يونيو
01
في 01-06-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

قرية تل.. بين الحلم والحقيقة 2.5 مليون دولار

تحقيق

فراس الصيفي

تقع قرية تل على بعد 6 كم، على طول الطريق الممتد إلى الجنوب الغربي من مدينة نابلس، وتتربع القرية على تله يبلغ ارتفاعها 750 م عن مستوى سطح البحر، ما يعطيها أهمية إستراتيجية وجمالية، وتتميز تل عن غيرها من القرى بثروتها الحيوانية، والزراعية، إذ تحتضن القرية أكثر من 10 آلاف رأس من الماشية، وما يقارب ثلاثة آلاف رأس من الأبقار، كما ويعد تينها وزيتونها الأشهر في منطقة نابلس خاصة، وفلسطين عامة، وما يلفت انتباه الباحث في القرية أن هذه الثورة الزراعية بدأت تتراجع ويجف نتاجها السنوي من فترة لأخرى، وقد أرجع بعض الذين تم مقابلتهم في هذا التحقيق السبب إلى كثرة السماد الذي يوضع على هذه الأشجار، ليس بقصد من المزارع شخصه، بل من كثرة الحفر الامتصاصية التي تقرب في سكناها هذه الثروة الزراعية، ولقرب الثروة الحيوانية منها، وعدم توافر آلية منهجية للصرف الصحي لمخلفات الناس، أو مواشيهم، ما يحرق هذه الأشجار لكثرة سمادها من هذه المخلفات العادمة، وما تسببه إضافة لذلك حفر في شوارع القرية نتيجة لتكرار تسرب المياه العادمة من حفرها الامتصاصية، وسيرها المتواصل على هذه الشوارع، وروائح كريهة تنبعث منها في معظم الطرقات والبيوت المجاورة لها، ومناظر بشعة  تقشعر لها الأبدان، وحشرات في كل مكان، ونفور من المرور بهذه الطرق، والكلام ليس كالوجود في تلك المنطقة والتعرض لكافة عناصرها المليئة بالأوساخ والروائح الكريهة.

فأثناء سيري في أحد شوارع القرية، لفت انتباهي منظر ترك وراءه كل المسميات والآثار السابقة، فقام هذا التحقيق بمتابعة الموضوع للوصول إلى سبب المشكلة والحلول الجارية لها، من خلال إجراء العديد من المقابلات ممن يتعرضون للمشكلة ومن يقومون على إيجاد حلول المثلى لها.

يقول عبد الكريم الشيخ صاحب محل دواجن في القرية:”أنا أقوم بتصريف المياه في حفرة امتصاصية قريبة من مكان عملي، ما يساعدني على تجنب المشاكل مع الجيران، ويقلل من سكبي للماء في الشارع الرئيسي للقرية، وبالتالي تجنب تشويه هذا الشارع من جانب آخر”.

ويضيف الشيخ :”إن وجود شبكة صرف صحي في قريتنا (تل) يساعدنا على التخلي عن الحفر الامتصاصية، والتي تسبب لنا عند امتلائها مشاكل كثيرة ينتج عنها روائح كريهة، إضافة لسهولة التخلص من المياه التي نستخدمها في تنظيف الدجاج في المحل، علما أن أغلب الناس يقومون بسكب مياههم ( الشطف، والجلي، والغسيل …الخ) في الشارع بعد صلاة العشاء، ينتج عنها رائحة كريهة تبقى تحوم في المكان طوال اليوم التالي، ما يشوه الجو في المكان، ويضفي عليه اشمئزازا للمارة.”

سعيد ريحان صاحب مطعم للحمص والفلافل في قرية تل يقول في هذا الصدد:”إن أكبر مشاكلنا في هذا العمل هي تصريف المياه، والتي تنتج عن إعدادنا ونقعنا للحمص والفول، إضافة للمياه التي نغسل بها الصحون والأدوات، والتي تكلفنا يوميا 12-14 برميل من المياه غير الصالحة للاستخدام، والتي نحتاج لتصرفيها، هذا بعد محاولتنا قدر الإمكان الحد من الإسراف في الماء، علما أنه لا يتوافر لدينا حفرة امتصاصية نتخلص فيها من كل هذه الكمية من المياه، وذلك لعدم وجود أرض لنا قرب مطعمنا نقيم بها مثل هذه الحفر الامتصاصية، ما يجعلنا نسكب أغلب المياه في الشارع بعد منتصف الليل، الأمر الذي أدى إلى تشقق الشارع وتشوهه.”

ويشير ريحان إلى أن المعاناة التي يواجهونها اليوم هي الأصعب على الإطلاق، ولابد من إيجاد حل لها من قبل المجلس القروي، بحيث نتجنب تشويه الطرق وتحفرها نتيجة للماء المسكوب عليها بوله” إن شبكة الصرف الصحي هي من أهم البنود التي يجب العمل عليها من المجلس القروي لتجنب كل المخاطر السابقة، وهذا يسهل علينا من الجانب الجسدي والنفسي القدرة على التخلص من هذه المياه العادمة، ما يشكل ملحوظة في أرجاء المكان الذي نعمل فيه”.

جهاد رمضان سائق تكسي على خط تل-نابلس، يعيش بجانب مسار تصريف مياه الشتاء ومياه البيوت التي تسكب في الشوارع يوميا يقول:” أنا أعيش على مفرق طرق على مدخل قرية تل، والحفر الامتصاصية للبيوت المجاورة لنا بدأت تسرب مياهها بشكل كبير، ما يجعل مياه هذه الحفر تصل إلى أمام بيتي بشكل مستمر، ولا نستطيع النوم من الرائحة الكريهة، ومن الناموس (البعوض) الذي يحوم كل ليلة في بيتنا ويسبب الأذى لنا ولأبنائنا، ويقلق منامنا في منتصف الليل، ناهيك عن حرق النباتات في حديقتنا نتيجة لكمية السماد التي تتعرض لها هذه النباتات يوميا”.

ويضيف:”لم نعد نتحمل الوضع أكثر من ذلك، ونحن نخوض اليوم مشاكل عديدة مع جيراننا نتيجة هذه المشكلة المستعصية، ما يسبب في أغلب الأحيان عدوانية بيننا تصل إلى حد الصراخ على بعضنا البعض”.

هروب للراحة

غسان عصيدة موظف  حكومي من قرية تل يضيف يائسا حول هذه المشكلة:” أنا أسكن اليوم في بيت في الحارة الشرقية للقرية،جيراننا لا تفك حفرتهم الامتصاصية عن التسريب يومياً، أحرم من فتح النوافذ، ولا أشم رائحة جميلة في أرجاء بيتي، ابني عمره سنتين، ولا يكاد هو وزوجتي يناموا ليلا حتى يهجم البعوض عليهم، أنا أفكر بالانتقال من مكان سكني، أريد أن أبني بيتا بعيدا عن هذه المزبلة، أريد حياة هانئة لعائلتي تضمن لهم المعيشة الكريمة والبعيدة عن كل الأمراض والروائح الكريهة، ولا أريد أن يعكر صفوها حفرة امتصاصية لا يستطيع مجلس قريتي حل مشكلتها”.

وما يلاحظ اليوم أن هناك العديد ممن يشاركون غسان وغيره الرأي والقرار في الانتقال من مكان سكنهم، والعيش في أماكن أخرى بعيدة عن هذه المشاكل ونتائجها، وهناك من يريد بيع بيته وبناء بيت آخر، ومنهم من يريد الرحيل من القرية وعدم العودة لها، وآخرون يشكون همهم لبعضهم البعض، عسى أن يكون لهم مخرجا، فإن الموت مع الناس رحمة كما يقولون. وكما كانوا يقولون قديما:” من رأى مصيبة غيره، هانت عليه مصيبته”.

حلول المجلس القروي

ومع توجه التحقيق للمسئولين المتابعين لهذا الموضوع في مجلس قروي تل، وسؤالهم حول هذه المشكلة وتأخرها لفترة طالت بأهالي القرية، وحالت دون تنفسهم الصحي ونومهم المريح.

فقد أكد محمود صالح رئيس لجنة المشاريع في مجلس قروي تل:” لم نستطع تأمين شبكة صرف صحي لرفض الممولين لذلك، بحجة عدم وجود شبكة مياه في القرية، نحن توجهنا لأكثر من جهة في هذا الموضوع، وكان كل طرف يقابلنا برد لنفس الإجابة، بأنه لا وجود لأي شبكة صرف صحي في قرية تل إذا لم يتم تجهيز شبكة المياه أولا. فبدأنا بتنفيذ مشروع المياه  والذي يكلف مليون و 200 ألف دولار أمريكي كبادرة حسن نية للحصول على  شبكة الصرف الصحي فيما بعد، ولكن تأخر شبكة المياه، وتمادي الممولين، وإضراب المقاولين، وتقسيم المشروع إلى داخلي وخارجي وتنفيذ الخارجي منذ سنة مضت والبدء بالداخلي مع بداية العام الحالي 2011، من خلال مجموعة من المراسلات، أثر سلبا على تأخر أي مشروع متعلق بعطاء المياه في القرية مثل مشروع الصرف الصحي “.

وفي سؤاله عن ما إذا كان هناك أي خطط لمشروع الصرف الصحي مسبقاً فيقول صالح:” أولا: لا يوجد منح لقرية تل في هذا الموضوع قبل الانتهاء من عطاء الماء، وقد تصل تكلفة هذا المشروع بناءً على دراسة كانت قد أعدت بشكل عام لهذا المشروع إلى حوالي 7 ملايين دولار أمريكي لثلاث قرى مشتركة وهي تل وصرة وعراق بورين، فنحن بحاجة لاتفاق مشترك مع هذه القرى لتخفيف الحمل على قرية تل وتوزيع المصاريف على القرى الثلاث، ولكننا لم نقم بأي مخطط تفصيلي للصرف الصحي، ولم نتقدم لشركة بكدار للتنمية المحلية بأيِّ مقترح   يضمن توفير هذه الشبكة”.

عماد يامين نائب رئيس مجلس قروي تل يضيف في ذلك :” إن مشروع الصرف الصحي لقرية تل يحتاج لوحده 2-2.5 مليون دولار أمريكي لتحويله إلى واقع ملموس، ونحن لم نجد الممول الذي يستطيع أن يدعم القرية بمشروع مثيل، ولكن مع قدوم شبكة المياه والبدء بتنفيذ عطاء المياه، وبعد انتهاء المقاولين من الإضراب الذي أخرنا بشكل كبير، نحن بحاجة إلى 8 شهور تقريبا للانتهاء من مشروع المياه، فسنقوم بالبدء بمشاريع أخرى وأهمها مشروع الصرف الصحي. أما في ما يتعلق بالخطة لهذا المشروع فلم نعد أية خطة مسبقة، وما نؤكده بأننا سنقوم الشهر القادم بالتحضير لإعداد الدراسة الأولية لشبكة الصرف الصحي في حال البدء بمشروع المياه”.

أما عمر زرزور رئيس مجلس قروي تل يؤكد على بوضوح على أنهم توجهوا لأكثر من مرة للحصول على شبكة الصرف الصحي من خلال قوله:” توجهنا في هذا الموضوع لأكثر من جهة من ضمنها مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين للحصول على شبكة صرف صحي، إضافة للمساعدات الشعبية الأمريكية (يو اس ايد)، وقمنا بإعداد أكثر من ورشة عمل، فيما يتعلق بأهم المشاكل التي يجب معالجتها في القرية، وقد خرجنا بتوصيات حول شبكة الصرف الصحي كأهم المشاكل في القرية”.

ويشير زرزور إلى” أن المجلس القروي اليوم على استعداد كامل لإعداد خطة عمل تفصيلية للصرف الصحي من قبل مهندسين مختصين، خاصة بعد إرساء مشروع المياه للقرية والذي كان أكبر عقبة أمام إيجاد هذه الشبكة، والتي تضمن سلامة ونظافة القرية وإعادة الحياة لهان وتنقيتها من كل الأمراض الناتجة عن التصريف الخاطئ لمياه السكان العادمة”.

اقتراحات

أبو محمود أحد العاملين في قرية تل، يؤكد على ضرورة وجود شبكة صرف صحي تحمي حياة المواطنين وتسهل أعمالهم اليومية من خلال قوله:” يجب أن تكون هناك شبكة صرف صحي (مجاري) تساعد أبناء القرية في التخلص من مخلفاتهم اليومية وتسهل أعمالهم وتحمي لياليهم من الحشرات والبعوض، لأن أغلب الحشرات التي تدخل بيوتنا اليوم هي نتاج تسرب في الحفر الامتصاصية، والتي لا تعود على أصحابها سوى بخفي حنين، وتناثر سوائلها في كافة شوارع القرية مسببة روائح ومناظر بشعة.”

ويضيف أبو محمود”المجلس يتحجج اليوم بشبكة مياه لإحضار شبكة صرف صحي، ولكن مع قدوم مشروع عطاء المياه للقرية فليس هناك حجة أخرى ليتم التبرير من خلالها لأهم مشروع للقرية ألا وهو الصرف الصحي، فلماذا لا يتم إحضار هذا المشروع مع عطاء شبكة المياه، لتوفير الوقت والجهد في الحفر والتعبيد (تزفيت الطرق)؟

أرى وإن كان هناك حاجة ملحة لعدم توفر شبكة صرف صحي حتى إنجاز شبكة المياه، فلماذا لا يقوم المجلس بإعداد محطة تكرار للمياه العادمة واستخدامها لري المزروعات، ما يسهل تصريف هذه المياه بشكل سليم وتجنب كل المخاطر التي قد تؤثر من خلال وجودها في الشوارع والبيوت وتسربها من الحفر الامتصاصية .”

ومع تواصل المعاناة ومتابعة المسئولين، وزيادة الألم في أوقات النوم وتناقص الإنتاج الزراعي للقرية، وانتشار الأمراض نتيجة التصريف السيئ للمياه العادمة ومخلفات المحلات والحيوانات، فما زال هناك عدة أسئلة تطرح نفسها على المسئولين، إلى متى ستبقى قرية تل تعاني من هذه الكارثة؟ ومتى سيأتي اليوم الذي يلتقي به البحران ولا يفصلهما أي برزخ كان؟ بعدم وجود هوائيين في سماء واحدة؟ وهل سيعيش هؤلاء الناس بلا بعوض وحشرات؟ ومتى سيرى الناس الحلول على أرض الواقع؟ وهل ستتحقق أحلام السكان بمشروع يبلغ تكلفته 2.5 مليون دولار أمريكي ؟ أم ستكون هناك مشاكل أخرى ؟وتبقى هذه المشكلة تروي قصتها لكل جيل وتأخذهم معها للواقع الحالي ؟ .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash