في قلب مخيم صبرا بالقرب من مدينة بيروت في لبنان، ولدت لعائلة فلسطينية من يافا كانت قد لجأت إلى المكان السابق، إثر نكبة عام 1948، عصفورة فلسطين، ليطلق عليها رشيدة سعيد محمد المغربي، في الواحد والثلاثين من تموز لعام 1958.
اكتشاف الهوية تباعا جاء بعد 10 سنوات من الميلاد، فالحنين المستمر للأب الذي كان يعمل متعهدا للإنشاءات في بيروت، وكلماته المشوقة لوطنه، وجهت النظر تجاه الموعودة.
البحث بدأ عن دولة الأب والجد، دولة التاريخ المقدسة، دولة فلسطين، تساؤلات تعددت مع الأيام، بدأت لماذا نعيش خارج الأرض؟ من الذي أجبرنا على ذلك؟
من هنا بدأ الشعور بالظلم، فلبنان هي بيتها الثاني والقدس وأكنافها مولد الأصل للعائلة، وفي مدرسة يعبد كانت مرحلة الاستكشاف الابتدائية لتستمر في مدرسة حيفا الثانوية بحثاً عن فلسطين في مدارس اللاجئين الفلسطينيين التي أشرفت على إنشائها منظمة الأونوروا في لبنان.
مناهج الدراسة رسمت القضية الفلسطينية لديها، فالأطلس في الجغرافيا والمعارك في التاريخ كانت تخط الحقيقة في عقل رشيدة، لتتعلم منحنيات الخارطة التاريخية والمستقبلية للدولة الفلسطينية من خلال الرسوم البيانية المتناسقة.
تقول المغربي: ” لقد كانت فلسطين موجودة في كل مكان في المناهج الدراسية، داخل الأطلس، على الجدران وعلى كل لسان، وفي كل عين، وما أبقاها على ذلك كان إنتماء المعلمين الفلسطينيين للوطن، فلو أتيحت الفرصة لمنظمة الأونوروا لإلغائها لألغوها، ولكن صمود المعلمين منعهم، فعدد طالبي العلم كان أكثر من طاقة المدارس والمعلمين على الإستيعاب، فكان المدرس يُدرس في الصف الأول لينتقل للدرس الثاني في الصف العاشر.”
امتلأ الخزان عند سن الحادية عشر بالتاريخ الوطني، ليبدأ بريّ الثورة الفلسطينية مبكرا، عندما التحقت المغربي بصفوف الثورة في معسكر الأشبال والزهرات في بيروت في عام 1970.
” لقد التحقت بالثورة الفلسطينية مع بداية السبعينيات، بعمر يبلغ الحادية عشر سنة، رفضت الظلم والشعور به منذ صغري، أرادتي بالعودة لوطني أشعرتني بالفخر، وإيماني بعمق النجاح للوصول إلى فلسطين وحنين أبي الدائم كان يحفزني ويزيد إصراري على تحقيق إرادتي، قمت بالبحث عن الثورة، ولم أنتظرها لتأتني إليَّ حيث كنت”.
وتضيف المغربي بلهفة الروح العالية التي ملأتها أثناء تذكرها للأيام الخالية: ” بعد أن كان أبي يُتم عمله في الإنشاءات يذهب للتطوع دون مقابل في بناء مؤسسات الهلال الأحمر الفلسطيني، والتي كانت بداية نشأتها في تلك الأيام على يد الدكتور فتحي عرفات شقيق الرئيس الراحل ياسر عرفات، فكنت ودلال نطلب دائما من والدي التطوع في خدمة الجرحى والمرضى، خاصة بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن، ولكن الدكتور كان يرفض ذلك لصغر سننا، إلا أن إلحاح أبي عليه أجدى نفعه، فكنا نصر على التطوع حتى ولو في طي الشاش أو لترتيب أسرة المرضى، كنا نعشق العمل في سبيل الوطن.”
وتستذكر المغربي: ” بعد تطوعنا في الهلال الأحمر الذي أتاح لنا فرصة التعرف على الكثير من الفدائيين وسماع المئات من القصص النضالية التي يرويها كبار السن عن بطولات سجلت في التاريخ، وعن أرض الإسراء والمعراج، زاد شوقي وإصراري على العمل، لأبدأ بالتفكير في الانضمام لصفوف الثورة الفلسطينية ومعسكرات الفدائيين.
تلقيت دورات تدريبية في الأمن والعسكرية، فكنت ودلال الأصغر سناً بين الأشبال، لأن معظمهم كانوا من الشباب الذين أنهوا مرحلتهم الجامعية في بيروت لينضموا لصفوف الثورة فور وصلها للبنان.”
ضحكت المغربي بفخر لتملأ البيت ذكريات، ناظرة بعينيها لأعلى وتأخذ حفنة من الذكريات وتقول: ” تلقيت دورات أمنية بإشراف أبو يوسف النجار الذي كان من أبرز القادة، وتدريبات عسكرية في معسكرات الثورة آنذاك، فما أن بدأت حرب 1973 وبدأ الدم يسيل في أرجاء جمعية الهلال الأحمر، نتيجة الجرحى الذين كانوا يصلون من كل حدب وصوب، جمع الفدائيون الدم لتزويد الجرحى ليكون والدي أحد المتبرعين بدمه، أردت أن أعطي دمي لهم، ولكن 14 عاما لا يقبل منها سوى أن تلعب مع صديقاتها في البيت والمدرسة.”
الممنوع لصغر السن كان مرغوبا لرشيدة، فلا تقف عند إشارة يمكن لكبار السن أن يتخطوها دون الصغار، فدخولها العمل التطوع والثوري في آن واحد كان قناعة وشجاعة كبيرتين، فربما رتبة البكر في إخوتها كان يزيدها إصرارا وربما الشوق والحنين للوطن كان عاملا أكبر، إضافة للقناعة والإيمان التي تحلت بها في كل خطواتها.
عصفورة وكنار
بسنة وأربعة شهور سبقت الرشيدة الدلال سناً، وبثلاثين سنة من الفخر والصمود والشهادة سبقت الأخيرة الأولى عملاً من خلال تنفيذ (عملية الساحل) النوعية في الوصول إلى أرض الوطن، فتقول عن شريكة عمرها والفائزة قبلها في المرتبة الشرفية في النوم على تراب فلسطين: ” كانت دلال اقرب لي من حبل الوريد، كانت صديقتي الذي أثق بها، حصالتي في جمع السعادة، كنت أنام على صوتها وأصحو على كلمات (صباح الخير يا خيتي)، فلطالما أفضت لها همومي قبل النوم، وكذلك هي تفعل، فتفكيرنا الذي مزجته الوحدة كان مضمارا للعمل العسكري، لنكبر ونعمل ونشارك بعضنا البعض في كافة أمور حياتنا اليومية والمأكل والمشرب، لم أتذكر أنني تكلمت مع أحد غيرها عما يجول في خاطري، كنا كالعصفورة والكنار، يذهب كل منا إلى عمله أو دوراته التدريبية كل يوم ليعود آخر النهار ليفرغ كل منا للآخر عما جرى يومئذٍ، لم تكن أمي أو أبي أو أحدا من أخوتي الآخرين، كانت صديقتي وقرينتي في كل شيء”.
وتضيف المغربي مع نفثة دخانٍ رسمت في الهواء معاناة المسؤولية التي تولتها منذ الصغر في تدريس إخوانها:” كنت أكبر أخوتي وكنت مجبرة على تدريس أخوتي الصغار، كانت المسؤولية كبيرة منذ الطفولة لأنني البكر في العائلة لثلاث أخوات وخمسة أخوة.”
لم يقتصر العمل الفدائي لعائلة المغربي على السلاح، فقد تفرغت العائلة للمقاومة السلمية، والتعليم في المدارس الفلسطينية، لتفخر بهم رشيدة بقولها:” حملت السلاح ودلال طيلة حياتنا، وأحمد لمرة واحدة عندما رحل الفلسطينيون من لبنان عام 1982 مع خليل الوزير أبو جهاد، ليغادر معه بالسفينة، على الرغم من ميوله المدنية، إلا أن حب الوطن غلب عليه بحمل السلاح. أختي الصغرى ذهبت للتعليم في مدارس المخيمات الفلسطينية، ولم تذهب للعمل الفدائي، ولكنها شجعت الناس للخروج في مسيرات تؤيد القضية الفلسطينية حتى يومنا هذا، فهذه مقاومة بحد ذاتها بعيدة عن السلاح.”
قطة بسبعة أرواح:
حملت رشيدة ودلال السلاح مع بداية حرب لبنان في عام 1975، لنقاتلا معا في الدفاع عن الثورة الفلسطينية التي حاول العديد من الناس إيقافها وتدميرها، فمع صمودهم مع م.ت.ف. وحركة فتح آنذاك ، سهل لهم الوصول لأهداف الثورة لتصاب رشيدة بعدة إصابات في معارك الحرب، فتقول: ” مع تواصل الحرب على لبنان، أصبت في المرة الأولى ضمن معارك الجبل التي كانت تدور بين قوات الثوار وقوات الاحتلال الإسرائيلية والكتائب اللبنانية والجيش السوري الذي طلب الإسرائيليون منهم مساندتهم في تدمير منظمة التحرير الفلسطينية في عهد حافظ الأسد، ليدخل الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية ويبدأ بإلقاء الصواريخ من نوع (أرض أرض) التي كانت تخترق وتدمر الجدران والبيوت على مواقع المقاومة الفلسطينية، موقعة العديد من القتلى والجرحى المدنيين، فكنا مرغمين على قيادة الحرب، فذكاء القائد العرفاتي، وصلابة المقاومة حالت دون اندثارنا تحت الرماد، عندما أقام ياسر عرفات معركة سياسية مع العالم للحفاظ على صمود المواطن الفلسطيني في لبنان.”
” فمع هجوم السوريين في 1976 من جهة والإسرائيليين من جهة أخرى والكتائب اللبنانية العميلة من جهة ثالثة، كنت أحمل سلاحي (الكلاشنيكوف) والصواريخ تهطل علينا كزخات المطر، عدا الألغام التي زرعها اللبنانيين والجيش السوري لإيقافنا دون جدوى، بل أن إحداها كانت عثرة في طريقي عندما انفجرت لدى تراجعنا خلال معارك الجبل، لأسقط مصابة لأول مرة بشظاياها، ليقوم أحد الأخوة بحملي دون وعي إلى كتيبة الجرحى”.
لم توقف الإصابة الأولى إصرار رشيدة في التقدم والمقاومة، بل عادت بحماس لتشارك في معارك الدفاع عن الثورة في السنة نفسها من على (جبل الشويفات) في لبنان، الذي كان محاطا بالكتائب اللبنانية من الأسفل والحزب التقدمي الاشتراكي (كمال جنبلاط) من الأعلى وقوات (17) في الخط الأمامي وليتصدوا أثناء الحراسة الليلية لهجوم الكتائب اللبنانية على خطهم الدفاعي مما أدى إلى إصابتها ثانية.
بعد أن شفيت رشيدة المغربي من إصابتها الثانية عادت مرة أخرى عام 1977 للمشاركة في العمليات النوعية لتصاب للمرة الثالثة في رصاصة متفجرة في المعدة أدت إلى حرق أمعائها، وخروجها من مكانها، فتصف المغربي مع عضة الألم التي راودتها عند تذكرها الإصابة: ” عندما أصبت وبدأ الدم يسيل وأمعائي خرجت من بطني محروقة بالرصاصة المتفجرة حملني أحد الأخوة الذي يعمل الآن رجل أعمال في انجلترا إلى المستشفى بسرعة قصوى، ليقطعوا اللحم ويخيطوا الجرح الذي امتد من الحوض إلى أسفل القفص الصدري، في محاولة لتقليص الفجوة الناتجة عن الرصاصة.
لم يكن متوقع أن أفيق من غيبوبتي التي استمرت عشرة أيام نهائيا، وكان أول ما رأيته عندما فتحت عيوني يبدو كشبح يتحرك أمامي دون أن أدرك ملامحه بسبب ضبابية الرؤيا، كانت أمي تنظر من خلف الزجاج والدمع يموج في عينيها، وأبي وأخوتي وعائلتي كافة كانوا ينتظرون خارج الغرفة، لتدخل علي دلال بلهفة وتمازحني وتقول،:” لا تخافي يا خيتي أنا رح حارب عني وعنك، بس طيبي بسرعة”.
بدأت رشيدة تتحسن ويتلاشى الخطر تدريجياً بعد العشرة أيام الأولى لتمكث في المستشفى ما يقارب الثلاثة شهور ولتنقل بعد ذلك إلى النقاهة، حيث الرقابة الصحية والاهتمام المتواصل.
تستذكر رشيدة موقفا قضى على شهر ونصف مضافة للفترة الطبيعية التي كانت ستشفى خلالها: ” جاء الأخ أبو محمد الدايه، الذي كان معنا في قوات 17، لزيارتي في المستشفى مع عدد من الشباب من القوّة وإخوة من الأجهزة العسكرية في الثورة الفلسطينية ليهنئوني بالسلامة، فطلبت منهم أن يخرجوني من القسم الذي أنا به، لأنني لم أعد أحتمل البقاء أكثر دون الخروج من المكان. الأخوة أرادوا أن يلبوا فعليا أمنيتي في استنشاق الهواء الطلق، فبدأ أحدهم بإلهاء الممرضين ليستغل الباقيين فرصة تهريبي بالمصعد وعلى الكرسي المتحرك، حتى وصلنا إلى أسفل المستشفى، ومن على حافة الباب سقطت من على الكرسي ليفتح الجرح ثانية، لكي يعيدوني إلى أعلى، ولأمضي شهر ونصف الشهر زيادة على الفترة الطبيعية التي وجب علي قضاؤها في المستشفى”.
لم تكن عائلة المغربي تعلم بطبيعة التدريبات التي تقوم بها رشيدة ودلال، كان علمهم بإنخراط الأختين في المجال العسكري موجود دون معرفة طبيعة المهام التي ينفذوها، فتقول رشيدة في هذا الصدد:” عندما بدأ التدريب في عام 1977 في معسكرات الثورة للخوض في عمليات خاصة، مُنعت من حضور هذه التدريبات بسبب إصابتي البالغة، فكنت أذهب لزيارة أختي دلال في معسكرها الخاص، التابع للكتيبة الطلابية، لأشارك أحيانا في بعض التدريبات العسكرية البسيطة، دون التركيز على تفعيلي ضمن أجندتهم الخارجية.”
” كان أهلي يزوروننا بين فترة وأخرى عندما تتاح لهم الفرصة لزيارة جنوب لبنان، ليشاهدوننا في المعسكرات دون معرفة التفاصيل”.
ولأنها عائلة فدائيين أبا عن جد، اعتبر والد رشيدة أن ما تقوم به من عمل فدائي هو تحقيق للواجب الوطني، إلا أن الأم كان يغلب عليها طابع الأمومة عندما كانت ترسم عند ميلاد كل عصفور لها خارطة الطريق الطبيعية التي تتمنى كل أم أن تراها لأولادها في المستقبل.
عامل الجنس لدى رشيدة أو دلال المغربي لم يكن عائقا أمام استمرار عملهم الوطني، على الرغم من عدم وجود نساء غيرهم في المجموعات الفدائية، إلا أن ذلك لم يكن في يوم من الأيام يؤثر ولو بذرة على تدريباتها الخاصة وعملياتها مع الثوار. لتستمر حديثها بإطفاء سيجارتها داخل الطفاية الزجاجية التي امتلأت برماد الألم ونار الثائرة: ” في أغلب الأحيان كنت أتلقى التدريبات وحدي مع الشباب، دون الشعور بالوحدة، ولم يكن هنالك فرق بين ذكر وأنثى بل كنا أخوة في ما بيننا، يحترم كل منا الآخر ويقدر ظروفه، مقدرين وجود أنثى بينهم.”
هذا الشعور جعل رشيدة تستمر في تدريباتها مع الفدائيين دون خوف أو تراجع، فبعد عام 1977 عادت المغربي للعمل الفدائي مع جهاز (17) القوة الرادعة التابعة لأبي عمار الذي كان يتولى أصعب المهام، لتعتز به وتقول: ” كنا أقوياء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عملنا بإخلاص وتحدينا الصعوبات كافة، حفرنا أنفاقا عديدة للوصول إلى أماكن لم تستطع كتائب أخرى الوصول إليها، متصدين للكتائب اللبنانية والجيوش السورية والمدججة بالأسلحة الكبيرة والثقيلة على الرغم من أسلحتنا الخفيفة، فلم يستطيعوا تدمير المقاومة الفلسطينية رغم كافة الهجمات المتتالية، حتى عندما تم تهديد ياسر عرفات بالخروج من لبنان أو تدمير بيروت، ليتخذ قرار الخروج وإنقاذ المقاومة والحفاظ على الأرواح وليس الاستسلام، لأنحني اليوم لكل من يحمل روح المقاومة حتى الآن.”
في عام 1977 كانت المغربي إحدى الحرس الذين يقفون على مبنى الكتيبة 17 عندما قدم أبو الطيب وأبو حسن سلامة بسرعة إلى داخل المكتب مع أحداث قرار أنور السادات للذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي في تل أبيب، والذي صنع صدمة للفلسطينيين ليتساءلوا عن كيفية ذهاب قائد عربي لدول المحتل الصهيوني؟
تقول المغربي باستغراب وهي تنفث من سيجارتها الرابعة مع رشفة فنجان من القهوة الذي أعدته لي كضيافة لزيارتي:” لم أتجاوز الثامنة عشرة من عمري، ولم أفهم في السياسة كثيرا سوى حقي في الرجوع إلى فلسطين وعلى العالم أن يساندني للحصول على هذا الحق.”
وتضيف:” ناطور البناية كان لديه تلفاز صغير عند مدخلها، وكنا نلتف جميعا حول هذا التلفاز لمشاهد هبوط طائرة السادات في تل أبيب، مع دخول أبو حسن سلامة وأبو الطيب للمبنى لينظروا بنظرة الصدمة لما يحدث غير مصدقين لما يجري، ليعم الصمت المكان، وشعور لا يستوعبه أحد، لحظة لا أنساها طوال حياتي.”
عمليات مشتركة ووداع أخير:

العميدة رشيدة المغربي الشهيدة دلال المغربي
“في هذه اللحظة كان أبو جهاد يخطط لعمليات نوعية مع مجموعات غير مباشرة، وكنا نريد تكثيف الجهود وجمعها مع الأخ أبو عمار من أجل القضية الفلسطينية على عكس ما كان يريده السادات، ليخرج أبو جهاد ( خليل الوزير) بقرار لعملية استثنائية في شهر 12 /1977 ضد الصهيونية”.
وتقول المغربي: ” في 15/12/1977 قدمت دلال إلى البيت لمشاركتنا في حفلة عيد ميلاد أخي، والتي أقمناها بعد مجيئها بيومين، كانت علامات التعب والإرهاق واضحة عليها، عيون حمراء، لم تنم منذ أيام، سألتها عن حالتها المزرية، لتجيبني بأنها لم تنم منذ يومين، وكانت لديها تدريبات عسكرية تحت الماء، وبشكل مكثف، لتضيف بأنها قدمت لتوديعنا لأن لديها عملية خلال الأسبوع القادم، لتخرج دلال حينها دون أن يعلم احد من عائلتي مقصدها خوفا من تمسكهم بها وعدم السماح لها بالذهاب، لكنني كنت العنصر الوحيد في العائلة الذي كان يعلم ماذا يجري، وإلى أين تذهب دلال؟”
” نظرت إليها وهي تغادر البيت، مودعة جميع عائلتي بعيونها وبكلمات مرحة لا تشعرهم بعدم الرجوع، لتختفي مع عمق البصر في سيارة أحد الفدائيين الذي جاء ليقلها من البيت إلى معسكر التدريب”.
” خرجت دلال في عمليتها الأولى إلى فلسطين، لكن فصل الشتاء وهيجان البحر، حالا دون وصل الفدائيين إلى فلسطين، ليتم إلغاء العملية ورجوع المجموعة إلى المعسكرات”.
“في شهر آذار لعام 1978، أي بعد ثلاث شهور، عادت دلال إلى البيت لتودع العائلة مرة أخرى بعيونها دون أن تتحدث لأحد بشيء، لأقبلها وأعانقها ليكون شعوري آنذاك بالحسد والغيرة منها بوصولها لأرض الوطن قبلي”.
العملية الذهبية:

الشهيدة دلال المغربي
في التاسع من آذار عام 1978 خرجت دلال ومجموعة من الثوار في العملية التي كانت قد خطط لها أبو جهاد مسبقا، من بيروت إلى سفينتهم المتجهة إلى فلسطين، وكان المتوقع أن تبدأ العملية على ساحل الوطن بعد يوم، تزامناً مع زيارة الرئيس ياسر عرفات إلى روسيا، ليبرز نشاط الثوار أمام روسيا لتزويدهم بالسلاح من خلال المقدرة التي ستثبتها تلك العملية.
ولكن عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ليهيج البحر وتضيع الكتيبة في عرضه، وليتأخر الأبطال عن موعدهم، فيصلوا في الحادي عشر من آذار لتنفذ العملية بعد يوم من موعدها.
بدأت عينا رشيدة بالألم عندما قالت:” بعد أسبوع من تنفيذ العملية، عاد أحد الشباب الذي كان مع دلال على السفينة، محضرا معه شريطا مسجلاً لأحاديث وغناء أفراد المجموعة الفدائية خلال رحلتهم المتجهة نحو فلسطين، حاملا باليد الأخرى وصية دلال التي كتبتها لنا قبل استشهادها، ليتقدم كافة الثوار والمناضلين والفدائيين للتعزية في بيتنا في بيروت، الذي امتلأ برائحة الوطن المغترب، لتدمع عيني فرحا وحسدا على رفيقة دربي التي وصلت قبلي لفلسطين ونالت الوطن والشهادة، لأفقد كل شيء دون حزنٍ، أفتخر بدلال، وأتمنى أن أنال ما نالته من شرف عظيم وشهادة في فلسطين.”
عصفورة ترهب مملكة
مرت ثلاثة شهور على تلقي خبر استشهاد دلال لتعود رشيدة المغربي إلى معسكرات التدريب بشكل مكثف، لمهمة أصعب في المملكة المتحدة بريطانيا، لتتذكر المغربي الأجواء العامة آنذاك بقولها:” بعد عام 1974 ذهب أبو عمار إلى الأمم المتحدة رافعا البندقية في يد وغصن الزيتون في يد أخرى، أٌثناء مرور الحركة بأزمات داخلية وخارجية، انتهت بالانشقاقات الداخلية والضغوطات الخارجية، ولأننا جهاز امني رادع خرجنا بعمليات استهدفت المجموعات التي تخطط وتغتال قادة المنظمة والحركة، لنتوزع على عدة دول، فكان نصيبي في بريطانيا، لأسافر في طيارة إلى فرنسا ثم المملكة المتحدة ولأصل وإثنين من الزملاء إلى هنالك وننزل في أحد الفنادق البسيطة بسبب قلة الأموال وكثرة المصاريف، ففي يوم تنفيذ العملية التي كانت تستهدف أحد المباني التي كان من المفترض أن نقوم بتفجيرها، ويقوم أحد الأخوة بإطلاق الرصاص على الحرس البريطاني بعد التفجير، و آخر يجب أن ليقلني في سيارته للإبتعاد عن المكان بعد العملية، لكن بعد تنفيذ ما عليّ تم إلقاء القبض علي من قبل مجموعة من الحرس الذين بدؤوا بركلي بأرجلهم على بطني ( مكان الإصابة) دون رحمة.”
وتضيف المغربي:” قاموا بضربي حتى نزفت بشكل لن تتصوره، قبل أن تصل قوات الأمن البريطانية (السكوتلاند يارد) ليأخذوني من بين أيديهم، بعد تكسيري، ثُم أتم الأمن البريطاني معروفه في تعريتي وتعذيبي دون نوم أو راحة لمدة عشرة أيام للمحاولة في معرفة أي معلومات مني”.
تم إلقاء القبض على رشيدة نتيجة هروب أحد منفذي العملية، ليتم القبض على الآخر بعد حين من اعتقالها، بتهمة التخطيط ورسم مجموعة من الخرائط للمبنى المخطط تفجيره والطرق المؤدية له، لتقول في هذا الصدد:” وصلت المحكمة التي كان ينتظرني بها ممثل منظمة التحرير الفلسطينية الدكتور نبيل الرملاوي ومسئول جمعية الصداقة الفلسطينية البريطانية الدكتور نبيل عياد أحد مستشاري الملكة إليزابيث، والبروفيسور موسى مزاوي وعيسى عبد المسيح وكلاهما من المستشارين الحاليين للملكة إليزابيث، بعد أن أوصاهم ياسر عرفات بالدفاع عني بالمحكمة.”
كانت رشيدة تحت السن القانوني21 بسنتين عندما جاء ضابط من الأمن البريطاني والبروفيسور عبد المسيح للاستفسار عن كاتب الخرائط لتعترف المغربي في تورطها وحدها في كتابة الخرائط على الرغم من كافة الدلائل التي تشير إلى زميلها الآخر، إضافة إلى مساومة الضابط لعبد المسيح بألا تعترف بكتابة الخرائط لكي يتم محاكمتها كقاصرة وليس كعقل مخطط، لكن باءت محاولاتهم بالفشل ليخرج زميلها بريئا ويحكم على رشيدة 12 سنة، بعد معاناة 11 شهرا قضتها قيد المحاكمة.
عصفورة في قفص الوحوش
إثنى عشر سنة مدة الحكم على عصفورة فلسطين في الغربة، لتقضي سنواتها بعيدة عن أهلها ووطنها ومكان نشأتها، ليمنع الهدوء نومها في بداية أيامها في سجن(هولواي) إلى الشمال من مدينة لندن البريطانية، ليطفئ جسمها المرهق في نهاية المطاف، لتسقط نائمة بعمق بعد 5 ليالٍ قضتها دون نوم.
لتقول وعلامات البسمة التي لم تفارق شفتيها طوال جلستي معها:” لقد اعتدت على الضجة، والبيئة الحربية، وأصوات القنابل والرصاص، ولم يكن وقت نومي محددا، فبعد اعتقالي كان السجن يطفئ نوره بعد الساعة العاشرة ليلا ليعم الهدوء والصمت ويخلد الجميع للنوم، لأجبر على النوم في طابق وسط بناية مليئة بالسجناء الرجال، والتي خصص قسمنا لي ولثلاثين سجينة، اعتبرت من الخطيرات في بريطانيا الذي تحرسه رجال ونساءٌ عسكريين حراسة شديدة في غرفة منفردة، قضيت الـ 5 ليال الأولى هناك دون نوم لشدّة الهدوء المخيف الذي لم أعتد عليه”.
“وفي اليوم الثاني من دخولي زنزانة سجن هولواي أحضرت الحارسات سجينة ألمانية، من تنظيم (بادر ماين هوف) كانت تدعى (استرد برول) لتسألني بعد أيامي الأولى وعلامات التعب تظهر على جسدي، ما بِكِ؟ لأجيبها: لا استطيع النوم فالصمت والهدوء يخيفني ولم أعتد على مثل هذه البيئة”.
وتضيف رشيدة المغربي:” لقد حضرت الحارسة لي في أحد الأيام لتعطيني دواءً منوماً لأرفض بشدة بحجة عدم تناولي دواءً، لأصل لمرحلة من الإرهاق والتعب، مع مرور الوقت، لأستلقي على سريري دون وعي وأنام ليلة العمر.”
وتعيد وتؤكد المغربي:” لقد تغير عالمي، لا وجود للعرب بين هذه الجدران غيري، 12 سنة لم أتكلم مع عربية، إلا مرتين مع ممثل منظمة التحرير ولمدة قصيرة، ومنعوا عني العديد من الأمور بسبب اعتباري سجينة خطيرة، فإذا امتلكت إبرة مثلا في ذلك الوقت، يعتقدون أنني سأحفر بها جدار الزنزانة أو أحتجز رهينة ما، أو إذا تم وضعي مع السجناء، يعتقدون أنني سأقوم بإنقلاب وأسبب لهم المشاكل.”
تصف المغربي حالتها أثناء بقائها في السجن بقولها:” كنت في حالة يرثى لها، بشعر غير مرتب وبنطال الجينز، فكوني زهرة فدائية، عاشت مع الثوار، اعتدت أن ألبس وأدخن كما يفعلون، وفي الوقت الذي يسمح لي الحرس به للخروج وتلقي أشعة الشمس خارج الزنزانة، أتمشى داخل دائرة حددت لي ولكافة السجينات هناك، كما إعتدت على مشيتي العسكرية”.
وهنا وقفت العميد المغربي على أقدامها أمامي لتبدأ بتقليد مشيتها العسكرية التي اعتادت عليها، وتضيف:” فكنت أمشي مشيتي العسكرية في هذه الدائرة، لتسير الفتيات باستغراب خلفي محاولين تقليدي في مشيتي، ليدخل الجنون عقول الحارسات هناك والاعتقاد بأن هذه العربية ستفتح معسكرا داخل السجن، ليدخلوني مرة أخرى إلى الزنزانة ويقرروا بأن يمنعوني من مشاركة السجينات في الفسحة على أن أخرج وحدي بعد انتهاء فسحتهم”.
مضت الأيام ومرت السنين، ليسمح بالعصفورة المغتربة بالعمل داخل المصانع في السجن لخياطة بدلات لعمال البلديات والحراس والسجناء في المملكة، مقابل بعض السنتات التي يمكن أن تشتري من خلالها طوابع بريدية لمراسلة عائلتها، أو مجموعة من السجائر وألواح الشوكولاه: ” لقد كنت أجمع من هذا العمل القليل من الباوندات التي يسمح لنا في أعياد الميلاد الحصول من خلالها على ألواح من الشوكولاه كالمارس وغيرها، وكان يعد ذلك نوعا من الرفاهية داخل السجن، فكنا نباشر عملنا من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثانية عشرة ظهرا، بينهما فسحة من الراحة تقدر بعشرة دقائق، كانت تتجمع بها السجينات حولي للتقرب مني أكثر والتعرف علي، فلون بشرتي السمراء وشعري المجعّد ومظهري غير المبالى به، شد انتباه الجميع، فكانت الحارسات تظن بأني أحاول تنظيمهن والإعداد لانقلاب عسكري داخل السجن، ليمنعوني في اليوم التالي من العمل، محتجة على ذلك من خلال قولي:” أريد أن أعمل أريد أن أراسل أهلي، أريد شراء طوابع بريدية”.
وتستذكر موقفا بضحكة استهزائية:” لقد خرج السجن بقرار ينص على منحي باوندا كل أسبوع، على ألا أخرج وأعمل في المصنع، فكانوا كلما يسمحوا لي بالخروج يعيدوني ويندموا على ذلك.”
ورق التمباك والسجائر العربية كانت مصدر تنفيس المغربي عن معاناتها داخل السجن، فبسبب غلاء سعر علبة السجائر العادية كانت المغربي تقوم بشراء التومباك وبعض الأوراق لتصنع سيجارتها بيدها لتحرقها كما اعتادت في الأيام الخوالي.
المرض سنة الحياة، ولكنه اختلف مع المغربي في زنزانتها على الرغم، من حقها في تلقي العلاج إلا أنه كان نوع من التعذيب الذي مارسته (سستر أدان) رئيسة الممرضات في سجن (دوروم) البريطاني.
فتقول المغربي:” بعد إصابتي في معركة الجبل والتعذيب الذي مارسه الحراس البريطانيين بحقي لدى اعتقالي، كانت معدتي تؤلمني خلال فترات متتالية، وكنت أطلب معالجتي، دون جدوى، بحجة عدم توفر حارسات لنقلي من الزنزانة وحتى العيادة بسبب بعد المباني عن بعضها البعض مع أن المسافة لم تكن بعيدة على الإطلاق، إضافة لقدوم ( سستر أدام) لتوزيع الدواء على السجناء كافة، دون أن تعيريني أي اهتمام، فأقول لها :” أعطيني حبة دواء، فإن معدتي تؤلمني!!” لتنظر لي بنظرة استهزاء واحتقار، وتقول: كلا، كلا هذا دلع مساجين، وسوف تعتادي الوضع”.
وتضيف المغربي:” كانت آدان تماطلني طيلة الوقت، بتأجيل ذهابي للعيادة طيلة خمس سنوات، إلى أن جاءوا في أحد الأيام الساعة السادسة صباحا لإخراجي من زنزانتي إلى المستشفى لعمل مجموعة من الفحوصات الطبية لأقضي ثلاثة أيام، ليعيدوني بعدها للزنزانة دون أن أعلم ماذا حدث لي ؟!”
“وبعد ثلاثة أسابيع جاء دكتور فديان لزنزانتي وعندما أصريّت على معرفة نتائج الفحوصات أبلغني بأنهم أزالوا لي الرحم، لتصيبني الصدمة والاستغراب والتساؤل، لأقول لهم: ماذا ؟؟!!”
لم تكن رشيدة خبيرة في أمور النساء، ولم تعش جواً أنثويا، فقد كانت حياتها مع الثوار والشباب والمعارك، فلم تدرك معنى ذلك.
وتستمر الغربي بلهجة الألم والمعاناة عندما أبلغت عن وجع شديد في غدد الأذنين ( اللوز) ليذهبوا بها ثانية للمستشفى ويعملوا على إزالتها على ألا يعالجوها بالدواء، فتقول باستغراب :” تخيل!! لقد فعلوا ما يريدون على ألا يعطوني حبة دواء”.
قضت رشيدة المغربي سنوات سجنها ألما وأملا في الخروج من هذا القفص الوحشي، على الرغم من محاولات المقاومة في فرنسا فور إعتقالها في احتجاز رهائن، لأجراء عملية تبادل وإطلاق سراح الأسيرة المغربي، إلا أن قوات الأمن الخاصة الفرنسية هاجمت المجموعة، ما أدى إلى استشهاد أحد أفرادها.
جاء الفرج وجاءت الحرية، عندما قرأ مبعوث وزارة الداخلية البريطانية على رشيدة المغربي قرار إبعادها وانتهاء فترة سجنها التي قضت منها فعلياً تسع سنوات وتسعة أشهر داخل السجن فتقول:”قدم مبعوث الداخلية البريطانية ليبلغني بانتهاء مدة سجني، وترحيلي خارج المملكة، بشرط إبقائي محجوزة حتى تقبل أحد الدول التي راسلتها بريطانيا لاستقبالي كإرهابية بنظرهم، لأمضي تسعة أشهر إضافية من السجن قيد الإنتظار دون أن يبت بمن ستكون الدولة التي سيتم ترحيلي إليها”.
وتضيف المغربي بفخرها بفلسطينيي الغربة: ” عندما طالت مدة السجن الإضافي والغير مشروع قدم البروفيسور موسى مزاوي وعيسى عبد المسيح مستشاري الملكة آنذاك، وهم فلسطيني الأصل، ليبلغوا وزارة الداخلية بحجزهم لي مقعدا على طائرة متجهة إلى الجزائر في تاريخ 21/3/1988 في الساعة العاشرة صباحا، مهددين إياهم، برفع قضية في محكمة العدل الدولية إن لم أكن على الطائرة في الوقت المحدد، لأخرج في اليوم الموعود تحت حراسة مشددة دون علمي إلى أين سأذهب؟ لأسأل أحدهم: إلى أين تأخذونني؟ ليجيب: إلى المطار وهذه أغراضك.”
” أًصابتني الصدمة مع صعودي وتوجهي للمطار، لتقف السيارة بجانب درج الطائرة مباشرة الذي أصعد من عليه إلى مقعد الطائرة وذلك لكي لا تدوس قدمي على أرض بريطانيا، ليأتي البروفيسور مزاوي أثناء تواجدي داخل السيارة والدكتور فيصل عويضة – ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بعد نبيل الرملاوي في بريطانيا- ليطلبوا من الحرس التكلم معي قبل صعودي للطائرة، فأجابهم الحارس:” يمنع أن تدوس على أرض بريطانيا”!
فقال له مزاوي بنبرة شديدة اللهجة:” أريد أن أتكلم معها أنا موكلها وأنا مستشار الملكة، وأريد أن أرى موكلتي.” فسمحوا له بعد جدال دام دقائق بالدخول إلى السيارة على أن لا أخرج أنا وأدوس على أرض بريطانيا، ليجلس مزاوي بجانبي، ويطمئنني بقوله: ” بعد قليل ستصلين إلى الجزائر وهناك وفد من السفارة والقادة الفلسطينيين ينتظرونك في المطار، فقد أوصوني الاهتمام بكِ.”
وتضيف المغربي بنبرة حنونة حول ضابط الطائرة الذي رسخ بصمته في ذاكرتها: ” بعد أن أنهينا الحديث صعدت للطائرة ويداي مقيدتان، أقسم بربي ويشهد الله على ما أقول، هذا الموقف لا يمكن أن أنساه في حياتي، الكابتن الجزائري كان عربي حر، أمر الحرس البريطاني بفك قيودي عندما دخلت إلى الطائرة، بعد ذلك دارت مجادلة طويلة مع الحرس البريطاني لمنع القبطان الجزائري من فك قيودي حتى نصل الجزائر، إلا أن إصرار الكابتين العربي بشموخه ونبرته الصارمة معهم وتهديدهم بأن هذه الطائرة تعتبر أرض جزائرية ولا يحق للبريطان أن يمارسوا سلطاتهم حال دون تنفيذ البريطان مشيئتهم وأُجبروا على فك قيودي، ثم جلس الكابتين الجزائري بجانبي وبدأ بالترحيب بي على طيارته. ” لتقوم المغربي من على كرسيها لتقلد الموقف الذي حصل معها لتصافحني بحرارة القبطان الذي صافحها بالطائرة وقال لها:” أهلا وسهلا بالأبطال، أهلا وسهلا بالمناضلين”.
شعور لا يوصف، لتكمل المغربي حديثها بمواقف لا تنساها من ذاكرتها، فبعد اثنا عشر عاما من الغربة والعذاب داخل السجون البريطانية، جاء من قدر عملها وافتخر بها وتضيف:” قال لي قبطان الطائرة: أنتِ بطلة ونحن سعيدون بقدومك إلى أرض الأبطال.”
لتنطلق الطائرة بالمغربي إلى الجزائر مخلفة وراءها آلام السجن ومعاناته، للحرية الكبرى.
فمع وصولها لأرض الجزائر، واستعدادها لمغادرة الطائرة، تقول المغربي:” قدم أحد الحرس البريطاني علي ليوثقني مرة أخرى، لينظر له القبطان ثانية، ويأمره بعدم المساس بي، فأنا في أرض ليس لهم الحق بممارسة سلطاتهم علي فيها، ليقول له: اتركها ليس لديك الحق في توثيقها، أستطيع أن أحكامك، للتعدي على سلطاتنا”.
أغمضت المغربي عينيها مع ضحكتها التي لا تفارق وجهها لتتنهد بقولها:” لا أستطيع أن أنسى هذا القبطان البطل، وهذا موقف لا يمحى من الذاكرة.”
وهنا رافق الحرس البريطاني عصفورتنا المغربي، بسيارة أخرى دون أن يتدخلوا في أي شيء كما أمر القبطان، لتدخل المغربي صالة المطار الشرفية التي كان ينتظرها بداخلها مجموعة من القادة والدبلوماسيين الفلسطينيين والجزائريين، فتستذكر: ” لدى دخولي الصالة الشرفية، رأيت أبو الطيب الذي كان نائب الأخ أبو حسن سلامة قائد قوات (17) في لبنان، فتعرفت عليه، ولم أكن أعلم أحدا غيره هناك”. وتضيف:” قدم أبو الطيب إلي بلهفة ليسألني عن أحوالي وأخباري التي غابت سنين طويلة، وليلفت انتباهي لشاب في سن العشرين ويقول:” أترين هذا الشاب؟ كلما تمر إحدى الفتيات من باب القادمين، يذهب بسرعة لاحتضانها وتقبيلها ويبدأ بكلمات الفرحة (أختي حبيبتي أختي حبيبتي).” كان ذلك أخي أحمد، فقد تركته في سن مبكرة ليكبر وأنا في السجن، دون أن يعرف شكلي ومظهري، فيتوجه نحو الأجنبيات ذوات البشرة البيضاء والشعر الأشقر مشاكساً أو معتقدا، ليتقدم له أبو الطيب ويقول له: ” تعال إلى هنا، أختك ليست شقراء، أنت تشاكس، هذا السمراء العربية البطلة هي أختك”. لتستمر الضحكة على شفتي العميدة بتذكرها هذا الموقف الطريف.
وصلت المغربي إلى الجزائر لتقيم بها ثماني سنوات، مدركة أن الأمل في العودة للبنان وفلسطين أصبح قريبا، على الرغم من محاولات العودة بعد اتفاقية أوسلو مع الرئيس الراحل ياسر عرفات لم تجد نفعا، فتقول المغربي بنفس الراحة:” استأجرت بيتا في الجزائر وعدت للعمل العسكري ثانية في معسكرات منظمة التحرير في الجزائر، وأثناء حرب العراق وكان المؤتمر العام الخامس لحركة فتح”.
كانت رشيدة المغربي من أوائل المناضلات اللواتي قضين أكبر فترة سجن في الثورة، ليتم استدعاؤها من قبل ياسر عرفات للمشاركة في أعمال المؤتمر الخامس آذاك، ضمن قائمة المحررين.
فتتذكر حينها رقم عضويتها في المؤتمر بقولها:” أتذكر أن رقم عضويتي كان 25، وجبريل الرجوب 26، وبطاقتي ما زالت حتى الآن موقعة من الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولقد كان لي الشرف في المشاركة في هذا المؤتمر بكامل صفة عضو المؤتمر الخامس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)”.
إهتز كامل كيان رشيدة المغربي عندما سمعت الياسر ينطق إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 . لقد كانت تقف على مقربة من أبو عمار آنذاك، فتستذكر مع رجفة الحنين والذكريات:” ذهلت وأصابتني الصدمة من الفرح، وتصاعد الحنين لدولتي الفلسطينية التي لم أتصور أننا نصنعها ونحن بعيدين عنها وعن أرضها، ما بالك يا أخي؟ هذا حلم كل فلسطيني، هذا شعور يستحق التضحية ولا ينسى أبدا”.
عادت المغربي لتمارس حياتها اليومية منخرطة بالعمل العسكري والسياسي في آن واحد وخاصة بعد أملها بالعودة لأرض الوطن،
فتقول ” كان المفترض العودة مع الشهيد ياسر عرفات إلى الوطن، إلا أن الإسرائيليين رفضوا ذلك أيضاً، وما كان أمامنا سوى العودة إلى ساحات الخارج وكنت قد قمت بمهام أخرى على الساحة الجزائرية والتونسية والليبية واليونانية والقبرصية واليوغسلافية وفي روما، قبل الاستقرار أخيرا في تونس دون أي وثيقة كالهوية أو جواز السفر، وبقيت هكذا حتى استرجعت وثيقة السفر اللبنانية وتمكنت من السفر من تونس إلى لبنان لتعود وتقبل أهلها وذويها بعد غياب طال أكثر من خمسة وعشرين عاما عنهم، وتضيف ” يوم زيارتي الأولى لأهلي كان كالحلم، ورائع جدا، لم أخبر أحدا من أهلي أنني عائدة خوفا من مفاجأة سيئة تحول دون وصولي إلى منزلنا، وبالفعل وصلت المطار في بيروت وأخذت سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه مباشرة إلى طريق الجديدة، وقرعت الباب لتجيب والدتي ” من الذي على الباب؟ ” فأجبتها ” حسن “، ففتحت شباك صغيرا لتراني مباشرة أمامها، لتبدأ بتقبيلي ومعانقتي وتذهب وتجمع العائلة ليستقبلوني بحرارة لا يمكن وصفها”.
عاشت رشيدة بالأسر معزولة عن العالم باستثناء أحلامها وذكرياتها الطويلة في لبنان وعائلتها والطرق حتى أنها بمجرد استيقاظها في اليوم التالي لوصولها إلى لبنان ذهبت في جولة في المنطقة وقامت بشراء ” المناقيش ” إلا أن هناك شيء أخر كان أهم من كل ذلك لديها حسب قولها ” غرفتي ووسادتي، والذكريات التي جمعتني مع دلال في هذا المنزل وهذه الشوارع “. لتتردد بعد ذلك بالذهاب والإياب بين فترة وأخرى إلى بلدها الثاني لبنان ثم تعود لتونس وتتنقل بين الدول بعد رفض الإسرائيليين لها الدخول مع الرئيس ياسر عرفات في 1993م إلى فلسطين ضمن اتفاقية أوسلو مع بدء عودة القوات الفلسطينية إلى أرض الوطن”.
العصفورة تعود لعشها الموعود

رشيدة المغربي في بيتها برام الله
حلم العودة الذي لم يتحقق لرشيدة المغربي بطائرة الرئيس ياسر عرفات بعد توقيع اتفاقية أوسلو، ليعود ملوحاً بالأفق مع بدء التحضيرات لعقد المؤتمر السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وما رافقه من حوار وجدل حول مكان انعقاده ليكون في نهاية الأمر في بيت لحم وفي خضم كل هذه الأجواء كانت رشيدة تترقب ” كان من المفروض أن يكون هناك مؤتمر خاصة بعد استشهاد أبو جهاد، وأبو إياد ، وأبو الهول ، وتوقيع اتفاقية أوسلو، لكن السؤال المطروح أين سيكون ؟ وكان الحديث يدور عن الأردن والجزائر ومصر لكن في النهاية كان القرار أن يعقد في بيت لحم رغم معارضة أخوة مناضلين وقادة تاريخيين في الحركة كالأخ فاروق القدومي أبو اللطف”.
سُئِلت رشيدة ما إذا كانت ستوافق على الذهاب إلى فلسطين لعقد المؤتمر السادس هناك تحت حراب الاحتلال، وقيل لها أنّ دلال لم تدخل الوطن بتسوية مع الإتحاد الأوروبي، كانت قد دخلتها ببندقية ، فأجابت ” التحدي الأكبر هو أن تستطيع عقد مؤتمر لحركة فتح في ارض الوطن، وإسرائيل بالتأكيد لن تكون سعيدة وفدائيو الثورة الفلسطينية الذين آلموها استطاعوا الدخول إلى ارض الوطن”.
لم تكن تتوقع المغربي كالعادة ان تطأ قدميها ارض فلسطين وظلت في شك طيلة رحلتها التي بدأت بطلب عودتها إلى تونس من لبنان لتلتحق بكادر الساحة التونسية، ثم إلى تركيا والبقاء بها ليلة واحدة، وأخيرا إلى الأردن حيث كان الوفد مضطرا للبقاء ليلة أخرى وتعبر العميدة عن تلك اللحظات:” طيلة الطريق كان رفاقي ينظرون لي بنظرة شك وقلق وخوف من ردة فعلي حين نصل إلى فلسطين، وكانوا دائما وأبدا يقولون لي ” اهدي قليلاً “، وكانت تلك الليالي قبل وصولنا إلى فلسطين متعبة جدا ويسودها القلق والتوتر والذي تغلبت عليه في الأردن بزيارة الجرحى الفلسطينيين هناك، والقائد سمير غوشة والذي كان مريضا في ذلك الوقت”.
جاءت لحظة عبور النهر، ذلك النهر الذي عبرته مجموعات الفدائيين لتنفذ عملياتها العسكرية وتعود إلى قواعدها، ذلك النهر الحافل بأساطير البطولات الفلسطينية والتي على ما يبدو جعلت رشيدة تنظر إلى الإسرائيليين حين وصلت إلى الجسر نظر الحقد والانتقام، ولفظت كلماتها بعفوية ” يا أولاد الكلب ” لتضبط نفسها بالقول” عندما وصلت إلى الجسر قال لي احد الأصدقاء قد يطلبوا منك خلع حذائك والصيغة الذهبية، فقمت مباشرة بخلع الحذاء والذهب قبل أن يطلبوا مني هم ذلك ، كنت أفكر أنهم إن ظنوا أنهم سيستفزوني بذلك فسأستفزهم بحرمانهم من لذة التحكم، وكان الترقب يسود أعضاء الوفد خشية استفزازي لأحد الإسرائيليين من هذه التصرفات، لكن الأمور مرت بسلام وكان هناك مراقبين من الإتحاد الأوروبي، حتى أن الإسرائيليين على الجسر لم يكونوا بلباسهم العسكري ولم يجرؤا على مخاطبتي أو مخاطبة أياً من أعضاء الوفد”.
فاجأني استمرار حركتها داخل البيت وهي تستذكر ما مرت به على جسر الألم والبطولات مقلدة كل حركة كانت تقوم بها، خاصة عندما جلست على الأرض أمامي لتقول:”حينما قطعت الجسر وكانت الحافلة الأخيرة تنتظرنا، جلست على الأرض وأخذت أطبطب على التراب” أنا على أرض فلسطين”، كنت أرغب بفعل ما أريد بحرية، كنت عفوية في توصيل رسالتي دون أن يتحرك أحد من الإسرائيليين مع توتر وقلق الوفد القادم معي، لم أكن أرغب الوقوف أردت البقاء على مكوثي جالسة على الأرض، لأقبل الأرض التي حلمت بها، افعلوا ما تشاءون بِي الآن أنا على أرضي”.
وأخيراً صعدت الحافلة التي بدأت تسير بالوفد مرورا بمناطق الضفة الغربية وواقعها المؤلم والاستيطان الذي يقضم أراضيها يوما بعد الآخر، وتذكر المغربي أن الوفد كان يجب عليه المرور أولا برام الله لزيارة ضريح الشهيد ياسر عرفات، ثم إلى بيت لحم إلا أنهم لم يفعلوا ذلك وأستغرب أنهم ذهبوا بنا مباشرة إلى بيت لحم دون المرور بالمقاطعة ” حين وصلت إلى بيت لحم طلبت من الشبان الذين كانوا ينتظرونني ويتواصلون معي طيلة الرحلة كالأخ حسن فقيه أن يطلبوا لي سيارة أجرة ونذهب معا إلى ضريح الشهيد ياسر عرفات، وكان ذلك بالفعل وذهبنا، وهناك عاتبت الرئيس بصوت عال: لماذا تركتنا ورحلت يا أبو عمار ؟”، قبل أن يطبق عليها الصمت لتقوم بحوار خافت بينها وبين الرئيس مع اشتداد أسنانها على بعضها البعض.
وتعلق المناضلة رشيدة المغربي على واقع المؤتمر في حينه بالقول ” أن المؤتمر جاء بعد عشرين عاما وبالتالي اعتقد أن العدد 2000 عضو في المؤتمر أمر منطقي، فيما لو قسنا عدد الاجيال والكادر الذي حرم طيلة هذه السنوات من ممارسة حقه، مستدركة حديثها بأسف بأن هناك كثير من الكوادر اللذين حرموا من حقهم، ولكن هكذا كان القرار فنحن نريد مؤتمرا وليس مهرجانا”.
خطر ببالي تساؤلا كنت أود سحبه بعد قوله مباشرة لو كان يمكن سحب الكلمات، شعرت أنه تساؤل غبي، لأكتشف من خلال الإجابة انه غني، كان السؤال ماذا جلبت معك إلى فلسطين؟، وكانت الإجابة ” شنطة صغيرة فيها قليل من الملابس، وكفني ”
تساءلت بدهشة: “كفنك؟”!
فقامت من على كرسيها الذي تجلس عليه لتذهب إلى دفة الجرار في غرفة الضيوف مخرجة منه كيسا أبيضاً لتتقدم إلي وتقول لي: ” شم رائحته، ما أجملها شمها بعمق، هذا كفني وعطري وكل شيء “نعم ” لم يعد هنالك شيء اهتم لأجله، فأنا اليوم في فلسطين واجلس فيها وسأبقى فيها، وسأموت فيها وماذا يهم إن قتلت أو اعتقلت؟”.
أنهيت كلامي، لتقول لي أثناء مغادرتي لها:”أنا يا أخي أزور فلسطين كل يوم من رفح وحتى جنين.”
لأتفاجأ بكلامها خاصة أنها لا تملك الهوية الفلسطينية بعد، ولا تستطيع مغادرة رام الله، لأكتشف في حديقة البيت بخارطة فلسطين التي رسمتها منذ الصغر على كراسها في بيروت وقد حفرتها وزرعتها اليوم في فلسطين بالورد والعشب الأخضر، لتؤكد على بقائها في هذه البلد، مودعة بيديها لي أثناء اختفائي بالسيارة التي أقلتني بعيدا عن بيتها في المصيون في رام الله.
رشيدة المغربي الآن برتبة عميد وتعمل في الاستخبارات العسكرية في رام الله، بعد أن إنتقلت من التوجيه السياسي الذي عملت به منذ وصلها لأرض الوطن.

نوفمبر
30
في 30-11-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

المرأة العاملة في الطرف الآخر للإنتاج

المانحين بشروط يلعبون الشطرنج بالشباب الفلسطيني ويقتلون العمل التطوعي في المجتمع

تقرير فراس الصيفي

مع غروب شمس العمل التطوعي لدى المجتمع الفلسطيني، وانحصار المبادرات الشبابية في صندوق التمويل الأجنبي، وانشغال المجتمع الفلسطيني في مصالحاته الوطنية ورواتبه التي تفيض من نهر الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، تقدمت مجموعة من المؤسسات المجتمعية لقيادة زمام المبادرة والإنتاج في سبيل الاكتفاء الذاتي دون التقيد بشروط هذا وذاك.

فجمعية المرأة العاملة التي باتت أنموذجا للعمل التطوعي كما جاء على لسان منسقة الأنشطة الشبابية في الجمعية ميسرة صُبح،  خلال لقاء ذكرت فيه أهم الإنجازات التي توصلت لها الجمعية  في ابتعادها عن شاطئ التمويل المشروط الخاص بالمساعادات الشعبيية الأمريكية (USAID)وتوقفها على ميناء الاكتفاء الذاتي والتمويل غير المشروطواعتمادها على العمل التطوعي كإستراتيجية عمل لبناء المؤسسة من خلال كوادرها الإدارية في بعض الأحيان ومتطوعيها في الأغلب.

وتقول صُبح :” نحن نلمس تراجعا في العمل التطوعي، فلا يوجد هنالك توعية تجاه ذلك، لا أريد أن أعتبر العمل التطوعي والمبادرات الشبابية الفردية والجماعية في عداد الموتى، بل نستطيع القول أنها باتت تتلاشى  تدريجيا عند الحديث عن التمويل، وهذا ما نختلف به عن الجمعيات غير الحكومية الأخرى، فنحن لا نحصل على أي تمويل مشروط من المؤسسات المانحة بشروط مثل المساعدات الشعبية الأمريكية أو غيرها ممن يشترطون في تمويلهم على تنفيذ مشاريع محددة أو الالتزام بمواثيق عامة كالتوقيع على وثيقة الإرهاب على الرغم من العروض التي قاموا بتقديمها لنا في المؤسسة ولي أنا شخصياً ولكننا نؤكد الرفض التام لمثل هذا التطبيع، ولكن هذا لا ينطبق على المؤسسات المجتمعية كافة فمنها من يعمل مع وجود الشروط أو انعدامها .

وأضافت صبح عند سؤالها عن مدى أهمية هذه المؤسسات غير الحكومية في مجتمعنا الفلسطيني فأجابت:” هذه المؤسسات تنمي القدرات والوعي لدى المجتمع وترفع من مستواهم الثقافي والتربوي لإحداث التغيير في مجتمعاتهم المحلية والدولية، فعند قيامنا بحملة لتغير قانون ما أو استصدار أحكام بحق قضية معينة، فإن حملات الضغط والمناصرة تنظم من خلال أجندة هذه المؤسسات والتي تقوم بالترتيب والتحضير لها على كافة الأصعدة، ولكن التأثير الواقع على من يتلقى هذه التدريبات يختلف من شخص لآخر؛ فمنهم من يتقبل هذه الأفكار والتدريبات ضمن مفاهيمه المجتمعية فيستطيع أن يشارك في الأنشطة، وغيرهم من يتقبلها بشكل ضئيل فيبقى بعيدا عن أغلبها.

المساعدات الشعبية الأمريكية

وتؤكد صبح أنها مقاطعة وبشكل شخصي وبشكل مؤسساتي للمساعدات الشعبية الأمريكية:أنا رفضت عروض من (USAID) وحتى عروض التدريب في مؤسسات أخرى  غير واضحة التمويل، فهنالك تخوف مما يطرح من هذه المؤسسات من أفكار وأنشطة.

ونلاحظ أن هذه المؤسسات تستهدف الفئات الشبابية وتمرر لهم الأفكار والمفاهيم الخطيرة من خلال التدريبات وورش العمل ما يشكل لديهم تراكمات تستهدف عقولهم في المستقبل بشكل خطير.

وتعتبر صُبُح أن هذه التدريبات تعتمد على نوعية الشباب التي تشارك فيها، فهنالك من لديه المعرفة الكاملة في هذه المفاهيم المطروحة فيعلمون ما وراءها، وهنالك فئة شبابية جديدة المشاركة في العمل المجتمعي لا تعي ما الذي يحدث ، فهذا هو الأخطر بحد نظرها.

:” يتكلمون عن تقبل الآخر بعموميات، من هو الآخر؟ ماذا يقصدون بتقبل الآخر؟ يدربون شبابنا عن السلم الأهلي، نحن مع السلم الأهلي، ولكن إلى ماذا يريدون الوصول؟ وأين سيأخذوننا بهذه المفاهيم؟ لماذا لا يتكلمون عن المصالحة الوطنية؟ لماذا لا يتحدثون عن التسامح الديني في أواصر طلبة الجامعات أو التسامح السياسي؟”.

الاكتفاء الذاتي

سمر هواش رئيسة جمعية المرأة العاملة في محافظة نابلس تقول في مقابلة معها:” هنالك معضلة في أغلب الجمعيات والمؤسسات المحلية غير الحكومية، فهي لا تشغل أياديها العاملة للإنتاج وإنما تكون أدوات في أيدي المانحين لتنفيذ البرامج، فإذا قطعت المنح عنها لا تستطيع أن تقف على أرجلها، ولا تستطيع أن تغطي رواتب موظفيها، أو أجور مقراتها.

يجب أن يكون لدينا مشاريع مدرة للدخل، فإذا ما اعتمدنا في أنشطتنا وبرامجنا على الممول الخارجي فقد نفقد جزءا كبيرا من التوعية المجتمعي وحملات الضغط والمناصرة التي ننظمها تجاه قضية معينة.”

وفي سياق متصل تضيف هواش :”أنا لا أنكر أن المؤسسات المجتمعية تشكل الرديف الآخر للسلطة في بناء التشكيلة السياسية للبلد وتعزيز روح المواطنة عند الأفراد، وأن التمويل الخارجي حق لكل أبناء الشعب الفلسطيني عند توافقه مع المبادئ السياسية والوطنية، ولكن هناك من يقول : (إذا كان هناك مشروع سأعمل وإن لم يكن فأنا جالس حتى يأتي مشروع يغطي كافة التكاليف). وهنا سؤالي حول كيفية اعتمادنا على أنفسنا عند انقطاع هذا التمويل الخارجي والذي يمارس بحقنا كضغط علينا تجاه قضايانا الوطنية.”

وتؤكد هواش أن إحدى الأسس الرئيسية للمؤسسات المجتمعية ألا تقبل تمويلا مشروطاً سواء بمفاهيم سياسية مثل المساعدات الشعبية الأمريكية أو بمفاهيم مجتمعية، ونحن نتميز بمقاطعتنا لذلك منذ أواخر التسعينيات أي قبل ظهور وثيقة الإرهاب.”

كايد معاري ناشط اجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني ومتطوع في العديد الجمعيات الخيرية يقول:” يجب أن يكون للمؤسسات غير الحكومية دور ايجابي بالمجتمعات المحلية، يقوم على تنمية الإدراك والوعي والمعرفة بقضايا مجتمعية( كحقوق المرأة وحقوق الإنسان واكتساب مهارات إدراية واتصالية)، لكن في الحالة الفلسطينية يبدو أن هذه المؤسسات أصبحت تسعى لتلعب دورا اكبر من تنمية المجتمع أو الرقابة على الأداء السياسي

ليمتد إلى بناء مشاريع حسب وجهة نظرها دون أن تنسجم مع احتياجات وتطلعات المجتمع الأساسية.”

وفي سؤاله حول رأيه في اتجاه هذه المؤسسات للمشاريع أجاب معاري:”المؤسسات الدولية هي يد نظيفة للسياسات الخارجية للدول وبالتالي هي تنفذ وتطبق مشاريع و أفكار تصب في نفس الخطوط العامة الموضوعة من الدولة التي نشأت منها وهذا يفسر طبيعة المشاريع المنفذة سواء على صعيد بنية تحتية أو دورات تدريبية، وبالنسبة لي كشاب اشعر اليوم أن هذه المؤسسات حولت أفكار الشباب من أفكار مبادرة وطليعية إلى مجرد أفكار تحتاج لكتابة مشروع وتقديمه لأحد المؤسسات المانحة لتمويله، لتبقى هذه المؤسسات لاعب الشطرنج الأساسي في حجار الشباب الفلسطيني.”

أكتوبر
31
في 31-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

 

 

في الذكرى الدموية55

 

مسيرات في كفر قاسم ..ورسائل تهديدية للإحتلال في نابلس


 

تقرير: فراس الصيفي

خمسة وخمسون عاما ولا تزال مدينة كفر قاسم تتذكر في جوارحها المجزرة الدموية التي ارتكبها حرس الحدود الإسرائيلي في التاسع والعشرين من اكتوبر لعام 1956م. والتي ذهب ضحيتها 49 مدنيا بينهم نساء و23 طفلا تراوحت أعمارهم بين 8-17 سنة 

ففي الوقت الذي خرجت به المدينة مسيرة جماهيرية لإحياء الذكرى 55 لهذه المذبحة، خرجت مدينة نابلس بمظاهرة تضامنية لاحياء هذه الذكرى ضمت قيادات من حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح- اقليم نابلس ومجموعة من الإعلاميين وقادة الرأي في المدينة تضامنا مع أهالي كفر قاسم الذين ذهبوا ضحية هذه المجزرة الاسرائيلية الغاشمة

فبينما وجه متضامون رسائل ألم وأمل لشعبنا الفلسطيني وجه آخرون رسائل تهديدية للإحتلال الإسرائيلي على مجازرهم المتكررة منذ احتلالهم فلسطين 1948م

فقد أكد أحمد جاروشة منسق لجنة الشبيبة الثانوية في اقليم نابلس أن شعبنا الفلسطيني يمر بذكرى أليمة عاشها وما زال يتعرض لفتاتها يوما بعد يوم موجها رسالة إلى أبناء الشعب الفلسطيني بقوله

:” لن ننسى ،ولن نغفر ظلم الاحتلال الاسرائيلي الغاشم فهذا الاحتلال هو آخر احتلال بقي على وجه الأرض، ولن يدوم الظلم مهما كان قاسيا، وناشد جاروشة كافة المؤسسات الدولية وحقوق الانسان والعالم الحر بالوقوف جبنا إلى جنب في خطوة أيلول القادمة لإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة”. وأضاف:” إن الشعب الفلسطيني سيبقى في أرضه مدافعا عن حقوقه الوطنية والتاريخية من دنس الصهاينة والمقتضبين للأرض المقدسة”…


 

 

 

ومن جانبه ذكر المدون الفلسطيني منير الجاغوب في مقالة له كان قد نشرها على مدونته الفلسطينية في هذه الذكرى الاليمة

أن :” العدوان الثلاثي على مصر الذي شنته اسرائيل وبريطانيا وفرنسا دليل على أن الأمه العربية والإسلامية مستهدفة بشكل كبير، وليس الشعب الفلسطيني وحده، مطالبا في هذه الذكرى توحيد الجهود العربية كافة، وبناء المشروع العربي والوطني الموحد لمواجهة التداعيات الكبيرة القادمة في ظل العدوان الاسرائيلي على شعبنا الفلسطيني” .


 

 

 

وللشباب رأي واقعي ووطني في هذه الواقعة الاليمة فكايد معاري أحد طلبة كلية الإعلام في جامعة النجاح الوطنية وناشط اجتماعي في الفعاليات الوطنية والسياسية على مستوى محافظة نابلس أكد خلال مقابلة صحفية معه على أن ذكرى المذبحة أصبحت تمر على الذاكرة الفلسطينية في كل سنة بفعاليات روتينية تجعل منها شيئا طبيعيا،

“وكأن قتلنا والظلم الواقع علينا أصبح عادة لاتخطو احدا منا ، ولهذا أعتقد أنه يجب علينا استخلاص العبر من تجاربنا السابقة، فمن ارتكب كفر قاسم وغيرها من الجرائم مستعد للقيام بها مجددا كما حصل في قظاع غزة؛ لكننا حتى الآن لا ندرك أننا بحاجة لأن نصنع لانفسنا هيبة وكرامة تجعل منا اناسا يذبحون وليسوا أرقاما يعدون”.

 

وتعددت الرسائل كنصائح للشعب الفلسطيني وبصائص امل نحو الحرية، وتهدييات للعدوان الإسرائيلي فمكرم دراغمة رئيس مجلس الشبيبة في الضفة الغربية وجه رسالته للعدو الصهيوني من خلال قوله

:”أقول لإسرائيل أن القوي ذو الآلة الهمجية يستطيع فعل ما يريد لمدة زمنية محدودة، ود ينتصر على الحق مؤقتا، ولكن لا تستطيع أكبر قوة بالعالم أن تنتصر على المظلوم طوال الوقت، لذا سيأتي اليوم الذي سيخرج به شبل ابن أسد كان قد ضحى بدمه في هذه المجزرة الغاشمة ليزرع خنجرا في صدور الفكر الإحتلالي الصهويني الإسرائيلي، ويجتث من كل جذور الإحتلال ويعاقبه العقاب الوخيم”.

 

فقد

نفذت مذبحة كفر قاسم الواقعة الآن في فلسطين، والتي كانت حينئذ تقع على الخط الأخضر -الفعلي- بين إسرائيل والأردن. ففي 29 أكتوبر عام 1956 قام حرس الحدود الإسرائيلي بقتل 48 مدنياً عربياً بينهم نساء و23 طفلاً يتراوح عمرهم بين 8 – 17 سنةً. وقد أفادت مصادر أخرى بأن عدد الضحايا بلغ 49 وذلك لإضافة جنين إحدى النساء إلى عدد الضحايا.

في 29/10/1956 أعلنت قيادة الجيش الإسرائيلي المرابطة على الحدود الإسرائيلية الأردنية نظام حظر التجول في القرى العربية داخل إسرائيل والمتاخمة للحدود: كفر قاسم.الطيره.كفر برا، جلجولية، الطيبة، قلنسوة، بير السكة وإبثان. أوكلت مهمة حظر التجول على وحدة حرس الحدود بقيادة الرائد شموئيل ملينكي. على أن يتلقى هذا الأوامر مباشرة من قائد كتيبة الجيش المرابطة على الحدود يسخار شدمي. أعطيت الأوامر أن يكون منع التجول من الساعة الخامسة مساء حتى السادسة صباحاً. وطلب شدمي من ملينكي أن يكون تنفيذ منع التجول حازماً لا باعتقال المخالفين وإنما بإطلاق النار. وقال له ” من الأفضل أن يكون قتلى على تعقيدات الاعتقال… ولا أريد عواطف…”، ملينكي جمع قواته وأصدر الأوامرالواضحة بتنفيذ منع التجول دون اعتقالات و” من المرغوب فيه أن يسقط بضعة قتلى” . وزعت المجموعات على القرى العربية في المثلث. اتجهت مجموعة بقيادة الملازم جبريئل دهان إلى قرية كفر قاسم. وزع هذا مجموعنه إلى أربع زمر. رابطت إحداها عند المدخل الغربي للبلدة. في الساعة 16:30 من اليوم نفسه استدعى رقيب من حرس الحدود مختار كفر قاسم وديع أحمد صرصور وأبلغه بقرار منع التجول وطلب منه إبلاغ الأهالي. قال المختار إن 400 شخصاً يعملون خارج القرية ولم يعودا بعد ولن تكفي نصف ساعة لإبلاغهم. فوعد القيب أن يدع العائدين يمرون على مسؤوليته ومسؤولية الحكومة. في الخامسة مساء بدأت المذبحة طرف القرية الغربي حيث رابطت وحدة العريف شلوم عوفر فسقط 43 شهيداً، وفي الطرف الشمالي سقط 3 شهداء، وفي داخل القرية سقط شهيدان. أما في القرى الأخرى سقط صبي عمره 11 سنة شهيداً في الطيبة. كان من بين الشهداء في كفر قاسم 10 أطفال و 9 نساء. كان إطلاق النار داخل القرية كثيفا وأصاب تقريباً كل بيت. حاولت الحكومة إخفاء الموضوع ولكن الأنباء عن المجزرة بدأت تتسرب فأصدرت الحكومة الإسرائيلية بياناً يفيد بإقامة لجنة تحقيق. توصلت اللجنة إلى قرار بتحويل قائد وحدة حرس الحدود وعدد من مرؤوسيه إلى المحاكمة العسكرية. استطاع عضوا الكنيست توفيق طوبي ومئبر فلنر اختراق الحصار المفروض على المنطقة يوم 20/11/1956 ونقلا الأخبار إلى الصحافي أوري أفنيري. استمرت محاكمة منفذي المجزرة حوالي عامين. في 16/10/1958 صدرت بحقهم الأحكام التالية: حكم على الرائد شوئل ملينكي بالسجن مدة 17 عاماً وعلى جبريئل دهان وشلوم عوفر بالسجن 15 عاماً بتهمة الاشتراك بقتل 43 عربياً، بينما حكم على الجنود الآخرين السجن لمدة 8 سنوات بتهمة قتل 22 عربياً. لم تبق العقوبات على حالها. قررت محكمة الاستئنافات تخفيفها: ملينكي – 14 عاماً، دهان – 10 أعوام، عوفر – 9 أعوام. جاء بعد ذلك قائد الأركان وخفض الأحكام إلى 10 أعوام لملينكي، 8 لعوفر و 4 أعوام لسائر القتلة. ثم جاء دور رئيس الدولة الذي خفض الحكم إلى 5 أعوام لكل من ملينكي وعوفر ودهان. ثم قامت لجتة تسريح المسجونين وأمرت بتخفيض الثلث من مدة كل من المحكومين. وهكذا أطلق سراح آخرهم في مطلع عام 1960. أما العقيد يسخار شدمي ، صاحب الأمر الأول في المذبحة فقد قدم للمحاكمة في مطلع 1959 وكانت عقوبته التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش إسرائيلي واحد.
كان ذلك في اليوم الذي بدأت فيه حرب العدوان الثلاثي على مصر. بعدها تم تعيين أحد الجزارين كمسؤول عن شؤون السكان العرب في يافا بصفته صاحب خبرة في التعامل مع العرب.

.

أكتوبر
24

أظهرت دراسة نشرت نتائجها مؤخرا أنه لا توجد على الأرجح علاقة بين استخدام الهاتف المحمول والإصابة بسرطان المخ، وتأتي نتائج هذه الدراسة في سياق الجدل المستمر منذ نحو عشرين عاما بشأن مخاطر المحمول.

أجرت الدراسة مؤسسة في الدنمارك لبحوث السرطان وشملت العينة نحو 358 ألف شخص يستخدمون المحمول منذ 18 عاما على الأقل.

وقال معدو الدراسة إن النتائج أظهرت أن مخاطر الإصابة بسرطان المخ لدى هؤلاء لا تزيد عن أي شخص أخرى.

من بين أفراد العينة تبين إصابة 356 شخصا بأحد أنواع أورام المخ، بينما أظهرت الفحوص إصابة 846 بأورام سرطانية في الجهاز العصبي.

وأكد الباحثون أن هذه الأعداد تماثل تقريبا معدلات الإصابة لدى الذين لا يملكون الهاتف المحمول.

مع ذلك اوصى الباحثون مستخدمي المحمول بإجراء فحوص دورية للتأكد من عدم وجود خلايا مسرطنة على المدى الطويل. كما أكدوا ضرورة متابعة تأثيرات هذه الهواتف على صغار السن.

وكانت دراسات أخري قد توصلت إلى نتائج ممالثة في السنوات الأخيرة.

وانتشر الهاتف المحمول في أنحاء العالم بأسرع من المتوقع، و يقبل الكثيرون حاليا على اقتناء الأجيال الجديدة من الهواتف التي تجمع بين صفات جهاز الاتصال والكمبيوتر.

إلا أن دراسات أخرى واصلت التحذير من مخاطر المحمول ما حدا بمنظمة الصحة العالمية لإعلان أنه قد يسبب على الأرجح السرطان.

لكن الخبراء يقولون إن هذا التصنيف وفقا لمعايير المنظمة يضع الهاتف المحمول في درجة مماثلة للقهوة لأن التحذير يؤكد على ان هذه الصلة” لا يمكن استبعادها ولا يمكن أيضا تأكيدها”.

يشار إلى ان وزارة الصحة البريطانية تنصح من هم أقل من 16 عاما بعدم استخدام المحمول إلا في حالات الضرورة، وعلى ان تكون المكالمة قصيرة بقدر الإمكان.

أكتوبر
08
في 08-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

في الذكرى السنوية لاستشهاد البطل القائد ماجد أبو شرار

“تجمع أيها اللحم الفلسطيني في واحد تجمع واجمع الساعد. صباح الخير يا ماجد ، صباح الخير قم اقرأ سورة العائد ، وصبّ الفجر على عمر حرقناه لساعة نصر.. صباح الخير يا ماجد قم اشرب قهوتك و احمل جثتك إلى روما أخرى ” ابو الكوادر الثورية وقال البيان ان الشهيد ماجد ابو شرار كان أبو الكوادر الثورية و له هدف واضح ، ويرتبط برؤية منظمة واستيراتيجية تنظيمية متطورة ، لقد رسم خط سير الأهداف التي أراد بها أن تنهض وتتطور حركة فتح .. وعمل مع الكوادر في مدرسة صنع الإرادة الفتحاوية فجهز الفدائيين الثوار الذين خاضوا معارك بيروت وابدعو حتى شهد العالم كله أنه الفلسطيني لا يستسلم ولا يرتهن للقيود وذكر البيان ان الشهيد ابو شرار أبدع في زرع الأفكار النضالية وكسب محبة الجميع وحدد المؤيدين والمقاومين لفكره وهزم فكرة الانشقاق في بداياتها وأعاد ببراعته رسم الاستنهاض والثورية الحريكة في قالب رؤية مقنعة نشرت الثقة في كل من تعامل معه وفي كل عمل قام به .. وفي إحدى قصصه ” الخبز المر ” يقول : ( ذات صباح لم يحضر أبوخميس إلى العمل.. علمت أن المرض بدأ ينتصر، وذهبت إلى بيته… نوبات السعال بدأت تخمد وتهدأ، جذوة الحياة في عينية تخبو رويدا رويدا، ونظرة مسكينة محملة بألف معنى تواجهني كلما نظرت إلى عينيه، وسهيلة وأمها والبنات ينتحبن بصوت خافت، وأغمض عينيه ورفع كفه المعروقة، وانتفض، وسقطت كفه على صدره وأسدلت الغطاء على الوجه الهارب من الحياة ..) هذا خاتمة الخبز المر بتوقيع الشهيد ماجد أبوشرار .. لقد تعمق في الحياة الاجتماعية وألقى عليها ظلال أدبية تكشف أن الكاتب آنساني ومحترف في لمس أوجاع الناس .. وحقا كان محترفا في لمس أوجاع فلسطين ، فعشقها .. لكنه لم يكن مريضا بل كان فدائيا صامدا ، فبجانب الحس الإنساني الذي برع فيه لقد عُرف عنه كفاءته في التنظيم والقدرة الفائقة على العطاء والإخلاص والانضباطية الثورية .. لقد كان يناضل بالقلم والفكر والرصاص مـــولده ولد ماجد في قريته دورا قضاء الخليل عام 1936، وقد عاش طفولته بين القمم الشماء التي تشتهر بها منطقة الخليل بما تمثله من صلابة وشموخ ، وبين عناقيد العنب وغابات التين والزيتون ، ترعرع ماجد وأنهى مرحلة الابتدائية في مدرسة قريته ، وهو الأخ الأكبر لسبعة من الأبناء الذكور الذين رزق بهم والدهم الشيخ محمد عبد القادر أبو شرار ، ومعهم ثلاث عشرة أختا . والـــده كان والده يعمل فنيا للاسلكي في حكومة الانتداب البريطاني حتى إذا كانت حرب 1947/1948 التحق بجيش الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني ضابطا في جهاز الإشارة . وعندما حلت الهزيمة بالجيوش العربية صيف 1948 آثر مرافقة الجيش المصري الذي انسحب إلى قطاع غزة مع كل أفراد أسرته على أمل أن يعاود ذلك الجيش باعتباره العمود الفقري للجيش العربي الكرة من جديد في محاربة الكيان الصهيوني الذي بدا يفرض وجوده على الأراضي الفلسطينية المغتصبة . لكن الرجل بقي في غزة واستقال من الخدمة العسكرية عندما ران الجمود على جبهات القتال وألقت الهدنة الدائمة بظلالها الكئيبة على حدود فلسطين المغتصبة ، واستفاد أبو ماجد من دبلوم الحقوق الذي كان يحمله ، فعمل مسجلا للمحكمة المركزية بغزة ثم قاضيا ، ثم تقاعد وعمل محاميا أمام المحاكم الشرعية حتى وفاته عام 1996 بمدينة غزة . دراســـته وفي غزة درس ماجد المرحلة الثانوية، وفيها تبلورت معالم حياته الفكرية والسياسية ثم التحق عام 1954 بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية ومنها تخرج عام 1958م حيث التحق بأمه وإخوانه الذين كانوا قد عادوا -من أجل الحفاظ على أملاكهم- إلى قريتهم دورا قضاء الخليل /جنوب الضفة الغربية بينما بقي الوالد مع زوجته الثانية وأنجالها في قطاع غزة . تطور وعيـــه الوطني في الأردن عمل ماجد مدرسا في مدرسة “عي” قضاء الكرك ثم أصبح مديرا لها ثم سافر إلى الدمام ليعمل محررا في صحيفه يومية هي “الأيام” سنة 1959م. وكان ماجد في غاية السعادة حين وجد نفسه يمتلك الوسيلة العصرية للتعبير من خلالها عن أفكاره السياسية والوطنية ، و في أواخر عام 1962 التحق بحركة “فتح” حيث كان التنظيم يشق طريقه بين شباب فلسطين العاملين في تلك المنطقة التي عرفت رموزا نضالية متميزة في قيادة فتح أمثال المهندسين الشهيدين عبد الفتاح حمود وكمال عدوان والأخوة أحمد قريع وسليمان أبو كرش والشهيد صبحي أبو كرش ومحمد على الأعرج وغيرهم . تفرغه في الإعـــلام في صيف 1968 تفرغ ماجد أبوشرار للعمل في صفوف الحركة بعمان في جهاز الإعلام الذي كان يشرف عليه مفوض الإعلام آنذاك المهندس كمال عدوان ، وأصبح ماجد رئيسا لتحرير صحيفة “فتح” اليومية ، ثم مديرا لمركز الإعلام ، وبعد استشهاد كمال عدوان أصبح ماجد مسؤولا عن الإعلام المركزي ثم الإعلام الموحد ، وكما اختاره إخوانه أمينا لسر المجلس الثوري في المؤتمر الثالث للحركة . ماجـــد والتوجيه السياسي لقد كان ماجد من أبرز من استلموا موقع المفوض السياسي العام إذ شغل هذا الموقع في الفترة ما بين 1973-1978 ، وساهم في دعم تأسيس مدرسة الكوادر الثورية في قوات العاصفة عام 1969 عندما كان يشغل موقع مسؤول الإعلام المركزي ، كما ساهم في تطوير مدرسة الكوادر أثناء توليه لمهامه كمفوض سياسي عام . ماجـــد رجل المواقف مثل ماجد قيمة فكرية ونضالية وإنسانية وأدبية ، وعرف عنه كفاءة في التنظيم وقدرة فائقة على العطاء والإخلاص في الانتماء ، وقد اختير عام 1980 ليكون عضوا في اللجنة المركزية لحركة (فتح) ، وكانت لماجد مواقف حازمة في وجه الأفكار الانشقاقية التي كانت تجول بخلد بعض رموز اليسار في صفوف حركة “فتح ” فلا أحد منهم يستطيع المزاودة عليه فهو ذو باع طويلة في ميدان الفكر ، وكان سببا رئيسيا في فتح الكثير من الأبواب المغلقة في الدول الاشتراكية أمام الثورة والحركة . ومن هنا لم يستطع أصحاب الفكر الانشقاقي أن يقوم بارتكاب تلك الخطيئة الكبرى -المحاولة الانشقاقية عن فتح تمت في سنة 1983- إلا بعد رحيل صمام الأمان ماجد أبو شرار . ماجـــد المفكر والكاتب ماجد كفاءة إعلامية نادرة ، كما هو قاص وأديب، ولقد صدرت له مجموعة قصصية باسم “الخبز المر” كان قد نشرها تباعا في مطلع الستينيات في مجلة “الأفق” المقدسية ، ثم لم يعطه العمل الثوري فسحة من الوقت ليواصل الكتابة في هذا المجال . وكان ماجد ساخرا في كتاباته السياسية في زاويته “جدا” بصحيفة “فتح” حيث اشتهر بمقالاته : صحفي أمين جدا ..و..واحد غزاوي جدا و…شخصية وقحة جدا..و.. واحد منحرف جدا. استشـــهاده لم تستطع (إسرائيل) أن تحتمل أفكار ماجد والتي يجود بها قلمه كما لم تحتمل من قبل كتابات غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان . فدبر له عملاء الموساد شراكا قاتلة كان ذلك في صبيحة يوم 9/10/1981 حيث انفجرت تحت سريره قنبلة في أحد فنادق روما أثناء مشاركته في فعاليات مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني فصعدت روحه إلى بارئها ، ونقل جثمانه إلى بيروت ليدفن في مقابر الشهداء، وهكذا انتهت رحلة الجوال الذي انطلق من “دورا” إلى غزة إلى مصر الكنانة إلى السعودية إلى الأردن، إلى دمشق وبيروت ، ومنها عبر الآفاق إلى معظم عواصم العالم من هافانا في أقصى الغرب إلى بكين في أقصى الشرق.

أكتوبر
06
في 06-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   
دوقة الباتقدر قيمةثروتها بـ 3.5 مليار يورو

تزوجت دوقة البا، التي تعد اغنى امرأة في اسبانيا واحدى المع نسائها، للمرة الثالثة وهي بعمر 85 عاما من موظف مدني اصغر منها بـ 24 عاما.

وقد تزوجت الدوقة الارستقراطية من الفونسو دياز كارابانتيس في قصر بمدينة سيفييا الاسبانية.

وظهرت الدوقة في الحفل ببدلة زفاف ذات لون وردي فاتح موشاة بلون اخضر لتقوم برمي باقة الورود على حشد الحاضرين كما رقصت الفلامنكو.

وتغلبت الدوقة التي تحمل عددا من الالقاب النبيلة على مخاوف ابنائها وتشكيكهم بشأن قرار زواجها الجديد.

وطبقا لسجل كتاب غينس للارقام القياسية العالمية، فأن الاسم الكامل للدوقة هو ماريا ديل روساريو كايتانا الفونسو فيكتوريا ايوجينيا فرانسيسكا فيتز-جيمس ستيوارت اي دي سيلفا، اي ان لديها من الالقاب النبيلة ما لم يتم تسجله رسميا لاي نبيل اخر.

كما ان لديها ثروة ضخمة من الاملاك والقصور والكنوز التي تحتوي على تحف فنية تقدر قيمتها بنحو 3.5 مليار يورو (4.7 مليار دولار).

في حفل زواجها الاول عام 1947 ، شاهد الف شخص ممن حضروا الحفل العروس البالغة حينها 21 عاما ترتدي مجوهرات قدرت قيمتها بـ 1.5 مليون دولار، مع زوجها لويس مارتينيز دي ايرخو اي ارتاثكوث.

ووصفت نيويورك تايمز حفل زفافها بأنه “اكثر حدث اجتماعي في تفاصيل الاعداد له منذ نهاية الملكية في اسبانيا”.

اعتراضات الابناء

دوقة البارقصت دوقة البا في حفل زواجها الفلامنكو

وحضر عدد محدود جدا من الاصدقاء والاقارب دعوة في كنيسة داخل قصر للدوقة يعود الى القرن الخامس عشر يدعى “بلاسيو دي لاس دوينياس” في مدينة سيفييا.

وكانت الدوقة التي ترملت مرتين التقت بزوجها الجديد الموظف في مؤسسة للضمان الاجتماعي عبر زوجها الثاني القس السابق الذي توفي عام 2001.

وتقول وكالة اسوشييتد برس إن الزوجين التقيا لاول مرة قبل ثلاث سنوات خارج صالة سينما في مدريد، ثم بدآ لقاءاتهما مؤخرا.

وقبل حفل الزواج، تحدثت الدوقة بصراحة عن الصعوبات التي واجهتها في التغلب على اعتراضات ابنائها.

ونقلت عنها صحيفة الديلي تلغراف البريطانية قولها “لا يريدونني أن اتزوج، الا انهم يغيرون شركاء حياتهم عادة أكثر مما افعل”. في اشارة الى ابنائها.

واضافت: ان “الجانب الاقسى كان ان ابنائي لم يفهموا وباتوا غاضبين كليا مني”.

واكملت “صحيح انا خططت للزواج، وكان كلانا ممتلئا حماسة لهذه الفكرة. لكني تراجعت خطوة الى الوراء من اجل ابنائي، لقد رأيت ان كل شيء سيكون معقدا جدا”.

ومن اجل طمأنة مخاوف ابنائها واعتراضاتهم ضد زواجها الجديد قامت الدوقة بتقسيم ثروتها بين ابنائها الستة واحفادها، واشارت تقارير الى أن زوجها الجديد قد تخلى ايضا عن حقوقه في ثروتها.

على أن العديد من سكان مدينة سيفييا الاسبانية ابدوا تأييدهم لقرار الدوقة بالزواج للمرة الثالثة.

وقالت كونسيبثيون ارينكون احدى سكان المدينة لوكالة فرانس برس ان ” العمر ليس مهما، مادام هناك حب ، انه الشيء الاكثر اهمية”.

سبتمبر
28
في 28-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

أفادت دراسة أجريت في الولايات المتحدة ان شرب القهوة قد يؤدي الى تقليل احتمال إصابة النساء بالاكتئاب

ويعتقد العلماء القائمون على الدراسة أن الكافيين في القهوة قد يؤدي الى تغيير كيمياء الدماغ، حيث أن القهوة الخالية من الكافيين لم تؤد الى نتائج مشابهة ، حسب البحث.

وقد أجريت الدراسة على 50 ألف ممرضة، ويوصي العلماء بإجراء أبحاث إضافية لفهم الصلة بين القهوة والاكتئاب، ويقولون انه من السابق لأوانه أن يوصوا بزيادة استهلاك القهوة لتجنب الاكتئاب.

تأثير الكافيين

وتابع الفريق البحثي من كلية الطب في جامعة هارفارد الحالة الصحية للنساء على مدى عقد من الزمان/ من 1996 الى 2006، واعتمدوا على استمارات بحثية لنتسجيل عادات النساء في شرب الفهوة.

وأصيبت 2600 امرأة بالاكتئاب خلال تلك الفترة، معظمهمن لم يستهلكن القهوة أو استهلكن كمية قليلة منها.

واتضح أن النساء اللواتي شربن كوبين أو ثلاثة أكواب من القهوة يوميا تعرضن لخطر الإصابة بالاكتئاب بدرجة أقل بنسبة 15 في المئة، أما من شربن أربعة أكواب أو أكثر يوميا فقد انخفض احتمال إصابتهن بالاكتئاب 20 في المئة.

ولوحظ أن الذين يشربون القهوة بانتظام هم عرضة أكثر للتدخين واستهلاك الكحول، واحتمال زيارتهم للكنيسة أو انخراطهم في الأعمال التطوعية أقل أيضا، وهم أقل عرضة للسمنة والإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري.

ويقول الباحثون إن ما توصلوا إليه يؤكد ما توصلت إليه أبحاث سابقة من انخفاض نسبة الاقدام على الانتحار بين الذين يشربون القهوة، ويعتقدون ان الكافيين هو السبب، حيث يساهم في خلق شعور بالراحة والنشاط لدى الإنسان، ويؤثر فيزيائيا على عمل الدماغ، ولكن الباحثين يؤكدون أن هناك حاجة للمزيد من الأبحاث.

كما يشير الباحثون الى احتمال أن يكون الأشخاص ذوو المزاج السيئ أقل إقداما على شرب القهوة، ويلاحظون أن أحد أهم أعراض الاكتئاب هو قلة النوم، والمعروف أن الكافيين منشط للذهن ويؤدي الى ضعف الرغبة بالنوم، مما يجعلهم يتجنبونه.

يونيو
21
في 21-06-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

الأغنية الثورية كأداة إعلامية فلسطينية

تقرير

فراس علي الصيفي

دور الأغنية الشعبية في حركة التحرر الوطني

لم تكن الأغنية الشعبية الفلسطينية ذات الطابع الوطني التحرري المقاوم في العام 1948 وإنما قبل ذلك ، إذ ترتبط حركة المقاومة الفلسطينية بوجود دخلاء على هذه الأرض أو ظالمين ألحقوا بالشعب الفلسطيني ظلما كبيرا بما مارسوه بحقهم من تجاوز على الأطراف والقوانين السماوية والوضعية ، وقد عبرت الأغنية الشعبية عن ملامح بكل تفاصيلها ، بما فيها من ظلم ومقاومة . ” لم تتبدل الأغنية الشعبية جراء نكبة فلسطين وتشرد الشعب الفلسطيني خارج وطنه عام 1948م . فقد حافظت على شكلها ومضمونها وتنوعها، غير أنها بدأت تأخذ منحى وطنياً واضحاً، وانعكست حياة التشرد واللجوء بداية وفيما بعد حالة الثورة والتمرد على الأغاني الشعبية الفلسطينية، وقد تميزت المرحلة الأولى بعد النكبة بالحنين والشوق إلى الوطن والديار.” (حميد نهاد : الأغنية الشعبية في فلسطين).

ويمكن ربط الأغنية الشعبية الفلسطينية ودورها في حركة التحرر الوطني بالأبعاد التالية :-

1- البعد الوطني :

ونقصد به كل ما يرتبط بالوطن الفلسطيني من حقوق وأصول وقضايا وظلم ومقاومة، وقد تمثل دور الأغنية على هذا الصعيد في حفظه للحق الفلسطيني في الذاكرة الشعبية من الضياع، ونقل هذا الحق من جيل إلى جيل، مما يعني أن الوطن ليس ترابا وشجرا وحجارة وحسب، وإنما هو تراث وتاريخ وشعب وشعور جماعي أيضا. كما وثقت الأغنية الشعبية الجغرافيا الفلسطينية كما كانت في الأصل؛ فحفظت أسماء المدن والقرى والجبال والسهول والوديان والشعاب ووثقتها في الضمير الفلسطيني الذي ضل واضعا نصب عينيه العودة إلى تلك الأماكن مهما طال الزمن . ووثقت الأغنية الشعبية أيضا الأحداث التي عصفت بهذا الوطن من قتل وتهجير ومجازر جماعية واعتداءات ما زالت متواصلة على الوطن والمواطن ؛ وعلى الأرض والشعب , وفي الوقت نفسه وثقت جور المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وتياراتها وأحزابها على اختلاف رؤاهم الفكرية .

وفي هذا البحث نستعرض بعض الأمثلة التي تبرز دور المقاومة وفصائل العمل الوطني ، لأن الحديث عن كل التفاصيل الأنفة الذكر طويلة ، ويحتاج مساحة أوسع .

والملاحظ من خلال المرويات الشعبية أن أولى القصائد المعبرة عن روح وطنية واستعداد للدفاع عن الوطن جاءت على لسان أحمد باشا الجزار، والي عكا أيام الغزو النابليوني لفلسطين وكان الجزار قد وجه رسالة إلى شيخ من شيوخ نواحي جنين وهو الشيخ يوسف الجزار دعاه فيها إلى تجهيز الفلاحين العشائر لقتال الإفرنج والمعتدين ونسيان الخلافات والأحقاد القديمة، وهي رسالة أوردها المؤرخ النابلسي إحسان النمر (تاريخ جبل نابلس والبلقاء ص209) والواضح أنها تظهر صدق العواطف والمشاعر وروعة البناء الجمالي والقدرة على إثارة الهمم والعواطف الوطنية وبلغة شعبية سهلة :

على ما يقول المجاهد الذي فاض مايو

بدمع جرى منى على الوجنات

ولا يخلق الرحمن أفضل من النبي

النبي الهاشمي سيد السادات

يا غاديا مني على صيد حيه

تجد السري لا تأمن الزلات

مزلة لا تحفظ الزلات يا طال الثنا

مضى الذي مضى وزمانه فات

وإيش نخبرك عن علة ما يخفى عددها

نصارى ترى ملبوساتها إسكافيات

أجتنا الفرنساوي شبه الجراد والحصى

سلاطين سبعة مع سبع كرات

يهذي وأجوا معنا يبنوا كنائس

ويدعوا قناديل الإسلام مطفيات

بريد منك فزعة عامرية

يوم الوغى ما تهاب من شوفات

وفي أيام تضييق الخناق على العرب ومنهم الفلسطينيون من الأتراك خصوصا في السنوات الأخيرة ، ونتيجة للقهر الذي مارسته رجالات السلطة آنذاك فقد ظهرت رموز وطنية تصدت لظلم السلطة، ومنهم ثوار ارتبطت أسماؤهم في أذهان الناس جميعا، لأنهم قاوموا الظلم وحاربوه، ومن هؤلاء الثائر أبو جلدة، والثائر أبو دوله ، والثائر صالح العرنيط وغيرهم . وظل ربط ذكرهم بالمقاومة والثورة على الظلم ، في أيام الأتراك ، واستمرت مقاومتهم للانتداب البريطاني وذاع صيتهم وظل جهادهم رمزا لمقاومة الاحتلال الصهيوني ومما أثر في ذكرهم :

طــل أبـو جـلدة مــن بـاب الخـنـــدق                نادى ع الضابط تع وقف عندك

ارمــي البــارودة ولـك مـــن يـــــدك             واشلح البدلة وبوس البــيتونا

هـــاذ أبـــو جلدة وصــالح و”أبـو الدولة”           وذكـــر العصــابة وصـــل اسـطنبولي

أنــــــا بتـــأســــف على هذه الدولة           ثــلاثـــة عــرب يـــعـــجزونــا

طـلع أبــو جـلــدة مع الثــلاثة                           حاكى الكومندار في تلغراف

من هذه الدولة ما صـرنا نــــخاف                         من هذه الدولة وبني صهيونا

ولم تُخفِ الجماهير إيمانها بالثورة وبالنضال الشعبي المسلح، وترى في الكفاح العميق الذي تغلي فيه الثورة في النفوس كما الدم في عروق الجسم ارتباطا مهما بعملية التحرير :

فجاءت أغنية ظريف الطول

يا ظريف الطــول من تـل لتـل                              واسأل يا ظريف عن البطل تندل

والطريق معروف والرصاص الحل                            ويا ســراج الثــورة زيتك دمنا

كما لم ينحصر الأمر بالرجال دون النساء فقد عبرت النسوة الفلسطينيات عن مشاعرهن تجاه الذين يقاتلون المحتلين فقلن عن الفدائيين :

يمه أعطي الفدائي لو بلاش          دخل الأرض المحتلة وبيده رشاش

يمه أعطيني الفدائي لو بقرشين     دخل الأرض المحتلة يحرر جنين

يمه أعطيني الفدائي لو بمنديل      دخل الارض المحتلة وعلى الخليل

يمه أعطيني الفدائي لو بدله         دخل الأرض المحتلة يحرر حبله

لم تكن الأغاني الشعبية محصور في وقت محدد دون الآخر بل كانت تردد في أكثر من مرحلة وما زالت حتى الآن .

ولعل من أبرز ما قيل في ثورة البراق من الدلعونا قولهم منقول عن ( أبو هدبا عبد العزيز : الأغنية الشعبية الفلسطينية بيان وطني وسياسي صادق ص 85 )

صارت الثورة في القدس صارت     يا ديوك العرش في السما صاحت

شــباب العـــرب عـليها طـاحــت     بسـحب الخنـاجر على  الصـهيونا

وما يروى عن الشاعر نوح إبراهيم قوله في استشهاد عز الدين القسام من نفس الكتاب السابق ص 87 :

عز الدين يا خسارتك            رحـت فــدا لأمـتك

ميـن بينكر شهامتك              يـا شهيد فلسطــين

محـلا الموت والجهاد           ولا عيشة الاستبعــاد

جاوبوا رجال الأمجاد              نموت وتحيى فلسطين

وكان لبعض القيادات الفلسطينية دور مهم في النضال المسلح وقد ظهر ياسر عرفات زعيما فلسطينيا ورمزا للنضال الفلسطيني بعد سلسلة من النضالات وحالات الهجوم الرجعي والامبريالي والصهيوني، وصار زعيما قائدا وله تأييد قوي عند غالبية عرب فلسطين ومع أن الاحتلال صنع الفواصل والأسماء المختلفة في خريطة الوطن إلا أن الوطن غنى ووصف للكفاح الشعبي المسلح وغنى للقائد الفدائي أبو عمار وهذه الأغنيات الشعبية ترددت في كفر قاسم وعرعرة وقلقيلية ونابلس وكفر ثلث والمثلث والخليل وبيت فوريك وفي كل أنحاء الوطن :

يا أبو عمار حط جيوشك ع الوادي    اشبع الطير من لحم الأعادي

يا أبو عمار حط جيوشك ع الميه      اشبع الطير من لحم الصهيونية

يا أبو عمار حط جيوشك ع سينا       اشبع الطير من لحم اللي عادينا

ومن أغنيات الشعب لأبي عمار أيضا :

في الطبلة حطوا اللغم في الطبلة       يا أبو عمار لا تنسى أهل حبله

في الخاتم حطوا في الخاتم             يا أبو عمار لا تنسى كفر قاسم

في المنديل حطوا اللغم في المنديل   يا أبو عمار لاتنسى أهل جنين

وفي طبيعة الحال فإن هذا التأييد للقائد والزعيم إنعكاس لتأييد حركته السياسية حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح – والتي تميزت بجماهير كبيرة مثلت أغلبية قطاعات الشعب العربي الفلسطيني وكان منها قولهم

غلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة

بين الأغوار فدائية ع جبال النار فدائية

وحدنا الدم يا كرامة وحدنا الدم

والشمل إلتم يا كرامة الشمل التم

وحدنا الدم يا كرام وحدنا الدم

والشمل التم يا كرام والشمل التم

وكذلك كان الأمر في الفصائل الوطنية الفلسطينية الأخرى التي آمنت بالكفاح المسلح ومارسته، وردد أبناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مهرجاناتهم واحتفالاتهم بانطلاقة فصيلهم الوطني في المناسبات المختلفة وهم يعلنون فيها أن لا تحرير لبلادهم غير الفكر الشيوعي بالنار وهم بهذا يربطون ما بين النظرية الثورية ووصفها منهجا ودليل عملي إلى جانب النضال المسلح :

باسم الجبهة الشعبية  والخطة الماركسية

نحميها ثورتنا هالشعبية  تاج اليسار

غير فكر ونار ما يحرر أرضك  يا بلادي غير فكر ونار

وغنى مؤيدو الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطيني بقيادة نايف حواتمة وكانت عملية ( معلوت ) أكثر العمليات تعبيرا عن نضالها وكفاحها المسلح في السبعينيات ولهذا جعلها عنوان غناؤها وصوت مدويا وتعبيرا عن إيمانها بالكفاح المسلح :

في معلوت ارتفع الصوت    وانطلقت الكلاشينات

يا ثورتنا يا حبيبتنا           واحنا معاك للممات

وكذلك كانت في انطلاقة اليسار الـ21 والفكر الثوري الماركسي علا فلسطين ضم ربوع الكادحين من عمال وفلاحين حتى الطلبة الثوريين غنوا أغنية :


يا استعمار يا رجعية وعماله موتي اتطوعنا بالفدائية انا ورفاقي *** في الجبهة الديمقراطية ابدا ما فيها انتهازية *** فيها فكر علمي وثوري وفيها اشتراكية **** يا ابو النوف ويا ابو ليلى ويا عبد ربة هزو عرش الملك حسين واسقطوا فكره *** واقضووو على الرجعيين واسقطوا نهج اليمين *** وحتى تعود فلسطين في الجبهة اشتدوا *** تحيتنا لأبو النوق تحية ثورية رح نجييك بالألوف ديمقراطية ** فزنا بكل النقابات عمال ومع عاملات وخططنا بالجامعات حملة اشتراكية . (جيفارا : عضو في الجبهة الديقراطية لتحرير فلسطين)

وأما أبناء جبهة التحرير العربية فقد غنوا للعروبة وضرورة بناء جبهة عربية واحدة تستطيع مقاومة الاحتلال وتحرير فلسطين من الصهيونية ولهذا كانوا يبرزون دور المقاومة العربية الموحدة في أغانيهم مثل :

نزلت مجموعة من الرفاق       فلسطيني وسوري وليبي وعراقي

قطعوا الحواجز وقصوا الأسلاك    وعملوا عملية كريات شمونا

ويفخر الحزب الشيوعي الفلسطيني سابقا ( حزب الشعب حاليا) كونه حزيا ليبيا يعمل بقضايا التحرير الإجتماعي كقضايا تحرير المرأة وهو في هذا يرتكز إلى جوانب أخرى غير الكفاح المسلح الذي تفخر به فتح والديمقراطية والجبهة الشعبية وجبهة التحرير العربية مثلا :

واحنا اتحاد الشباب     بناضل ضد الإرهاب

والشاب بجنب الصبية   والشاب بجنب الصبية

واحنا أحفادك يالينين  بناضل ضد الرجعين

والشاب بجنب الصبية والشاب بجنب الصبية

علمنا جيفارا وقال أمريكا راس الحية

وتطورت الأغنية الشعبية لتصف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين من اعتقال وقتل وجرح وتدمير حيث تقول الحاجة صفية نوفل في اعتقال ابنها بشار:

جانا الهوا جانا والجيش ع الدار أجانا

لا تزعلي يا يما ولا تقولي زعلانا

تذكري يوم اجو الجيش الساعة 12 نبهوني

ما خلوني أودعكم والدمعة جوا عيوني

دق الجندي على الدار وسألني وينو بشار

قلتلو نايم نعسان خلي بشار بحالو

وتضيف الحاجة صفية في بعض الأغاني التي كانت تسمعها وترددها مرات عديدة في الأفراح والتي لها صلة واضحة بالوضع القائم في فلسطين من احتلال وأثره على الفلسطينيين :

لطلع ع الطيارة فوق وحلحل براغيها

والشباب أشكال ألوان يا محمد يا محليها

ولطلع ع الطيارة فوق واحلحل عجالها

والشباب أشكال ألوان يا محمد خيالها

وبهذا نستخلص بأن الشعب الفلسطيني والأحزاب الفلسطينية كانت متأثرة بالفنون الشعبية القديمة بكافة أشكال مقاومتها وهذا ما تجسد سابقا في الأبيات الشعرية التي اطلعنا عليها .

ويمكننا القول أن جمهور هذه الأغاني ازداد فيما بعد بشكل ملحوظ وأصبح يطلب الأغنية الشعبية بشكل ملحوظ ولا تزال هذه الأغاني تردد حتى اليوم في الأفراح والمناسبات الوطنية وغيرها، حيث مزجت الأعمال الوطنية الفرحة والأعراس .

الأغنية الثورية عقب النكسة :-

عاشت الأغنية الثورية ذروة انتشارها وشعبيتها عقب النكسة التي لحقت بالجيوش العربية ولعبت ادوار مهمة تتمثل بتوثيق ما دار من احداث في تلك الفترة ، وايقاظ الروح الوطنية والانتصار في نفوس الشعوب عقب الهزيمة وتوجيه الرأي العام العربي والاسلامي لدعم الثورة الفلسطينية التي اختارت الكفاح المسلح طريقا لانهاء الأحتلال عام 1965.

فكانت تشير الاغاني الثورية الى دور الفدائي الفلسطيني في الدفاع عن كرامة وشرف الأمة العربية والاسلامية وضرورة الاصرار على الكفاح المسلح حتى دحر الاحتلال.

هذه الروح الوطنية والثورية التي سعت الفصائل الفلسطينية على اختلافها لنشرها لم تكن الهدف الوحيد بل لعب الاغنية الثورية دورا محوريا في نقد الانظمة العربية التي اعاقت دعم فصائل الثورة واتضح ذلك بشكل جلي في الاغنية الثورية التي صدرت عام 1970-1971 بعد احداث ايلول في الأردن والتي ادت الى إخراج الثورة الفلسطينية وقواتها من الاردن الى لبنان ، كما ظهر ذلك عقب حرب لبنان عام 1982 وما تبعها من حصار لطرابلس ودعم الحركات الانشقاقية داخل فصائل الثورة .

كما كان للأغنية الثورية في عكس حالة التنافس بين الفصائل الفلسطينية في ابراز نفسها وبطولاتها وتوثيق العمليات النضالية التي تقوم بها وتمجيد شهدائها واسراها وتضحياتها .

المراجع :

- تاريخ الأغاني الشعبية ص46

- حميد نهاد : الأغنية الشعبية في فلسطين

- تاريخ جبل نابلس والبلقاء ص209

- أبو هدبا عبد العزيز : الأغنية الشعبية الفلسطينية بيان وطني وسياسي صادق ص 85

- جيفارا : عضو في الجبهة الديقراطية لتحرير فلسطين

- الحاجة صفية نوفل : مؤلفة ومغنية للأغاني الشعبية.

- حسن فقيه ، بيت مرين ، مطلع على الاغنية الثورية ومحاضر في التوجيه السياسي

يونيو
01
في 01-06-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

قرية تل.. بين الحلم والحقيقة 2.5 مليون دولار

تحقيق

فراس الصيفي

تقع قرية تل على بعد 6 كم، على طول الطريق الممتد إلى الجنوب الغربي من مدينة نابلس، وتتربع القرية على تله يبلغ ارتفاعها 750 م عن مستوى سطح البحر، ما يعطيها أهمية إستراتيجية وجمالية، وتتميز تل عن غيرها من القرى بثروتها الحيوانية، والزراعية، إذ تحتضن القرية أكثر من 10 آلاف رأس من الماشية، وما يقارب ثلاثة آلاف رأس من الأبقار، كما ويعد تينها وزيتونها الأشهر في منطقة نابلس خاصة، وفلسطين عامة، وما يلفت انتباه الباحث في القرية أن هذه الثورة الزراعية بدأت تتراجع ويجف نتاجها السنوي من فترة لأخرى، وقد أرجع بعض الذين تم مقابلتهم في هذا التحقيق السبب إلى كثرة السماد الذي يوضع على هذه الأشجار، ليس بقصد من المزارع شخصه، بل من كثرة الحفر الامتصاصية التي تقرب في سكناها هذه الثروة الزراعية، ولقرب الثروة الحيوانية منها، وعدم توافر آلية منهجية للصرف الصحي لمخلفات الناس، أو مواشيهم، ما يحرق هذه الأشجار لكثرة سمادها من هذه المخلفات العادمة، وما تسببه إضافة لذلك حفر في شوارع القرية نتيجة لتكرار تسرب المياه العادمة من حفرها الامتصاصية، وسيرها المتواصل على هذه الشوارع، وروائح كريهة تنبعث منها في معظم الطرقات والبيوت المجاورة لها، ومناظر بشعة  تقشعر لها الأبدان، وحشرات في كل مكان، ونفور من المرور بهذه الطرق، والكلام ليس كالوجود في تلك المنطقة والتعرض لكافة عناصرها المليئة بالأوساخ والروائح الكريهة.

فأثناء سيري في أحد شوارع القرية، لفت انتباهي منظر ترك وراءه كل المسميات والآثار السابقة، فقام هذا التحقيق بمتابعة الموضوع للوصول إلى سبب المشكلة والحلول الجارية لها، من خلال إجراء العديد من المقابلات ممن يتعرضون للمشكلة ومن يقومون على إيجاد حلول المثلى لها.

يقول عبد الكريم الشيخ صاحب محل دواجن في القرية:”أنا أقوم بتصريف المياه في حفرة امتصاصية قريبة من مكان عملي، ما يساعدني على تجنب المشاكل مع الجيران، ويقلل من سكبي للماء في الشارع الرئيسي للقرية، وبالتالي تجنب تشويه هذا الشارع من جانب آخر”.

ويضيف الشيخ :”إن وجود شبكة صرف صحي في قريتنا (تل) يساعدنا على التخلي عن الحفر الامتصاصية، والتي تسبب لنا عند امتلائها مشاكل كثيرة ينتج عنها روائح كريهة، إضافة لسهولة التخلص من المياه التي نستخدمها في تنظيف الدجاج في المحل، علما أن أغلب الناس يقومون بسكب مياههم ( الشطف، والجلي، والغسيل …الخ) في الشارع بعد صلاة العشاء، ينتج عنها رائحة كريهة تبقى تحوم في المكان طوال اليوم التالي، ما يشوه الجو في المكان، ويضفي عليه اشمئزازا للمارة.”

سعيد ريحان صاحب مطعم للحمص والفلافل في قرية تل يقول في هذا الصدد:”إن أكبر مشاكلنا في هذا العمل هي تصريف المياه، والتي تنتج عن إعدادنا ونقعنا للحمص والفول، إضافة للمياه التي نغسل بها الصحون والأدوات، والتي تكلفنا يوميا 12-14 برميل من المياه غير الصالحة للاستخدام، والتي نحتاج لتصرفيها، هذا بعد محاولتنا قدر الإمكان الحد من الإسراف في الماء، علما أنه لا يتوافر لدينا حفرة امتصاصية نتخلص فيها من كل هذه الكمية من المياه، وذلك لعدم وجود أرض لنا قرب مطعمنا نقيم بها مثل هذه الحفر الامتصاصية، ما يجعلنا نسكب أغلب المياه في الشارع بعد منتصف الليل، الأمر الذي أدى إلى تشقق الشارع وتشوهه.”

ويشير ريحان إلى أن المعاناة التي يواجهونها اليوم هي الأصعب على الإطلاق، ولابد من إيجاد حل لها من قبل المجلس القروي، بحيث نتجنب تشويه الطرق وتحفرها نتيجة للماء المسكوب عليها بوله” إن شبكة الصرف الصحي هي من أهم البنود التي يجب العمل عليها من المجلس القروي لتجنب كل المخاطر السابقة، وهذا يسهل علينا من الجانب الجسدي والنفسي القدرة على التخلص من هذه المياه العادمة، ما يشكل ملحوظة في أرجاء المكان الذي نعمل فيه”.

جهاد رمضان سائق تكسي على خط تل-نابلس، يعيش بجانب مسار تصريف مياه الشتاء ومياه البيوت التي تسكب في الشوارع يوميا يقول:” أنا أعيش على مفرق طرق على مدخل قرية تل، والحفر الامتصاصية للبيوت المجاورة لنا بدأت تسرب مياهها بشكل كبير، ما يجعل مياه هذه الحفر تصل إلى أمام بيتي بشكل مستمر، ولا نستطيع النوم من الرائحة الكريهة، ومن الناموس (البعوض) الذي يحوم كل ليلة في بيتنا ويسبب الأذى لنا ولأبنائنا، ويقلق منامنا في منتصف الليل، ناهيك عن حرق النباتات في حديقتنا نتيجة لكمية السماد التي تتعرض لها هذه النباتات يوميا”.

ويضيف:”لم نعد نتحمل الوضع أكثر من ذلك، ونحن نخوض اليوم مشاكل عديدة مع جيراننا نتيجة هذه المشكلة المستعصية، ما يسبب في أغلب الأحيان عدوانية بيننا تصل إلى حد الصراخ على بعضنا البعض”.

هروب للراحة

غسان عصيدة موظف  حكومي من قرية تل يضيف يائسا حول هذه المشكلة:” أنا أسكن اليوم في بيت في الحارة الشرقية للقرية،جيراننا لا تفك حفرتهم الامتصاصية عن التسريب يومياً، أحرم من فتح النوافذ، ولا أشم رائحة جميلة في أرجاء بيتي، ابني عمره سنتين، ولا يكاد هو وزوجتي يناموا ليلا حتى يهجم البعوض عليهم، أنا أفكر بالانتقال من مكان سكني، أريد أن أبني بيتا بعيدا عن هذه المزبلة، أريد حياة هانئة لعائلتي تضمن لهم المعيشة الكريمة والبعيدة عن كل الأمراض والروائح الكريهة، ولا أريد أن يعكر صفوها حفرة امتصاصية لا يستطيع مجلس قريتي حل مشكلتها”.

وما يلاحظ اليوم أن هناك العديد ممن يشاركون غسان وغيره الرأي والقرار في الانتقال من مكان سكنهم، والعيش في أماكن أخرى بعيدة عن هذه المشاكل ونتائجها، وهناك من يريد بيع بيته وبناء بيت آخر، ومنهم من يريد الرحيل من القرية وعدم العودة لها، وآخرون يشكون همهم لبعضهم البعض، عسى أن يكون لهم مخرجا، فإن الموت مع الناس رحمة كما يقولون. وكما كانوا يقولون قديما:” من رأى مصيبة غيره، هانت عليه مصيبته”.

حلول المجلس القروي

ومع توجه التحقيق للمسئولين المتابعين لهذا الموضوع في مجلس قروي تل، وسؤالهم حول هذه المشكلة وتأخرها لفترة طالت بأهالي القرية، وحالت دون تنفسهم الصحي ونومهم المريح.

فقد أكد محمود صالح رئيس لجنة المشاريع في مجلس قروي تل:” لم نستطع تأمين شبكة صرف صحي لرفض الممولين لذلك، بحجة عدم وجود شبكة مياه في القرية، نحن توجهنا لأكثر من جهة في هذا الموضوع، وكان كل طرف يقابلنا برد لنفس الإجابة، بأنه لا وجود لأي شبكة صرف صحي في قرية تل إذا لم يتم تجهيز شبكة المياه أولا. فبدأنا بتنفيذ مشروع المياه  والذي يكلف مليون و 200 ألف دولار أمريكي كبادرة حسن نية للحصول على  شبكة الصرف الصحي فيما بعد، ولكن تأخر شبكة المياه، وتمادي الممولين، وإضراب المقاولين، وتقسيم المشروع إلى داخلي وخارجي وتنفيذ الخارجي منذ سنة مضت والبدء بالداخلي مع بداية العام الحالي 2011، من خلال مجموعة من المراسلات، أثر سلبا على تأخر أي مشروع متعلق بعطاء المياه في القرية مثل مشروع الصرف الصحي “.

وفي سؤاله عن ما إذا كان هناك أي خطط لمشروع الصرف الصحي مسبقاً فيقول صالح:” أولا: لا يوجد منح لقرية تل في هذا الموضوع قبل الانتهاء من عطاء الماء، وقد تصل تكلفة هذا المشروع بناءً على دراسة كانت قد أعدت بشكل عام لهذا المشروع إلى حوالي 7 ملايين دولار أمريكي لثلاث قرى مشتركة وهي تل وصرة وعراق بورين، فنحن بحاجة لاتفاق مشترك مع هذه القرى لتخفيف الحمل على قرية تل وتوزيع المصاريف على القرى الثلاث، ولكننا لم نقم بأي مخطط تفصيلي للصرف الصحي، ولم نتقدم لشركة بكدار للتنمية المحلية بأيِّ مقترح   يضمن توفير هذه الشبكة”.

عماد يامين نائب رئيس مجلس قروي تل يضيف في ذلك :” إن مشروع الصرف الصحي لقرية تل يحتاج لوحده 2-2.5 مليون دولار أمريكي لتحويله إلى واقع ملموس، ونحن لم نجد الممول الذي يستطيع أن يدعم القرية بمشروع مثيل، ولكن مع قدوم شبكة المياه والبدء بتنفيذ عطاء المياه، وبعد انتهاء المقاولين من الإضراب الذي أخرنا بشكل كبير، نحن بحاجة إلى 8 شهور تقريبا للانتهاء من مشروع المياه، فسنقوم بالبدء بمشاريع أخرى وأهمها مشروع الصرف الصحي. أما في ما يتعلق بالخطة لهذا المشروع فلم نعد أية خطة مسبقة، وما نؤكده بأننا سنقوم الشهر القادم بالتحضير لإعداد الدراسة الأولية لشبكة الصرف الصحي في حال البدء بمشروع المياه”.

أما عمر زرزور رئيس مجلس قروي تل يؤكد على بوضوح على أنهم توجهوا لأكثر من مرة للحصول على شبكة الصرف الصحي من خلال قوله:” توجهنا في هذا الموضوع لأكثر من جهة من ضمنها مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين للحصول على شبكة صرف صحي، إضافة للمساعدات الشعبية الأمريكية (يو اس ايد)، وقمنا بإعداد أكثر من ورشة عمل، فيما يتعلق بأهم المشاكل التي يجب معالجتها في القرية، وقد خرجنا بتوصيات حول شبكة الصرف الصحي كأهم المشاكل في القرية”.

ويشير زرزور إلى” أن المجلس القروي اليوم على استعداد كامل لإعداد خطة عمل تفصيلية للصرف الصحي من قبل مهندسين مختصين، خاصة بعد إرساء مشروع المياه للقرية والذي كان أكبر عقبة أمام إيجاد هذه الشبكة، والتي تضمن سلامة ونظافة القرية وإعادة الحياة لهان وتنقيتها من كل الأمراض الناتجة عن التصريف الخاطئ لمياه السكان العادمة”.

اقتراحات

أبو محمود أحد العاملين في قرية تل، يؤكد على ضرورة وجود شبكة صرف صحي تحمي حياة المواطنين وتسهل أعمالهم اليومية من خلال قوله:” يجب أن تكون هناك شبكة صرف صحي (مجاري) تساعد أبناء القرية في التخلص من مخلفاتهم اليومية وتسهل أعمالهم وتحمي لياليهم من الحشرات والبعوض، لأن أغلب الحشرات التي تدخل بيوتنا اليوم هي نتاج تسرب في الحفر الامتصاصية، والتي لا تعود على أصحابها سوى بخفي حنين، وتناثر سوائلها في كافة شوارع القرية مسببة روائح ومناظر بشعة.”

ويضيف أبو محمود”المجلس يتحجج اليوم بشبكة مياه لإحضار شبكة صرف صحي، ولكن مع قدوم مشروع عطاء المياه للقرية فليس هناك حجة أخرى ليتم التبرير من خلالها لأهم مشروع للقرية ألا وهو الصرف الصحي، فلماذا لا يتم إحضار هذا المشروع مع عطاء شبكة المياه، لتوفير الوقت والجهد في الحفر والتعبيد (تزفيت الطرق)؟

أرى وإن كان هناك حاجة ملحة لعدم توفر شبكة صرف صحي حتى إنجاز شبكة المياه، فلماذا لا يقوم المجلس بإعداد محطة تكرار للمياه العادمة واستخدامها لري المزروعات، ما يسهل تصريف هذه المياه بشكل سليم وتجنب كل المخاطر التي قد تؤثر من خلال وجودها في الشوارع والبيوت وتسربها من الحفر الامتصاصية .”

ومع تواصل المعاناة ومتابعة المسئولين، وزيادة الألم في أوقات النوم وتناقص الإنتاج الزراعي للقرية، وانتشار الأمراض نتيجة التصريف السيئ للمياه العادمة ومخلفات المحلات والحيوانات، فما زال هناك عدة أسئلة تطرح نفسها على المسئولين، إلى متى ستبقى قرية تل تعاني من هذه الكارثة؟ ومتى سيأتي اليوم الذي يلتقي به البحران ولا يفصلهما أي برزخ كان؟ بعدم وجود هوائيين في سماء واحدة؟ وهل سيعيش هؤلاء الناس بلا بعوض وحشرات؟ ومتى سيرى الناس الحلول على أرض الواقع؟ وهل ستتحقق أحلام السكان بمشروع يبلغ تكلفته 2.5 مليون دولار أمريكي ؟ أم ستكون هناك مشاكل أخرى ؟وتبقى هذه المشكلة تروي قصتها لكل جيل وتأخذهم معها للواقع الحالي ؟ .

أبريل
11
في 11-04-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة saifi55
   

في الذكرى السنوية العاشرة لاعتقاله

ياسر أبو بكر تحفه القضبان ويشتاق إليه الخلان

تقرير

فراس الصيفي

من خلف القضبان المظلمة، ومن بين ثنايا الجدران المعتمة، يرتفع الصوت ليقول:”نموت واقفين ولن نركع.” فلم يطوه العذاب، ولم تثنه المعاناة وآلام السجون عن التمسك بالحلم والحرية،  فما زال الأسير ياسر محمود أبو بكر المؤسس والقائد في كتائب شهداء الأقصى  وأبرز قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح- وعضو منظمة الشبيبة الفتحاوية في الضفة الغربية وفي سجون الاحتلال الإسرائيلي يحمل أحلام وطنه وشعبه التي عاشت معه في رحلة الاغتراب والشوق والحنين إلى بيته الحبيب، بعد اكتوائه بنار الغربة في سجون الاحتلال منذ عشر سنوات مضت.

“فمع تصاعد وتيرة انتفاضة الأقصى، وفشل كافة الحملات والإجراءات الإسرائيلية في إخمادها والقضاء عليها رغم الاغتيالات والاعتقالات والحصار، أعلنت إسرائيل في مطلع نيسان 2002 عن حملة السور الواقي والتي شنت خلالها عدوانا واسعا النطاق أعادت خلاله احتلال الأراضي الفلسطينية المحررة بعدما جوبهت بمقاومة عنيفة من المقاومة، وفي الأيام الأولى من اجتياح نابلس حاصرت قوات الاحتلال منزلي وانتزعتني من بين  ذراعي زوجتي وطفلي عاهد الذي كان يبلغ من العمر 5 شهور وتم نقلي لمعسكر حواره شرق نابلس ومن ثم إلى مستوطنة (قدوميم) ليتم التحقيق العسكري، وهناك تعرضت على مدار شهر ونصف لشتى ظروف الضغط النفسي والجسدي، وحرمت من زيارات الصليب والمحامين وجرى تمديد فترة حكمي لمرات عديدة حتى حوكمت في شهر 12 –2004.” بهذه الكلمات استهل الأسير ياسر أبو بكر كلمته من خلال لقاءه مع مراسل شبكة( بي ان ان) الإعلامية من سجن عسقلان الإسرائيلي العسكري.

السيدة نغم الخياط (أم عاهد) زوجة الأٍسير ياسر أبو بكر تقول في ذكرى اعتقال زوجها :” زوجي  يتعرض منذ اعتقاله حتى الآن لإجراءات عقابية من قبل مصلحة السجون الإسرائيلية تمثلت بعمليات نقل مستمرة بين السجون الإسرائيلية، حيث تنقل الأسير أبو بكر منذ اعتقاله في عام 2002 في كل من سجون عسقلان، وبئر السبع، والرملة، وشطة، وجلبوع، ورامون، وقسم أيشيل في بئر السبع ولم يرى أو يداعب ابننا الوحيد عاهد سوى مرة واحدة وهو يبلغ من العمر الآن 9 سنوات ويشتاق لحضن أبيه مثله مثل باقي الأطفال في العالم، أدعو الله تعالى أن يفك أسره وجميع الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.”

الدكتور نافذ أبو بكر عميد كلية الاقتصاد في جامعة النجاح يؤكد على ذلك من خلال قوله:”ياسر أبو بكر كانت علاقتي به من أفضل ما يمكن لعلاقة طالب بمدرسه، حيث كان يدرس البكالوريوس في إدارة الأعمال في كلية الاقتصاد في الجامعة، وكان من الطلبة المتفوقين والمهتمين بالعمل النقابي السياسي بالدرجة الأولى والأكاديمي المهني ثانيا، فكان في أحلك الظروف يخاف على حقوق الطلاب ومصلحتهم ويقاتل طوال الوقت ليحمي المصلحة العامة بعيدا عن المصلحة الشخصية مع أن الظروف التي كانت في تلك الفترة كانت مغرية لشخص في مثل منصبه، ياسر من أنشط ما مر علي شخصيا من الطلاب في جامعة النجاح.” ويضيف الدكتور فيما يتعلق بصفاته الشخصية :” الحديث عن بعض الصفات الشخصية لهذا الطالب بالدرجة الأولى هو طالب مؤدب ودمث ولا يُكّنُ أي عداء لشخص ما، أو زميل، أو أستاذ؛ كان هذا الطالب يسعى دائما  أن يعمل ضمن فريق وللمصلحة العامة ومشاركة أصدقائه وزملائه بالأنشطة والقرارات.  كان جريئا بحيث لا يوجد لديه كوابح في جرأته تجاه الحق، ورحيما أمام معاناة بعض الطلبة وخاصة في القضايا المادية.”

ويرسل العميد أبو بكر رسالة لتلميذه ياسر أبو بكر ليقول له ولأسرى الحرية أجمعين :” لا تيأسوا، التاريخ يقول أن الفجر آت، لا تحبطوا بالرغم من كل الظروف المحيطة السيئة؛ أنا لا أقول ذلك من أجل التشجيع وإنما التاريخ يُعلمنا بذلك أي أن أسرى الدفاع عن الحق لا بد لهم من لقاء مع الحرية عاجلا أم آجلا إن شاء الله.”

بشار الصيفي رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في محافظة نابلس والصديق المقرب من الأسير ياسر أبو بكر يقول في هذه الذكرى :” الأخ ياسر أبو بكر عملنا سويا في حركة الشبيبة الطلابية في جامعة النجاح مع بداية التسعينيات، حيث كان مثالا للأخ المناضل وصاحب الأخلاق العالية والوطنية وكان منتميا لشعبه ووطنه وجامعته وفي هذا الاتجاه عمل معنا في إطار مجلس الشبيبة، حيث كان منسقا للجنة الثقافية في الجامعة والذي كان له دور مهم في اتخاذ القرارات، وكنا نلجأ إليه في المواقف باعتباره صاحب الخبرة الطويلة في هذا العمل منذ تواجده في الساحة العراقية.  أصبح منسقا لحركة الشبيبة في الجامعة بعد أن أنهينا دراستنا، وعضو للهيئة الإدارية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية والتي جعلت علاقتنا متواصلة طوال الوقت،  وعمل في المكتب الحركي الطلابي في نابلس و أدار ونسق للكثير من الأنشطة والمهرجانات التي كان يعمل بها الأخ ياسر على ساحة المحافظة من حيث الأداء وجودة الانجاز.

خلاقا في العمل ومعطاءً  ومنتميا إلى أن تم اعتقاله في انتفاضة الأقصى المبارك حيث كان من القادة الميدانين لكتائب شهداء الأقصى.”

ويضيف الصيفي:” اعتقال الأخ ياسر خسارة كبيرة لكل الشباب من جانب العمل الميداني على مستوى محفظة نابلس، ولكن نحن على قناعة تامة بأن هذه الضريبة كان لابد من دفعها، فالوطن ثمن التضحية في سبيله غالٍ، فهو سار بركب عشرات الألوف من المناضلين الذين سبقوه من أبناء الشعب الفلسطيني الذين أفنوا زهرة شبابهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي من أجل حرية وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والتحرر والخلاص من الاحتلال الصهيوني.”

“أوجه له رسالة بأن يبقى كما عودنا دائما مثالا للصبر والعطاء والتضحية وأنا على ثقة تامة بأنه يمتاز بهذه الصفات وهي من صفات القائد المغوار؛ أتمنى أن يكون العام القادم هو عام التحرر لجميع الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال وفي مقدمتهم الأخ ياسر أبو بكر وأن يعود لأحضان بيته ووطنه وولده حتى يواصل مشوار العطاء والبناء في سبيل إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.”

ياسر أبو بكر من خلف القضبان يدعو في هذه الذكرى وفي ذكرى يوم الأسير الفلسطيني المطلة على شعبنا الأعزل من خلف إلى تفعيل قضية الأسرى لتكون حية بشكل دائم مع تركيز اكبر في يوم الأسير الفلسطيني ولإنجاح الفعاليات، ويضيف أبو بكر” يجب الحرص على توحيد جهود كافة القوى والمؤسسات والفعاليات والعمل المشترك عبر سلسلة متواصلة من الأنشطة المؤثرة التي تكسر الحصار الإسرائيلي والسيطرة الإسرائيلية على الإعلام والعالم، فيجب أن نطلق رسالة واضحة لمخاطبة العالم بحقيقة ما يتعرض له جميع الأسرى الفلسطينيون والعرب في السجون الإسرائيلية من انتهاكات صارخة من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي ترفض الاعتراف بنا كأسرى حرب ومقاتلين في سبيل الحرية والعدالة والسلام، والأهم من ذلك كله كسر الصورة الإسرائيلية المركبة التي تضلل العالم وتقدم 11 ألف فلسطيني يقبعون في سجونها كأنهم مجرمين وإرهابيين لنقول للعالم أنهم مناضلين من أجل الحرية وبناء السلام العادل والشامل الذي لا يمكن أن يتحقق دون إغلاق السجون وتحرير الأسرى وإنهاء الاحتلال السبب الأول والأخير في حرف بوصلة السلام عن مسارها الحقيقي، وإذا نجحنا في ذلك يكون يوم الأسير حقق أهدافه وقدمنا شيئا لنضال وتضحيات الحركة الأسيرة.” ويؤكد أبو بكر على أنه ” يجب أن يعرف العالم أن إسرائيل التي تتغنى بالسلام والديمقراطية تعتقل المئات من الأسرى ممن امضوا فترات كبيرة خلف السجون محرومين من أبسط حقوقهم، إضافة لمئات المسنين والأطفال القاصرين والنساء وهناك ممن يعتقلن مع أطفالهن.”

وفي كلمة أخير موجهة لكافة أبناء الشعب الفلسطيني يقول الأسير ياسر أبو بكر:”

نوجه تحيه إجلال وإكبار لجماهير شعبنا الصامد الصابر ونطالبهم بتحرك مكثف لفرض خيار الوحدة الوطنية  على كافة الأطراف ونشد على أياديهم في توحيد لحمة الوطن من خلال نزع الثوب الحزبي وارتداء الثوب الفلسطيني على كافة أبناء الشعب الواحد، ونتطلع إليهم جميعا للوقوف بقوة لجانب قضية الأسرى وليس فقط في يوم الأسير والتركيز خاصة على ذوي الأحكام العالية والمؤبدات فلا زالت إسرائيل تعتقل أكثر من 70 أسيرا ممن امضوا أكثر من 20 عاما في جحيم السجون وجميعهم يعتبر الإفراج عنهم من وجهة نظر إسرائيل من المحرمات فقد جرى شطب أسمائهم من كل صفقات التبادل والإفراج لذلك نناشد الجميع وخاصة اسري الجنود (شاليط) و الأسرى لدى(حزب الله) بوضعهم على رأس سلم الأولويات وعدم توقيع أي اتفاق دون ضمان حريتهم وعودتهم لأسرهم وشعبهم أولا وأخيرا، كما نطالب المؤسسات الإنسانية والدولية بإلزام إسرائيل بوقف سياسة الموت البطيء للأسرى من خلال العزل المستمر لأكثر من 100 أسير في زنازين انفرادية وسط أقسى الظروف المعيشية التي لن تزيدنا إلا قوة وإيمانا بمواصلة مسيرتنا على هدى القيم والتعاليم السامية التي زرعها في قلوبنا وعقولنا الرئيس الشهيد الخالد أبو عمار حتى الحرية والنصر.”


من الجدير ذكره أن الأسير ياسر أبو بكر ومن الجدير بالذكر أنّ الأسير أبو بكر محكوم ثلاثة مؤبدات وأربعين عاما بتهمة المشاركة في انتفاضة الأقصى، وهو متزوج وأب لطفل اسمه عاهد، ولد أثناء اعتقاله كانت فلسطين همه منذ الطفولة، وبوصلته نحو الحياة، حيث أدرك منذ طفولته أن الحياة لا تعني شيئا بدون فلسطين المحررة فانخرط في صفوف حركة فتح وهو صغير وبعد حرب الخليج الثانية انتقل ياسر إلى العراق وعمل في إطار إقليم فتح حتى عام 1994 بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال، لكن طموحه الأكاديمي لم يتوقف عند هذا الحد فحصل على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية، إلا أن الدراسة الأكاديمية لم تشغله عن العمل الوطني فأصبح عضوا في إقليم حركة فتح بنابلس 1997 ـ 1999، ومن ثم رئيسا لحركة الشبيبة الطلابية بجامعة النجاح لدورتين 97 ـ 99، ثم عمل منسقا للمكتب الحركي الطلابي بالإضافة إلى عضويته في المجلس الإداري للاتحاد العام لطلبة فلسطين ثم محاضرا في هيئة التوجيه السياسي، وعندما اندلعت انتفاضة الأقصى لم يتردد عن تلبية النداء وخلال عملية اجتياح نابلس والسور الواقي اعتقل وصدر حكم بسجنه ثلاثة مؤبدات عام 2004 بالإضافة إلى أربعين عاما بتهمة العضوية في قيادة كتائب شهداء الأقصى ولم تتوقف معاناته عند حدود السجن المؤبد بل حرمت والدته من زيارته منذ اعتقاله وحتى الآن ولم تتح للأب الأسير فرصة التمتع بمداعبة نجله عاهد 9 سنوات إلا مرة واحدة ـحيث يداعب الصغير والده من خلال صورة جداريه تقف شامخة في صدر البيت وياسر أبو بكر لم يكن الوحيد الذي اكتوى بنار المعاناة وقهر الاحتلال فوالده هو الشهيد محمود علي أبو بكر الذي استشهد عام 1998 وذلك في مسقط رأسه رمانه قضاء جنين وشقيقه عمار استشهد أثناء اجتياح مدينة جنين في 4 ـ 3 ـ 2002 ليشكل عمار وياسر قصة إصرار وتحدي من اجل الحرية .