله في الإنشاءات يذهب للتطوع دون مقابل في بناء مؤسسات الهلال الأحمر الفلسطيني، والتي كانت بداية نشأتها في تلك الأيام على يد الدكتور فتحي عرفات شقيق الرئيس الراحل ياسر عرفات، فكنت ودلال نطلب دائما من والدي التطوع في خدمة الجرحى والمرضى، خاصة بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن، ولكن الدكتور كان يرفض ذلك لصغر سننا، إلا أن إلحاح أبي عليه أجدى نفعه، فكنا نصر على التطوع حتى ولو في طي الشاش أو لترتيب أسرة المرضى، كنا نعشق العمل في سبيل الوطن.”
وتستذكر المغربي: ” بعد تطوعنا في الهلال الأحمر الذي أتاح لنا فرصة التعرف على الكثير من الفدائيين وسماع المئات من القصص النضالية التي يرويها كبار السن عن بطولات سجلت في التاريخ، وعن أرض الإسراء والمعراج، زاد شوقي وإصراري على العمل، لأبدأ بالتفكير في الانضمام لصفوف الثورة الفلسطينية ومعسكرات الفدائيين.
تلقيت دورات تدريبية في الأمن والعسكرية، فكنت ودلال الأصغر سناً بين الأشبال، لأن معظمهم كانوا من الشباب الذين أنهوا مرحلتهم الجامعية في بيروت لينضموا لصفوف الثورة فور وصلها للبنان.”
ضحكت المغربي بفخر لتملأ البيت ذكريات، ناظرة بعينيها لأعلى وتأخذ حفنة من الذكريات وتقول: ” تلقيت دورات أمنية بإشراف أبو يوسف النجار الذي كان من أبرز القادة، وتدريبات عسكرية في معسكرات الثورة آنذاك، فما أن بدأت حرب 1973 وبدأ الدم يسيل في أرجاء جمعية الهلال الأحمر، نتيجة الجرحى الذين كانوا يصلون من كل حدب وصوب، جمع الفدائيون الدم لتزويد الجرحى ليكون والدي أحد المتبرعين بدمه، أردت أن أعطي دمي لهم، ولكن 14 عاما لا يقبل منها سوى أن تلعب مع صديقاتها في البيت والمدرسة.”
الممنوع لصغر السن كان مرغوبا لرشيدة، فلا تقف عند إشارة يمكن لكبار السن أن يتخطوها دون الصغار، فدخولها العمل التطوع والثوري في آن واحد كان قناعة وشجاعة كبيرتين، فربما رتبة البكر في إخوتها كان يزيدها إصرارا وربما الشوق والحنين للوطن كان عاملا أكبر، إضافة للقناعة والإيمان التي تحلت بها في كل خطواتها.
عصفورة وكنار
بسنة وأربعة شهور سبقت الرشيدة الدلال سناً، وبثلاثين سنة من الفخر والصمود والشهادة سبقت الأخيرة الأولى عملاً من خلال تنفيذ (عملية الساحل) النوعية في الوصول إلى أرض الوطن، فتقول عن شريكة عمرها والفائزة قبلها في المرتبة الشرفية في النوم على تراب فلسطين: ” كانت دلال اقرب لي من حبل الوريد، كانت صديقتي الذي أثق بها، حصالتي في جمع السعادة، كنت أنام على صوتها وأصحو على كلمات (صباح الخير يا خيتي)، فلطالما أفضت لها همومي قبل النوم، وكذلك هي تفعل، فتفكيرنا الذي مزجته الوحدة كان مضمارا للعمل العسكري، لنكبر ونعمل ونشارك بعضنا البعض في كافة أمور حياتنا اليومية والمأكل والمشرب، لم أتذكر أنني تكلمت مع أحد غيرها عما يجول في خاطري، كنا كالعصفورة والكنار، يذهب كل منا إلى عمله أو دوراته التدريبية كل يوم ليعود آخر النهار ليفرغ كل منا للآخر عما جرى يومئذٍ، لم تكن أمي أو أبي أو أحدا من أخوتي الآخرين، كانت صديقتي وقرينتي في كل شيء”.
وتضيف المغربي مع نفثة دخانٍ رسمت في الهواء معاناة المسؤولية التي تولتها منذ الصغر في تدريس إخوانها:” كنت أكبر أخوتي وكنت مجبرة على تدريس أخوتي الصغار، كانت المسؤولية كبيرة منذ الطفولة لأنني البكر في العائلة لثلاث أخوات وخمسة أخوة.”
لم يقتصر العمل الفدائي لعائلة المغربي على السلاح، فقد تفرغت العائلة للمقاومة السلمية، والتعليم في المدارس الفلسطينية، لتفخر بهم رشيدة بقولها:” حملت السلاح ودلال طيلة حياتنا، وأحمد لمرة واحدة عندما رحل الفلسطينيون من لبنان عام 1982 مع خليل الوزير أبو جهاد، ليغادر معه بالسفينة، على الرغم من ميوله المدنية، إلا أن حب الوطن غلب عليه بحمل السلاح. أختي الصغرى ذهبت للتعليم في مدارس المخيمات الفلسطينية، ولم تذهب للعمل الفدائي، ولكنها شجعت الناس للخروج في مسيرات تؤيد القضية الفلسطينية حتى يومنا هذا، فهذه مقاومة بحد ذاتها بعيدة عن السلاح.”
قطة بسبعة أرواح:
حملت رشيدة ودلال السلاح مع بداية حرب لبنان في عام 1975، لنقاتلا معا في الدفاع عن الثورة الفلسطينية التي حاول العديد من الناس إيقافها وتدميرها، فمع صمودهم مع م.ت.ف. وحركة فتح آنذاك ، سهل لهم الوصول لأهداف الثورة لتصاب رشيدة بعدة إصابات في معارك الحرب، فتقول: ” مع تواصل الحرب على لبنان، أصبت في المرة الأولى ضمن معارك الجبل التي كانت تدور بين قوات الثوار وقوات الاحتلال الإسرائيلية والكتائب اللبنانية والجيش السوري الذي طلب الإسرائيليون منهم مساندتهم في تدمير منظمة التحرير الفلسطينية في عهد حافظ الأسد، ليدخل الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية ويبدأ بإلقاء الصواريخ من نوع (أرض أرض) التي كانت تخترق وتدمر الجدران والبيوت على مواقع المقاومة الفلسطينية، موقعة العديد من القتلى والجرحى المدنيين، فكنا مرغمين على قيادة الحرب، فذكاء القائد العرفاتي، وصلابة المقاومة حالت دون اندثارنا تحت الرماد، عندما أقام ياسر عرفات معركة سياسية مع العالم للحفاظ على صمود المواطن الفلسطيني في لبنان.”
” فمع هجوم السوريين في 1976 من جهة والإسرائيليين من جهة أخرى والكتائب اللبنانية العميلة من جهة ثالثة، كنت أحمل سلاحي (الكلاشنيكوف) والصواريخ تهطل علينا كزخات المطر، عدا الألغام التي زرعها اللبنانيين والجيش السوري لإيقافنا دون جدوى، بل أن إحداها كانت عثرة في طريقي عندما انفجرت لدى تراجعنا خلال معارك الجبل، لأسقط مصابة لأول مرة بشظاياها، ليقوم أحد الأخوة بحملي دون وعي إلى كتيبة الجرحى”.
لم توقف الإصابة الأولى إصرار رشيدة في التقدم والمقاومة، بل عادت بحماس لتشارك في معارك الدفاع عن الثورة في السنة نفسها من على (جبل الشويفات) في لبنان، الذي كان محاطا بالكتائب اللبنانية من الأسفل والحزب التقدمي الاشتراكي (كمال جنبلاط) من الأعلى وقوات (17) في الخط الأمامي وليتصدوا أثناء الحراسة الليلية لهجوم الكتائب اللبنانية على خطهم الدفاعي مما أدى إلى إصابتها ثانية.
بعد أن شفيت رشيدة المغربي من إصابتها الثانية عادت مرة أخرى عام 1977 للمشاركة في العمليات النوعية لتصاب للمرة الثالثة في رصاصة متفجرة في المعدة أدت إلى حرق أمعائها، وخروجها من مكانها، فتصف المغربي مع عضة الألم التي راودتها عند تذكرها الإصابة: ” عندما أصبت وبدأ الدم يسيل وأمعائي خرجت من بطني محروقة بالرصاصة المتفجرة حملني أحد الأخوة الذي يعمل الآن رجل أعمال في انجلترا إلى المستشفى بسرعة قصوى، ليقطعوا اللحم ويخيطوا الجرح الذي امتد من الحوض إلى أسفل القفص الصدري، في محاولة لتقليص الفجوة الناتجة عن الرصاصة.
لم يكن متوقع أن أفيق من غيبوبتي التي استمرت عشرة أيام نهائيا، وكان أول ما رأيته عندما فتحت عيوني يبدو كشبح يتحرك أمامي دون أن أدرك ملامحه بسبب ضبابية الرؤيا، كانت أمي تنظر من خلف الزجاج والدمع يموج في عينيها، وأبي وأخوتي وعائلتي كافة كانوا ينتظرون خارج الغرفة، لتدخل علي دلال بلهفة وتمازحني وتقول،:” لا تخافي يا خيتي أنا رح حارب عني وعنك، بس طيبي بسرعة”.
بدأت رشيدة تتحسن ويتلاشى الخطر تدريجياً بعد العشرة أيام الأولى لتمكث في المستشفى ما يقارب الثلاثة شهور ولتنقل بعد ذلك إلى النقاهة، حيث الرقابة الصحية والاهتمام المتواصل.
تستذكر رشيدة موقفا قضى على شهر ونصف مضافة للفترة الطبيعية التي كانت ستشفى خلالها: ” جاء الأخ أبو محمد الدايه، الذي كان معنا في قوات 17، لزيارتي في المستشفى مع عدد من الشباب من القوّة وإخوة من الأجهزة العسكرية في الثورة الفلسطينية ليهنئوني بالسلامة، فطلبت منهم أن يخرجوني من القسم الذي أنا به، لأنني لم أعد أحتمل البقاء أكثر دون الخروج من المكان. الأخوة أرادوا أن يلبوا فعليا أمنيتي في استنشاق الهواء الطلق، فبدأ أحدهم بإلهاء الممرضين ليستغل الباقيين فرصة تهريبي بالمصعد وعلى الكرسي المتحرك، حتى وصلنا إلى أسفل المستشفى، ومن على حافة الباب سقطت من على الكرسي ليفتح الجرح ثانية، لكي يعيدوني إلى أعلى، ولأمضي شهر ونصف الشهر زيادة على الفترة الطبيعية التي وجب علي قضاؤها في المستشفى”.
لم تكن عائلة المغربي تعلم بطبيعة التدريبات التي تقوم بها رشيدة ودلال، كان علمهم بإنخراط الأختين في المجال العسكري موجود دون معرفة طبيعة المهام التي ينفذوها، فتقول رشيدة في هذا الصدد:” عندما بدأ التدريب في عام 1977 في معسكرات الثورة للخوض في عمليات خاصة، مُنعت من حضور هذه التدريبات بسبب إصابتي البالغة، فكنت أذهب لزيارة أختي دلال في معسكرها الخاص، التابع للكتيبة الطلابية، لأشارك أحيانا في بعض التدريبات العسكرية البسيطة، دون التركيز على تفعيلي ضمن أجندتهم الخارجية.”
” كان أهلي يزوروننا بين فترة وأخرى عندما تتاح لهم الفرصة لزيارة جنوب لبنان، ليشاهدوننا في المعسكرات دون معرفة التفاصيل”.
ولأنها عائلة فدائيين أبا عن جد، اعتبر والد رشيدة أن ما تقوم به من عمل فدائي هو تحقيق للواجب الوطني، إلا أن الأم كان يغلب عليها طابع الأمومة عندما كانت ترسم عند ميلاد كل عصفور لها خارطة الطريق الطبيعية التي تتمنى كل أم أن تراها لأولادها في المستقبل.
عامل الجنس لدى رشيدة أو دلال المغربي لم يكن عائقا أمام استمرار عملهم الوطني، على الرغم من عدم وجود نساء غيرهم في المجموعات الفدائية، إلا أن ذلك لم يكن في يوم من الأيام يؤثر ولو بذرة على تدريباتها الخاصة وعملياتها مع الثوار. لتستمر حديثها بإطفاء سيجارتها داخل الطفاية الزجاجية التي امتلأت برماد الألم ونار الثائرة: ” في أغلب الأحيان كنت أتلقى التدريبات وحدي مع الشباب، دون الشعور بالوحدة، ولم يكن هنالك فرق بين ذكر وأنثى بل كنا أخوة في ما بيننا، يحترم كل منا الآخر ويقدر ظروفه، مقدرين وجود أنثى بينهم.”
هذا الشعور جعل رشيدة تستمر في تدريباتها مع الفدائيين دون خوف أو تراجع، فبعد عام 1977 عادت المغربي للعمل الفدائي مع جهاز (17) القوة الرادعة التابعة لأبي عمار الذي كان يتولى أصعب المهام، لتعتز به وتقول: ” كنا أقوياء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عملنا بإخلاص وتحدينا الصعوبات كافة، حفرنا أنفاقا عديدة للوصول إلى أماكن لم تستطع كتائب أخرى الوصول إليها، متصدين للكتائب اللبنانية والجيوش السورية والمدججة بالأسلحة الكبيرة والثقيلة على الرغم من أسلحتنا الخفيفة، فلم يستطيعوا تدمير المقاومة الفلسطينية رغم كافة الهجمات المتتالية، حتى عندما تم تهديد ياسر عرفات بالخروج من لبنان أو تدمير بيروت، ليتخذ قرار الخروج وإنقاذ المقاومة والحفاظ على الأرواح وليس الاستسلام، لأنحني اليوم لكل من يحمل روح المقاومة حتى الآن.”
في عام 1977 كانت المغربي إحدى الحرس الذين يقفون على مبنى الكتيبة 17 عندما قدم أبو الطيب وأبو حسن سلامة بسرعة إلى داخل المكتب مع أحداث قرار أنور السادات للذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي في تل أبيب، والذي صنع صدمة للفلسطينيين ليتساءلوا عن كيفية ذهاب قائد عربي لدول المحتل الصهيوني؟
تقول المغربي باستغراب وهي تنفث من سيجارتها الرابعة مع رشفة فنجان من القهوة الذي أعدته لي كضيافة لزيارتي:” لم أتجاوز الثامنة عشرة من عمري، ولم أفهم في السياسة كثيرا سوى حقي في الرجوع إلى فلسطين وعلى العالم أن يساندني للحصول على هذا الحق.”
وتضيف:” ناطور البناية كان لديه تلفاز صغير عند مدخلها، وكنا نلتف جميعا حول هذا التلفاز لمشاهد هبوط طائرة السادات في تل أبيب، مع دخول أبو حسن سلامة وأبو الطيب للمبنى لينظروا بنظرة الصدمة لما يحدث غير مصدقين لما يجري، ليعم الصمت المكان، وشعور لا يستوعبه أحد، لحظة لا أنساها طوال حياتي.”
عمليات مشتركة ووداع أخير:

العميدة رشيدة المغربي الشهيدة دلال المغربي
“في هذه اللحظة كان أبو جهاد يخطط لعمليات نوعية مع مجموعات غير مباشرة، وكنا نريد تكثيف الجهود وجمعها مع الأخ أبو عمار من أجل القضية الفلسطينية على عكس ما كان يريده السادات، ليخرج أبو جهاد ( خليل الوزير) بقرار لعملية استثنائية في شهر 12 /1977 ضد الصهيونية”.
وتقول المغربي: ” في 15/12/1977 قدمت دلال إلى البيت لمشاركتنا في حفلة عيد ميلاد أخي، والتي أقمناها بعد مجيئها بيومين، كانت علامات التعب والإرهاق واضحة عليها، عيون حمراء، لم تنم منذ أيام، سألتها عن حالتها المزرية، لتجيبني بأنها لم تنم منذ يومين، وكانت لديها تدريبات عسكرية تحت الماء، وبشكل مكثف، لتضيف بأنها قدمت لتوديعنا لأن لديها عملية خلال الأسبوع القادم، لتخرج دلال حينها دون أن يعلم احد من عائلتي مقصدها خوفا من تمسكهم بها وعدم السماح لها بالذهاب، لكنني كنت العنصر الوحيد في العائلة الذي كان يعلم ماذا يجري، وإلى أين تذهب دلال؟”
” نظرت إليها وهي تغادر البيت، مودعة جميع عائلتي بعيونها وبكلمات مرحة لا تشعرهم بعدم الرجوع، لتختفي مع عمق البصر في سيارة أحد الفدائيين الذي جاء ليقلها من البيت إلى معسكر التدريب”.
” خرجت دلال في عمليتها الأولى إلى فلسطين، لكن فصل الشتاء وهيجان البحر، حالا دون وصل الفدائيين إلى فلسطين، ليتم إلغاء العملية ورجوع المجموعة إلى المعسكرات”.
“في شهر آذار لعام 1978، أي بعد ثلاث شهور، عادت دلال إلى البيت لتودع العائلة مرة أخرى بعيونها دون أن تتحدث لأحد بشيء، لأقبلها وأعانقها ليكون شعوري آنذاك بالحسد والغيرة منها بوصولها لأرض الوطن قبلي”.
العملية الذهبية:

الشهيدة دلال المغربي
في التاسع من آذار عام 1978 خرجت دلال ومجموعة من الثوار في العملية التي كانت قد خطط لها أبو جهاد مسبقا، من بيروت إلى سفينتهم المتجهة إلى فلسطين، وكان المتوقع أن تبدأ العملية على ساحل الوطن بعد يوم، تزامناً مع زيارة الرئيس ياسر عرفات إلى روسيا، ليبرز نشاط الثوار أمام روسيا لتزويدهم بالسلاح من خلال المقدرة التي ستثبتها تلك العملية.
ولكن عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ليهيج البحر وتضيع الكتيبة في عرضه، وليتأخر الأبطال عن موعدهم، فيصلوا في الحادي عشر من آذار لتنفذ العملية بعد يوم من موعدها.
بدأت عينا رشيدة بالألم عندما قالت:” بعد أسبوع من تنفيذ العملية، عاد أحد الشباب الذي كان مع دلال على السفينة، محضرا معه شريطا مسجلاً لأحاديث وغناء أفراد المجموعة الفدائية خلال رحلتهم المتجهة نحو فلسطين، حاملا باليد الأخرى وصية دلال التي كتبتها لنا قبل استشهادها، ليتقدم كافة الثوار والمناضلين والفدائيين للتعزية في بيتنا في بيروت، الذي امتلأ برائحة الوطن المغترب، لتدمع عيني فرحا وحسدا على رفيقة دربي التي وصلت قبلي لفلسطين ونالت الوطن والشهادة، لأفقد كل شيء دون حزنٍ، أفتخر بدلال، وأتمنى أن أنال ما نالته من شرف عظيم وشهادة في فلسطين.”
عصفورة ترهب مملكة
مرت ثلاثة شهور على تلقي خبر استشهاد دلال لتعود رشيدة المغربي إلى معسكرات التدريب بشكل مكثف، لمهمة أصعب في المملكة المتحدة بريطانيا، لتتذكر المغربي الأجواء العامة آنذاك بقولها:” بعد عام 1974 ذهب أبو عمار إلى الأمم المتحدة رافعا البندقية في يد وغصن الزيتون في يد أخرى، أٌثناء مرور الحركة بأزمات داخلية وخارجية، انتهت بالانشقاقات الداخلية والضغوطات الخارجية، ولأننا جهاز امني رادع خرجنا بعمليات استهدفت المجموعات التي تخطط وتغتال قادة المنظمة والحركة، لنتوزع على عدة دول، فكان نصيبي في بريطانيا، لأسافر في طيارة إلى فرنسا ثم المملكة المتحدة ولأصل وإثنين من الزملاء إلى هنالك وننزل في أحد الفنادق البسيطة بسبب قلة الأموال وكثرة المصاريف، ففي يوم تنفيذ العملية التي كانت تستهدف أحد المباني التي كان من المفترض أن نقوم بتفجيرها، ويقوم أحد الأخوة بإطلاق الرصاص على الحرس البريطاني بعد التفجير، و آخر يجب أن ليقلني في سيارته للإبتعاد عن المكان بعد العملية، لكن بعد تنفيذ ما عليّ تم إلقاء القبض علي من قبل مجموعة من الحرس الذين بدؤوا بركلي بأرجلهم على بطني ( مكان الإصابة) دون رحمة.”
وتضيف المغربي:” قاموا بضربي حتى نزفت بشكل لن تتصوره، قبل أن تصل قوات الأمن البريطانية (السكوتلاند يارد) ليأخذوني من بين أيديهم، بعد تكسيري، ثُم أتم الأمن البريطاني معروفه في تعريتي وتعذيبي دون نوم أو راحة لمدة عشرة أيام للمحاولة في معرفة أي معلومات مني”.
تم إلقاء القبض على رشيدة نتيجة هروب أحد منفذي العملية، ليتم القبض على الآخر بعد حين من اعتقالها، بتهمة التخطيط ورسم مجموعة من الخرائط للمبنى المخطط تفجيره والطرق المؤدية له، لتقول في هذا الصدد:” وصلت المحكمة التي كان ينتظرني بها ممثل منظمة التحرير الفلسطينية الدكتور نبيل الرملاوي ومسئول جمعية الصداقة الفلسطينية البريطانية الدكتور نبيل عياد أحد مستشاري الملكة إليزابيث، والبروفيسور موسى مزاوي وعيسى عبد المسيح وكلاهما من المستشارين الحاليين للملكة إليزابيث، بعد أن أوصاهم ياسر عرفات بالدفاع عني بالمحكمة.”
كانت رشيدة تحت السن القانوني21 بسنتين عندما جاء ضابط من الأمن البريطاني والبروفيسور عبد المسيح للاستفسار عن كاتب الخرائط لتعترف المغربي في تورطها وحدها في كتابة الخرائط على الرغم من كافة الدلائل التي تشير إلى زميلها الآخر، إضافة إلى مساومة الضابط لعبد المسيح بألا تعترف بكتابة الخرائط لكي يتم محاكمتها كقاصرة وليس كعقل مخطط، لكن باءت محاولاتهم بالفشل ليخرج زميلها بريئا ويحكم على رشيدة 12 سنة، بعد معاناة 11 شهرا قضتها قيد المحاكمة.
عصفورة في قفص الوحوش
إثنى عشر سنة مدة الحكم على عصفورة فلسطين في الغربة، لتقضي سنواتها بعيدة عن أهلها ووطنها ومكان نشأتها، ليمنع الهدوء نومها في بداية أيامها في سجن(هولواي) إلى الشمال من مدينة لندن البريطانية، ليطفئ جسمها المرهق في نهاية المطاف، لتسقط نائمة بعمق بعد 5 ليالٍ قضتها دون نوم.
لتقول وعلامات البسمة التي لم تفارق شفتيها طوال جلستي معها:” لقد اعتدت على الضجة، والبيئة الحربية، وأصوات القنابل والرصاص، ولم يكن وقت نومي محددا، فبعد اعتقالي كان السجن يطفئ نوره بعد الساعة العاشرة ليلا ليعم الهدوء والصمت ويخلد الجميع للنوم، لأجبر على النوم في طابق وسط بناية مليئة بالسجناء الرجال، والتي خصص قسمنا لي ولثلاثين سجينة، اعتبرت من الخطيرات في بريطانيا الذي تحرسه رجال ونساءٌ عسكريين حراسة شديدة في غرفة منفردة، قضيت الـ 5 ليال الأولى هناك دون نوم لشدّة الهدوء المخيف الذي لم أعتد عليه”.
“وفي اليوم الثاني من دخولي زنزانة سجن هولواي أحضرت الحارسات سجينة ألمانية، من تنظيم (بادر ماين هوف) كانت تدعى (استرد برول) لتسألني بعد أيامي الأولى وعلامات التعب تظهر على جسدي، ما بِكِ؟ لأجيبها: لا استطيع النوم فالصمت والهدوء يخيفني ولم أعتد على مثل هذه البيئة”.
وتضيف رشيدة المغربي:” لقد حضرت الحارسة لي في أحد الأيام لتعطيني دواءً منوماً لأرفض بشدة بحجة عدم تناولي دواءً، لأصل لمرحلة من الإرهاق والتعب، مع مرور الوقت، لأستلقي على سريري دون وعي وأنام ليلة العمر.”
وتعيد وتؤكد المغربي:” لقد تغير عالمي، لا وجود للعرب بين هذه الجدران غيري، 12 سنة لم أتكلم مع عربية، إلا مرتين مع ممثل منظمة التحرير ولمدة قصيرة، ومنعوا عني العديد من الأمور بسبب اعتباري سجينة خطيرة، فإذا امتلكت إبرة مثلا في ذلك الوقت، يعتقدون أنني سأحفر بها جدار الزنزانة أو أحتجز رهينة ما، أو إذا تم وضعي مع السجناء، يعتقدون أنني سأقوم بإنقلاب وأسبب لهم المشاكل.”
تصف المغربي حالتها أثناء بقائها في السجن بقولها:” كنت في حالة يرثى لها، بشعر غير مرتب وبنطال الجينز، فكوني زهرة فدائية، عاشت مع الثوار، اعتدت أن ألبس وأدخن كما يفعلون، وفي الوقت الذي يسمح لي الحرس به للخروج وتلقي أشعة الشمس خارج الزنزانة، أتمشى داخل دائرة حددت لي ولكافة السجينات هناك، كما إعتدت على مشيتي العسكرية”.
وهنا وقفت العميد المغربي على أقدامها أمامي لتبدأ بتقليد مشيتها العسكرية التي اعتادت عليها، وتضيف:” فكنت أمشي مشيتي العسكرية في هذه الدائرة، لتسير الفتيات باستغراب خلفي محاولين تقليدي في مشيتي، ليدخل الجنون عقول الحارسات هناك والاعتقاد بأن هذه العربية ستفتح معسكرا داخل السجن، ليدخلوني مرة أخرى إلى الزنزانة ويقرروا بأن يمنعوني من مشاركة السجينات في الفسحة على أن أخرج وحدي بعد انتهاء فسحتهم”.
مضت الأيام ومرت السنين، ليسمح بالعصفورة المغتربة بالعمل داخل المصانع في السجن لخياطة بدلات لعمال البلديات والحراس والسجناء في المملكة، مقابل بعض السنتات التي يمكن أن تشتري من خلالها طوابع بريدية لمراسلة عائلتها، أو مجموعة من السجائر وألواح الشوكولاه: ” لقد كنت أجمع من هذا العمل القليل من الباوندات التي يسمح لنا في أعياد الميلاد الحصول من خلالها على ألواح من الشوكولاه كالمارس وغيرها، وكان يعد ذلك نوعا من الرفاهية داخل السجن، فكنا نباشر عملنا من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثانية عشرة ظهرا، بينهما فسحة من الراحة تقدر بعشرة دقائق، كانت تتجمع بها السجينات حولي للتقرب مني أكثر والتعرف علي، فلون بشرتي السمراء وشعري المجعّد ومظهري غير المبالى به، شد انتباه الجميع، فكانت الحارسات تظن بأني أحاول تنظيمهن والإعداد لانقلاب عسكري داخل السجن، ليمنعوني في اليوم التالي من العمل، محتجة على ذلك من خلال قولي:” أريد أن أعمل أريد أن أراسل أهلي، أريد شراء طوابع بريدية”.
وتستذكر موقفا بضحكة استهزائية:” لقد خرج السجن بقرار ينص على منحي باوندا كل أسبوع، على ألا أخرج وأعمل في المصنع، فكانوا كلما يسمحوا لي بالخروج يعيدوني ويندموا على ذلك.”
ورق التمباك والسجائر العربية كانت مصدر تنفيس المغربي عن معاناتها داخل السجن، فبسبب غلاء سعر علبة السجائر العادية كانت المغربي تقوم بشراء التومباك وبعض الأوراق لتصنع سيجارتها بيدها لتحرقها كما اعتادت في الأيام الخوالي.
المرض سنة الحياة، ولكنه اختلف مع المغربي في زنزانتها على الرغم، من حقها في تلقي العلاج إلا أنه كان نوع من التعذيب الذي مارسته (سستر أدان) رئيسة الممرضات في سجن (دوروم) البريطاني.
فتقول المغربي:” بعد إصابتي في معركة الجبل والتعذيب الذي مارسه الحراس البريطانيين بحقي لدى اعتقالي، كانت معدتي تؤلمني خلال فترات متتالية، وكنت أطلب معالجتي، دون جدوى، بحجة عدم توفر حارسات لنقلي من الزنزانة وحتى العيادة بسبب بعد المباني عن بعضها البعض مع أن المسافة لم تكن بعيدة على الإطلاق، إضافة لقدوم ( سستر أدام) لتوزيع الدواء على السجناء كافة، دون أن تعيريني أي اهتمام، فأقول لها :” أعطيني حبة دواء، فإن معدتي تؤلمني!!” لتنظر لي بنظرة استهزاء واحتقار، وتقول: كلا، كلا هذا دلع مساجين، وسوف تعتادي الوضع”.
وتضيف المغربي:” كانت آدان تماطلني طيلة الوقت، بتأجيل ذهابي للعيادة طيلة خمس سنوات، إلى أن جاءوا في أحد الأيام الساعة السادسة صباحا لإخراجي من زنزانتي إلى المستشفى لعمل مجموعة من الفحوصات الطبية لأقضي ثلاثة أيام، ليعيدوني بعدها للزنزانة دون أن أعلم ماذا حدث لي ؟!”
“وبعد ثلاثة أسابيع جاء دكتور فديان لزنزانتي وعندما أصريّت على معرفة نتائج الفحوصات أبلغني بأنهم أزالوا لي الرحم، لتصيبني الصدمة والاستغراب والتساؤل، لأقول لهم: ماذا ؟؟!!”
لم تكن رشيدة خبيرة في أمور النساء، ولم تعش جواً أنثويا، فقد كانت حياتها مع الثوار والشباب والمعارك، فلم تدرك معنى ذلك.
وتستمر الغربي بلهجة الألم والمعاناة عندما أبلغت عن وجع شديد في غدد الأذنين ( اللوز) ليذهبوا بها ثانية للمستشفى ويعملوا على إزالتها على ألا يعالجوها بالدواء، فتقول باستغراب :” تخيل!! لقد فعلوا ما يريدون على ألا يعطوني حبة دواء”.
قضت رشيدة المغربي سنوات سجنها ألما وأملا في الخروج من هذا القفص الوحشي، على الرغم من محاولات المقاومة في فرنسا فور إعتقالها في احتجاز رهائن، لأجراء عملية تبادل وإطلاق سراح الأسيرة المغربي، إلا أن قوات الأمن الخاصة الفرنسية هاجمت المجموعة، ما أدى إلى استشهاد أحد أفرادها.
جاء الفرج وجاءت الحرية، عندما قرأ مبعوث وزارة الداخلية البريطانية على رشيدة المغربي قرار إبعادها وانتهاء فترة سجنها التي قضت منها فعلياً تسع سنوات وتسعة أشهر داخل السجن فتقول:”قدم مبعوث الداخلية البريطانية ليبلغني بانتهاء مدة سجني، وترحيلي خارج المملكة، بشرط إبقائي محجوزة حتى تقبل أحد الدول التي راسلتها بريطانيا لاستقبالي كإرهابية بنظرهم، لأمضي تسعة أشهر إضافية من السجن قيد الإنتظار دون أن يبت بمن ستكون الدولة التي سيتم ترحيلي إليها”.
وتضيف المغربي بفخرها بفلسطينيي الغربة: ” عندما طالت مدة السجن الإضافي والغير مشروع قدم البروفيسور موسى مزاوي وعيسى عبد المسيح مستشاري الملكة آنذاك، وهم فلسطيني الأصل، ليبلغوا وزارة الداخلية بحجزهم لي مقعدا على طائرة متجهة إلى الجزائر في تاريخ 21/3/1988 في الساعة العاشرة صباحا، مهددين إياهم، برفع قضية في محكمة العدل الدولية إن لم أكن على الطائرة في الوقت المحدد، لأخرج في اليوم الموعود تحت حراسة مشددة دون علمي إلى أين سأذهب؟ لأسأل أحدهم: إلى أين تأخذونني؟ ليجيب: إلى المطار وهذه أغراضك.”
” أًصابتني الصدمة مع صعودي وتوجهي للمطار، لتقف السيارة بجانب درج الطائرة مباشرة الذي أصعد من عليه إلى مقعد الطائرة وذلك لكي لا تدوس قدمي على أرض بريطانيا، ليأتي البروفيسور مزاوي أثناء تواجدي داخل السيارة والدكتور فيصل عويضة – ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بعد نبيل الرملاوي في بريطانيا- ليطلبوا من الحرس التكلم معي قبل صعودي للطائرة، فأجابهم الحارس:” يمنع أن تدوس على أرض بريطانيا”!
فقال له مزاوي بنبرة شديدة اللهجة:” أريد أن أتكلم معها أنا موكلها وأنا مستشار الملكة، وأريد أن أرى موكلتي.” فسمحوا له بعد جدال دام دقائق بالدخول إلى السيارة على أن لا أخرج أنا وأدوس على أرض بريطانيا، ليجلس مزاوي بجانبي، ويطمئنني بقوله: ” بعد قليل ستصلين إلى الجزائر وهناك وفد من السفارة والقادة الفلسطينيين ينتظرونك في المطار، فقد أوصوني الاهتمام بكِ.”
وتضيف المغربي بنبرة حنونة حول ضابط الطائرة الذي رسخ بصمته في ذاكرتها: ” بعد أن أنهينا الحديث صعدت للطائرة ويداي مقيدتان، أقسم بربي ويشهد الله على ما أقول، هذا الموقف لا يمكن أن أنساه في حياتي، الكابتن الجزائري كان عربي حر، أمر الحرس البريطاني بفك قيودي عندما دخلت إلى الطائرة، بعد ذلك دارت مجادلة طويلة مع الحرس البريطاني لمنع القبطان الجزائري من فك قيودي حتى نصل الجزائر، إلا أن إصرار الكابتين العربي بشموخه ونبرته الصارمة معهم وتهديدهم بأن هذه الطائرة تعتبر أرض جزائرية ولا يحق للبريطان أن يمارسوا سلطاتهم حال دون تنفيذ البريطان مشيئتهم وأُجبروا على فك قيودي، ثم جلس الكابتين الجزائري بجانبي وبدأ بالترحيب بي على طيارته. ” لتقوم المغربي من على كرسيها لتقلد الموقف الذي حصل معها لتصافحني بحرارة القبطان الذي صافحها بالطائرة وقال لها:” أهلا وسهلا بالأبطال، أهلا وسهلا بالمناضلين”.
شعور لا يوصف، لتكمل المغربي حديثها بمواقف لا تنساها من ذاكرتها، فبعد اثنا عشر عاما من الغربة والعذاب داخل السجون البريطانية، جاء من قدر عملها وافتخر بها وتضيف:” قال لي قبطان الطائرة: أنتِ بطلة ونحن سعيدون بقدومك إلى أرض الأبطال.”
لتنطلق الطائرة بالمغربي إلى الجزائر مخلفة وراءها آلام السجن ومعاناته، للحرية الكبرى.
فمع وصولها لأرض الجزائر، واستعدادها لمغادرة الطائرة، تقول المغربي:” قدم أحد الحرس البريطاني علي ليوثقني مرة أخرى، لينظر له القبطان ثانية، ويأمره بعدم المساس بي، فأنا في أرض ليس لهم الحق بممارسة سلطاتهم علي فيها، ليقول له: اتركها ليس لديك الحق في توثيقها، أستطيع أن أحكامك، للتعدي على سلطاتنا”.
أغمضت المغربي عينيها مع ضحكتها التي لا تفارق وجهها لتتنهد بقولها:” لا أستطيع أن أنسى هذا القبطان البطل، وهذا موقف لا يمحى من الذاكرة.”
وهنا رافق الحرس البريطاني عصفورتنا المغربي، بسيارة أخرى دون أن يتدخلوا في أي شيء كما أمر القبطان، لتدخل المغربي صالة المطار الشرفية التي كان ينتظرها بداخلها مجموعة من القادة والدبلوماسيين الفلسطينيين والجزائريين، فتستذكر: ” لدى دخولي الصالة الشرفية، رأيت أبو الطيب الذي كان نائب الأخ أبو حسن سلامة قائد قوات (17) في لبنان، فتعرفت عليه، ولم أكن أعلم أحدا غيره هناك”. وتضيف:” قدم أبو الطيب إلي بلهفة ليسألني عن أحوالي وأخباري التي غابت سنين طويلة، وليلفت انتباهي لشاب في سن العشرين ويقول:” أترين هذا الشاب؟ كلما تمر إحدى الفتيات من باب القادمين، يذهب بسرعة لاحتضانها وتقبيلها ويبدأ بكلمات الفرحة (أختي حبيبتي أختي حبيبتي).” كان ذلك أخي أحمد، فقد تركته في سن مبكرة ليكبر وأنا في السجن، دون أن يعرف شكلي ومظهري، فيتوجه نحو الأجنبيات ذوات البشرة البيضاء والشعر الأشقر مشاكساً أو معتقدا، ليتقدم له أبو الطيب ويقول له: ” تعال إلى هنا، أختك ليست شقراء، أنت تشاكس، هذا السمراء العربية البطلة هي أختك”. لتستمر الضحكة على شفتي العميدة بتذكرها هذا الموقف الطريف.
وصلت المغربي إلى الجزائر لتقيم بها ثماني سنوات، مدركة أن الأمل في العودة للبنان وفلسطين أصبح قريبا، على الرغم من محاولات العودة بعد اتفاقية أوسلو مع الرئيس الراحل ياسر عرفات لم تجد نفعا، فتقول المغربي بنفس الراحة:” استأجرت بيتا في الجزائر وعدت للعمل العسكري ثانية في معسكرات منظمة التحرير في الجزائر، وأثناء حرب العراق وكان المؤتمر العام الخامس لحركة فتح”.
كانت رشيدة المغربي من أوائل المناضلات اللواتي قضين أكبر فترة سجن في الثورة، ليتم استدعاؤها من قبل ياسر عرفات للمشاركة في أعمال المؤتمر الخامس آذاك، ضمن قائمة المحررين.
فتتذكر حينها رقم عضويتها في المؤتمر بقولها:” أتذكر أن رقم عضويتي كان 25، وجبريل الرجوب 26، وبطاقتي ما زالت حتى الآن موقعة من الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولقد كان لي الشرف في المشاركة في هذا المؤتمر بكامل صفة عضو المؤتمر الخامس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)”.
إهتز كامل كيان رشيدة المغربي عندما سمعت الياسر ينطق إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 . لقد كانت تقف على مقربة من أبو عمار آنذاك، فتستذكر مع رجفة الحنين والذكريات:” ذهلت وأصابتني الصدمة من الفرح، وتصاعد الحنين لدولتي الفلسطينية التي لم أتصور أننا نصنعها ونحن بعيدين عنها وعن أرضها، ما بالك يا أخي؟ هذا حلم كل فلسطيني، هذا شعور يستحق التضحية ولا ينسى أبدا”.
عادت المغربي لتمارس حياتها اليومية منخرطة بالعمل العسكري والسياسي في آن واحد وخاصة بعد أملها بالعودة لأرض الوطن،
فتقول ” كان المفترض العودة مع الشهيد ياسر عرفات إلى الوطن، إلا أن الإسرائيليين رفضوا ذلك أيضاً، وما كان أمامنا سوى العودة إلى ساحات الخارج وكنت قد قمت بمهام أخرى على الساحة الجزائرية والتونسية والليبية واليونانية والقبرصية واليوغسلافية وفي روما، قبل الاستقرار أخيرا في تونس دون أي وثيقة كالهوية أو جواز السفر، وبقيت هكذا حتى استرجعت وثيقة السفر اللبنانية وتمكنت من السفر من تونس إلى لبنان لتعود وتقبل أهلها وذويها بعد غياب طال أكثر من خمسة وعشرين عاما عنهم، وتضيف ” يوم زيارتي الأولى لأهلي كان كالحلم، ورائع جدا، لم أخبر أحدا من أهلي أنني عائدة خوفا من مفاجأة سيئة تحول دون وصولي إلى منزلنا، وبالفعل وصلت المطار في بيروت وأخذت سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه مباشرة إلى طريق الجديدة، وقرعت الباب لتجيب والدتي ” من الذي على الباب؟ ” فأجبتها ” حسن “، ففتحت شباك صغيرا لتراني مباشرة أمامها، لتبدأ بتقبيلي ومعانقتي وتذهب وتجمع العائلة ليستقبلوني بحرارة لا يمكن وصفها”.
عاشت رشيدة بالأسر معزولة عن العالم باستثناء أحلامها وذكرياتها الطويلة في لبنان وعائلتها والطرق حتى أنها بمجرد استيقاظها في اليوم التالي لوصولها إلى لبنان ذهبت في جولة في المنطقة وقامت بشراء ” المناقيش ” إلا أن هناك شيء أخر كان أهم من كل ذلك لديها حسب قولها ” غرفتي ووسادتي، والذكريات التي جمعتني مع دلال في هذا المنزل وهذه الشوارع “. لتتردد بعد ذلك بالذهاب والإياب بين فترة وأخرى إلى بلدها الثاني لبنان ثم تعود لتونس وتتنقل بين الدول بعد رفض الإسرائيليين لها الدخول مع الرئيس ياسر عرفات في 1993م إلى فلسطين ضمن اتفاقية أوسلو مع بدء عودة القوات الفلسطينية إلى أرض الوطن”.
العصفورة تعود لعشها الموعود

رشيدة المغربي في بيتها برام الله
حلم العودة الذي لم يتحقق لرشيدة المغربي بطائرة الرئيس ياسر عرفات بعد توقيع اتفاقية أوسلو، ليعود ملوحاً بالأفق مع بدء التحضيرات لعقد المؤتمر السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وما رافقه من حوار وجدل حول مكان انعقاده ليكون في نهاية الأمر في بيت لحم وفي خضم كل هذه الأجواء كانت رشيدة تترقب ” كان من المفروض أن يكون هناك مؤتمر خاصة بعد استشهاد أبو جهاد، وأبو إياد ، وأبو الهول ، وتوقيع اتفاقية أوسلو، لكن السؤال المطروح أين سيكون ؟ وكان الحديث يدور عن الأردن والجزائر ومصر لكن في النهاية كان القرار أن يعقد في بيت لحم رغم معارضة أخوة مناضلين وقادة تاريخيين في الحركة كالأخ فاروق القدومي أبو اللطف”.
سُئِلت رشيدة ما إذا كانت ستوافق على الذهاب إلى فلسطين لعقد المؤتمر السادس هناك تحت حراب الاحتلال، وقيل لها أنّ دلال لم تدخل الوطن بتسوية مع الإتحاد الأوروبي، كانت قد دخلتها ببندقية ، فأجابت ” التحدي الأكبر هو أن تستطيع عقد مؤتمر لحركة فتح في ارض الوطن، وإسرائيل بالتأكيد لن تكون سعيدة وفدائيو الثورة الفلسطينية الذين آلموها استطاعوا الدخول إلى ارض الوطن”.
لم تكن تتوقع المغربي كالعادة ان تطأ قدميها ارض فلسطين وظلت في شك طيلة رحلتها التي بدأت بطلب عودتها إلى تونس من لبنان لتلتحق بكادر الساحة التونسية، ثم إلى تركيا والبقاء بها ليلة واحدة، وأخيرا إلى الأردن حيث كان الوفد مضطرا للبقاء ليلة أخرى وتعبر العميدة عن تلك اللحظات:” طيلة الطريق كان رفاقي ينظرون لي بنظرة شك وقلق وخوف من ردة فعلي حين نصل إلى فلسطين، وكانوا دائما وأبدا يقولون لي ” اهدي قليلاً “، وكانت تلك الليالي قبل وصولنا إلى فلسطين متعبة جدا ويسودها القلق والتوتر والذي تغلبت عليه في الأردن بزيارة الجرحى الفلسطينيين هناك، والقائد سمير غوشة والذي كان مريضا في ذلك الوقت”.
جاءت لحظة عبور النهر، ذلك النهر الذي عبرته مجموعات الفدائيين لتنفذ عملياتها العسكرية وتعود إلى قواعدها، ذلك النهر الحافل بأساطير البطولات الفلسطينية والتي على ما يبدو جعلت رشيدة تنظر إلى الإسرائيليين حين وصلت إلى الجسر نظر الحقد والانتقام، ولفظت كلماتها بعفوية ” يا أولاد الكلب ” لتضبط نفسها بالقول” عندما وصلت إلى الجسر قال لي احد الأصدقاء قد يطلبوا منك خلع حذائك والصيغة الذهبية، فقمت مباشرة بخلع الحذاء والذهب قبل أن يطلبوا مني هم ذلك ، كنت أفكر أنهم إن ظنوا أنهم سيستفزوني بذلك فسأستفزهم بحرمانهم من لذة التحكم، وكان الترقب يسود أعضاء الوفد خشية استفزازي لأحد الإسرائيليين من هذه التصرفات، لكن الأمور مرت بسلام وكان هناك مراقبين من الإتحاد الأوروبي، حتى أن الإسرائيليين على الجسر لم يكونوا بلباسهم العسكري ولم يجرؤا على مخاطبتي أو مخاطبة أياً من أعضاء الوفد”.
فاجأني استمرار حركتها داخل البيت وهي تستذكر ما مرت به على جسر الألم والبطولات مقلدة كل حركة كانت تقوم بها، خاصة عندما جلست على الأرض أمامي لتقول:”حينما قطعت الجسر وكانت الحافلة الأخيرة تنتظرنا، جلست على الأرض وأخذت أطبطب على التراب” أنا على أرض فلسطين”، كنت أرغب بفعل ما أريد بحرية، كنت عفوية في توصيل رسالتي دون أن يتحرك أحد من الإسرائيليين مع توتر وقلق الوفد القادم معي، لم أكن أرغب الوقوف أردت البقاء على مكوثي جالسة على الأرض، لأقبل الأرض التي حلمت بها، افعلوا ما تشاءون بِي الآن أنا على أرضي”.
وأخيراً صعدت الحافلة التي بدأت تسير بالوفد مرورا بمناطق الضفة الغربية وواقعها المؤلم والاستيطان الذي يقضم أراضيها يوما بعد الآخر، وتذكر المغربي أن الوفد كان يجب عليه المرور أولا برام الله لزيارة ضريح الشهيد ياسر عرفات، ثم إلى بيت لحم إلا أنهم لم يفعلوا ذلك وأستغرب أنهم ذهبوا بنا مباشرة إلى بيت لحم دون المرور بالمقاطعة ” حين وصلت إلى بيت لحم طلبت من الشبان الذين كانوا ينتظرونني ويتواصلون معي طيلة الرحلة كالأخ حسن فقيه أن يطلبوا لي سيارة أجرة ونذهب معا إلى ضريح الشهيد ياسر عرفات، وكان ذلك بالفعل وذهبنا، وهناك عاتبت الرئيس بصوت عال: لماذا تركتنا ورحلت يا أبو عمار ؟”، قبل أن يطبق عليها الصمت لتقوم بحوار خافت بينها وبين الرئيس مع اشتداد أسنانها على بعضها البعض.
وتعلق المناضلة رشيدة المغربي على واقع المؤتمر في حينه بالقول ” أن المؤتمر جاء بعد عشرين عاما وبالتالي اعتقد أن العدد 2000 عضو في المؤتمر أمر منطقي، فيما لو قسنا عدد الاجيال والكادر الذي حرم طيلة هذه السنوات من ممارسة حقه، مستدركة حديثها بأسف بأن هناك كثير من الكوادر اللذين حرموا من حقهم، ولكن هكذا كان القرار فنحن نريد مؤتمرا وليس مهرجانا”.
خطر ببالي تساؤلا كنت أود سحبه بعد قوله مباشرة لو كان يمكن سحب الكلمات، شعرت أنه تساؤل غبي، لأكتشف من خلال الإجابة انه غني، كان السؤال ماذا جلبت معك إلى فلسطين؟، وكانت الإجابة ” شنطة صغيرة فيها قليل من الملابس، وكفني ”
تساءلت بدهشة: “كفنك؟”!
فقامت من على كرسيها الذي تجلس عليه لتذهب إلى دفة الجرار في غرفة الضيوف مخرجة منه كيسا أبيضاً لتتقدم إلي وتقول لي: ” شم رائحته، ما أجملها شمها بعمق، هذا كفني وعطري وكل شيء “نعم ” لم يعد هنالك شيء اهتم لأجله، فأنا اليوم في فلسطين واجلس فيها وسأبقى فيها، وسأموت فيها وماذا يهم إن قتلت أو اعتقلت؟”.
أنهيت كلامي، لتقول لي أثناء مغادرتي لها:”أنا يا أخي أزور فلسطين كل يوم من رفح وحتى جنين.”
لأتفاجأ بكلامها خاصة أنها لا تملك الهوية الفلسطينية بعد، ولا تستطيع مغادرة رام الله، لأكتشف في حديقة البيت بخارطة فلسطين التي رسمتها منذ الصغر على كراسها في بيروت وقد حفرتها وزرعتها اليوم في فلسطين بالورد والعشب الأخضر، لتؤكد على بقائها في هذه البلد، مودعة بيديها لي أثناء اختفائي بالسيارة التي أقلتني بعيدا عن بيتها في المصيون في رام الله.
رشيدة المغربي الآن برتبة عميد وتعمل في الاستخبارات العسكرية في رام الله، بعد أن إنتقلت من التوجيه السياسي الذي عملت به منذ وصلها لأرض الوطن.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash